إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

اقرأ مالا تعرفة عن اليهود(الموسوعة اليهودية)

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #61
    الجن والشياطين
    Demons


    توجد في العهد القديم إشارات عديدة إلى كائنات خرافية قد تكون خيرة أو شريرة حسب الوظيفة التي تقوم بها. ومن هذه الكائنات الشياطين، وأهمها عزازيل وليل (ليليت).

    ليل (ليليت)
    Lilith


    «ليل أو (ليليت)» شيطانة في التراث الديني اليهودي الشعبي. ويبدو أن كلمة «ليل» صيغة مُعَبْرَنة للشيطانة البابلية ليليتو، ومن خلال ربط اسمها بالكلمة العبرية «ليلاه»، أي «ليل»، فُسِّرت ليل بأنها شيطانة الليل والظلام التي تأتي بالأحلام الجنسية للرجال وتسبب القذف أثناء النوم، وتقتل الأطفال المولودين وأمهاتهم، وخصوصاً في الأيام السبعة الأولى بعد الميلاد، وتظهر صورتها في آثار سومر على هيئة أنثى عارية مجنحة تقف على ظهر أسد، ولها مخالب طائر. وحسبما جاء في التلمود، كانت ليل عشيقة آدم في الفترة التي افترق فيها عن حواء بعد طردهما من الجنة وولَدت له عدة شيـاطين. وفي روايـة أخـرى، كانت ليـل هـذه زوجتـه الأولـى قبل حـواء، خُلقَت مثله من طين لا من ضلعه، ولكنهما تشاجرا لأنها لم توافق على أن يطأها الرجل في عملية الجماع، وذلك لأنها ترى أن في هذا إذلالاً لها وهيمنة للرجل عليها، فنطقت باسم يهوه وهربت وأقسمت أن تنتقم منه. ولذا، فهي تقتل أولاد حواء. ولكن يمكن أن يُوقَف مفعول لعنتها عن طريق استخدام الحجاب المناسب.

    والواقع أن شخصية ليل (أو ليليت) مثال جيد للسمة الجيولوجية في النسق الديني اليهودي، فهي قد ذُكرَت في العهد القديم بشكل عابر (أشعياء 34/14) باعتبارها إحدى الأرواح أو أحد الوحوش المفترسة التي ستدمر الأرض في آخر الأيام. ثم نُسجَت حولها الأساطير بحيث أصبح داخـل اليهـودية قصتان متناقضتان للخلق يتعايشان جنباً إلى جنب. وقد أصبحت ليليت إحدى بطلات حركة التمركز حول الأنثى في أمريكا والعالم الغربي وعلماً على الأنثى المتمردة.

    عزازئيل
    Azazel


    «عزازئيل» اسم عبري معناه «الرب يقوي»، و«قوة الرب»، وكذلك «القوة المناوئــة للــرب» كما يُقال إن الاسم يعود إلى اسم الإله السـوري الكنعـاني «عــزيز». وعزازئيل روح شريرة أو شيطـان ورد اسمه في العهد القديم (لاويين 16/8 ـ 10 ـ 26). وهو أحـد قواد الملائكـة الذين سقـطوا من السـماء. ويعيش عزازئيل حسب الرؤية اليهودية القديمة في البرية بالقرب من أورشليم. وكان كبير الكهنة يُقدِّم في يوم الغفران كبشين: أحدهما قرباناً ليهوه، والآخر قرباناً لعزازئيل. وكان الكبش الثاني لا يُذبَح، وإنما يُطلَق سراحه في البرية، حاملاً ذنوب جماعة يسرائيل، ولكنه مع هذا كان يُذبَح فيها أو يُدفَع به من عل حتى لا يعود حاملاً هذه الذنوب.

    ومن الواضح أن عزازئيل هذا هو استمرار لطقوس وثنية وأفكار غنوصية، فهو رمز الشر، بل هو خالق كل الشرور في العالم، وهو نقيض يهوه خالق الخير. ويبدو أن هذا الطقس يفترض أن يهوه وعزازئيل عنصران متكاملان يشبهان في هذا علاقة إله الخير بإله الشر في عبادات الفرس الثنوية. وقد توارى وجوده بعض الشيء أثناء الفترة التلمودية، ولكنه عاد إلى الظهور مرة أخرى مع انتشار القبَّالاه.

    وقد صار عزازئيل في القبَّالاه قوة مستقلة تصارع ضد الإله، ولذلك يقرأ القبَّاليون أدعية لإرضاء الإله وأخرى لإرضاء الشيطان. بل ويؤمن القبَّاليون بأن بعض القرابين في الهيكل كانت تُقدَّم إلى الشيطان، وهم ليسوا مجانبين الصواب تماماً في ذلك. ويُقال إن كل القرابين في الأيام السبعة الأولى من عيد المظال كانت تُقدَّم إلى عزازئيل باعتباره حاكم الأغيار، حتى يظل مشغولاً عن اليهود، وحتى يمكن تقديم القرابين إلى الإله في اليوم الثامن.
    اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
    http://www.rasoulallah.net/

    http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

    http://almhalhal.maktoobblog.com/



    تعليق


    • #62
      الماشـــيَّح والمشــــيحانية
      Messiah and Messianism

      «ماشيَّح» كلمة عبرية تعني «المسيح المخلِّص»، ومنها «مشيحيوت» أي «المشيحانية» وهي الاعتقاد بمجيء الماشيَّح، والكلمة مشتقة من الكلمة العبرية «مشح» أي «مسح» بالزيت المقدَّس. وكان اليهود، على عادة الشعوب القديمة، يمسحون رأس الملك والكاهن بالزيت قبل تنصيبهما، علامة على المكانة الخاصة الجديدة وعلامة على أن الروح الإلهية أصبحت تحل وتسري فيهما. وكما يحدث دائماً مع الدوال في الإطار اليهودي الحلولي، نجد أن المجال الدلالي لكلمة «ماشيَّح» يتسع تدريجياً إلى أن يضم عدداً كبيراً من المدلولات تتعايش كلها جنباً إلى جنب داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي. فكلمة «الماشيَّح» تشير إلى كل ملوك اليهود وأنبيائهم، بل كانت تشير أيضاً إلى قورش ملك الفرس، أو إلى أي فرد يقوم بتنفيذ مهمة خاصة يوكلها الإله إليه. كما أن هناك في المزامير إشارات متعددة إلى الشعب اليهودي على أنه شعب من المشحاء.

      وهناك أيضاً المعنى المحدد الذي اكتسبته الكلمة في نهاية الأمر إذ أصبحت تشير إلى شخص مُرسَل من الإله يتمتع بقداسة خاصة، إنسان سماوي وكائن معجز خلقه الإله قبل الدهور يبقى في السماء حتى تحين ساعة إرساله. وهو يُسمَّى «ابن الإنسان» لأنه سيظهر في صورة الإنسان وإن كانت طبيعته تجمع بين الإله والإنسان، فهو تَجسُّد الإله في التاريخ، وهو نقطة الحلول الإلهي المكثف الكامل في إنسان فرد. وهو ملك من نسل داود، سيأتي بعد ظهور النبي إليا ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون ويحطم أعداء جماعة يسرائيل، ويتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية ويعيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام، ومن هنا كانت تسمية «الأحلام الألفية» و«العقيدة الاسترجاعية».

      ولأن إله اليهود لا يَحلّ في التاريخ فحسب، وإنما يحل في الطبيعة أيضاً، فإننا نجد أن العصر الذهبي (أو العصر المشيحاني) يشمل التاريخ والطبيعة معاً. فعلى مستوى التاريخ، نجد أن السلام ـ حسب إحدى الروايات ـ سيعم العالم، وأن الفقر سيزول، وستُحول الشعوب أدوات خرابها إلى أدوات بناء، ويصبح الناس كلهم أحباء متمسكين بالفضيلة، ولكن صهيون ستكون بطبيعة الحال مركز هذه العدالة الشاملة، كما ستقوم كل الأمم على خدمة الماشيَّح. وفي رواية أخرى؛ ستسود صهيون الجميع وستحطم أعداءها. أما على مستوى الطبيعة، فإننا نجد أن الأرض ستُخصب وتطرح فطيراً، وملابس من الصوف، وقمحاً حجم الحبة منه كحجم الثور الكبير، ويصير الخمر موفوراً.

      والفكر المشيحاني فكر حلولي متطرف يعبِّر عن فشل الإنسان في تَقبُّل الحدود، وعن ضيقه بالفكر التوحيدي الخاص بفكرة الإله المتجاوز للطبيعة والمادة والتاريخ، وعن ضيقه بفكرة حدود الإرادة الإنسانية والعقل البشري، وبالتاريخ باعتباره المجال الذي تركه الإله للإنسان ليمارس حريته (فكأنه ضيق طفولي بالوضع الإنساني). يضيق الإنسان بكل هذا ويتخيل تساقط الحدود ليحل الإله في التاريخ والطبيعة والإنسان وينهي كل المشاكل دفعة واحدة إما بتَدخُّله الفجائي والمباشر في التاريخ أو بإرساله المخلِّص (كريستوس) في المنظومة الغنوصية لينجز المهمة (وتظهر هذه الفجائية في أسفار الرؤى على عكس كتب الأنبياء الذين يرون التاريخ مجالاً للفعـل الإنسـاني الحر والرقي التدريجي).

      وقد أضعفت عقيدة الماشيَّح انتماء أعضاء الجماعات (وخصوصاً في الغرب) لمجتمعاتهم، وزادت انفصالهم عن الأغيار، ذلك أن انتظار الماشيَّح يلغي الإحساس بالانتماء الاجتماعي والتاريخي، ويلغي فكرة السعادة الفردية. أما الرغبة في العودة، فتلغي إحساس اليهودي بالمكان وبالانتماء الجغرافي. ويبدو أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية واشتغالهم بالتجارة الدولية في الغرب، كعنصر تجاري غريب لا ينتمي إلى المجتمع، هو الذي عمَّق أحاسيسهم المشيحانية، فالتاجر لا وطن له، ولا تحد وجدانه أو تصوراته أية قيود أو حدود، على عكس الفلاح الذي لا يجيد التعامل إلا مع قطعة معينة من الأرض. ومما له دلالته أن الحركات المشيحانية ارتبطت دائماً بالتصوف الحلولي وتراث القبَّالاه الذي ينطلق من رؤية كونية تلغي الفوارق والحدود التاريخية بين الأشياء.

      وأصل عقيدة الماشيَّح المخلِّص فارسية بابلية، فالديانة الفارسية ديانة حلولية ثنوية تدور حول صراع الخير والشر (إله النور وإله الظلام) صراعاً طويلاً ينتهي بانتصار الخير والنور. وقد بدأت هذه العقيدة تظهر أثناء التهجير البابلي، ولكنها تدعمت حينما رفض الفرس إعادة الأسرة الحاكمة اليهودية إلى يهودا. وقد ضربت هذه العقيدة جذوراً راسخة في الوجدان اليهودي، حتى أنه حينما اعتلى الحشمونيون العرش، كان ذلك مشروطاً بتعهدهم بالتنازل عنه فور وصول الماشيَّح.

      وقد أخذت عقيدة الماشيَّح في البداية صورة دنيوية تعبِّر عن درجة خافتة للغاية من الحلول الإلهي ولكنها أصبحت بعد ذلك تعبيراً عن حلول إلهي كامل في المادة والتاريخ. وحسب هذه الصورة، فإن الماشيَّح محارب عظيم (أو هو الرجل الممتطي صهوة جواده) الذي سيعيد مُلْك اليهود ويهزم أعداءهم (أشعياء 9/9 ـ 7). وتزايدت درجة الحلول، ومن ثم ازدادت القداسة، فيظهر الماشيَّح بن داود على أنه ابن الإنسان أو ابن الإله (دانيال 7/13). ولما لم تتحقق الآمال المشيحانية، ظهرت صورة أخرى مكملة للأولى، وهي صورة الماشيَّح ابن يوسف الذي سيعاني كثيراً، وسيخر صريعاً في المعركة، وستحل الظلمة والعذاب في الأرض (وهذه هي الفكرة التي أثرت في فكرة المسيح عند المسيحيين). ولكن، سيصل بعد ذلك الماشيَّح العجائبي الخارق من نسل داود، والذي سيأتي بالخلاص. ويفسر الحاخامات تأخُّر وصول الماشيَّح بأنه ناتج عن الذنوب التي يرتكبها الشعب اليهودي، ولذا فإن عودته مرهونة بتوبتهم.

      وصورة المسيح في الفكر الديني المسيحي متأثرة بكل هذه التراكمات؛ فهو أيضاً مُرسَل من الإله، وهو ابن الإنسان وابن الإله، وهو يتعذب كثيراً بل يُصلَب ثم يقوم وسيُحرز أتباعه النصر. ولعل الفارق الأساسي بين الرؤية المشيحانية في اليهودية والرؤية المشيحانية في المسيحية هو أن المسيحية جعلت الحلول الإلهي في شخص بعينه (عيسى ابن مريم) وهو حلول مؤقت ونهائي وغير قابل للتكرار، على عكس الفكرة المشيحانية في اليهودية. كما أن الخلاص في الفكر المسيحي غير مرتبط بمصير أمة بعينها وإنما هو ذو أبعاد عالمية، فباب الهداية مفتوح للجميع.

      والنزعة المشيحانية يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة، فهي باعتبارها تعبيراً عن الحلولية اليهودية (أي حلول الإله في مخلوقاته وتوحُّده معهم) تكتسـب بُعـداً مادياً قـومياً شـوفينياً متطرفاً (إذ كانت حلولية ثنائية صلبة)، حيث إن وصـول الماشيَّح يعـني عودة الشعب المختار إلى صهيون، أو وصوله إلى أورشليم التي سيحكم منها الماشيَّح، قائد الشعب اليهودي، بل قائد شعوب الأرض قاطبة، فهنا هو خلاص لليهود وحدهم وسينتقم اليهود من أعدائهم شر انتقام، ويشغلون مكانتهم التي يستحقونها كشعب مقدَّس. ولكن ثمة صورة أخرى عالمية وغير قومية للعصر المشيحاني (تعبير عن الحلولية الكونية الشاملة السائلة)، فهو حسب هذه الرؤية عصر يسود فيه السلام والوئام بين الأمم. وإذا كان الشعب اليهودي ذا مكانة خاصة، فإن هذا لا يستبعد الشعوب الأخرى من عملية الخلاص. وإذا كانت الرؤية الأولى تؤكد الفوارق الصلبة الصارمة بين اليهود والأغيار، فالرؤية الثانية تُـلْغي الفوارق تماماً بحيث تنتـج عن ذلك حالـة سـيولة كونية محيطية (تشبه حالة الطفل في الرحم قبل الولادة)، ينتج عنها إسقاط الحدود تماماً وذوبان اليهود في بقية الشعوب.


      ويمكن أن تأخذ المشيحانية طابعاً ترخيصياً مارانياً (نسبة إلى يهود المارانو المتخفين) كما هي الحالة مع الشبتانية (نسبة إلى شبتاي تسفي)، وكذلك الدونمه والفرانكية، فالماشيَّح وأتباعه كانوا يخرقون الشريعة ويسقطونها ويتمتعون بالحرية الناجمة عن ذلك ويمارسون الإحساس بما تبقَّى من هوية يهودية في الخفاء، ومن خلال أشكال أبعد ما تكون عن اليهودية. ولعل هذا يعود إلى أن اللحظة المشيحانية هي لحظة حلول الإله تماماً في الإنسان (الماشيَّح)، فهي لحظة وحدة وجود ومن ثم لحظة شحوب كامل أو حتى موت للإله إذ يتحول إلى مادة بشرية. وإذا حـدث ذلك، فإن شـرائعه التي أرسـل بها باعتباره الإله تموت وتسقط. وقد ارتبطت المشيحانية بالتعبير الفجائي وبمظاهر العنف الذي قد يأخذ شكل البعث العسكري أحياناً، كما هو الحال مع كلٍّ من أبى عيسى الأصفهاني، وداود الرائي، وديفيد رءوبيني، ويعقوب فرانك (والصهيونية في نهاية الأمر).

      وثمة محاولة داخل اليهودية الحاخامية لتهدئة التطلعات المشيحانية المتفجرة، فركزت على الجانب الإلهي لعودة الماشيَّح، وعلى الماشيَّح من حيث هو أداة الإله في الخلاص. وبناءً على ذلك، أصبح من الواجب على اليهود انتظار عودة الماشيَّح في صبر وأناة. ويصبح من الكفر أن يحاول فرد أو جماعة التعجيل بالنهاية (دحيكات هاكتس). وقد نجحت المؤسسة الحاخامية في ذلك إلى حد كبير، إلى أن انتشر يهود المارانو في أوربا، وبعض أجزاء الدولة العثمانية (وخصوصاً البلقان). وقد كانت النزعة المشيحانية بينهم عميقة متجذرة، وانتشرت القبَّالاه اللوريانية بين أعضاء الجماعات بما تتضمنه من رؤى مشيحانية، وأصبح اليهودي مركز الكون. وأصبحت صلاته، وقيامه بأداء الأوامر والنواهي (متسـفوت) بمنزلة مسـاهمة نشيطة فعالة من جانبه للتعجيل بمجيء الماشيَّح. وقد خلق هذا تربة خصبة لشبتاي تسفي والشبتانية. ومن المعروف أن المؤسسة الحاخامية بذلت قصارى جهدها عبر تاريخها للوقوف ضد كل هذه النزعات، ولكن أزمة اليهود واليهودية كانت قد وصلت إلى منتهاها.

      وقد ظهر بين أعضاء الجماعة اليهودية عدد من المشحاء الدجالين، نذكر من بينهم كلاًّ من: بركوخبا، وأبى عيسى الأصفهاني، ويودغان، وداود الرائي. أما في العـصر الحديـث في الغرب، فيمـكن أن نذكـر منهم: ديفيد رءوبيني وشبتاي تسفي وجوزيف فرانك.

      ويُلاحَظ أن النزعة المشيحانية في العصر الحديث، رغم جذورها السفاردية، قد انتشرت في شرق أوربا وفي الأجزاء الأوربية من الدولة العثمانية. وبعد البدايات السفاردية، أصبحت المشيحانية مقصورة على الأقليات الإشكنازية. فالفرانكية، والحسيدية، وأخيراً الصهيونية، هي حركات إشكنازية بالدرجة الأولي. ولعل هذا يعود إلى وجود الإشكناز في تربة مسيحية، فالمسيحية تُركِّز الحلول الإلهي في شخص واحد هو المسيح عيسى بن مريم، وهو ما تقوم به أيضاً الحركات المشيحانية إذ أنها تنقل الحلول الإلهي من الشعب اليهودي إلى شخص الماشيَّح الذي سيأتي بالخلاص.

      ومع ذلك، فيمكن القول بأن الرؤى المشيحانية إمكانية كامنة في جميع الحضارات ولا تفجرها سوى حركة التاريخ نفسه، وأن الانفجارات المشيحانية اليهودية المتكررة في العصر الحديث تعبير عن أزمة اليهود واليهودية. فالمجتمع الأوربي كان يتحرك بسرعة منذ عصر النهضة، حين بدأت البورجوازية بقيمها الدينامية في الظهور، في حين أن أعضاء الجماعات اليهودية في الجيتو كانوا غير قادرين على مواكبة التطور لأن المجتمع لم يساعدهم على ذلك، ولأن تقاليدهم الدينية الفكرية المعقدة جعلت التكيف أمراً عسيراً إن لم يكن مستحيلاً. وكلما كانت هامشية أعضاء الجماعات تتزايد، كان الاضطهاد الواقع عليهم يتزايد، وبازدياد الاضطهاد كانت التوقعات تزداد أيضاً وكذلك الانفجارات المشيحانية. ففي أوقات الضيق والبؤس، كانت الجماهير اليهودية التي تتحرك داخل إطار حلولي ساذج وبسيط تتذكر دائماً الرسول الذي سيبعثه إله الطبيعة والتاريخ، والذي سيأتي بكل المعجزات اللازمة لإصلاح أحوالهم. كما أن الماشيَّح الملك يشبع رغبة أعضاء الجماعات في تَملُّك زمام السلطة السياسية التي حُرموا منها. ويمكن القول بأن المشيحانية هي الثورة الشعبية اليهودية، ولذا كانت تجتذب الفقرّاء والعناصر التي تم استبعادها من النخبة. ولكنها، مع هذا، كانت ثورة حمقاء عاجزة عن إدراك الأسباب الحقيقية للأزمة، وبالتالي فهي عاجزة عن الإتيان بحلول. وهي بذلك تشبه نزعة معاداة اليهود بين أعضاء الطبقات الشعبية المسيحية، فهي الأخرى شكل من أشكال الثورة الشـعبية العـاجزة عن إدراك سبب إفقار الجماهير وآليات الاستغلال. ولذا، فبدلاً من أن تصل إلى لب المشكلة وتهاجم المستغل الحقيقي، كانت الجماهير الشعبية تنحرف عن هدفها وتهاجم الجماعات اليهودية لأنها كانت الأداة الواضحة المباشرة للاستغلال.

      ومن المهم التأكيد على أن للحركات المشيحانية سياقين: أحدهما محلي، والآخر دولي. كما يهمنا أن نؤكد على أن تلاقي السياقين هو عادةً ما كان يؤدي إلى الانفجار. أما العنصر المحلي فيتمثل كما أشرنا في تزايد بؤس اليهود، وأما العنصر الدولي فيتمثل في وجود لحظة مفصلية يتصور الماشيَّح المزعوم أنها الفرصة المواتية له (انتهاء العصر الأموي بالنسبة لأبي عيسى الأصفهاني، والتطلعات البابوية لتجديد حروب الفرنجة بالنسبة لداود الرائي، وبدايات الاستعمار الغربي وأول هزيمة للعثمانيين بالنسبة إلى شبتاي تسفي).

      وتتميَّز المشيحانية بأنها صيغة هلامية لا يمكن أن تُهزَم. فإذا ظهر ماشيَّح، فإن ظهوره علامة على صدق الرؤية المشيحانية، وإذا لم يظهر فإن الواجب هو الانتظار. أما إذا ظهر الماشيَّح وانتصر في المراحل الأولى، فهذا علامة على صدقه. وإذا انهزم فهزيمته نفسها تعد علامة صدقه، فهو يتعذب من أجل شعبه. وإذا أخذت الهزيمة شكل ارتداد عن اليهودية، فإن هذا (حسب التصورات المشيحانية) من باب التمويه والتقية. كما أنه، باعتباره الماشيَّح، عليه أن ينزل إلى عالم الشر ذاته لمواجهته (ومن هنا ارتداده عن اليهودية). كما أنه إذا قُتل أو مات، فإن أتباعه عادةً ما يؤمنون بأنه لم يمت أو يُقتَل وإنما اختفى وسيعود. وتكون جماعة التابعين المنتظرين، شيعة أو فريقاً دينياً مستقلاً عن المؤسسة الحاخامية، تدور عقائدها حول أفكار الماشيَّح، وتدور ممارساتها حول انتظاره. وهذا هو، في الواقع، النمط الكامن في معظم الحركات المشيحانية (اليهودية وغير اليهودية) التي عادةً ما تنتهي بالإخفاق، فيدفع المؤمنون بها الثمن غالياً.


      ويُلاحَظ زيادة حدة النزعة المشيحانية في العصر الحديث في الغرب، ابتداءً من القرن السابع عشر، وهو بداية المشروع الاستعماري الغربي وتزايد علمنة الحضارة الغربية، بكل ما يطرحه ذلك من إمكانات أمام الإنسان الغربي لحل مشاكله عن طريق تصديرها وعن طريق غزو العالم. كما شهدت هذه الفترة تصاعد التفكير الصهيوني (الألفي) في الأوساط البروتستانتية التجارية. وقد ظلت هذه النزعة المشيحانية كامنةً بعد فشل محاولات شبتاي تسفي وجيكوب فرانك، إلى أن ظهرت الصهيونية. ويمكن القول بأن الحركة الحسيدية هي أيضاً حركة مشيحانية دون ماشيَّح أو حركة مشيحانية مبعثرة بحيث تشتت الحلول الإلهي في عدد كبير من الأولياء الذين يُسمَّون «تساديك» وكان كل واحد منهم يجسد قدراً من الحلول الإلهي ويلتف حوله عدد كبير من التابعين.

      ولا يعرف اليهود القرّاءون عقيدة الماشيَّح، وربما يرجع ذلك إلى تأثير الإسلام، وقد حذروا أتباعهم من أولئك الذين يتنبأون بظهور الماشيَّح. أما موسى بن ميمون فإنه، برغم إيمانه بأن السلام سيعم المجتمع بمقدم الماشيَّح، أكد أن الطبيعة لن تغيِّر قوانينها، كما شكَّك في مدعي المشيحانية في أيامه وحذَّر منهم. وفي العصر الحديث، يؤمن اليهودالأرثوذكس بالعودة الشخصية للماشيَّح، على عكس اليهودية الإصلاحية التي ترفـض هـذه الفكرة وتُحلّ محلهـا فكرة العصر المشيحاني، أي مشيحانية بدون ماشيَّح، وهذا تعبير عن الحلولية بدون إله.

      والصهيونية، بمعنى من المعاني، عقيدة مشيحانية. ويمكن القول بأن السياق المحلي للحركة المشيحانية الصهيونية هو تزايد بؤس يهود شرق أوربا، وخصوصاً بعد تَعثُّر التحديث. أما سياقها الدولي، فهو ضعف الدولة العثمانية، وتزايد حدة الهجمة الإمبريالية الغربية على الشرق. والكتابات الصهيونية تزخر بإشارات إلى العودة، والعصر المشيحاني الذهبي، والماشيَّح. وفي يوميات هرتزل، نجد أن جزءاً من أوهامه عن نفسه يأخذ طابعاً مشيحانياً. وإذا كان بعض الصهاينة لا يؤمنون بعودة الماشيَّح شخصياً، فإنهم جميعاً يؤمنون بفكرة العصر المشيحاني أو «سبت التاريخ» على حد قول هس، أو «نهاية التاريخ»، وهي فكرة لا تختلف كثيراً عن التصورات الدينية التقليدية، إلا في استبعاد شخصية الماشيَّح نفسه، أي أنها مشيحانية بدون ماشيَّح (نابعة من حلولية بدون إله). وباستبعاد شخصية الماشيَّح أصبح من الممكن أن يتحالف المؤمنون والملحدون، وأصبح من الممكن أن تظهر مشيحانية لا دينية، أي محاولة استرجاع العصر المشيحاني الذهبي في فلسطين عن طريق التكنولوجيا والعنف والوسائل اللادينية كافة، دونما انتظار مقدم أي مبعوث إلهي، ولكن المشيحانية الملحدة لا تختلف كثيراً عن التصور اليهودي للقضية في صورته الدنيوية الأولى التي وصفناها آنفاً. وتحافظ الصهيونية على المشاعر والتوقعات المشيحانية بين أعضاء الجماعات بتصعيد إحساسهم بالاضطهاد وبعدم الانتماء لبلادهم، حتى يفـقدوا صلتهم بالـزمان والمكان ويتجهوا إلى إسرائيل. ومن يدرس التجارب التاريخية لأعضاء الجماعات يعرف أنه لم يحدث قط أن تمكنت أية حركة مشيحانية من السيطرة على يهود العالم جميعاً، وذلك بسبب عدم ترابطهم. ولذلك، فإن إخـفاق أية حركة مشيحانية، وتحوُّل أتباعها عن اليهودية في أية منطـقة، لم تكن تَنتُج عنه هزة شـاملة لليهـودية في كل البلاد الأخرى. أما في العصر الحديث، فقد حدث لأول مرة أن تمكنت حركة مشيحانية مثل الصهيونية من الوصول إلى يهود العالم تقريباً. وحركة جوش إيمونيم حركة مشيحانية في كثير من جوانبها؛ في توقعاتها وخطابها ورموزها.

      ويمكن القول بأن حدة التفكير الثوري والعدمي عند بعض المفكرين اليهود أو مفكرين من أصل يهودي في العصر الحديث (إسبينوزا برؤيته لعالم هندسي مادي مصمت، وماركس برؤيته لعالم شيوعي خال من الجدل، ودريدا برؤيته لعالم يسوده اللامعنى) قد يكون نتيجة التراث المشيحاني. كما يمكن القول بأن ثوريتهم وعدميتهم ورفضهم الكامل للحدود التاريخية والبشرية تعبير عن حالة متطرفة من المشيحانية بدون ماشيَّح، وعن رغبة طفولية في اختزال العالم إلى عنصر أو اثنين والعودة إلى حالة السيولة الكونية (الرحمية) التي تسم الفكر المشيحاني.
      اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
      http://www.rasoulallah.net/

      http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

      http://almhalhal.maktoobblog.com/



      تعليق


      • #63
        أبو عيسـى الأصفهـاني (القرن الثامن الميلادي)
        Abu-Issa Al-Asfahani


        اسمه الحقيقي إسحق بن يعقوب، وهو من مواليد أصفهان. ويُعتبَر أبو عيسى مؤسس فرقة يهودية في فارس، وهي أولى الفرق بعد هدم الهيكل الثاني. وحسبما ورد عند المؤرخ القرّائي (القرقساني)، كان أبو عيسى خياطاً أمياً عاش في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان (865 ـ 705)، بينما يذهب الشهرستاني إلى أنه عاش في الفترة بين حكم الخليفة الأموي مروان بن محمد (744 ـ 750) والخليفة العباسي المنصور (754 ـ 775)، ويبدو أن هذا التاريخ الأخير أكثر دقة، فقد كانت هذه الفترة فترة انتقال شهدت سقوط الدولة الأموية وظهور الدولة العباسية، وعادةً ما كانت الحمى المشيحانية تتصاعد بين اليهود (والأقليات بشكل عام) في مثل هذه الفترات.

        وفي عام 755، أعلن أبو عيسى أنه الماشيَّح الذي سيحرِّر اليهود من الأغيار، وأن هناك خمسة أنبياء (من بينهم موسى وعيسى عليهما السلام، ومحمد صلوات الله وسلامه عليه) سبقوا ظهور الماشيَّح، وأنه هو خاتم المرسلين. وقد قيل إنه لم يعلن أنه الماشيَّح نفسه، وإنما المبشر به، أي الماشيَّح ابن يوسف الذي يُمهِّد لظهور الماشيَّح الحقيقي (الماشيَّح ابن داود). وقاد بهذه الصفة، ثورة ضد الحكم العباسي. ويُلاحَظ أن ثورة أبى عيسى الأصفهاني، رغم اعتدالها، كانت أولى الثورات ضد المؤسسة الحاخامية، ومن ثم تُعَدُّ ثورته أولى الثورات المعادية للتلمود. وقد أدخل بعض التعديلات على الشعائر، فجعل الصلوات سبعاً بدلاً من ثلاث، ومنع الطلاق (متأثراً بالمسيحية)، ومنع أكل اللحم، وشرب الخمر، والنواح بسبب هدم الهيكل. لكن أتباع الأصفهاني لم يَجر طردهم من حظيرة الدين اليهودي.

        قاد الأصفهاني تمرداً ضد الحكم الإسلامي، وانضم له العديد من يهود فارس، لكن هذا التمرد تم إخماده بعد عدة سنوات وقُتل أبو عيسى. لكن أتباعه، كما هي العادة، أعلنوا أنه لم يقتل وإنما دخل كهفاً واختفى. كما تداولوا بعض القصص عن المعجزات التي أتى بها، من بينها أنه ضرب المسلمين ضربة قوية وأنه انضم لأبناء موسى في الصحراء ليطلق نبوءاته. وقد تأسست من بعده فرقة العيسوية التي ظلت قائمة حتى حوالي عام 930. ويُقال إن يودغان وعنان بن داود (مؤسسي المذهب القرّائي) تأثرا برؤية أبى عيسى وبأفكاره.

        يودغــان (القرن الثامن الميلادي)
        Yudghan


        يُقال إن كلمة «يودغان» صيغة فارسية لكلمة «يهودا». ويودغان هو مؤسس «اليودغانية» وهي فرقة يهودية، وقد عاش في أصفهان (وربما في حمدان)، في النصف الأول من القرن الثامن. وجاء في القرقشاني أن يودغان ظهر بعد أبى عيسى الأصفهاني (ويُقال إنه تلميذه)، وكان أتباعه يسمونه «الراعي». وقد ادعى يودغان النبوة، كما ادعى أنه الماشيَّح. وهو يشبه أبا عيسى في كثير من عقائده، فقد قدَّم تفسيراً باطنياً للعهد القديم، وخصوصاً النصوص التي تخلع على الإله صفة إنسانية، ونادى بأن الإنسان مخيَّر لا مسيَّر، وقد اعترف يودغان برسالة كلٍّ من عيسى (عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وسلم)، وحرَّم أكل اللحم وفرض شعيرة الصيام. وكان يودغان يذهب إلى أن شعائر السبت والأعياد ليست ملزمة لليهود، فهي مجرد تذكرة لهم بالماضي. ويُقال إن عنان بن داود مؤسس المذهب القرّائي تأثر بأفكار يودغان.

        داود الرائــي (القرن الثاني عشر)
        David Alroy


        هو داود بن سليمان، ويُدعى أيضاً داود الرائي (أو الروحي). سمَّى هو نفسه مناحِّم، أي «المواسِّي»، وهو أحد الألقاب التي كانت تُطلَق على الماشيَّح. وقد قيل إن كلمة «الروحي» أو «الرائي» تصحيف لكلمة «الدوحي»، وهو اسم اسرته بالعربية. وهو من مواليد مدينة آمد في إقليم كردستان سنه 1135، درس التوراة والمدراش والمشناه، كما أتقن علوم العرب التي كانت مزدهرة آنذاك وتعلَّم فنون السحر والتصوف اليهودية. وفي شمال شرق القوقاز، بدأت دعوته المشيحانية بين يهود الجبال، وذلك بعد هجوم قبائل الكبشاك (من شعوب الإستبس المقيمين حول البحر الأسود) وهو الهجوم الذي ألحق البؤس الشديد بأعضاء الجماعة اليهودية. ويبدو أن هجمات الفرنجة على فلسطين، والفوضى في العالم العربي، طرحت إمكانات العودة وتحرير القدس في مخيلة أعضاء الجماعة.

        بدأت الحركة على يد سليمان (أبي داود) الذي أعلن أنه إليا المبشَّر به. وقد أخذ داود الرائي في نشر دعوته بين يهود بغداد والموصل والمناطق المحيطة، وتَجمَّعت حوله أعداد كبيرة من يهود أذربيجان. وبعد أن انكسرت قواته، حاول نقل مركز حركته إلى آمد (في جبال كردستان) على الطريق الإستراتيجي الموصل بين مملكة الخزر اليهودية التركية (ولعل شيئاً من ذكراها كان لا يزال عالقاً بذهنه أو وجدانه) والممالك الصليبية. وقد انتشرت حوله الشائعات، فأُشيع أنه أودع السجن ولكنه فرَّ منه بسحره. وقد دعا الرائي يهود أذربيجان وفارس والموصل إلى أن يأتوا إلى آمد مخبئين أسلحتهم، ليشهدوا كيف سيستولي على المدينة. ويبدو أن بعض المحتالين زيفوا خطاباً باسمه، وعد فيه يهود بغداد بأنه سينقلهم إلى القدس ليلاً على أجنحة الملائكة، وصدق كثيرون ما جاء في الخطاب. فانتظروا وصول الماشيَّح طوال الليلة الموعودة، وفي الصباح أصبحوا أضحوكة الجميع.

        ومما يجدر ذكره، أن المؤسسة الحاخامية، كعادتها، وقفت ضد هذه الدعوى المشيحانية وحاولت رد داود الرائي عن عزمه دون جدوى. وفي نهـاية الأمر، قتلـه والد زوجته بعد أن تقاضى مكافأة من حاكم المدينة. وبعد مقتله، تحوَّل إلى أسطورة حافلة بالخوارق والمعجزات الخرافية. وقد بقى المؤمنون من يهود أذربيجان ينتظرون عودته، وكانت فرقتهم تُسمَّى «النحمانيين». وقد كتب دزرائيلي رواية خيالية تدور أحداثها حوله.

        ديفيــد رءوبيني (؟ -1535)
        David Reuveni


        مغامر ذو تطلعات مشيحانية. والمصدر الأساسي لمعرفة هويته الحقيقية مذكراته وبعض خطاباته. كان ديفيد رءوبيني يدَّعي أنه ابن لملك يُدعى سـليمان، وأخ لملك يُدعى يوسـف يحكم قبائل رءوبين وجاد، وكذلك نصف قبائل منَسَّى في خيبر بالقرب من المدينة المنورة، ومن هنا كان اسمه «الرءوبيني». وقد كانت رواياته عن أهله متضاربة، فقد ذكر في مناسبة أخرى أنه من نسل قبيلة يهودا وأنه رسول من ملك يُدعى يوسف. وانتقل من بلد إلى آخر، حتى وصل إلى روما راكباً فرسه الأبيض (إحدى علامات الماشيَّح). وذهب إلى البابا كليمنت السابع عام 1524، وأخبره بأن أخاه لديه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب، ولكنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طرد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبَّالاً حسناً (فقد كان رءوبيني يخبره أن رؤيته بالنسبة له كانت مثل رؤية الإله). وقد التف يهود روما من حوله، واكتتبوا ببعض الأموال له، حتى يعيش على مستوى يليق بمقام سفير ملك اليهود. وقد نجح رءوبيني في مقابلة ملك البرتغال عام 1525، وفي التأثير فيه، حتى إنه أوقف محاكمات يهود المارانو الذين أحرز رءوبيني شعبية واسعة بينهم، وكان من بينهم ديوجو بيريس الذي أخذه الحماس فتهود وتختن وغيَّر اسمه إلى سولومون ملكو وتبع رءوبيني وكانت له هو الآخر تطلعات مشيحانية. وقد طلب الاثنان (رءوبيني ومولوخو) من إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة تشارلز الخامس تسليح المارانو ليحاربوا ضد المسلمين. ولكن نظراً لانشغال الإمبراطور بأمور عظمى (تهديد البروتستانتية لحكمه من الداخل والعثمانيين من الخارج) لم يكن عنده متسع من الوقت فقبض عليهما وأحرق أحدهما لخروجه على المسيحية وأودع الآخر السجن في إسبانيا حيث مات مسموماً.

        ولحياة رءوبيني دلالة عميقة، إذ يبدو أنه كان يرى أن مهمته تمهد للعصر المشيحاني، وربما إلى عودة الماشيَّح، وبالتالي يمكن أن نعده قائد أولى الحركات ذات الطابع المشيحاني، والتي ظهرت تعبيراً عن ضائقة أعضاء الجماعات اليهودية وبداية أزمة اليهودية نفسها في الغرب. كما يمكننا أن نرى في سيرة حياة رءوبيني ملامح من الحل الصهيوني للمسألة اليهودية. فرغم استفادته من التطلعات المشيحانية لدى اليهود، لم يَدَّع أنه نبي أو ماشيَّح، بل حاول أن يقدم برنامجاً سياسياً واقعياً عملياً، وأن يقدم نفسه كقائد عسكري، ويُلاحَظ أيضاً أنه أكد الفائدة العسكرية لليهود. وهذا ما حاولت الصهيونية إنجازه، فقد قدمت نفسها هي الأخرى باعتبارها الحل السياسي العسكري الواقعي للمسألة اليهودية. وقد علمنت الصهيونية التطلعات المشـيحانية، وحولـتها إلى حركة اسـتيطانية. وقد أدرك رءوبيني إمكانية الاستفادة من التطلعات العسكرية لأوربا نحو الشرق، ومن الصراعات الداخلية فيها. فقد كان يعلم أن البابا يود تعزيز سلطته الدنيوية، وأن قيام حملة صليبية (على حد تعبيره) تحت رعايته لابد أن تنجز مثل هذا الهدف. وقد قدَّم هو حملته اليهودية على أنها تفي بهذا الغرض. والصهيونية دائمة الاستفادة من الصراعات داخل العالم الغربي، ومن التطلعات الاستعمارية للغرب. والواقع أن الحل الصهيوني ومخطط رءوبيني متماثلان، فكلاهما مبني على التحالف بين أعضاء الجماعات والغرب لتهجير اليهود وإعادة توطينهم في الشرق، وبذلك تتخلص أوربا منهم، وفي الوقت نفسه تفتح أجزاء من العالم المتخلف للنفوذ الغربي، أي أن حل رءوبيني شبه المشيحاني هو الحل الصهيوني الاستعماري.

        ومن الأمور الأخرى التي تثيرها حياة رءوبيني أن الدعوة الاسترجاعية والألفية كانت أمراً منتشراً في أوربا بأسرها ليس بين أعضاء الجماعات اليهودية وحسب، وإنما بين أعضاء النخبة الحاكمة الدينية والسياسية. فنجد أن شخصية أساسية مثل البابا يستقبل رءوبيني وتابعه ويبسط عليهما حمايته (رغم تحريم المسيحية الكاثوليكية للعقيدة الألفية وحربها ضدها). كما نجد أن ملك البرتغال هو الآخـر يسـلك السـلوك نفسـه. ولا شـك في أن انتـشار الأحـلام الاسترجاعية نتيجة متوقعة لظهور الرؤية الإمبريالية الغربية.

        سـولومون ملكـو (1500-1532)
        Solomon Molcho


        اسمه الحقيقي هو ديوجو بيريس. وهو يهودي من المارانو، تلقَّى تعليماً علمانياً وعُيِّن سكرتيراً لملك البرتغال. قابل الماشيَّح الدجال ديفيد رءوبيني في لشبونة عام 1525. وتَملَّكه الحماس فتختن وأعلن يهوديته وسمَّى نفسه ملكو، ربما من الكلمة العبرية «ميليك» أي «ملك»، ومن ثم فإن اسمه يعني «سليمان الملك». فرَّ مع رءوبيني واستقر بعض الوقت في سالونيكا (عاصمة المارانو) حيث درس القبَّالاه، ونشر كتابه الدراشوت «المواعـظ» (1529) وهي مواعـظ مليئة بالادعاءات المشيحانية.

        وحينما نُهبت روما عام 1527 على يد تشارلز الخامس رأى علامات على مقدم النهاية والخلاص وعاد إلى إيطاليا عام 1529، وقد جذبت مواعظه عديداً من الناس، ومنهم المسيحيون. ولكن أحد المارانو وشى به، قائلاً إن ملكو كان مسيحياً أبطن اليهودية ثم أظهرها حينما سنحت الفرصة، وهو الأمر الذي كانت محاكم التفتيش لا تسمح به، ولذا اضطر إلى الفرار من روما. وحتى يؤكد أنه الماشيَّح، وكي ينفذ إحدى النبوءات الخاصة بالماشيَّح، ارتدى ملكو ملابس الشحاذين وجلس لمدة ثلاثين يوماً مع المرضى والشحاذين والعجزة على كوبري على نهر التيبر في روما. وقد نجح ملكو في كسب ثقة البابا كلمنت السابع الذي منحه الحماية عام 1530، وخصوصاً أنه كان قد تنبأ بوقوع فيضان في روما وزلزال في البرتغال وتحققت نبوءاته. ثم وشى به أحد الوشاة مرة أخرى لمحاكم التفتيش فحُكم عليه بالحرق، ولكن البابا تَدخَّل شخصياً وحُرق رجل آخر مكانه، وعندئذ ذهب إلى شمال إيطاليا حيث قابل رءوبيني عام 1532 وذهبا معاً إلى تشارلز الخامس (إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة) ليقنعاه بتجنيد جيش من يهود المارانو للحرب ضد الدولة العثمانية، ولكنه سلمهما لمحاكم التفتيش التي حكمت بحرقه ونفذت فيه حكم الإعدام.

        شــبتاي تســفي (1626 – 1676 )
        Shabettai Tzevi


        ماشيَّح دجال. وُلد في أزمير لأب إشكنازي يشتغل بالتجارة، وكان إخوته أيضاً من التجار الناجحين. وقد تلقَّى تسفي تعليماً دينياً تقليدياً، فدرس التوراة والتلمود، ولكنه استغرق في دراسة القبَّالاه وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية بنزوعها الغنوصي. وتتزامن الفترة التي وُلد ونشأ فيها تسفي مع بداية تعاظم نفوذ الرأسمالية البريطانية والهولندية (البروتستانتية)، وبدايات مشروعهما الاستعماري العالمي، وبداية حلولهما محل المشروع الاستعماري الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي). كان أبـوه منـدوباً لشركتين تجاريتين: إحداهما بريطانية والأخرى هولندية. وقد شهد عام 1648 حدثين من أخطر الأحداث في تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب: أولهما انتهاء حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648)، وهي حرب استفاد منها أعضاء النخبة من يهود البلاط، وعانـت منهـا الجماهير اليهودية أيما معاناة. وبرغم استفادة أثرياء اليهود، فإن نهاية الحرب نفسها كانت بداية تدهور الشبكة التجارية اليهودية العالمية، وتَدنِّي وضع النخبة اليهودية بسبب تصاعد عملية تَركُّز السلطة في يد الدولة القومـية المركزية الذي أدَّى إلى الاسـتغناء عن اليهـود كجـماعة وظيفية. أما الحدث الثاني، فهو انتفاضة فلاحي أوكرانيا والقوزاق تحت قيادة شميلنكي (1648) التي هزت قواعد التجمع اليهودي في بولندا، أكبر تجمُّع يهودي في العالم آنذاك. وكان مجلس البلاد الأربعة أهم مؤسسة يهودية تتمتع بشرعية لم تحققها مؤسسة يهودية أخرى منذ زمن بعيد. وقد كان لهذه الانتفاضة أعمق الأثر في يهود العالم كافة. ومن الطريف أن كتاب الزوهار، حسب بعض التفسيرات، كان قد تنبأ بوصول الماشيَّح عام 1648، وقد أعقب ذلك كله حروب عام 1655 (بين روسيا والسويد) في مناطق تَركُّز اليهود في بولندا، ثم هجمات القوزاق الهايدماك. وتُعرَف هذه الفترة من تاريخ بولندا باسم «الطوفان».

        وشهدت هذه الفترة إرهاصات الفكر الصهيوني بين المسيحيين في إنجلترا، وبداية الاهتمام باليهود، واسترجاعهم كشرط أساسي للخلاص. وكانت هناك نبوءة تسري في الأوساط المسيحية (البروتستانتية الصهيونية في إنجلترا وبعض فرق المنشقين المسيحيين في روسيا) بأن عام 1666 هو بداية العصر الألفي الذي سيتحقق فيه استرجاع اليهود لفلسطين. ولا شك في أن مثل هذه النبوءات الاسترجاعية ذات علاقة قوية بالجو الاستعماري والاستيطاني النشيط في تلك المرحلة. وقد تزايد في تلك الفترة أيضاً نشاط محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال، وظهر الإصلاح المضاد في إيطاليا بنزعته المعادية لليهود.

        وفي هذا الجو من الإحباط والثورات والتردي الحضاري والاقتصادي، حققت القبَّالاه اللوريانية انتشاراً غير عادي (يرى جيرشوم شوليم أن الفترة بين عامي 1630 و1640 هي التي حققت فيها القبَّالاه اللوريانيـة الهيمنـة الكاملة التي جعلت اليهود مركزاً لعملية الخلاص الكونية، وإن كان شبتاي قد عدَّل هذه الصياغة بحيث يتم الخلاص من خلال شخصية الماشيَّح، أي أنه جعل شخص الماشيَّح مركز الحلول الإلهي بدلاً من الجماعة اليهودية). ومن العوامل الأخرى الأساسية التي هيأت الجو للانفجار المشيحاني انتشار يهود المارانو في كثير من موانئ البحر الأبيـض المتوسـط والمـدن التجارية، فقد كانوا يحملـون فكراً قبَّالياً، كما أنهم كانوا يعانون من الضيق بعد أن شهدوا أيامهم الذهبية في الأندلس وإسبانيا المسيحية، وكانوا يعيشون أيضاً خارج نطاق السلطة وبعيداً عن مراكز صُنع القرّار، الأمر الذي جعل من العسير عليهم تَقبُّل الوضع القائم. وفي الواقع، فإن كل هذا قد هيأ الجو لتصاعُد الحمى المشيحانية، وقامت أعداد كبيرة من اليهود بالإعداد لوصول الماشيَّح، وبدأت الإشاعات تنتشر عن جيش يهودي جرار يجرى إعداده في الجزيرة العربية ليخرج منها ويفتح فلسطين.

        في هذا المناخ، ظهر شبتاي تسفي. ويبدو أن حياته النفسية لم تكن سـوية، مثلـه مثل حيـاة جيكوب فرانك الماشيَّح الدجال الذي جاء بعده، فقد كان محباً للعزلة، كثير الاغتسال والتعطر، حتى أن أصدقاءه الشبان كانوا يعرفونه برائحته الزكية. وكان يظهر عليه ما يُسمَّى في علم النفس بالسيكلوثاميا، وهي حالة نشاط وهيجان بالغين يعقبهما انقباض وقنوط، وقد صاحبته هذه الحالة حتى الأيام الأخيرة من حياته. وكثيراً ما كان شبتاي يتغنى بالأشعار وينشد المزامير في حالة نشاطه. وحيث إنه تلقى تعليماً دينياً تلمودياً كاملاً، فلم يتهمه أحداً قط بالجهل. وتزوج شبتاي فتاة بولندية يهودية حسناء تُدعى سارة تربت في أحد الأديرة الكاثوليكية أو ربما في منزل أحد النبلاء البولنديين إذ يبدو أن أباها كان من يهود الأرندا، أي وكيلاً مالياً للنبيل في منطقة أوكرانيا، ويبدو أنها كانت سـيئة السـمعة من الناحيـة الأخلاقية، وهناك من يقول إنها كانت عاهرة وكانت تدَّعي أنها لن تتزوج إلا الماشيَّح ولذا فإن الإله قد أعطاها رخصة أن تعاشر من تشاء جنسياً إلى أن يظهر الماشيَّح ويعقد قرّانه عليها. وحينما نشبت انتفاضة شميلنكي التي اكتسحت الإقطاع البولندي في أوكرانيا، كما اكتسحت وكلاء النبلاء الإقطاعيين، كان أبواها من ضحاياها. وقد قابل تسفي سارة في القاهرة، أو ربما سمع عنها، فأرسل إليها وتزوجها. وقام تسفي بخرق الشريعة عامداً عام 1648، فأعلن أنه الماشيَّح، ونطق باسم يهوه (الأمر الذي تحرمه الشريعة اليهودية)، وأعلن بطلان سائر النواميس والشريعة المكتوبة والشفوية. ولتأكيد مشيحانيته، طلب أن تُزَفَّ التـوراة إليـه، فهي عروس الإله. وقد رفض الحاخامات الاعتراف به، فطُرد من أزمير. وقد تنقَّل تسفي في الأعوام العشرة التالية في مدن اليونان، فذهب إلى سالونيكا وغيرها، وقضى بضعة أشهر في إستنبول. وقام بخرق الشريعة مرة أخرى في هاتين المدينتين، إذ نَظَّم أدعية أو ابتهالات تتلى في الصلوات للإله ليحلل ما حرَّم. وحينما زار القاهرة، انضم إلى حلقة من دارسي القبَّالاه كان من أعضائها رئيس الجماعة اليهودية، روفائيل يوسف جلبي، مدير خزانة الدولة. ثم رحل إلى فلسطين عام 1662. وقد بشَّر به اليهودي الإشكنازي نيثان الغزاوي عام 1664، على أنه الماشيَّح الصادق الموعود، وأنه ليس مجرد المسيح ابن يوسف، وإنما هو المسيح بن داود نفسه. وأعلن نيثان أنه هو نفسه النبي المرسل من هذا الماشيَّح، وكتب عدة رسائل لأعضاء الجماعات اليهودية يخبرهم فيها بمقدم الماشيَّح الذي سيجمع الشرارات الإلهية التي تبعثرت أثناء عملية الخلق، والذي سيستولى على العرش العثماني ويخلع السلطان (وهذه من الأفكار الأساسية للقبَّالاه اللوريانية).

        وقد دخل شبتاي القدس في مايو عام 1665، وأعلن أنه المتصرف الوحيد في مصير العالم كله، وركب فرساً (كما هو متوقع من الماشيَّح) وطاف مدينة القدس سبع مرات هو وأتباعه، وقد عارضه الحاخامات وأخرجوه من المدينة. ولكن تسفي أعلن عام 1666 أنه سيذهب إلى تركيا ويخلع السلطان. وقد زاد ذلك حدة التوقعات المشيحانية بين يهود أوربا وزاد حماسهم. وقد وصلت الأنباء إلى لندن وأمستردام وهامبورج. وصارت الجماهير اليهودية تحمل بيارق الماشيَّح في بولندا وروسيا. ومما يجدر ذكره أن أهم مؤسسة يهودية في العالم آنذاك، وهي مجلس البلاد الأربعة، اكتسحتها الحمى المشيحانية فأرسلت مندوبين عنها للحديث معه والاعتراف به (ولم تُصدر هذه المؤسسة قرّاراً بطرده إلا عام 1670 بعد تردُّد طويل). بل إن بعض الأوساط المسيحية بدأت تؤمن بأن تسفي سيُتوَّج ملكاً على فلسطين. وحينما حاول حاخامات أمستردام الاعتراض على رسائل تسفي وما جاء فيها، كادت الجماهير تفتك بهم. ولقد باع بعض الأثرياء كل ما يملكونه استعداداً للعودة، واستأجروا سفناً لتنقل الفقرّاء إلى فلسطين، واعتقد البعض الآخر أنهم سيُحمَلون إلى القدس على السحاب. وسيطرت الهستريا على الجماهير، فكان أتباعه يُغشَى عليهم ويرونه في رؤاهم ملكاً متوجاً. وانقسم كثير من الجماعات اليهودية بصورة حادة. وقد سمى الحاخامات أتباع تسفي بأنهم الكفار (بالعبرية: كوفريم). ولكن تسفي تمادى في دوره، وبدأ في توزيع الممالك على أتباعه، وألغى الدعاء للخليفة العثماني الذي كان يُتلى في المعبد اليهودي، ووضع بدلاً من ذلك الدعاء له هو نفسه كملك على اليهود ومخلِّص لهم. وأخذ تسفي يضفي على نفسه ألقاباً يوقع بها رسائله. ومن هذه الألقاب: « ابن الإله البكر » و« أبوكم يسرائيل » و« أنا الرب إلهكم شبتاي تسفي ». وتوجَّه تسفي إلى إستنبول في فبراير عام 1666 حيث أُلقي القبض عليه.

        ويبدو أن السلطات العثمانية التي اعتادت عدم التجانس الديني في الإمبراطورية الشاسعة، لم تكن تريد أية مواجهات مع أتباعه، ولذلك تم سجنه في قلعة جاليبولي المخصصة للشخصيات المهمة. وقد تحوَّل السجن بالتدريج إلى بلاط ملكي لشبتاي تسفي (فكان يحتفظ بعدد كبير من الحريم، ومع هذا كانت له تصرفات تنم عن ميول نحو الشذوذ الجنسي، أي أنه كان مخنثاً). وكان الحجاج يأتونه من كل بقاع الأرض، وكُتبت الأناشيد الدينية تسبيحاً بحمده، وأُعلنت أعياد جديدة وطقوس جديدة. فألغى صيام اليوم السابع عشر من تموز من التقويم اليهودي، كما ألغى صيام التاسع من آب وجعله عيداً لميلاده. وقد أعلن نيثان أن التغييرات الحادة التي تطرأ على مزاج الماشيَّح تعبير عن الصراع الدائر داخل نفسه بين قوى الخير والشر.

        وفي سبتمبر من ذلك العام، جاء الحاخام القبَّالي نحميا (من بولندا) لزيارة شبتاي، وقضى ثلاثة أيام في الحديث معه رفض بعدها دعواه بأنه الماشـيَّح، بل أخـبر السـلطات التركية بأنه يحرض على الفتنة، فقُدِّم للمحاكمة وخُيِّر بين الموت أو أن يعتنق الإسلام، فأشهر إسلامه وتعلَّم العربية والتركية ودرس القرآن. وأسلمت زوجته من بعده، ثم حذا حذوه كثير من أتباعه الذين أصبح يُطلَق عليهم اسم «دونمه». ولكنه، مع هـذا، لم يقطـع الأمل في أن يستمر في قيادة حركته، وظل كثير من أتباعه على إيمانهم به، لأن الماشيَّح في التصور القبَّالي « سيكون خَيِّراً من داخله، شريراً من خارجه »، وهذه مواصفات تنطبق على تسفي تمام الانطباق. ويتضح هنا تأثر تسفي بتفكير يهود المارانو بشأن ضرورة أن يُظهر المرء غير ما يُبطن. وقد نقل العثمانيون تسفي في نهاية الأمر إلى ألبانيا حيث مات بوباء الكوليرا عام 1676.

        وظهور شبتاي تسفي تعبير عن الأزمة العميقة التي كانت تخوضها اليهودية الحاخامية بسبب تَآكُل العالم الوسيط في الغرب بل ونهايته، وهو العالم الذي نشأت فيه اليهودية الحاخامية التي فشلت في التعامل مع العالم الجديد. ويشبه شبتاي تسفي في هذا معاصره إسبينوزا، فكلاهما تعبير عن أزمة واحدة، وكلاهما تَحدَّى الشريعة (هالاخاه) وطرح رؤية ذات جوهر علماني تركِّز على هذا العالم المادي. وبينما تحداها تسفي من الداخل، تحداها إسبينوزا من الخارج. وكلاهما كان يؤمن بنسق حلولي يَصدُر عن رؤية حلولية كونية واحدية (أخذت طابعاً دينياً عند تسفي وطابعاً فلسفياً لا دينياً عند إسبينوزا).
        ويمكن القول بأن تسفي يمثل وحدة الوجود الروحية، أي أن يحل الإله في الطبيعة والتاريخ ويظل محتفظاً باسم الألوهية، أما إسبينوزا فيمثل مرحلة وحدة الوجود المادية، حيث يصبح الإله هو قوانين الحركة، ولكنه مع هذا كان من الدهاء بحيث أبقى اسم الإله ولكنه قال إن الإله هو الطبيعة. ولذا يُشار إلى إله إسبينوزا بأنه الإله/الطبيعة.

        وتُعتبَر حركة شـبتاي تسـفي أهـم الحركات المشـيحانية على الإطلاق، فقد هزت اليهودية الحاخامية من جذورها، حتى لم تقم لها قائمة بعد ذلك. وانتشر أتباع تسفي في كل مكان، وانتشر معهم الفكر الشبتاني حتى بين بعض القيادات الحاخامية، ويتضح ذلك في المناظرة الشبتانية الكبرى التي ظهر خلالها أن الحاخام جوناثان إيبيشويتس، وهو من أهم العلماء التلموديين في عصره، كان شبتانياً. وبعد ذلك، ظهرت الحركتان الحسيدية والفرانكية اللتان رفضتا القيادة التقليدية التلمودية، وأخيراً ظهرت الصهيونية التي ورثت كثيراً من النزعات المشيحانية. وثمة رأي يذهب إلى أن تسفي بهجومه على اليهودية الحاخامية التقليدية مهد الطريق للصهيونية التي ترفض القيود الدينية، كما ترفض الأوامر والنواهي وتُعلِّي الذات القومية على كل شيء. كما أن تَوجُّه تسفي للعمل على العودة الفورية إلى فلسطين يشبه، في كثير من النواحي، المشيحانية الصهيونية العلمانية التي ترفض الموقف الديني التقليدي الذي ينصح اليهود بالانتظار، بل تبادر إلى الإسراع بالنهاية ليبدأ العصر المشيحاني دون انتظار مشيئة الإله. وقد كان تيودور هرتزل معجباً للغاية بتسفي وكان يفكر في كتابة أوبرا عنه لتمثيلها في الدولة الصهيونية بعد إنشائها.

        نيثـان الغــزاوي (1643-1680 )
        Nathan of Gaza


        الداعية الأول لشبتاي تسفي وأهم المبشرين به، وهو من أصل إشكنازي. درس القبَّالاه، واستقر في غزة، ثم أعلن أن شبتاي تسفي هو الماشيَّح. وبعد أن أسلم تسفي، تجوَّل نيثان في شبه جزيرة البلقان، وطوَّر الفكر الشبتاني مستنداً إلى القبَّالاه اللوريانية، فقال إن روح الماشيَّح عليها أن تنزل إلى عالم الظلمات التي هي القشرة الخارجية (قليبوت) لهذا العالم، لتخلص الشرارات الإلهية (نيتسوتسوت) التي التصقت بها ويتحقق إصلاح الخلل الكوني (تيقون) فيستعيد حالته الأصلية. وبذلك، حل نيثان مشكلة أساسية واجهها أتباع تسفي وهي اعتناقه الإسلام، فقد فسَّر مسلك شبتاي على أنه نزول إلى عالم الظلمات. وقد استخدم الشبتانيون هذه الفكرة فيما بعد لتفسير الانحلال الأخلاقي عند زعمائهم.

        جيكوب قويريدو (؟ -1690 )
        Jacob Querido


        أحد أتباع شبتاي تسفي ووريثه الأساسي. أظهر الإسلام، وأبطن اليهودية منذ عام 1683، هو وثلاثمائة أسرة من أتباعه، واستمروا في ممارسة الطقوس الشبتَّانية سراً. وهو مؤسس طائفة الدونمه.

        الحركة الشبتَّانية
        Shabbateanism


        «الشبتَّانية» مصطلح يُطلَق على الحركات المشيحانية الدينية الباطنية (الغنوصية) اليهودية التي ظهرت في الغرب وأطراف الدولة العثمانية بعد أن أسلم شبتاي تسفي. وكلها هرطقات ضد الدين اليهودي، وضد الصياغة التلمودية على وجه الخصوص. وتُعَدُّ الشبتانية شكلاً من أشكال الثورة ضد الدين اليهودي، وتعبيراً عن أزمة اليهودية. وقد ساهمت القبَّالاه اللوريانية وانتشارها في خلق التربة الخصبة لانتشار الأفكار الشبتانية.

        والواقع أن المفهوم القبَّالي الخاص بإصلاح الخلل الكوني (تيقُّون) قد غيَّر كثيراً من المفاهيم اليهودية التقليدية تماماً. فقد كان الخلاص يعني العودة إلى أرض الميعاد، أما التيقون فقد جعل الخلاص هو إصلاح الخلل الكوني وإنهاء حالة النفي التي تَسم الكون بأسره. والنفي ليس وضعاً خارجياً كامناً في وجود اليهود خارج فلسطين، وإنما هو وضع داخلي كامن في الطبيعة البشرية نفسها ويتمثل في ابتعادها عن الإله وعدم التصاقها به (ومن هنا أهمية الأوامر والنواهي والوصايا لكل من اليهود والأغيار). وتبدأ عملية الخلاص في هذا العالم الداخلي الباطني، أي في عقل الإنسان وقلبه، استعداداً للخلاص الخارجي، بمعنى أن الحالة العقلية النفسية أكثر أهمية من اللحظة التاريخية. وبذلك، فقد مزجت القبَّالاه اللوريانية النزعة القبَّالية الباطنية (الذاتية) بالنزعة المشيحانية الخارجية، وجعلت الثانية تعتمد على الأولى، ومهدت الطريق بذلك لظهور شبتاي تسفي والشبتانية ككل.

        ولكن أتباع شـبتاي تسـفي قامـوا بتعديل التصور اللورياني وتعميقه، فالقبَّالاه اللوريانية، مثلها مثل قبَّالاة الزوهار (برغم حلوليتها المتطرفة وهرطقتها)، كانت تحوي داخلها إمكانية تعميق الولاء للشريعة وممارسة شعائرها، وبالفعل جعلت الخلاص المشيحاني وإصلاح الخلل الكوني (تيقون) مرتبطاً بممارسة اليهود للشعائر وتنفيذهم الأوامر والنواهي. أما شبتاي تسفي وأتباعه، فقد كان موقفهم معادياً للشريعة والشعائر بشكل واضح وصريح، بل تعمدوا خرق قوانينها وإبطال أوامرها ونواهيها. وإذا كان الشعب اليهودي يشغل في التصور اللورياني مركز عملية الخلاص، فإن شخصية الماشيَّح تشغل هذا المركز في التصورات الشبتانية. فالمؤمن هو من يؤمن بالأفعال الصوفية الخارقة التي يأتي بها شبتاي تسفي كماشيَّح مخلِّص. ولعل التأكيد على شخصية الماشيَّح، بدلاً من الشعب اليهودي، يعود إلى وجود اليهودية إما في تربة مسيحية (بولندا وروسيا) أو على مقربة منها (في شبه جزيرة البلقان). وقد قضى يهود المارانو عشرات السنين يعانون من الاضطهاد الناجم عن قولهم إن المسيح عيسى بن مريم ليس هو الماشيَّح الحقيقي، وأن الماشيَّح اليهودي سيأتي لينقذ شعبه. وهكذا تحوَّلت النزعة المشيحانية إلي إيمان بشخصية الماشيَّح.

        وكان من الممكن أن يؤدي ظهور شبتاي تسفي إلى سد الفجوة بين الظاهر والباطن. ولكنه، كما هو متوقع، فشل في ذلك تماماً، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور الحركة الشبتانية برؤيتها للكون. ويُعدُّ نيثان الغزاوي أهم مفكري الشبتانية وأبرز دعاتها، فقد أعاد تفسير كثير من الأفكار اللوريانية، وأضاف إليها حتى خَلَق نسقاً فكرياً يُعدُّ تنويعاً جديداً على النسق اللورياني. وأهم أفكار نيثان هي فكرة "النور الذي لا عقل له" مقابل " النور العاقل". وحسب هذا التصور، يحوي الإين سوف (الإله الخفي أو العدم) النورين داخله. أما الأول، فهو قوة مدمرة هائلة لا عقل لها، وهي لا تكترث كثيراً بعملية الخلق بل تعاديها فهي قوة العدم. وأما النور العاقل، فهو النور الذي يفكر في عملية الخلق ويقوم بها في نهاية الأمر. وقد حدثت عملية الانكماش الإلهي (تسيم تسوم) ليس في الوجود الإلهي بنوريه العاقل والمعادي للعقل وإنما حدثت في النور العاقل وحده استعداداً لعملية الخلق، فانفصل النور العاقل عن النور الذي لا عقل له فصار هذا النور العدمي قوة نابعة من الإين سوف (الإله الخفي) مستقلة عنه، وبذلك فقد أصبح قوة الشر، أي أن الشر الماثل في الدنيا إن هو إلا جزء من الإله. ويقوم هذا النور بتدمير كل ما ينتجـه النـور العاقل الذي اخترق، رغـم هذا، الفضاء العلوي وشيَّد العالم. ومع هذا، فقد ظل النصف السفلي، أو الهوة الكبرى (الهيولي السفلي)، مظلماً بعيداً عنه وعن سلطانه. ويصبح جدل الكون هو محاولة النور العاقل الوصول إلى العالم السفلي، وقيام النور غير العاقل بصد الإشعاعات (وهذا تعبير عن الثنوية القوية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي). ولا يمكن في الواقع أن تصل هذه الإشعاعات إلا من خلال شخصية الماشيَّح، فهو وحده القادر على توصيلها وعلى إعادة تشكيل الهيولي السفلي. بل إن روح الماشيَّح توجد في هذا العالم السفلي، فهو إحدى الشرارات الإلهية التي التصقت بالقشرة (قليبوت)، ولذا فهو ليس خاضعاً لسلطان التوراة أو القانون، وهو وحده القادر على بدء عملية التيقون.

        والبشر جميعاً خاضعون لسلطة الشريعة، التي هي تعبير عن النور العاقل والأرواح المتصلة به، على عكس الماشيَّح الذي لا يخضع لسلطانه. فهو يحوي النورين، وله من الرخص ما لم يُمنَح لبشر. وقد مكَّنت هذه الفكرة نيثان الغزاوي من أن يفسر تلك الأعمال الغريبة التي صدرت عن الماشيَّح. وقد وصفه بأنه البقرة الصغيرة الحمراء التي ورد ذكرها في العهد القديم (عدد 19)، فهو يطهر المدنَّسين ولكنه هو نفسه مدنَّس، وهو أيضاً الثعبان المقدَّس الذي سيُخضع ثعابين الهوة (والواقع أن كلمة «ناحاش» العبرية، أي ثعبان، لها القيمة الرقمية نفسها التي لكلمة «ماشيَّح»، ولذا فإنه مقدَّس مهما أتى من أفعال قد تبدو مُدنَّسة).

        وتستند هذه الرؤية للماشيَّح إلى فكرة شبتانية أساسية، وهي فكرة التوراتين: توراه دي أتسليوت، أي توراة العالم العلوي أو توراة الفيض والخلاص، وتوراه دي بريئاه، أي توراة الخلق أو توراة الظاهر والعالم الحسي أو السفلي. فحسب التصور الشبتاني (وهو مجرد تطوير وتعميق للفكر القبَّالي)، هناك معنىان للتوراة؛ أحدهما ظاهري والآخر باطني. ويرتبط المعنى الظاهري بهذا العالم، عالم الخير والشر والحياة والموت والزوال والدنس والشتات والنفي. ولذا، فإن هذه التوراة، توراة الخلق والخليقة، تحوي الوصايا والأوامر والنواهي التي يجب على اليهودي اتباعها ليساعد الشخيناه (المنفية مع اليهود) في محنتها. ويُشار إلى توراة الخلق هذه بأنها رداء الشخيناه في سبيها. أما المعنى الباطني للتوراة، فيرتبط بالعالم السامي، عالم الخير والحياة الأزلية، وهو عالم ثابت لا نفي فيه ولا شتات، وتوراته هي توراة الخلاص، ولا يدرك كنهها سوى القديسين، والماشيَّح المخِّلص. وبرغم التشابه بين التوراتين في المحتوى والألفاظ، فإن طريقة فهم كل منهما مختلفة لأن تفسير كل توراة يتم وفقاً للعالم الذي نزلت من أجله. فالتوراة في العصر السابق على الخلاص (العصر الشبتاني أو المشيحاني)، تُقرأ في ضوء من الوصايا والنواهي والتحريمات المعروفة لدينا. أما توراة الخلاص والفيض فتسمح بالمحرمات، بل إن انتهاك توراة الخليقة لينهض دليلاً على مجيء العصر الجديد الذي بشَّر به شبتاي تسفي.

        ويستند كل هذا إلى مفهوم محوري في الفكر الشبتاني، هو مفهوم قداسة الرذيلة. فالأفعال المدنَّسة هي في الواقع أفعال مقدَّسة، شـكلها الخارجي وحسـب هو المدنَّس (ويظهر هنا تأثير المارانو مرة أخرى). ويصبح العقل المدنَّس مقدَّساً إن عمل بحماس ديني. وقد وجد الشبتانيون تبريراً لرأيهم هذا في التلمود الذي ورد فيه أن الخطيئة التي تُقتَرف لذاتها هي أعظم من وصية لا تُؤدَّى لذاتها. كما أن المختارين لا يمكن أن يُحكَم عليهم بالمقاييس العادية، فهم ينتمون إلى قانون مختلف هو قانون الفيض، وهم فوق الخير والشر (مثل الإنسان الأعلى عند نيتشه). فمن المستحيل على الذين يعيشون في عالم التيقون أن يرتكبوا الخطيئة، لأن الشر بالنسبة إليهم فَقَد معناه لأنهم وصلوا إلى الخلاص الداخلي الكامل.

        وقد بشَّر باروخيا روسو أتباعه بأن الست والثلاثين خطيئة القاطعة التي تنص الشريعة اليهودية على قتل من يرتكبها، هي خطايا من وجهة نظر توراة الخلق فقط. أما وقد تم الوصول إلى مرحلة الخلاص، مرحلة توراة الفيض، فإن تلك الخطايا قد أصبحت من المحللات. وأصبح الشبتانيون يتحللون من كل الأوامر ويترخصون في كل النواهي، بل أصبحوا يرون أن من واجبهم انتهاك الشريعة وتدنيس الأخلاقيات الشائعة باسم المعاني الباطنية والمبادئ السامية. وصار شعارهم الأساسي عبارة شبتاي تسفي: "الحمد لك يارب، يا من تُحلِّل المحرمات".

        والمعنى الباطني للتوراة هو المعنى الحقيقي بالنسبة إلى المبشرين بعالم الخلاص، وبالنسبة إلى الذين وصلوا إليه. ومن العلامات الحقة لإيمانهم أنهم يخفون دينهم الحقيقي ويبقونه سراً خفياً عن عيون البشر. بل يجب على المؤمن الحق أن يدخل كل الأديان وينتمي إليها بصورة ظاهرة، على أن يبطن دينه الحقيقي. وهو بذلك سـيتمكن من أن يهـدم الأديان كلهـا التي سيرتديها فقط كغطاء خارجي. ويبدو أن يهود المارانو الذين كانوا يعتنقون اليهودية سراً والمسيحية علناً، قد لعبوا دوراً أكيداً في إشاعة هذه الأفكار وفي قبولها. ويرى بعض الدارسين أن ثمة تأثراً بالتراث الديني المسيحي في الفكر الشبتاني، يتبدى في مركزية فكرة الماشيَّح الفرد الذي يُصلَب (والصلب في حالة الفكر الشبتاني قد يكون حقيقياً وقد يأخذ شكل الارتداد والتدنس). كما يتبدى الفكر المسيحي في تأكيد الخلاص الداخلي، والحرية الباطنية. بل يذهب الدارسون إلى وجود ثالوث شبتاني: الإله الخفي وإله جماعة يسرائيل والشخيناه، أو تنويعات على هذا الثالوث. وقد تأسست بعد موت تسفي مراكز شبتانية في أطراف الدولة العثمانية في البلقان، وفي كلٍّ من إيطاليا وبولندا وليتوانيا.

        وأهم الحركات الشبتانية هي حركة جيكوب فرانك. ولقد كانت الحركة الشبتانية منتشرة بشكل عميق في أوربا إذ ظل الشبتانيون داخل اليهودية الحاخامية، وأبطنوا آراءهم، وقاموا بالدعوة لها سراً، حتى أن أحد عُمُد اليهودية الحاخامية (الحاخام إيبيشويتس) كان من دعاتها. وقد أصبح الشبتانيون من أهم العناصر الثورية والعدمية في أوربا واحتفظوا بآرائهم داخل أنفسهم، حتى ظهرت الثورة الفرنسية، فصار كثير منهم من دعاتها ورسلها. وكان موسى دوبروشكا، أحد المرشحين لرئاسة حركة فرانك، من زعماء الثورة الفرنسية ممن أُعدموا مع دانتون عام 1794.

        والحركة الشبتانية واحدة من الحركات اليهودية المشيحانية الحديثة التي تعبِّر عن بؤس اليهود، وعن أزمة اليهودية التي انتهت بظهور الحسيدية ثم الصهيونية، وكلها حركات شعبية هروبية ترفض الزمان والمكان وتطالب بالانتقال من وضع تاريخي متعين متأزم إلى مجتمع جديد مثالي يُشيَّد على أرض فلسطين. وقد اتخذت حركة الهروب هذا الشكل المشيحاني، بسبب الحلولية الكامنة في النسق الديني اليهودي، التي تشكل واحداً من أهم طبقاته الجيولوجية.

        ويرى أحد المفكرين اليهود أن الحركة الشبتانية هي بداية اليهودية الحديثة، فظهورها تعبير عن ضعف اليهودية المعيارية، أي اليهودية الحاخامية. وهي، بإسقاطها كل النواميس، تشبه في كثير من النواحي الحركات اليهودية المعاصرة، أي اليهودية التي تحاول أن تطرح جانباً القيود المتزمتة التي فرضتها اليهودية الحاخامية على اليهود. وبالتالي، فإن الوريث الحقـيقي للشـبتانية هـو اليهودية الإصلاحية. فهذه، هي الأخرى، ثورة على التقاليد التلمودية الحاخامية، ويُقال إن أحد أهم زعماء اليهودية الإصلاحية في المجر (أرون كورين) كان شبتانياً في شبابه.

        وثمة رأي آخر يرى أن الوريث الحقيقي للحركة الشبتانية هو الصهيونية، فهي ترفض الأوامر والنواهي، ولا تقبل الانتظار حتى يشاء الإله أن يأتي الماشيَّح. ولكن الطبقة الحلولية اليهودية هي التي تجمع بين كل هذه الحركات التي تُعدُّ مجرد تجليات لهذه الطبقة التي تنكر وجود الإله المفارق، وتبحث عن المطلق والركيزة النهائية في المادة نفسها، ولذا يحل الإله تماماً في الطبيعة والتاريخ وتتقدس المادة، ومن ثم تصبح كل الأمور متساوية (نسبية) وتَسقُط المطلقات الأخلاقية لتصبح الرذائل فضائل والفضائل رذائل.
        اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
        http://www.rasoulallah.net/

        http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

        http://almhalhal.maktoobblog.com/



        تعليق


        • #64
          الدونمــه
          Donmeh
          الدونمه» كلمة تركية بمعنى «المرتدين»:


          1 ـ كلمة «دونمه» مكوَّنة من كلمتين تركيتين مدغمتين «دو» بمعنى «اثنين» و«نمه» بمعنى «عقيدة» فهم أصحاب عقيدتين واحدة ظاهرة وهي الإسلام، والثانية مبطنة وهي اليهودية.

          2 ـ يُقال إن الكلمة مشتقة من كلمة «دونماك» بمعنى «العائدين»، أي يهود المارانو الذين هاجروا من شبه جزيرة أيبريا إلى الدولة العثمانية.

          وقد أُطلق هذا الاسم على جماعة يهودية تركية شبتانية من اليهود المتخفين استقرت في سالونيكا وأشهرت إسلامها تشبُّهاً بشبتاي تسفي (الماشيَّح الدجال). فقد اعتقد كثيرون من أتباعه المؤمنين به أن ارتداده عن دينه واعتناقه الإسلام تلبية لأمر خفي من الرب وتنفيذ للإرادة الإلهية، فحذوا حذوه، ولكنهم ظلوا متمسكين سراً بتقاليد اليهودية. وهم يختلفون عن يهود المارانو في أنهم اعتنقوا الإسلام طواعية دون قسر، فلم تكن الدولة العثمانية تُكره أحداً على اعتناق الإسلام. وعقيدة الدونمه عقيدة حلولية غنوصية متطرفة فهم يؤمنون بألوهية شبتاي تسفي، وأنه الماشـيَّح المنتظر الذي أبطل الوصايا العـشر وغـيرها من الأوامر والنـواهي. وهم يرون أن التوراة المُتداوَلة (توراة الخلق) فارغة من المعنى وأنه أحل محلها توراة التجليات، وهي التوراة بعد أن أعاد تسفي تفسيرها.

          وكان مركز الجماعة في بادئ الأمر في أدرنة ثم انتقل إلى سالونيكا. ويحمل كل عضو من أعضاء الدونمه اسمين: اسم تركي مسلم وآخر عبري يُعرَف به بين أعضاء مجتمعه السري. وكانوا يعتبرون أنفسهم يهوداً، فكانوا يتدارسون التلمود مع بقية اليهود ويستفتون الحاخامات فيما يقابلهم من مشاكل، كما كانوا يحتفلون بجميع الأعياد اليهودية ويقيمون شعائرهم عدا شعيرة الكف عن العمل يوم السبت حتى لا يلفتوا النظر إلى حقيقتهم. وقد أضافوا إلى الأعياد عيداً آخر اعتبروه أقدس الأعياد على الإطلاق وهو عيد ميلاد شبتاي تسفي. ويدفن الدونمه موتاهم في مدافن خاصة بهم، ولكن كل فريق منهم يتعبد في معبده الخاص الذي يُسمَّى «القهال» (الجماعة أو جماعة المصلين)، والذي يوجد عادةً في مركز الحي الخاص بهم مخبأً يخفيهم عن عيون الغرباء. وكانت صلواتهم وشعائرهم تُكتَب في كتب صغيرة الحجم حتى يَسهُل عليهم إخفاؤها، ولهذا لم يطلع عليها أحد حتى عام 1935. وكانت كتب الصلوات بالعبرية أصلاً، لكن اللادينو حلت محل العبرية سواء في الأدب الديني أم الدنيوي، ثم حلت التركية محل اللادينو في منتصف القرن التاسع عشر. وقد اتُهمت هذه الجماعة، أو على الأقل إحدى فرقها، بالاتجاهات الإباحية وبالانحلال الخلقي والانغماس في الجنس، وذلك بسبب تحليل الزيجات التي حرمتها الشريعة اليهودية وبسبب الحفلات التي كانوا يقيمونها ويتبادلون خلالها الزوجات (وهذا أمر شائع في أوساط الجماعات الحلولية التي تُسقط كل الحدود، بمعنى حدود الأشياء والعقاب). وللدونمه صيغة خاصة من الوصايا العشر لا تُحرِّم الزنى، بل إنها تُحوِّل عبارة «لا تزن» إلى ما يشبه التوصية بأن يتحفظ الإنسان فقط في ارتكاب الزنى وليس أن يمتنع عنه تماماً. والموعظة الطويلة التي تركها أحد زعمائهم تحتوي على دفاع قوي عن إسقاط التحريمات الخاصة بالجنس في «توراة الخلق». وتؤكد الموسوعة اليهودية أنهم يعقدون احتفالات ذات طابع عربيدي داعر في عيد من أعيادهم الذي يُسمَّى «عيد الحمل» (22 مارس/آدار) وهو عيد بداية الربيع. وإن كان يبدو أن مثل هذه الاحتفالات مقصورة أساساً على فرقة القنهيليه، وهي على كل حال أكبر فرق الدونمه عدداً.

          وتنقسم الدونمه إلى عدة فرق:

          1 ـ اليعقوبلية: بعد موت تسفي، أعلنت آخر زوجاته أن روح زوجها قد حلت في أخيها يعقوب فيلسوف (أو يعقوب قويريدو، أي المحبوب)، وأن تسفي تجسَّد مرة أخرى من خلاله. وقد اعتنق أتباع يعقوب الإسلام بل أدَّى هو فريضة الحج عام 1690 ومات أثناء عودته. وقد تبعه ما يقرب من ثلاثمائة أسرة انقسمت عن جماعة الدونمه ككل. وقد سُمِّي أتباع يعقوب «اليعقوبلية» أي «اليعقوبيون»، وهم يسمون باللادينو «أرابادوس»، أي «الحليقون النظفاء» لأنهم يحلقون شعور رؤوسهم تماماً، وإن كانوا يرسلون لحاهم. وكان الأتراك يسمونهم «الطربوشلوه» أي «لابسو الطرابيش» لأنهم كانوا يرتدون الطرابيش. ويضم هذا الفريق أساساً أفراداً من الطبقات الوسطى أو الدنيا من الموظفين الأتراك. وهم مندمجون في المجتمع التركي تماماً، على الأقل من الناحية الشكلية.

          2 ـ الأزميرليه: وقد أُطلق على بقية الدونمه اسم «الأزميرليه»، ولكنهم ما لبثوا أن انقسموا إلى قسمين:

          أ) القنهيليه («القونيوسوس» باللادينو، و«كاركاشلر» بالتركية). وقد حدث انقسام آخر في صفوف هؤلاء عام 1700 حين ظهر قائد جديد هو باروخيا روسو الذي أعلن أنه تجسُّد جديد لشبتاي تسفي وأعلن أتباعه أنه التجسد أو التجلي المقدَّس وأنه ربهم. وكان باروخيا روسو (وكان اسمه التركي مصطفى شلبي، كما كان يُعرَف باسم الحاخام باروخ فونيو) أكثر الدونمه راديكالية. فقد قام بتعليم التوراة المشيحانية الخفية، أو توراة التجليات التي تطالب بقلب القيم، فطالب على سبيل المثال بإيقاف العمل بالستة والثلاثين حظراً التي وردت في التوراة والتي تُعرَف باسم «القاطعة» (بالعبرية: كيريتوت)، وقد كانت عقوبة من يخالفها هو اجتثاث الروح من جذورها وإبادتها تماماً، بل وحوَّلها إلى أوامر واجبة الطاعة. وقد كان ذلك يتضمن العلاقات الجنسية، ومن ذلك العلاقات بين المحارم. وأعضاء هذه الفرقة من الدونمه هم أساساً من الحرفيين، مثل الحمالين والإسكافيين والجزارين، ويُقال إن جميع الحلاقين في سالونيكا كانوا من أتباع هذه الفرقة. وكانوا يرسلون لحاهم ولا يحلقون شعر رأسهم (وهذا مثل جيد لجماعة وظيفية تَتبنَّى الرؤية الحلولية). وتُعَدُّ فرقتهم أكثر الفرق تطرفاً نظراً لعدميتهم الدينية. وقد قام هذا الفريق من الدونمه بنشاط تبشيري كثيف بين أعضاء الجماعات اليهودية، وأُسِّست جماعات تابعة له في أماكن عدة. وقد ظهرت الحركة الفرانكية من أحد هذه الأماكن.

          ب) القبانجي: بعد موت باروخيا، انفصلت مجموعة أخرى سُمِّيت «القبانجي»، وهي كلمة تركية تعني «القدماء» أو «القائمون على حراسة الأبواب» (باللادينو: «كافاليروس»)، رفضوا الاعتراف بقويريدو، كما رفضـوا الطبيعة المشـيحانية لباروخيا، ولم يعترفوا إلا بشبتاي تسفي، وأصبح اسم «الأزميرلية» يُطلَق عليهم وحدهم، وأصبحوا أرستقرّاطية الحركة الشبتانية. وتضم هذه الفرقة المهنيين (من أطباء ومهندسين) وأصحاب المهن الحرة وأثرياء اليهود. وهؤلاء كانوا يحلقون رؤوسهم ولا يطلقون لحاهم.

          وكان كل فريق من الدونمه يعيش بمعزل عن الآخر. وقد لعب الكثير من أعضاء الدونمه دوراً قيادياً في الثورة التركية سنة 1909، وخصوصاً داود بك الذي أصبح فيما بعد وزيراً للمالية، وكان من نسل باروخيا رئيس الجماعة القنهيلية المتطرفة. ويُشاع بين يهود سالونيكا أن كمال أتاتورك نفسه كان من الدونمه.

          ولا تُعرَف أعداد الدونمه إلا على وجه التقريب. ويُقال إن عددهم وصل إلى مـا بين عشـرة آلاف وخمسة عشر ألفاً قبل الحرب العالمية الأولى. وقد تَفرَّق شملهم على أثر اتفاقية تبادل السكان التي وقعتها تركيا واليونان بعد الحرب عام 1924 بسبب اضطرار أعضائها، باعتبارهم مسلمين اسماً، إلى ترك مقرهم في سالونيكا والاستقرّار في جهات متفرقة في تركيا، خصوصاً إستنبول. وقد حاولوا أن ينضموا مرة أخرى إلى الجماعة اليهودية، ولكن طلبهم رُفض لأن أولادهم يُعتبَرون غير شرعيين (مامزير). وتم أخيراً إزاحة النقاب عن سر هذه الجماعة بعد أن نجحت طويلاً في إخفاء حقيقة أمرها عن المسلمين واليهود على السواء، فقد ظهرت وثائق ومخطوطات كشفت عن عدميتهم المتأصلة وبعدهم التام عن الإسلام وعن اليهودية. وقد فشلت جميع المحاولات التي بُذلت لإقناعهم بالهجرة إلى إسرائيل، ولم يكن بين المهاجرين الأتراك غير أفراد قلائل من الدونمه. وثمة دلائل تشير إلى أن القنهيليه استمرت موجودة حتى الستينيات، وأنها لا تزال تبقي على إطارها التنظيمي، وأن رئيس الجماعة أستاذ في جامعة إستنبول. ويبدو أن أعضاءها تربطهم علاقة وثيقة بالحركات الماسونية في تركيا ويلعبون دوراً نشيطاً في عملية علمنة تركيا، وهو ما يُعطي الحركة الماسونية طابعاً خاصاً.

          المناظـــرة الشــــبتَّانية
          Shabattean Controversy


          نشبت معركة فكرية بين يعقوب أمدن وجوناثان إيبيشويتس، وكلاهما كان من كبار العلماء التلموديين في عصرهما، حين قام أمدن باتهام إيبيشويتس بأنه مؤمن بالأفكار الشبتانية سراً رغم تحريمه إياها علناً. وقد أثبت أمدن، بالأدلة القاطعة، صدق اتهامه. وقد هزت المعركة المؤسسة الحاخامية، وأضعفت هيبتها وبينت مدى تغلغل الأفكار القبَّالية (أساس الشبتانية) داخل المؤسسة التلمودية.

          جـوناثــان إيبيشويتـس (1690-1764 )
          Johnathan Eybeshuetz


          واحد من أكبر العلماء التلموديين والقبَّاليين في عصره. وُلد في بولندا وتَعلَّم في براغ حيث استقر عام 1715. صادق بعض العلماء غير اليهود، من بينهم الكاردينال هاسباور الذي استصدر له رخصة لطبع التلمود شريطة أن يستبعد العبارات المعادية للمسيحية. ولكن المشروع لم يتحقق بسبب معارضة زعماء الجماعة اليهودية. وكان إيبيشويتس أحد القضاة الذين حكموا بتحريم المذهب الشبتاني. وقد عُيِّن حاخاماً لمتز وثلاث مدن أخرى عام 1750.

          ويرتبط اسم إيبيشويتس بالمناظرة الشبتانية الكبرى حين اتهمه جيكوب أمدن بأنه يروج للشبتانية سراً. وقد وقف إلى جانبه حاخامات بولندا (وطنه الأصلي) ووقف ضده حاخامات ألمانيا (الوطن الذي استقر فيه). وقد استعرت المعركة بين الفريقين، فاضطر إلى اللجوء إلى السـلطات غـير اليهودية التي وقفـت في صفـه. وظهرت المشكلة مرة أخرى، حينما تبين وجود عدد من أتباع الاتجاه الشبتاني بين تلامذته، كما أعلن ابنه ديفيد أنه نبي شبتاني، الأمر الذي أدَّى إلى إغلاق المدرسة التلمودية التي كان يدرِّس فيها إيبيشويتس الأب.
          وتعود أهمية إيبيشويتس إلى أنه كان من أهم علماء اليهودية الحاخامية، ومن كبار المعارضين العلنيين للشبتانية. ولذا، فإن اتهامه باتباعها، وإثبات ذلك، يدل على مدى تَجذُّر الشبتانية وهيمنتها. وفي عام 1724، ظهرت مخطوطة كتبها إيبيشويتس، وهي شبتانية النزعة دون جدال. كما قام يعقوب أمدن بحل طلاسم بعض الأحجبة التي كتبها إيبيشويتس، وبين أنها تحوي صيغاً شبتانية.

          جيكوب أمـدن (1697-1776 )
          Jacob Emden


          عالم تلمودي من أصل ألماني، قاد معركة ضارية ضد النزعة الشبتانية، وهو معروف بمعركته مع جوناثان إيبيشويتس التي سُمِّىت «المناظرة الشبتانية الكبرى».

          هولجـر بولـي (1644-1714 )
          Holger Paulli


          تاجر دنماركي من غلاة البروتستانت، وصاحب ادعاءات مشيحانية يهودية. وُلد في الدنمارك في مدينة كوبنهاجن، ودرس اللاهوت في جامعتها، ثم اشتغل بعد ذلك في تجارة العبيد في جزر الهند الغربية فحقق ثروة طائلة. وفي عام 1694، عاد إلى الدنمارك. ثم انجذب بشكل حاد نحو الدين، فهجَّر أسرته وترك بلده وسافر إلى فرنسا ثم إلى أمستردام حيث أصدر أول منشور ديني له عام 1697 دعا فيه إلى دمج اليهودية والمسيحية، وأعلن نفسه المسيح الجديد وملك اليهود الذي اختاره الإله لكي يعيد بناء الإمبراطورية اليهودية في فلسطين. وفي عام 1700، كتب منشوراً آخر موجهاً إلى ملوك أوربا أبلغهم أن المملكة اليهودية ستقام مرة أخرى عام 1720، كما طالب ملك فرنسا بالتخلي عن العرش والانضمام له لتنصير اليهود بالقوة.

          وقد قامت السلطات في أمستردام بسجن بولي عام 1701 بتهمة التحريض على أعمال الشغب. وقد أُفرج عنه بفضل وساطة أسرته وأصدقائه الذين التمسوا له العذر بحجة جنونه. وقد انتقل بعدها إلى ألمانيا ثم عاد إلى الدنمارك حيث منعته السلطات منعاً باتاً من التدخل في الشئون الدينية أو الاتصال باليهود.

          والواقع أن قصة بولي تبين بكل جلاء التداخل الواضح بين الأجنحة المتطرفة في البروتستانتية واليهودية (وعلى أية حال، فقد كان كثير ممن ادعوا أنهم مشحاء، مثل تسفي وفرانك، يتحولون عن اليهودية وينخرطون في دين آخر). كما تبين هذه القصة أن النزعة المشيحانية بين اليهود ليست مرتبطة بالنسق الديني اليهودي، وإنما هي مرتبطة بعناصر في الحضارة الغربية، وأن تَفجُّرها لا يمكن تفسيره إلا بالعودة لآليات وحركيات هذه الحضارة. ويمكن القول بأن النزعة المشيحانية الصهيونية (مسيحية كانت أم يهودية) هي في واقع الأمر تعبير عن اتساع أطماع الإنسان الغربي وتَفتُّح أفقه وشهيته وظهور الرؤية المعرفية الإمبريالية حيث قرَّر هذا الإنسان غزو العالم وتسخيره، ويبدو أن الخطاب المشيحاني هو الوسيلة الدينية لهذه الرؤية الإمبريالية.

          والذي حدث بعد ذلك هو أن هذه النزعة المشيحانية تمت علمنتها وتجريدها من أية رواسب أو ديباجات دينية، إلى أن نصل إلى الدعوة الاستعمارية الصريحة في القرن التاسع عشر. ومع هذا، لا يعدم الأمر وجـود شـخصية مثل بلفور، وهو وزير إنجليزي ذو توجُّه استعماري واضـح، يظـل يُدافع عن مشروعه الصهيوني في فلسطين من منظور ديني.
          اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
          http://www.rasoulallah.net/

          http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

          http://almhalhal.maktoobblog.com/



          تعليق


          • #65
            الحركــة الفرانكــية
            Frankist Movement

            الحركة الفرانكية نسبة إلى جيكوب فرانك، التي تعود نشأتها إلى عام 1759 حين تَنصَّر فرانك هو ومجموعة من أتباعه على الطريقة المارانية، أي أظهروا المسيحية وأبطنوا عقيدتهم الغنوصية. ويمكن القول بأن منظومة فرانك الحلولية هي منظومة يصل الحلول فيها إلى منتهاه إذ يحل الإله في المادة ويموت وتصبح وحدة وجود مادية كاملة، المادة فيها مقدَّسة تماماً، والإنسان فيها إله، ومن ثم فهي أيضاً النقطة التي تَسقُط فيها كل الحدود ويتساوى فيها المطلق والنسبي والمقدَّس والمدنَّـس والمُحـرَّم والمُـباح وتنقلب القيم رأساً على عقب ويتسـاوى الخـير والشر والوجـود والعـدم، ولـذا فـإن منظومـة فرانك أكثر حداثة وجذرية من منظومة نيتشه على سبيل المثال.

            ويتحدد إسهام فرانك في أنه خلَّص القبَّالاه من رموزها الكونية المترابطة المركبة، ووضعها في مصطلح شعبي مزخرف، وفي إطار أسطوري، بل طَعَّمها بصور مسيحية مألوفة لدى يهود شرق أوربا الذين اختلطوا بالفلاحين السلاف في الريف، وابتعدوا عن مراكز الدراسة التلمودية في المدن. وقد تأثر الفرانكيون بالفرق الأرثوذكسية الروسية المنشقة، وخصوصاً الدوخوبور والخليستي.

            وتدور العقيدة الفرانكية حول ثالوث جديد يتكون مما يلي:

            1 ـ الإله الخيِّر أو الأب الطيب. وهو إله خفي يختبئ وراء ثاني أعضاء الثالوث، ولا علاقة له بعملية الخلق أو المخلوقات، فهو لم يخلق الكون (فلو أنه خلق الكون لأصبح هذا الكون خالداً وخيِّراً، ولكانت حياة الإنسان أبدية). وهو مقابل الإين سوف في العقيدة القبَّالية.

            2 ـ الأخ الأعظم أو الأكبر، ويُسمَّى أيضاً «هذا الذي يقف أمام الإله». وهو الإله الحقيقي للعقيدة الذي يحاول العبد التقرب منه، ومن خلال الاقتراب منه يستطيع العابد أن يحطم هيمنة حكام العالم الثلاثة (قيصر روسيا، والسلطان العثماني، وحاكم إحدى القوى العظمى الأخرى ولعلها النمسا أو ألمانيا) الذين يهيمنون على العالم ويفرضون عليه شريعة غير ملائمة. والأخ الأعظم (المقابل للتفئيريت أو الابن، ولبعض التجليات الأخرى) مرتبط بالشخيناه التي هي الأم التي يُقال لها «علماه».

            3 ـ الأم «علماه»، أو العذراء «بتولاه»، أو «هي». وهي خليط من الشخيناه والعذراء مريم. والواقع أن صورة الأنثى في الثالوث الفرانكي جعلت العنصر الجنسي الكامن في القبَّالاه اللوريانية أو في الحركة الشبتانية عنصراً أكثر وضوحاً. وقد استخلص الفرانكيون أن التجربة الدينية الحقة لابد أن تأخذ شكل ممارسة جنسية. ولن يصل العالم إلى الخلاص إلا باكتمال الثالوث الجديد السابق.

            وهذا الثالوث أقرب إلى شخصيات المنظومة الغنوصية (الإله الخفي أو الديوس أبيسكونديتوس، والمخلص أو الكريستوس، وصوفيا أو الحكمة). وشبتاي تسفي نفسه، حسب التصور الفرانكي، ليس إلا أحد تجليات الإله، فهو تجسيد جديد للأخ الأعظم، ولكنه تملَّكه الضعف وهو بعد في منتصف الطريق، فلم يستطع تحقيق أي شيء. ووصولاً إلى الخلاص، لابد أن يظهر ماشيَّح جديد يكمل الطريق، ولابد أيضاً أن تظهر العذراء (تجسيد العنصر الأنثوي). وحتى يتحقق الخلاص، ينبغي أن يسير المؤمن بالعقيدة الفرانكية في طريق جديد تماماً، لم يطرقه أحد من قبل، وهو طريق عيسو (أدوم) الذي يُشار إليه في الأجاداه بلفظ «أدوم» ويُستخدَم اللفظ نفسه للإشارة إلى «روما»، أي القوى الكاثوليكية. فعيسو رمز تَدفُّق الحياة الذي سيحرر الإنسان والحياة فهو قوة لا تخضع لأي قانون فهي حالة سيولة كونية ورحمية.

            وقد جاء في التوراة أن يعقوب قال إنه سيزور أخاه (تكوين 33/14) ولكنه لم يفعل لأن الطريق كان صعباً عليه. وقد حان الوقت لأن يسير الماشيَّح في ذلك الطريق الذي يؤدي إلى الحياة الحقة التي تحمل كل معاني الحرية والإباحية (ولنلاحظ هذا الارتباط بين حالة السيولة الرحمية والإباحية الجنسية وهو أمر متكرر في الأنماط الحلولية). فالطريق الجديد يؤدي إلى عالم لا توجد فيه قوانين ولا حدود، عالم تم فيه التجرد من كل الشرائع والقوانين والأديان، لكنه عالم ليس فيه حدود (الحد بمعنى «الحاجز الذي يفصل بين شيئين» وبمعنى «عقوبة مُقدَّرة وجبت على الجاني» وبمعنى «حدود الشخصية» أي هويتها)، وتصبح العدمية والتخريب هما طريق الخلاص. إن هذا العالم الشرير لم يخلقه الإله الخفي، وهو مادة دنيئة تقف في وجه وصول الإنسان إلى الأخ الأعظم (ويُلاحَظ هنا الأثر العميق للغنوصية). وحتى يتم إنجاز هذا الهدف، لابد أن تُحطَّم كل القوانين والتعاليم والممارسات التي تعوق تدفُّق الحياة: «لقد أتيت لأحرر العالم من كل الشرائع والعادات الموجودة فيه. إن مهمتي هي إزالة كل شيء حتى يستطيع الإله أن يكشف عن نفسه ». ثم تظهر العدمية الدينية بشكل أوضح في الحديث عن الطريق إلى الحياة الجديدة، فهو طريق جديد تماماً، وكما يقول فرانك: « أينما كان يخطو آدم، كانت تنشأ مدينة. لكن أينما أضع أنا قدمي، يجب أن يُدمَّر كل شيء، فقد أتيت إلى هذا العالم لأُدمِّر وأبيد».

            والطريق الجديد طريق غير مرئي، لا يكون إلا في الخفاء. ولذا، فإنه يتعين على المؤمنين أن يرتدوا رداء عيسو (أي المسيحية)، فعليهم أن يتظاهروا بالتنصر (والواقع أن التظاهر بدين واعتناق دين آخر من أهم ممارسات جماعة الدوخوبور من المسيحيين الروس المنشقين). وقد عبر المؤمنون إلى الأمة اليهودية والإسلام (الإشارة إلى شبتاي تسفي) ولم يبق سوى المسيحية. والمؤمن الحق يختبئ تحت « عبء الصمت » يحمل الإله في قلبه الصامت فيعتنق الديانات الواحدة تلو الأخرى ويمارس شعائرها. لكن التغلب على الأديان الأخرى وتدميرها يتطلب من الفرد أن يكون صامتاً تماماً ومخادعاً: « فالإنسان الذي يرغب في غزو حصن لا يفعل ذلك بالكلام والإعلان، بل يتسلل إليه في صمت وسكون، لقد تحدَّث الأجداد كثيراً، لكنهم لم يفعلوا شيئاً. لذلك يجب الآن تَحمُّل الصمت. وحينئذ، لن يكون الفرد في حاجة إلى الدين» (ويتضح هنا أثر يهود المارانو المتخفين). وحينما يمارس المؤمن طقوس الديانات الأخرى دون أن يتقبل أياً منها، بل يحاول أن يحطمها من الداخل، فهو يؤسس الحرية الحقة. فالواقع أن الديانة المنظمة على أساس مؤسسي التي يعتنقها اليهودي المتخفي ليست سوى عباءة يرتديها المرء كرداء يلقي به (فيما بعد) في طريقه إلى المعرفة المقدَّسة، وهي المعرفة الغنوصية بالمكان الذي تُحطَّم فيه كل القيم التقليدية في تيار الحياة، طريق غير مرتبط بأي قانون وإنما مرتبط بإرادة فرانك وحده. وإذا كان الإفصاح عن الإيمان بالمسيحية ضرورياً، فإن الاختلاط بالمسيحيين وكذلك الزواج منهم محظور.

            وفرانك نفسه تجسيد آخر للأخ الأعظم تقمصته الروح القدس. سمَّى نفسه «سانتو سنيورا»، أي «السيد المقدَّس»، وروج للمفهوم القبَّالي اللورياني للشر، وهو مفهوم يرى أن الشر ليس حقيقياً، وكل شيء، وضمن ذلك الشر نفسه، هو خير أو علقت به شرارات إلهية على الأقل. ومن هنا، فقد أعلن فرانك أن ظهور الماشيَّح أضفى القداسة على كل شيء في الحياة حتى الشر. وبهذا، برزت فكرة « الخطيئة المقدَّسة » التي ترى أنه ينبغي الوقوع في الخطيئة الكبرى حتى ينبثق عالم لا مكان فيه للخطيئة، عالم هو الخير كله. ولكي يصعد الإنسان، يجب عليه أن يهبط أولاً: « إنني لم آت إلى هذا العالم لكي أصعد بكم، بل لأهبط بكم إلى قاع الهوة، حيث لا يستطيع الإنسان أن يصعد بقوته الذاتية ». أما النزول إلى تلك الهوة، فهو لا يقتضي فقط ترك كل الأديان والمعتقدات، بل يوجب أيضاً اقتراف أعمال آثمة غريبة. وهذا يتطلب أن يتخلى الإنسان عن الإحساس بذاته إلى درجة تصبح معها الوقاحة والفجور هما ما يقود إلى إصلاح الأرواح. وقد عَيَّن فرانك اثني عشر من الإخوة أو الحواريين أو الرسل، هم تلاميذه الأساسيون (مثل حواريي المسيح)، ولكنه عَيَّن أيضاً اثنتي عشرة أختاً كن في واقع الأمر خليلاته (فمن الواضح أن فرانك استمر في الممارسات الجنسية التي كان يمارسها باروخيا). وأعلن أنه سيخلص العالم من كل النواميس الموجودة وسيتجاوز كل الحدود، فقضى ببطلان الشريعة اليهودية. ورغم أن الإله أرسل رسلاً إلى جماعة يسرائيل، فإن التوراة تتضمن شرائع يصعب مراعاتها وثبت عدم جدواها. والشريعة الحقة هي إذن التوراة الروحية أو توراة الفيض التي أتى بها شبتاي تسفي. وشن فرانك حرباً شعواء على التلمود، وأعلن أن الزوهار هو وحده الكتاب المقدَّس. وكان الفرانكيون يُدعَون باسم «الزوهاريين» لهذا السبب. ومع هذا، وصلت العدمية بفرانك إلى منتهاها إذ طلب من أتباعه التخلي عن الزوهار نفسه، وعن كل تراث قبَّالي.

            كانت كل هذه الأفكار تعمل على إعداد أتباعه للتَنصُّر الماراني الظاهري، حيث كان لهم شرط أساسي هو الاحتفاظ بشيء من هويتهم اليهودية العلنية كأن يمتنعوا عن حلاقة سوالفهم، وأن يرتدوا الثياب الخاصة بهم، ويُبقوا أسماءهم اليهودية إلى جانب أسمائهم المسيحية الجديدة، وألا يأكلوا لحم الخنزير، وأن يستريحوا يوم السبت (ولعل من المفارقات أن مثل هذه الشعائر السطحية كانت كل ما تبقى من اليهودية بالنسبة للبعض). كما طالبوا بإعطائهم رقعة أرض في شرق جاليشيا تستطيع جماعتهم أن تؤسس فيها حياتها الجديدة، وخصوصاً أن مسرح الخلاص في الرؤية الفرانكية هو بولندا وليس صهيون. هذا مع وضع برنامج لتحويل اليهود إلى قطاع منتج، كأن يعملوا بالزراعة مثلاً. وقد أكد فرانك أهمية الجوانب العسكرية في تنظيمه. وكان ينادي بأن يترك اليهود الكتب والدراسات الدينية، وأن يتحولوا إلى شعب محارب.

            وكان معظم أتباع فرانك من الفقرّاء أو من اليهود الذين يشغلون وظائف هامشية أو وظائف لم يَعُد لها نفع. فكان منهم الذين يعملون في تقطير الكحول، وكان منهم أصحاب حانات وأعضاء في الطبقات من بقايا يهود الأرندا، وكان هؤلاء قد فقدوا علاقتهم بالمؤسسة الحاخامية وزادت علاقتهم بالفلاحين السلاف، حتى أنهم تأثروا بفكرهم ومعتقداتهم. كما انضم إليه عدد كبير من صغار الحاخامات الذين لم يحققوا ما كانوا يطمحون إليه من نجاح. ومع هذا، فقد كانت الحركة تضم غير قليل من كبار التجار الأثرياء.

            وقد ظهرت الفرانكية في الواقع تعبيراً عن أزمة كان يجتازها كل من اليهود واليهودية:

            1 ـ أما اليهودية، فمن المعروف أنها كانت قد وصلت، مع انتصاف القرن الثامن عشر، إلى طريق مسدود. فقد تحولت إلى عبادة عقلية جافة، سيطر عليها الحاخامات بدراساتهم التلمودية المنفصلة عن أي واقع وتمثلت فيما يشبه التمارين المنطقية. وربما كانت العدمية الواضحة في فكر فرانك تعبيراً عن الملل والسأم من هوية يهودية دينية قد تآكلت.

            2 ـ وقد بدأت الدراسات القبَّالية تحل محل الدراسات التلمودية، ولكن القبَّالاه التي سادت كانت القبَّالاه اللوريانية بنزعتها المشيحانية المتفجرة واتجاهها الحلولي المتطرف. ولهذا، فإنها لم تَصلُح كإطار لحركة تجديد وإصلاح اجتماعية.

            3 ـ تَعرَّض اليهود لهجمات شميلنكي، ثم الهايدماك والفلاحين القوزاق، ولهجمات سكان المدن البولندية والكنيسة الكاثوليكية. ولهذا، فقد لاذوا بمنطقة كانت تتنازعها الدول المجاورة؛ فهي تارة تابعة إلى بولندا وتارة تابعة إلى روسيا، أو النمسا (أوكرانيا وجاليشيا). وكانت مقاطعة بودوليا (التي نشأت فيها الفرانكية وغيرها من الحركات) تابعة للدولة العثمانية بعض الوقت. ولا شك في أن هذا الوضع السياسي القلق سبَّب للجماهير اليهودية كثيراً من الخوف وعدم الاطمئنان جعلها تبحث عن مخرج.

            4 ـ بدأت الجماعات اليهودية تفقد دورها كجماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والوظائف الأخرى، وذلك بظهور عناصر بولندية محلية أخذت تحل محلها وتضطلع بما كان اليهود يؤدونه من وظائف ويقومون به من دور، وبدأ وضع اليهود الاقتصادي يسوء تبعاً لذلك. وتنعكس الأزمة الاقتصادية للجماعة اليهودية في أزمة القهال الذي تحوَّل إلى مؤسسة مدنية تثقلها الأعباء المالية، كما أصبحت مسرحاً للتوترات الاجتماعية بين أعضاء الجماعة اليهودية بدلاً من أن تكون مؤسسة لحلها.

            5 ـ وبرغم تفاقم الأزمة، فلم تظهر فرص اقتصادية بديلة، كما لم تظهر أشكال اجتماعية، داخل الجماعة اليهودية أو خارجها، تحل لها أزمتها وتساعد أعضاءها على الاندماج في المجتمع مرة أخرى من خلال الاضطلاع بوظيفة إنتاجية محددة توجد داخل المجتمع نفسه لا في مسامه. ولذا، كانت الصيغة الشبتانية المارانية صيغةً ملائمة للاندماج ولحل الأزمـة. فما كان يقترحـه فرانك هـو تكوين جماعات يهودية مسيحية، تتساوى في الحقوق مع المواطنين كافة، ويمكنها أن تذوب فيهم. وكان هدف هذه الصيغة التقليل من آلام الانتقال، فجماعة يهودية مسيحية تعيش داخل منطقة زراعية مقصورة عليها يمكنـها التكـيف والاندماج، وفي نهـاية الأمر الانصهار في المجتمع الأكبر، دون أن تضطر إلى تَبنِّي الأشـكال المسـيحية البولندية دفعة واحدة. والفرانكية تشبه، في هذا، الربوبية والماسونية، وهما حركتان تستخدمان خطاباً دينياً يخبئ مضموناً علمانياً لتخفيف آلام الانتقال من عقيدة إلى أخرى.

            6 ـ ومن أهم القضايا التي كانت تواجهها الجماعة اليهودية في أوربا، وبولندا بالذات، بُعدها عن القرّار السياسي ومناطق النفوذ، أو ما كان يُسمَّى بمشكلة العجز (أي انعدام السيادة وعدم المشاركة في السلطة). وقد حُلَّت هذه المشكلة بالتدريج في أوربا الغربية باندماج اليهود في المجتمع وتحوُّلهم من عنصر تجاري نافع غريب إلى عنصر قد يكون متميِّزاً دينياً أو إثنياً ولكنه بدون وظيفة محددة. وبالتالي، فقد أصبح اليهـود مواطنين أعضاء في مؤسـسات صُـنع القرّار. أما في شـرق أوربا، فقد ازدادت المشكلة تفاقماً وازداد يهود اليديشية عزلة، وخصوصاً أن أعدادهم كانت كبيرة، وكان يكفيهم مجرد الانكفاء على الذات لتزداد مشكلتهم حدة. وفي الواقع، فإن الحركات الشبتانية المشيحانية كانت، في أحد جوانبها، تعبيراً عن رغبة عارمة في السلطة وفي الهيمنة عليها، وفي حل هذه الإشكالية. ويتجلى ذلك بشكل حاد في مطالب فرانك وفي سلوكه حيث حاول أن يشبع هذه الرغبة (على نحو ما فعل تسفي من قبل)، فقد طالب فرانك بمنطقة شبه مستقلة يمارس اليهود من خلالها شيئاً من السلطة، كما أنه هو نفسه كان خليطاً من الباشا التركي والنبيل البولندي، فكان يرتدي غطاء رأس تركياً، ويركب مركبة يسير حولها مجموعة من الخدم المترجلين والراكبين تشبهاً بالنبلاء البولنديين. وكان التشبه بالنبلاء البولنديين أمراً شائعاً بين يهود بولندا، بعد أن قرنوا أنفسهم بهم عشرات السنين من خلال مؤسسات الإقطاع الاستيطاني البولندي (وخصوصاً نظام الأرندا). وربما كان النظام العسكري الذي فرضه فرانك على أتباعه تعبيراً آخر عن الرغبة في التشبه بالنبلاء البولنديين. وظهر حب السلطة في شخصية فرانك في سلوكه الدكتاتوري الكامل مع أتباعه، ورغبته في السيطرة عليهم تماماً حتى عن طريق الجنس وغيره من الطرق، كما أنه كان يَعدُ أتباعه بطريقة الملوك. وحينما راقته امرأة ذات مرة، أخبرها بأن فيها شرارة ملكية. بل يُقال إن ما كان فرانك يرمي إليه من وراء حركته هو خلق قاعدة جماهيرية تشكل أساساً للقوة، وأن عملية التنصر لم تكن إلا محاولة لخلق هوية مستقلة لهذه الجماهير عن كل من اليهود والمسيحيين حتى يمثلوا قاعدة جماهيرية له.

            ومع الفرانكية، ظهرت الحسيدية في المرحلة الزمنية نفسها وفي المكان نفسه (بودوليا) جنباً إلى جنب، وانتشرتا بين الجماهير نفسها (الفلاحين اليهود، وأصاحب الحانات، ومستأجري الامتيازات من يهود الأرندا، والوعاظ المتجولين الذين لم يكونوا أعضاء في النخبة الدينية). والواقع أن نقاط التشابه بينهما كثيرة وعميقة. فكلتاهما تنطلقان من القبَّالاه (وخصوصاً اللوريانية) كإطار فكري، وتؤكدان أهمية التلقائية والحرية، وتهملان دراسة التوراة والتلمود (والفرانكية تعادي التلمود)، كما أن كلتيهما تأثرتا بالنزعة الشبتانية وبكثير من أفكارها، واتخذتا موقفاً متحرراً جدلياً من مشكلة الخطيئة والذنب، كما أن كلتيهما جعلت من المنفى حالة شبه نهائية على اليهود تَقبُّلها. ورغم أن الحسيدية تعبِّر عن حب عارم لفلسطين، فإن الحسيديين لم يشجعوا الهجرة إليها قط، بل وقفوا ضدها. أما فرانك، فلم يكترث كثيراً لفلسطين، وقد تَضمَّن برنامجه الإصلاحي (المشيحاني) تأسيس جماعة زراعية في إحدى مناطق بولندا. وقد وقفت كل من الحركتين موقفاً معادياً من المؤسسة الحاخامية.

            ولكن الفرانكية فشلت كحركة جماهيرية في حين أن الحسيدية نجحت حتي أصبحت أهم الحركات الدينية بين يهود اليديشية في شرق أوربا. ويرجع هذا إلى عدة أسباب:

            1 ـ بينما قامت الفرانكية بإعلاء الخطيئة وجعلها فضيلة، وانغمس أتباعها في الممارسات الجنسية، قللت الحسيدية من أهمية مشكلة الخطيئة وحسب وجعلت التساديك واسطة الغفران. وقد كان موقف الفرانكية الراديكالي العدمي موقفاً متفجراً غير اجتماعي. أما موقف الحـسيديين، فـهو على العكـس يساعد على الترابط التنظيمي والاجتماعي.

            2 ـ لجأت الفرانكية، في النهاية، إلى الكنيسة الكاثوليكية، وكان تحديها للمؤسسة الدينية اليهودية تحدياً جذرياً رافضاً. أما الحسيدية، فقد ظلت تعمل من داخل الجماعة اليهودية.

            3 ـ جعلت الفرانكية الخلاص ممكناً من خلال شخص الماشيَّح. لكن تعليق مصير الحركة على شخص واحد كان لابد أن يؤدي إلى أزمة عميقة في حالة فشل هذا الشخص أو انحرافه، وهو الأمر الذي أودي في نهاية الأمر بالفرانكية. أما الحسـيدية، فقد جعـلت المشيحانية مسـألة لفظية، وفتتت النزعة المشيحانية بتوزيعها على شخصيات متعددة هم التساديك، وبالتالي لم تصل إلى مرحلة الأزمة.

            4 ـ ظل الحلم الفرانكي، حتى النهاية، قابلاً للتحقيق من خلال رجل باطش وشخصية كاريزمية. أما الحسيدية، فقد ظلت دون حلم واضح محدد المعالم وإنما انعكست في عدة ممارسات تهدف إلى تخفيف حدة اغتراب اليهود وآلامهم وتأكيد أهمية الجماعة.

            والواقع أن كلاًّ من الفرانكية والحسيدية تشبه الصهيونية من بعض الوجوه، لكن الأولى أكثر قرباً إلى الصهيونية من الثانية. فالفرانكية والصهيونية، كلتاهما، ترفضـان التراث الديني اليهـودي بشـكل راديكالي، وكلتاهما تخرقان الشريعة ولا تلتزمان بها، كما أن قضية السلطة أساسية بالنسبة إلى الفريقين. وقد انتقد فرانك فكرة أن ينتظر اليهود عودتهم إلى صهيون في آخر الأيام، ورأى فيها فكرة سلبية تماماً، وهو يتفق في ذلك مع الصهاينة. وكذلك، فإن الصياغة الفرانكية لدمج اليهود كجماعة تم تطبيعها (أي تنصيرها جزئياً وتحويلها إلى شعب منتج) لا تختلف كثيراً عن التصور الصهيوني الخاص بإخلاء أوربا من يهودها، وتجميع هؤلاء اليهود في فلسطين، وتطبيعهم داخل إطار الدولة اليهودية التي ستندمج في المجتمع الدولي. كما أن اهتمام فرانك بالزراعة والتنظيم العسكري له ما يناظره في النظرية والممارسة الصهيونيتين.

            والعدمية الفرانكية تشبه في كثير من النواحي العدمية المتغلغلة في الفكر الغربي الحديث، ولا ندري إن كان هذا أثراً من آثار الفرانكية أم هو مجرد تماثل بنيوي. ونحن لا نستبعد أن يكون سيجموند فرويد قد تأثر بنمط تفكير فرانك. وفي الواقع، فإن النمط الفكري لجيكوب فرانك يشبه إلى حدٍّ ما الفلسفة الأدبية السائدة الآن في الغرب باسم «التفكيكية» التي ترمي إلى هَدْم فكرة المعنى أساساً وترى أن مهمة الناقد ليست تفسير العمل الأدبي وإنما تفكيكه وإظهار افتقاره إلى المعنى. ويجب أن نشير إلى أن التقاليد السفاردية العدمية بدأت بإسبينوزا وشبتاي تسفي، ثم تبعهما في ذلك الدونمه والحركة الشبتانية، ثم انتقلت هذه التقاليد إلى جيكوب فرانك (السفاردي)، وأخيراً انتقلت إلى كلٍّ من جاك دريدا وإدموند جابيس.
            اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
            http://www.rasoulallah.net/

            http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

            http://almhalhal.maktoobblog.com/



            تعليق


            • #66
              جيكوب فرانك (1726-1791)
              Jacob Frank


              جيكوب فرانك هو مؤسس الحركة الفرانكية. وُلد في بودوليا باسم جيكوب يهودا ليب لأسرة متواضعة، وكان أبوه يعمل تاجراً ومقاولاً صغيراً. وقد درس فرانك في مدرسة دينية أولية خاصة (حيدر)، ولكن يبدو أنه لم يكن على معرفة كبيرة بالتلمود، وكان يتباهى بجهله، وبأنه رجل بسيط جاهل (بالبولندية: بروستاك). ولبعض الوقت، عمل جيكوب فرانك في بوخارست، كتاجر ملابس وأحجار نفيسة، كما عمل في وظائف أخرى عديدة أتاحت له أن يتنقل بين مدن البلقان التابعة للدولة العثمانية في الفترة من 1745 إلى 1755.

              اتصل بأتباع الحركة الشبتانية في مرحلة مبكرة من حياته، ودرس الزوهار، واتبع مذهب الدونمه (طائفة الباروخيا أو اليعقوبية المتطرفة). وقد قضى فرانك مدة طويلة من حياته في الدولة العثمانية، يتصرف كيهود السفارد ويتحدث اللادينو. وكان الإشكناز يشيرون إليه باسم «فرانك» (وهي الكلمة اليديشية التي تُطلَق على السفارد) بما كانت تحمله من إيحاءات تربط بينه وبين الشبتانية ولعل هذا يعود إلى أثر القبَّالاه اللوريانية ذات الأصول الإسبانية السفاردية. وقد قَبل هو هذا التعريف لهويته، وعدَّل اسمه إلى جيكوب فرانك. وفي عام 1753، سافر فرانك إلى سالونيكا لأول مرة، وتعرَّف على أتباع باروخيا. وسافر إلى بعض المدن العثمانية الأخرى، ثم عاد إلى سالونيكا عام 1755 وبدأ يتلبس دور الماشيَّح. وكانت حلقته تطلق عليه اسم «الحاخام جيكوب». وأعلن فرانك أن الروح التي كانت تسكن في شبتاي تسفي وباروخيا (اللذين كان يشير إليهما فرانك بكلمتي «الأول» و«الثاني») قد تقمصته، وأنه تجسيد جديد لها.

              ضُبط فرانك عام 1756 وهو يقود إحدى الجماعات الشبتانية في طقوس ذات طابع جنسي تشبه طقوس جماعة «اليعقوبية»، وقُبض على أتباعه، وأطلقت السلطات سراحه ظناً منها أنه مواطن تركي. فسافر إلى تركيا ومكث فيها بعض الوقت، واعتنق الإسلام عام 1757، ولكنه كان يزور أتباعه في بودوليا سراً.

              وحينما عاد فرانك علناً إلى بولندا، اعترف به الشبتانيون (في جاليشيا وأوكرانيا والمجر) زعيماً لهم، لكن المحكمة الدينية اليهودية (بيت دين) قررت أن ممارساته الجنسية تتعارض مع اليهودية وكل الأديان، وطالبت الكنيسة الكاثوليكية بالحرب ضد الفرانكيين. لكن هذا أتى بنتيجة عكسية، إذ أسقط الفرانكيون الواجهة اليهودية تماماً، وأكدوا المعتقدات الدينية المشتركة بينهم وبين الكنيسة، وأعلنوا أنهم معادون للتلمود، وطلبوا حماية الكنيسة التي وافقت على ذلك على أمل أن يتنصروا بشكل جماعي. وأُجريت مناظرة علنية (1759) بين الفرانكيين والحاخامات، حول موضوعات مثل تهمة الدم، وعقيدة الماشيَّح، وهل المسيح عيسى بن مريم هو الماشيَّح الذي يرد ذكره في الكتابات الدينية اليهودية، وقد انتهت المناظرة بتَقبُّل فرانك التعميد والتنصر ولكنه كان تنصراً على الطريقة المارانية، أي أنه أبطن معتقداته الغنوصية المتأثرة بالقبَّالاه اللوريانية والتي تطرفت في حلوليتها حتى وصلت إلى حد الفوضوية الكاملة والعدمية التامة.

              وقد اكتُشف أمر فرانك وجماعته، فقُبض عليه وأُودع السجن. وقد استمر أتباعه في تقديسه واعتبروه الماشيَّح المعذب. ثم أفرجت عنه السلطات الروسية بعد التقسيم الأول لبولندا (عام 1772)، ولكنها عادت وألقت القبض عليه فيما بعد. ومات فرانك عام 1799 (ودُفن في مقابر المسيحيين) دون أن يترك وراءه أعمالاً مكتوبة، ولكنه مع هذا ترك كتاباً بعنوان أقوال السيد يُعَدُّ أهم مصدر لمعرفة أفكاره. وعلى أية حال، فإن هناك نقصاً شديداً في المادة والوثائق الخاصة بالفرانكية.

              ومن المعروف أنه، بعد وفاة فرانك، خلفته ابنته الحسناء إيف في قيادة الجماعة، واستمرت هي الأخرى، مثلها مثل أبيها، في الممارسات الجنسية الشاذة (ويبدو أنها كانت تربطها علاقة جنسية به، فالجماع بالمحارم هو قمة العدمية الفلسفية والرفض الكامل لأية حدود أو مُطْلَقات). أما أتباعه المتنصرون، فقد استمروا في التزاوج فيما بينهم بعض الوقت، وأصبـح بعضـهم من كـبار النـبلاء البولنديين، كما انخرط كثير من أبنائهم في سلك حركة التنوير اليهودية وفي الحركات الليبرالية والماسونية، وكان من بينهم بعض رجالات الثورة الفرنسية (وخصوصاً اليعاقبة منهم). وهذا ولا شك ترجمة لمفهوم عبء الصمت حيث ينخرط الفرانكي في عدة ديانات ومؤسسات بهدف تقويضها من الداخل ثم نبذها بعد ذلك.

              موسـى دوبروشــكا (1753-1794)
              Moses Dobrushka


              يهودي من أتباع الحركة الفرانكية. وُلد في الإمبراطورية النمساوية في أسرة ثرية من ملتزمي الضرائب والمتعهدين العسكريين ممـن كانوا متحـكمين في تجـارة التبغ إبان حـكم الإمبراطورة ماريا تريزا. ونظراً لأن أمـه هي ابـنة عـم جيكـوب فرانـك مؤسـس الحركـة الفرانكيـة، فـإن بيتهـا في برونـو كان مكـاناً يلتـقي فيه أتباع الحركة. وقد استقر فرانك نفسه في هذه المدينة التي كان يقع فيها هذا المنزل لمدة ثلاثة عشر عاماً (1773 ـ 1786) بعد أن خرج من السجن.
              تلقى دوبروشكا تعليماً تلمودياً تقليدياً، كما درس الأفكار الشبتانية بالإضافة إلى دراسة الأدب الألماني وبعض اللغات الأجنبية في مرحلة مبكرة من حياته. وفي عام 1773، تزوج من ابنة واحد من أثرياء براغ. وقد دخل دوبروشكا مجال الأعمال المالية حينما كانت النمسا تُعد للحرب ضد الأتراك، وجمع ثروة كبيرة باعتباره المتعهد العسكري الأساسي. وقد منحه الإمبراطور جوزيف الثاني لقب «نبيل». وسمَّى دوبروشكا نفسه فرانز توماس أدلر فون شونفلد، واستقر في فيينا في أواخر الثمانينيات من القرن الثامن عشر حيث عاش حياة الأثرياء، وكانت له حلقة كبيرة من المعارف من أعضاء الطبقة الثرية والحاكمة، كما كانت له صلات واسعة مع كبار الكُتَّاب الألمان. وقد رُشح دوبروشكا ليخلف فرانك في رئاسة الحركة الفرانكية ولكنه رفض ذلك.

              كتب دوبروشكا عدة مؤلفات ذات اتجاه تنويري، كما انخرط في صفوف الحركة الماسونية وأدخل عليها عناصر من القبَّالاه ذات طابع شبتاني. وقد كان دوبروشكا (أو شونفلد) معجباً بمبادئ الثورة الفرنسية (كان هنـاك عدد كبير من الشـبتانيين والفـرانكيين والماسـونين من مؤيديها)، وأصبحت حياته مرتبطة بها تماماً منذ بداية التسعينيات.

              وصل دوبروشكا إلى ستراسبورج في مارس 1792، وغيَّر اسمه إلى جوتلوب جوليوس فراي، ثم انتقل إلى باريس في يونيه من العام نفسه وانضم إلى نادي اليعاقبة فيها، واشترك في اقتحام قصر التويلري، وكتب مؤلفاً فلسفياً سياسياً عنوانه الفلسفة الاجتماعية: إلى الشعب الفرنسي. والكتاب دفاع حار عن اليعاقبة وهجوم شديد على موسى والشريعة الموسوية.

              وفي يناير 1793، تعرَّف دوبروشكا على واحد من أهم المحرضين اليعاقبة يُدعى فرانسوا شابو الذي تزوج من أخت دوبروشكا في أكتوبر من ذلك العام. ولكن دوبروشكا اتُهم بعد ذلك بأنه عميل نمساوي كما اتُهم بالفساد الخلقي حيث كان متورطاً في جريمة مالية، فأُلقي القبض عليه هو وشابو، وحُكم عليه بالإعدام ونُفِّذ فيه الحكم في أبريل 1794 (مع دانتون). وبعد إعدامه، انتشرت شائعة مفادها أن دوبروشكا ذهب في مهمة سرية لتحرير الملكة ماري أنطوانيت من معتقلها.

              ولقد كانت حياة موسى دوبروشكا حياة فريدة، ولكنها كانت مع هذا ذات دلالة عامة وعميقة، فهو نتاج أزمة اليهودية الحاخامية وتآكلها؛ تبنَّى الرؤية الفرانكية، ثم التحق بالحركة الماسونية، وكتب دراسات تنويرية يهودية، وانخرط في عبادة العقل التي مورست بشكل حرفي إبَّان الثورة الفرنسية. ولعل العنصر المشترك في كل هذا هو رفضه الواقع رفضاً كاملاً، وكذلك رفض التصالح معه، ومحاولة التحكم فيه والسيطرة عليه، سواء من خلال الصيغ السحرية أو من خلال العقل، الأمر الذي يدل على وجود العنصر الحلولي الغنوصي في فكره
              اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
              http://www.rasoulallah.net/

              http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

              http://almhalhal.maktoobblog.com/



              تعليق


              • #67
                الفـرق الدينية اليهوديـة
                Jewish Religious Sects


                توجد في اليهودية فرق كثيرة تختلف الواحدة منها عن الأخرى اختلافات جوهرية وعميقة تمتد إلى العقائد والأصول، فهي في الواقع ليست كالاختلافات التي توجد بين الفرق المختلفة في الديانات التوحيدية الأخرى. ومن ثم، فإن كلمة «فرقة» لا تحمل في اليهودية الدلالة نفسها التي تحملها في سياق ديني آخر. فلا يمكن، على سبيل المثال، تصوُّر مسلم يرفض النطق بالشهادتين ويُعترَف به مسلماً، أو مسيحي يرفض الإيمان بحادثة الصلب والقيام ويُعترَف به مسيحياً. أما داخل اليهودية، فيمكن ألا يؤمن اليهودي بالإله ولا بالغيب ولا باليوم الآخر ويُعتبر مع هذا يهودياً حتى من منظور اليهودية نفسها. وهذا يرجع إلى طبيعة اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً يضم عناصر عديدة متناقضة متعايشة دون تمازج أو انصهار. ولذا، تجد كل فرقة جديدة داخل هذا التركيب من الآراء والحجج والسوابق ما يضفي شرعية على موقفها مهما يكن تطرفه. وأولى الفرق اليهودية التي أدَّت إلى انقسام اليهودية فرقة السامريين التي ظلت أقلية معزولة بسبب قوة السلطة الدينية المركزية المتمثلة في الهيكل ثم السنهدرين.

                ولكن، مع القرن الثاني قبل الميلاد، خاضت اليهودية أزمتها الحقيقية الأولى بسبب المواجهة مع الحضارة الهيلينية. فظهر الصدوقيون والفريسيون، والغيورون الذين كانوا يُعَدون جناحاً متطرفاً من الفريسيين، ثم الأسينيون. ومما يجدر ذكره أن الصدوقيين كانوا ينكرون البعث واليوم الآخر، ومع هذا كانوا يجلسون في السنهدرين، جنباً إلى جنب مع الفريسيين، ويشكلون قيادة اليهود الكهنوتية. وقد حققت هذه الفرق ذيوعاً، وأدَّت إلى انقسام اليهودية. ولكنها اختفت لسببين: أولهما انتهاء العبادة القربانية بعد هدم الهيكل، ثم ظهور المسيحية التي حلت أزمة اليهودية في مواجهتها مع الهيلينية إذ طرحت رؤية جديدة للعهد يضم اليهود وغير اليهود ويحرر اليهود من نير التحريمات العديدة ومن جفاف العبادة القربانية وشكليتها.

                وجابهت اليهودية أزمتها الكبرى الثانية حين تمت المواجهة مع الفكر الديني الإسلامي. فظهرت اليهودية القرائية كنوع من رد الفعل، فرفضت الشريعة الشفوية وطرحت منهجاً للتفسير يعتمد على القياس والعقل، أي أنها انشقت عن اليهودية الحاخامية تماماً. ويمكن أن نضيف إلى الفرق اليهودية يهود الفلاشاه ويهود الهند الذين لا يشكلون فرقاً بالمعنى الدقيق، فهم لم ينشقوا عن اليهودية الحاخامية بقدر ما انعزلوا عنها عبر التاريخ وتطوَّروا بشكل مستقل ومختلف، فهم لا يعرفون التلمود أو العبرية، كما أن كتبهم المقدَّسة مكتوبة باللغات المحلية. وتجدر ملاحظة أن ثمة فرقاً صغيرة، مثل الإبيونيين والمغارية والعيسوية والثيرابيوتاي وغيرها، وهي فرق صغيرة لكل منها تصوُّرها الخاص عن اليهودية. ولكنها، نظراً لعزلتها، لم تؤثر كثيراً في مسار اليهودية وقد اختفى معظمها من الوجود. أما القرّاءون، فإنهم بعد عصرهم الذهبي في القرن العاشر، سقطوا في حرفية التفسير، الأمر الذي قلَّص نفوذهم حتى تحولوا إلى فرقة صغيرة آخذة في الاختفاء.

                وقد جابهت اليهودية أزمتها الكبرى الثالثة في العصر الحديث (في الغرب) مع الانقلاب التجاري الرأسمالي الصناعي. وقد ظهرت إرهـاصات الأزمـة في شـكل ثورة شبتاي تسفي على المؤسسة الحاخامية، فهو لم يهاجم التلمود وحسب، وإنما أبطل الشريعة نفسها، وأباح كل شيء لأتباعه، الأمر الذي يدل على أن تراث القبَّالاه الحلولي، الذي يعادل بين الإله والإنسان، كان قد هيمن على الوجدان الديني اليهودي، وقد وصف الحاخامات تصوُّر القبَّاليين للإله بأنه شرك.

                وبعد أن أسلم شبتاي تسفي، هو وأتباعه الذين أصبحوا يُعرفون بـ «الدونمه»، ظهر جيكوب فرانك الذي اعتنق المسيحية (هو وأتباعه) وحاول تطوير اليهودية من خلال أطر مسيحية كاثوليكية. وقد تفاقمت الأزمة واحتدمت مع الثورة الفرنسية، حيث إن الدولة القومية الحديثة في الغرب منحت اليهود حقوقهم السياسية، وطلبت إليهم الانتماء السياسي الكامل، الأمر الذي كان يعني ضرورة تحديث اليهود واليهودية وما تسبب عن ذلك من أزمة أدَّت إلى تصدعات جعلت أتباع اليهودية الحاخامية التقليدية (أي اليهود الأرثوذكس) أقلية صغيرة، إذ ظهرت اليهودية الإصلاحية ثم المحافظة ثم التجديدية، وهي فرق أعادت تفسير الشريعة أو أهملتها تماماً، واعترفت بالتلمود أو وجدت أنه مجرد كتاب مهم دون أن يكون مُلزماً. كما أنها عَدَّلت معظم الشعائر، مثل شعائر السبت والطعام، وأسـقطت بعضـها، وعَدَّلت أيضاً كتب الصلوات وشـكل الصلاة، أي أن فهمها لليهودية وممارستها لها يختلف بشكل جوهري عن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية. ومن الواضح أن هذه الفرق الجديدة هي الآخذة في الانتشار، في حين أن الأرثوذكس يعانون من الانحسار التدريجي.

                ومنذ أيام الفيلسوف إسبينوزا، ظهر نوع جديد من اليهود لا يمكن أن نقول إنه فرقة ولكن لابد من تصنيفه حيث يشكل الأغلبية العظمى من يهود العالم (نحو 50%). وهذا النوع من اليهود هو الذي يترك عقيدته اليهودية، ولكنه لا يتبنى عقيدة جديدة، وهو لا يؤمن عادةً بإله على الإطلاق، وإن آمن بعقيدة ما فهو يؤمن بشكل من أشكال الدين الطبيعي أو دين العقل أو دين القلب، ولا يمارس أية طقوس. وهؤلاء يُطلَق عليهم الآن اسم «اليهود الإثنيون»، أي أنهم لا ينتمون إلى أية فرقة دينية تقليدية أو حديثة، ولكنهم مع هذا يسمون أنفسهم يهوداً لأنهم ولدوا لأم يهودية! وتنعكس الخلافات بين الفرق اليهودية المختلفة على الدولة الصهيونية الأمر الذي يزيد صعوبة تعريف الهوية اليهودية.

                الخـــلافات الدينيــة اليهوديــة
                Jewish Religious Controversies


                الخلاف الديني هو خلاف غير جوهري لا يمتد إلى العقائد الدينية الأساسية، ويختلف عن الصراع بين الفرق الدينية، وهو ما تناولناه في مدخل آخر. وقد ظهرت عبر تاريخ اليهودية خلافات عديدة، بعضها عميق وبعضها سطحي. وأول هذه الخلافات، ما ورد في سفر العدد، عن قورح بن يصهار وأتباعه، حين اجتمعوا على موسى وهارون، أنهم قالوا لهما: « كفاكما، إن كل الجماعة بأسرها مقدَّسة وفي وسطها الرب. فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب » (عدد 16/2 ـ 3). وقد انتهى الأمر بأن ابتلعت الأرض قورح وصحبه. ويبدو أن القصة تعبير عن رغبة الملوك في تعزيز نفوذ طبقة الكهنة التي كانت تشاركهم في إدارة دفة الحكم.

                ولعل الخلاف الثاني في تاريخ اليهودية هو هجوم الأنبياء على الكهنة، وعلى الجوانب السلبية في مؤسسة الملكية. ومن هنا، كان الأنبياء، أمثال عـاموس وإرمـيا، يُسجَنون ويُعذَّبون بل كانوا يعدمون.

                ثم ظهر الخلاف مرة أخرى، في القرن الثاني قبل الميلاد، في شكل صراع بين الفريسيين والصدوقيين، ولكن من الواضح أنه لم يكن خلافاً دينياً وحسب وإنما كان اختلافاً في العقائد يجعل من كل فريق فرقة دينية مستقلة، على عكس الخلاف بين الفريسيين والغيورين، ذلك الاختلاف الذي كان أمراً يتعلق بالتفاصيل والأولويات والأصول. وقد أثارت كتابات موسى بن ميمون الكثير من الخلافات المريرة حتى أنه اتُهم بالهرطقة.

                ومن أهم الخلافات، ما يُسمَّى «المناظرة الشبتانية الكبرى» بين يعقوب إمدن وجوناثان إيبشويتس بشأن الأحجبة التي كان يكتبها الأخير. وفي العصر الحديث، ظهر خلاف بين الحسيديين وأعدائهم من المتنجديم (الحاخاميين) انتهى بظهور حركة التنوير.

                ولا تزال الخلافات مستمرة في العصر الحديث، فهناك الخلاف بين اليهود الأرثوذكس أتباع أجودات إسرائيل الذين يؤيديون الصهيونية والأرثوذكس الذين يرفضونها تماماً. ويوجد داخل إسرائيل صراع بين اليهود الأرثوذكس الذين يشجعون الاستيطان على أسس دينية وأولئك الذين يعارضونه على أسس دينية أيضاً.

                أزمـــة اليهوديــة
                Crisis of Judaism


                عاشت اليهودية في كنف عدة حضارات تأثرت بها وشكَّل بعضها تحدياً لها ولقيمها. فقد تحركت اليهودية (أو العبادة اليسرائيلية إن توخينا الدقة) داخل التشكيلات الحضارية المختلفة في الشرق الأدنى القديم وتأثرت بها وتبنَّت رموزها وقيمها. ومن الواضح مثلاً أن العبرانيين استوعبوا فكرة التوحيد من المصريين القدماء. ثم حَدَث التغلغل العبراني في كنعان وحدثت المواجهة الأولى مع الحضارة الكنعانية وحدثت المواجهة الثانية مع الحضارة البابلية. وقد أدَّت هذه المواجهات إلى أن النسق الديني السائد بين العبرانيين قد استوعب الكثير من العناصر الدينية والثقافية من هاتين الحضارتين (ثم من الحضـارة الفارسـية) وهو ما أدَّى إلى تزايد تركيبها الجيـولوجي التراكمي. ولكن المواجهات الثالثة والرابعة والخامسة، مع الحضارة الهيلينية والإسلامية ثم المسيحية على التوالي، كانت أكثر حدة، وأدَّت إلى ما يشبه الأزمة في حالة المواجهة مع الحضارة الهيلينية إذ دخل كثير من الأفكار اليونانية على النسق الديني اليهودي. وتأغرقت النخبة، وأدَّى هذا إلى التمرد الحشموني في نهاية الأمر وإلى انتشار المسيحية وتنصُّر أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات. أما المواجهة مع الإسلام والمسيحية فقد أدَّت إلى تطوير التلمود الذي كان بمنزلة السياج الذي فرضـه الحاخامـات على أعضـاء الجماعات ليحموا هويتهم الدينية والإثنية. وكان الاحتجاج القرائي تعبيراً عن واحدة من أهم أزمات اليهودية الحاخامية.

                ولكن مصطلح «أزمة اليهودية» حينما يُستخدَم في هذه الموسوعة، وفي غيرها من الدراسات، فإنه يشير في العادة إلى الأزمة التي دخلتها اليهودية الحاخامية ابتداءً من القرن السابع عشر نتيجة الجمود الذي أصاب المؤسسة الحاخامية، حتى تحولت العقيدة اليهودية إلى مجموعة من الشعائر والعقائد الخارجية. ونتيجةً لذلك، ازدهر التراث القبَّالي، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية، لحل مشكلة المعنى، ولتزويد اليهودي بنسق ديني يستجيب لحاجاته العاطفية والإنسانية. وقد أدَّى هذا الوضع إلى ضرب عزلة على الجماهير اليهودية عما حولها من تحولات، كما زاد من الهوة التي تفصل بينهم وبين المؤسسة الحاخامية. وكانت حركة شبتاي تسفي أول تعبير عن هذه الأزمة من داخل المؤسسة، وفلسفة إسبينوزا من خارجها، وكلاهما طرح حلاًّ حلولياً للأزمة، فرأى الأول الطبيعة في الإله، ورأى الآخر الإله في الطبيعة. وبعد هاتين الهجمتين لم تفق اليهودية الحاخامية وانزوت على نفسها وزاد تغلغل الفكر القبَّالي، وانتشرت الحركات الشبتانية (مثل الفرانكية)، وانتشرت الحركة الحسيدية بحيث ضمت معظم جماهير يهود اليديشية في شرق أوربا (أي الكتلة البشرية اليهودية الكبرى). وظل الصراع بين الحسيديين والمتنجديم (ممثلاً بالمؤسسة الحاخامية) قائماً إلى أن أفاق الطرفان ليواجها اندلاع أهم تعبير عن الثورة العلمانية الكبرى والفكر العقلاني، أي الثورة الفرنسية وحركة الإعتاق، وحدثت المواجهة السادسة مع الحضارة العلمانية في الغرب. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، اتضحت معالم الأزمة تماماً، إذ انتشر فكر حركة الاستنارة وأخذ اليهود يحاولون إعادة صياغة اليهودية على نمط العالم الغربي المسيحي العلماني، فظهرت حركة التنوير التي وَجَّهت نقداً قاسياً للفقه اليهودي ولما يُسمَّى «الشخصية اليهودية». وظهرت حركة اليهودية الإصلاحية والمحافظة والحركات الثورية المختلفة، وتصاعدت معدلات التنصر والاندماج والعلمنة والإلحاد بين اليهود بحيث أصبح اليهود الأرثوذكس (الحاخاميون)، أي اليهود الذين يمكن اعتبارهم يهوداً بمقاييس دينية يهـودية، لا يشكلون سـوى نحو 5 ـ10% من يهود العالم. ومما أدى إلى تفاقم الأزمة أن اليهود الذين تركوا العقيدة اليهودية أصروا على الاستمرار في تسمية أنفسهم «يهوداً».

                وقد حاولت الصهيونية حل أزمة اليهودية بالعودة إلى النموذج الحلولي (ولكنها حلولية بدون إله) إذ جعلت الدولة الصهيونية موضع القداسة (بدلاً من الإله) بالنسبة إلى العلمانيين، أو باعتبارها أهم تجلٍّ لهذه القداسة الإلهية بالنسبة إلى المتدينين الذين تمت صهينتهم. ويرى اليهود الأرثوذكس المعادون للصهيونية أن الصهيونية، بهذا المعنى، ليست حلاًّ لأزمة اليهودية وإنما هي تعبير عنها. بل إنها تشكل الآن مصدر الأزمة وأكبر خطر يواجه اليهودية. فالصهيونية قد تبنت المصطلح الديني، وتطرح نفسها بوصفها نظاماً كلياً شاملاً شبه ديني، يحل محل العقيدة اليهودية باعتبارها رؤية للكون ومصدراً للمعنى ومنظماً للسلوك.
                اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                http://www.rasoulallah.net/

                http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                http://almhalhal.maktoobblog.com/



                تعليق


                • #68
                  الســامريون
                  Samaritanss

                  «السامريون» صيغة جمع عربية، وهي كلمة معربة من كلمة «شوميرونيم» العبرية، أي سكان السامرة. ويُشار إليهم في التلمود بلفظة «كوتيم» وتعني «الغرباء». لكن هذه التسميات هي تسميات اليهود الحاخاميين لهم. وكان يوسيفوس يسميهم الشكيميين نسبةً إلى «شكيم» (نابلس الحالية). أما هم فيطلقون على أنفسم «بنو يسرائيل»، أو «بنو يوسف»، باعتبار أنهم من نسل يوسف. كما يطلقون على أنفسهم اسم «شومريم»، أي «حفظة الشريعة»، باعتبار أنهم انحدروا من صلب يهود السامرة الذين لم يرحلوا عن فلسطين عند تدمير المملكة الشمالية عام 722 ق.م، فاحتفظوا بنقاء الشريعة.

                  ومهما كانت التسمية، ومهما كان تفسيرها، فمن المعروف تاريخياً أنه، بعد تهجير قطاعات كبيرة من سكان المملكة الشمالية، قام الأشوريون بتوطين قبائل من بلاد عيلام وسوريا وبلاد العرب لتحل محل المهجرين من اليهود، وتسكينهم في السامرة وحولها. وامتزج المستوطنون الجدد مع من تبقَّى من اليهود، واتحدت معتقداتهم الدينية مع عبادة يهوه. وقد نتج عن ذلك اختلاف عن بقية اليهود. ولكن الانشقاق النهائي حدث عام 432 ق.م، بين اليهود والسامريين، بعد عودة عزرا ونحميا من بابل، حيث دافعا عن فكرة النقاء العرقي.

                  وثمة قصتان لتاريخ الانشقاق، أولاهما ترد في العهد القديم (نحميا 13/23 ـ28) "في تلك الأيام، كان واحد من بني يوياداع بن الياشيب الكاهن العظيم صهراً لسنبلط الحوروني فطردته من عندي". وقد وردت عن يوسيفوس رواية أخرى مفادها أن منَسَّى شقيق الكاهن الأعظم تزوج من ابنة حاكم السامرة سنبلط الثالث (الفارسي)، فخيَّره الكهنة بين أن يطلق زوجته أو أن يتخلى عن مكانته وسلطاته الكهنوتية. فلجأ منَسَّى لحميه الذي بنى لزوج ابنته هيكلاً على عادة العبرانيين القدامى على جبل جريزيم لينافس هيكل القدس، وأصبح الشاب المطرود كاهن السامريين. وبعد أن أسس الهيكل، انضم إليه عشرات الكهنة الآخرين المتزوجين من أجنبيات وعناصر يهودية أخرى غير راضية عن المؤسسة الدينية في القدس.

                  ومن الواضح أن ثمة عناصر مشتركة بين القصتين تتمثل في بعض الأسماء والعلاقات الأساسية وفي عملية الطرد. ومع أن هناك قرناً من الزمان يفصل بين القصتين الأولى والثانية، فإن من الواضح أنهما تشيران إلى الواقعة نفسها. ويحل المؤرخون هذه القضية بأن يأخذوا بقصة يوسيفوس ويرجعوا بتاريخها إلى زمن نحميا.

                  وقد نشبت صراعات بين السامريين وبقية اليهود، لكنهم تعرضوا لكثير من التوترات التي تَعرَّض لها اليهود في علاقتهم بالإمبراطوريات التي حكمت المنطقة. فبعد أن فتح الإسكندر المنطقة عام 323 ق.م، هاجر بعض السامريين إلى مصر وكونوا جماعات فيها. وهذه هي بداية الشتات السامري أو الدياسبورا السامرية التي امتدت وشملت سالونيكا وروما وحلب ودمشق وغزة وعسقلان.

                  وحينما قرر أنطيوخوس الرابع (175 ـ 164 ق.م) دَمْج يهود فلسطين في إمبراطوريته لتأمين حدوده مع مصر، كان السامريون ضمن الجماعات التي استهدف دمجها وإذابتها رغم أنهم أعلنوا أنهم لا ينتمون إلى الأصل اليهـودي. وحينمـا اسـتولى الحشـمونيون على الحكم (164 ق.م)، واجه السامريون أصعب أزمة في تاريخهم إذ سيطر الحشمونيون على شكيم وجريزيم، واستولوا على مدينة السامرة وحطموها. وقد حطم يوحنا هيركانوس هيكلهم عام 128 ق.م. ومع هذا، فقد استمر السامريون في تقديم قرابينهم على جبل جريزيم. كما أن هَدْم الهيكل لم ينتج عنه انتهاء طبقة الكهنة على عكس اليهود أو اليسرائيليين الذين انتهت عبادتهم القربانية المركزية وطبقـة الكهنـة التي تقـوم بها بهـدم هيكـل القـدس. ويبـدو أن السامريين لم يساعدوا اليهود أثناء التمرد اليهودي الأول، ومـع هذا نشـب تمـرُّد مستـقل في صفـوفهم ضد فســبسيان عام 67 ق.م، وتم قمعـه. كمــا ثـار السـامريون ضـد الرومان عام 79 ـ 81 م، فهُدمت شكيم وبُني مكانها نيابوليس (نابلس) أي «المدينة الجديدة».

                  وتمتع السامريون بمرحلة ازدهار فكري في القرن الرابع الميلادي تحت قيادة زعيمهم القومي بابا رابا. ومن أهم مفكريهم الدينيين مرقه الذي عـاش في القرن نفسـه، وكاتب الأناشـيد التي تُسـمَّى «إمرالم دارا».

                  وقد عانى السامريون من الاضطهاد على يد الإمبراطورية البيزنطية. وفي عام 529 الميلادي، قام جوستينيان بشن هجمة شرسة عليهم لم تقم لهم قائمة بعدها. ويُقال إن الرومان سمحوا للسامريين ببناء هيكلهم الذي دمره الحشمونيون حينما رفضوا الانضمام إلى ثورة بركوخبا. ولكن هذا الهيكل دُمِّر بدوره عام 484م. وقد ساعد السامريون المسلمين إبان الفتح الإسلامي، كما وقفوا مع المسلمين ضد الغزو الصليبي. وقد أفتى فقهاء المسلمين حينذاك بأن من يُقتَل من أهل الذمة في هذه الحرب فهو شهيد.

                  وثمة نقط اتفاق بين السامريين واليهود الحاخاميين قبل ظهور القبَّالاه وحركات الإصلاح الديني اليهودي، فكلا الفريقين يؤمن بالله الواحد وباليوم الآخر والملائكة. ولكن السامريين احتفظوا بقدر أكبر من الوحدانية التي تراجعت في اليهودية إلى أن اختفت تماماً تقريباً. وقد تبنوا الجزء الأول من الشهادة الإسلامية وهو « لا إله إلا الله »، وكانوا يشيرون إلى الخالق بلفظة «إل»، أو «أللا» القريبة من كلمة «الله»، ولكنهم كانوا أيضاً يسمونه «يهوه». كما كانوا يؤمنون بأن موسى نبي الله الأوحد وخاتم رسله وبأنه تجسيد للنور الإلهي والصورة الإلهية.

                  والكتاب المقدَّس عند السامريين هو أسفار موسى الخمسة، ويُضاف إليها أحياناً سفر يشوع بن نون.وهو،في عقيدتهم،منزل من عند الله.وهم لا يعترفون بأنبياء اليهود ولا بكتب العهد القديم. بل إن أسفار موسى الخمسة المتداولة بينهم تختلف عن الأسفار المدونة في نحو ستة آلاف موضع (ويتفق نص التوراة السامرية مع الترجمة السبعينية في ألف وتسعمائة موضع من هذه المواضع،الأمر الذي يدل على أن مترجمي الترجمة السبعينية استخدموا نسخة عبرية تتفق مع النسخة السامرية).وهم ينكرون الشريعة الشفوية،شأنهم في ذلك شأن الصدوقيين والقرّائين (ومن هنا التشابه بين الفرق الثلاث في بعض الوجوه).كما أنهم يأخذون بظاهر نصوص التوراة.

                  ولغة العبادة عند السامريين هي العبرية السامرية، ولكن لغة الحديث ولغة الأدبيات الدينية كانت العربية. وكان كتابهم المقدَّس يُكتَب بحروف عبرية قديمة. ويزعم السامريون أن اللغة والحروف جاءتهم صحيحة من عهد النبي موسى.

                  ويحتفل السامريون بالأعياد اليهودية، مثل يوم الغفران وعيد الفصح، ولكنهم كانت لهم أعياد مقصورة عليهم وتقويم خاص بهم. والسامريون يؤمنون بعودة الماشيَّح برغم أنه لا توجد في أسفار موسى الخمسة أية إشارة إليه. وهم لا يعترفون بداود أو سليمان ولا يعترفون بقدسية جبل صهيون، فلهم جبلهم المقدَّس جريزيم (الجبل المختار) الذي سيعود إليه الماشيَّح. ويُلاحَظ أن الأفكار الأخروية لم تلعب دوراً مهماً في التفكير الديني لدى السامريين، كما حدث مع اليهودية بعد العودة من بابل. وينفي بعض اليهود عن السامريين صفة الانتساب إلى اليهودية، كما أنهم يعاملونهم معاملة الأغيار في أمور الزواج والموت.

                  وقد استمر العداء بين السامريين واليهود الحاخاميين، إذ يذهب السامريون إلى أن اليهودية الحاخامية هرطقة وانحراف، وأن قيادة اليهود الدينية أضافت إلى التـوراة وأفسـدت النص ليتفق مع وجهة نظرها.

                  ويُعَدُّ السامريون جماعة شبه منقرضة. وهم، في واقع الأمر، أصغر جماعة دينية في العالم، فعددهم لا يتجاوز خمسمائة، يعيش بعضهم في نابلس ويعيش البعض الآخر في حولون (إحدى ضواحي تل أبيب). وفي بعض طبعات التلمود، تحل كلمة «السامريين» محل كلمة «الأغيار» حتى تبدو عبارات السباب العنصري وكأنها موجهة إلى السامريين وحدهم وليس إلى كل الأغيار.

                  جـريزيم
                  Gerizim


                  «جريزيم» جبل صخري يطل على الوادي الذي تقع فيه شكيم (نابلس فيما بعد). ويواجه جبل عيبال على ارتفاع 2849 قدماً فوق سطح البحر، و700 قدم فوق مدينة نابلس. وقد بُني فوق جريزيم أقدم هيكل للعبرانيين، ثم جاء داود فأبطله وعطله بعد أن نقل عاصمته إلى القدس.

                  وقد جاء في العهد القديم أنه حينما فتح العبرانيون الجزء الأوسط من فلسطين، نفذ يشوع "التوجيه الذي أعطاه إياه موسى" حسب الرواية التوراتية، وأوقف نصف القبائل العبرانية على جبل جريزيم لينطقوا بالبركات، وأوقف النصف الآخر إلى جهة جبل عيبال لينطقوا باللعنات (تثنية 11/29، 27/11 ـ 13، ويشوع 8/33 ـ 35).

                  ويرى السامريون أن الموضع الذي وقف فيه إبراهيم بابنه، ليذبحه، كان على هذا الجبل. وجريزيم جبل مقدَّس عند السامريين؛ بنوا فوقه هيكلهم ليحجوا إليه، واستمروا في تقديم القرابين عليه حتى بعد أن هدم يوحنا هيركانوس هيكلهم عام 128 ق.م. وقد أعادوا بناءه إلى أن هدمه الرومان في النهاية عام 67 ق.م.
                  اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                  http://www.rasoulallah.net/

                  http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                  http://almhalhal.maktoobblog.com/



                  تعليق


                  • #69
                    الفريسيون
                    Pharisees

                    كلمة «فريسيون» مأخوذة من الكلمة العبرية «بيروشيم»، أي «المنعزلون». وكانوا يلقبون أيضاً بلقب «حبيريم»، أي «الرفاق أو الزملاء»، وهم أيضاً «الكتبة»، أو على الأقل قسم منهم، من أتباع شماي الذين يشير إليهم المسيح عليه السلام. والفريسيون فرقة دينية وحزب سياسي ظهر نتيجة الهبوط التدريجي لمكانة الكهنوت اليهودي بتأثير الحضـارة الهيلينيـة التي تُعلي من شـأن الحكيم على حسـاب الكاهن. ويُرجع التراث اليهودي جذورهم إلى القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، بل يُقال إنهم خلفاء الحسيديين (المتقين)، وهي فرقة اشتركت في التمرد الحشموني. ولكن الفريسيين ظهروا باسمهم الذي يُعرَفون به في عهد يوحنا هيركانوس الأول (135 - 104 ق.م)، وانقسموا فيما بعد إلى قسمين: بيت شماي وبيت هليل. وقد كان الفريسيون يشكلون أكبر حزب سياسي ديني في ذلك الوقت إذ بلغ عددهم حسب يوسيفوس نحو ستة آلاف، لكن هذا العدد قد يكون مبالغاً فيه نظراً لتحزبه لهم، بل لعله كان من أتباعهم. ويُقال إنهم كانوا يشكلون أغلبية داخل السنهدرين، أو كانوا على الأقل أقلية كبيرة.

                    ومن المعروف أنه حينما عاد اليهود من بابل، هيمن الكهنة عليهم وعلى مؤسساتهم الدينية والدنيوية، تلك المؤسسات التي عبَّر عن مصالحها فريق الصدوقيين. ولكن اليهودية كان قد دخلتها في بابل أفكار جديدة، كما أن وضع اليهود نفسه كان آخذاً في التغير، إذ أن حلم السيادة القومية لم يَعُد له أي أساس في الواقع، بعد التجارب القومية المتكررة الفاشلة، وبعد ظهور الإمبراطوريات الكبرى، الواحدة تلو الأخرى. وقد زاد عدد اليهود المنتشرين خارج فلسطين، وخصوصاً في بابل (ويقول فلافيوس إن عدد يهود فلسطين آنذاك كان نصف مليون وحسب، وإن كانت التقديرات التخمينية ترى أن عددهم يقع بين المليونين والمليون ونصف المليون، وهم أقلية بالنسبة ليهود العالم آنذاك). ولكل ذلك، نشـأت الحاجة إلى صيغة جديدة تعبِّر عن الوضـع الجديد. ومن هنا، ظهر الفريسيون الذين لم يكونوا من عامة الشعب (عم هاآرتس)، بل كان بعضهم من الأثرياء، وإن كانوا على العموم يتسمون بأنهم يعيشون من عملهم، فكان منهم الحرفيون والتجار، على عكس الصدوقيين الذين كانوا يشكلون طبقة كهنوتية أرستقراطية مرتبطة بالهيكل وتعيش من ريعه. ولذا، فرغم تميز الفريسيين طبقياً، ورغم تعصبهم للشريعة، وربما بسببه، فإنهم كانوا يلقون تأييد الجماهير.

                    ويُعَدُّ الفكر الفريسي أهم تطوُّر في اليهودية بعد تبنِّي عبادة يهوه. وقد كان جوهر برنامجهم يتلخص في إيمانهم بأنه يمكن عبادة الخالق في أي مكان، وليس بالضرورة في الهيكل في القدس، أي أنهم حاولوا تحرير اليهودية، كنسق أخلاقي ديني، من حلوليتها الوثنية المتمثلة في عبودية المكان والارتباط بالهيكل وعبادته القربانية. ووسعوا نطاقها بحيث أصبحت تغطي كل جوانب الحياة إذ أن واجب اليهودي لا يتحدد في العودة إلى أرض الميعاد وإنما في العيش حسب التوراة، وعلى اليهودي أن ينتظر إلى أن يقرر الخالق العودة. وبهذا، يكون الفريسيون هم الذين توصلوا إلى صيغة اليهودية الحاخامية أو اليهودية المعيارية التي انتصرت على الاتجاهات والمدارس الدينية الأخرى.

                    وقد دافع الفريسيون عن الهوية اليهودية دون عنف أو تعصُّب. والهوية اليهودية التي دافعوا عنها لم تكن الهوية العبرانية القديمة المرتبطة بالمجتمع القبلي العبراني، ولا حتى المجتمع الزراعي الملكي أو الكهنوتي (فقد كانت تلك الهوية في طريقها إلى الاختفاء النهائي)، وإنما كانوا يدافعون عن هوية متفتحة استفادت من الفكر البابلي الديني، ثم الفكر الهيليني، وكانت تدرك عبث محاولة الاستقلال القومي. ولذا، أُعيد تعريف الهوية بحيث أصبحت هوية دينية داخلية روحية ذات بُعد إثني ليس قومياً بالضرورة. وقد واكب هذا التعريف الجديد استعداداً للتصالح مع الدولة الحاكمة، أو القوة العظمى في المنطقة آنذاك (روما)، وعدم اكـتراث بنوعيتـها ورؤيتها مادامت لا تتدخل في حياة اليهود الدينية، بل إنهم كانوا يفضلون حكومة غير يهودية لا تعطل شعائر اليهودية على حكومة يهودية تعطلها، مثل الحكومة الهيرودية أو حتى الحشمونية.

                    وانطلاقاً من هذا التعريف الجديد للهوية، أقام الفريسيون نظاماً تعليمياً مجانياً للصغار بين الجماعات اليهودية كافة، حتى يدركوا تراثهم الروحي ويفلتوا من سيطرة الكهنوت المرتبط بالهيكل. ويمكن النظر إلى محاولة إنشاء سياج حول التوراة بهذا المنظور نفسه، أي باعتبارها التعبير عن الهوية الروحية الجديدة. وكذلك كان دفاعهم عن مؤسسة المعبد اليهودي (السيناجوج) الذي يمكن إقامته في أي مكان على عكس هيكل القدس. كما أنهم طالبوا بتطبيق العقل وتفسير التوراة على أن يبتعد التفسير عن الحرفية، وأن يتم التركيز على روح النصوص في مواجهة تفسير الصدوقيين الحرفي. والواقع أن تفسير الشريعة هو شكل من أشكال السلطة السياسية في نهاية الأمر، ولذا فإن التفسير المرن يوسع ولا شك رقعة الأرستقراطية الدينية ويفتح المجال أمام شريحة جديدة تطرح فكراً جديداً. وللسبب نفسه، كان الفريسيون من أنصار الشريعة الشفوية بخلاف الصدوقيين (أنصار الشريعة المكتوبة) الذين كانوا يرون أن الشريعة الشفوية غير ملزمة. ومع هذا، كان الفريسيون لا يدَّعون النبوة، فقد كانوا ينادون بأن مرحلة النبوة وصلت إلى نهايتها وأنهم أقرب إلى حكماء الحضارة الهيلينية.

                    آمن الفريسيون بوحدانية الخالق، وبالماشيَّح، وبخلود الروح في الحياة الآخرة، وبالبعث والثواب والعقاب والملائكة وحرية الإرادة التي لا تتعارض مع معرفة الخالق المسبقة بأفعال الإنسان، وهي أفكار دينية أنكرها الصدوقيون الذين حافظوا على صياغة حلولية وثنية لليهودية. ولعل من العسير، إلى حد ما، تصوُّر عقيدة دينية دون إيمان بالبعث أو باليوم الآخر. ولذا، فقد يكون من المشروع لنا أن نسأل: كيف تَقبَّل الفريسيون الصدوقيين يهوداً؟ ونعود فنقول: إنها الخاصية الجيولوجية التراكمية لليهودية. والشريعة اليهودية ـ على أية حال ـ تُعرِّف اليهودي بأنه من يؤمن بالعقيدة اليهودية أو يولد لأم يهودية.

                    وتتلخص رسالة يسرائيل، حسب وجهة نظر الفريسيين، في مساعدة الشعوب الأخرى على معرفة الخالق وعلى الإيمان به، ولذا فإنهم لم يكونوا كالفرق القومية المغلقة، وإنما قاموا بنشاط تبشيري خارج فلسطين، الأمر الذي يفسر زيادة عدد يهود الإمبراطورية الرومانية في القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي. وقد بيَّنت هذه الحركة التبشيرية مدى ابتعاد الفريسيين عن الحلولية الوثنية التي تولِّد نسقاً دينياً قومياً مغلقاً، يتوارثه من هو داخل دائرة القداسة ويستبعد من سواه، لأن الإيمان لا يَصلُح أساساً للانتماء. وثمة نظرية جديدة تقول إن المسيح عليه السلام كان (في الأصل) فريسياً من أتباع مدرسة هليل ذات الاتجاه العالمي التبشيري، والتي كانت ترى أن مهمة اليهود نشر وصايا نوح بين الأغيار، وأنه حينما كان يشير إلى «الكتبة والفريسيين» إشارات سلبية وقدحية فإنما كان يشير إلى أتباع شماي وحسب.

                    وقد دخل الفريسيون في صراع دائم مع الصدوقيين على النفوذ والمكانة والامتيازات. فكانوا يتصرفون مثل الكهنة كأن يأكلوا كجماعة، ويقيموا شعائر الختان، بل حاولوا فرض نفوذهم على الهيكل نفسه على حساب الصدوقيين، وذلك عن طريق ممارسة بعض الطقوس المقصورة على الهيكل خارجه. وقد قوي نفوذ الفريسيين مع ثراء الدولة الحشمونية والرخاء الذي ساد عصرها بعض الوقت. وبلغوا درجة من القوة حتى إنهم نجحوا في حَمْل الكاهن الأعظم على القَسَم بأنه سيقيم طقوس عيد يوم الغفران حسب تعاليمهم.

                    وقد أيَّد الفريسيون التمرد الحشموني (168 ق.م) وساندوه، في بادئ الأمر، على مضض. ولكن التناقض بينهم وبين الأسرة الحشمونية ظهر إبان حكم يوحنا هيركانوس الأول، فتحدوا سلطته الكهنوتية وذبح هو آلافاً منهم. وتَحقَّق للصدوقيين بذلك شيء من النصر. ولكن زوجة هيركانوس (سالومي ألكسندرا) التي خلفته في الحكم، تصالحت معهم وأسلمتهم زمام الأمور في الداخل، فاضطهدوا الصدوقيين حتى أن الجو صار مهيئاً لحرب أهلية. والواقع أن الصراع الذي دار بين يوحنا هيركانوس الثاني وأخيه أرسطوبولوس الثاني كان صراعاً بين الصدوقيين والفريسيين. ويبدو أن الفريسيين اصطبغوا بصبغة هيلينية في أواخر الأسرة الحشمونية وعارضوا التمرد اليهودي الأول (66 ـ 70م). لكن خوفهم من الغيورين كان عميقاً، فأخذوا يسايرونهم، غير أنهم كانوا يستسلمون للقوات الرومانية كلما سنحت لهم الفرصة كما فعل يوسيفوس. وقد كانوا يرون أن الدولة الرومانية أساس للبقاء اليهودي. ويقول أحد الفريسيين: "صلوا من أجل سلام الحكومة الرومانية، فلولا الخوف الذي تبعثه في القلوب لابتلع الواحد منا الآخر " (فصول الآباء 3/2). وقد قام أحد الفريسيين (يوحنان بن زكاي) بتأسيس حلقـة يفنه التلمودية التي طورت اليهودية الحاخامية.

                    ويُصنَّف «الغيورون» و«عصبة الحناجر» و«الأسينيون» باعتبارهم أجنحة متطرفة من الحزب الفريسي (باعتبارهم ينتمون إلى ما يمكن تسميته «الحزب الشعبي») في مواجهة حزب الصدوقيين الكهنوتي الأرستقراطي.

                    الصدوقيون
                    Saducees


                    «الصدوقيون» مأخوذة من الكلمة العبرية «صِّدوقيم»، ويُقال لهم أحياناً «البوئيثيون Boethusian». وأصل الكلمة غير محدَّد. ومن المحتمل أن يكون أصل الكلمة اسم الكاهن الأعظم «صادوق» (في عهد سليمان) الذي توارث أحفاده مهمته حتى عام 162 ميلادية. و«الصدوقيون» فرقة دينية وحزب سياسي تعود أصوله إلى قرون عدة سابقة على ظهور المسيح عليه السلام. وهم أعضاء القيادة الكهنوتية المرتبطة بالهيكل وشعائره والمدافعون عن الحلولية اليهودية الوثنية.

                    وكان الصدوقيون، بوصفهم طبقة كهنوتية مرتبطة بالهيكل، يعيشون على النذور التي يقدمها اليهود، وعلى بواكير المحاصيل، وعلى نصف الشيقل الذي كان على كل يهودي أن يرسله إلى الهيكل، الأمر الذي كان يدعم الثيوقراطية الدينية التي تتمثل في الطبقة الحاكمة والجيش والكهنة. وكان الصدوقيون يحصلون على ضرائب الهيكل، كما كانوا يحصلون على ضرائب عينية وهدايا من الجماهير اليهودية. وقد حوَّلهم ذلك إلى أرستقراطية وراثية تؤلِّف كتلة قوية داخل السنهدرين.

                    ويعود تزايد نفوذ الصدوقيين إلى أيام العودة من بابل بمرسوم قورش (538 ق.م) إذ آثر الفرس التعاون مع العناصر الكهنوتية داخل الجماعة اليهودية لأن بقايا الأسرة المالكة اليهودية من نسل داود قد تشكل خطراً عليهم. واستمر الصدوقيون في الصعود داخل الإمبراطوريات البطلمية والسلوقية والرومانية، واندمجوا مع أثرياء اليهود وتأغرقوا، وكوَّنوا جماعة وظيفية وسيطة تعمل لصالح الإمبراطورية الحاكمة وتساهم في عملية استغلال الجماهير اليهودية، وفي جمع الضرائب.

                    ولكن، وبالتدريج، ظهرت جماعات من علماء ورجال الدين (أهمهم جماعة الفريسيين) تلقوا العلم بطرق ذاتية، كما كانت شرعيتهم تستند إلى عملهم وتقواهم لا إلى مكانة يتوارثونها. وكانوا يحصلون على دخلهم من عملهم، لا من ضرائب الهيكل. وقد أدَّى ظهور الفريسيين، بصورة أو بـأخرى، إلى إضعاف مكانة الصدوقيين. ومما ساعد على الإسراع بهذه العملية، ظهور الشريعة الشفوية حيث كان ذلك يعني أن الكتاب المقدَّس بدأت تزاحمه مجموعة من الكتابات لا تقل عنه قداسة. كما أن الكتب الخفية والمنسوبة وغيرها من الكتابات كانت قد بدأت في الظهور. وقد ساهم الأثر الهيليني في اليهود في إضعاف مكانة الصدوقيين الكهنة، فقد كان اليونانيون القدامى يعتبرون الكهنة من الخدم لا من القادة. وكانت جماعات العلماء الدينيين (الفريسيين) أكثر ارتباطاً بالحضارة السامية وبالجماهير ذات الثقافة الآرامية. لكل هذا، زاد نفوذ الفريسيين داخل السنهدرين وخارجه، حتى أنهم أرغموا الكاهن الأعظم على أن يقوم بشعائر يوم الغفران حسب منهجهم هم. وقد وقف الصدوقيون، على عكس الفريسيين، ضد التمرد الحشموني (168 ق.م)، ولكنهم عادوا وأيدوا الملوك الحشمونيين باعتبار أن الأسرة الحشمونية أسرة كهنوتية (ابتداءً من 140 ق.م). ولا يمكن فَهْم الصراعات التي لا تنتهي بين ملوك الحشمونيين إلا في إطار الصراع بين الحزب الشعبي (الفريسي) وحزب الصدوقيين. وقد أيَّد الصدوقيون بعد ذلك الرومان.

                    وارتباط الصدوقيين بالعناصر الحلولية البدائية في التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي واضح، فهم لا يؤمنون بالعالم الآخر ويرون أنه لا توجد سوى الحياة الدنيا وينكرون مقولات الروح والآخرة والبعث والثواب العقاب. ومن المهم أن نشير إلى أنهم، برغم رؤيتهم المادية الإلحادية، كانوا يُعتبَرون يهوداً، بل كانوا يشكلون أهم شريحة في النخبة الدينية القائدة. وقد اعترف بيهوديتهم الفريسيون، وكذلك الفرق اليهودية الأخرى كافة رغم رفضهم بعض العقائد الأساسية التي تشكل الحد الأدنى بين الديانات التوحيدية. ولعل هذا يعود إلى طبيعة العقيدة اليهودية التي تشبه التركيب الجيولوجي التراكمي، وإلى أن الشريعة اليهودية تُعرِّف اليهودي بأنه من يؤمن باليهودية، أو من وُلد لأم يهودية حتى ولو لم يؤمن بالعقيدة. وحينما كان فيلسوف العلمانية باروخ إسبينوزا يؤسِّس نسقه الفلسفي المادي، أشار إلى الصدوقيين ليبرهن على أن الإيمان بالعالم الآخر ليس أمراً ضرورياً في العقيدة اليهودية، وأنه لا توجد أية إشارة إليه في العهد القديم.

                    وقد كان الصدوقيون يرون أن الخالق لا يكترث بأعمال البشر، وأن الإنسان هو سبب ما يحل به من خير وشر. ولذا، فقد قالوا بحرية الإرادة الإنسانية الكاملة. وكانوا لا يؤمنون إلا بالشريعة الشفوية، كما كانوا يقدمون تفسيراً حرفياً للعهد القديم، ويحرِّمون على الآخرين تفسيره. وكانوا يدافعون أيضاً عن الشعائر الخاصة بالهيكل والعبادة القربانية، ويرون أن فيها الكفاية، وأنه لا توجد حاجة إلى ديانة أو عقيدة دينية مجردة، ولا حاجة إلى إقامة الصلاة أو دراسة التوراة باعتبار أن ذلك شكل من أشكال العبادة. ويُقال إنه بينما كان الصدوقيون يحاولون (كما هو الحال مع الديانات الوثنية) أن ينزلوا بالخالق إلى مقام الإنسان والمادة، حاول الفريسيون (على طريقة الديانات التوحيدية) الصعود بالإنسان كي يتطلع إلى الخالق ويتفاعل معه. ويُعَدُّ الصدوقيون في طليعة المسئولين عن محاكمة المسيح في السنهدرين. وقد اختفت هذه الفرقة تماماً بهدم الهيكل (70م) نظراً لارتباطها العضوي به.
                    اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                    http://www.rasoulallah.net/

                    http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                    http://almhalhal.maktoobblog.com/



                    تعليق


                    • #70
                      الغيورون (قنَّائيم)
                      Zealots


                      كلمة «غيورون» ترجمة للفظة «قنَّائيم»، وهي من الكلمة العبرية «قانَّا» بمعنى «غيور» أو «صاحب الحمية». والغيورون فرقة دينية يهودية، ويُقال إنه جناح متطرف من الفريسيين وحزب سياسي وتنظيم عسكري. وقد جاء أول ذكر لهم باعتبارهم أتباعاً ليهودا الجليلي في العام السادس قبل الميلاد. ويبدو أن واحداً من العلماء الفريسيين، ويُدعَى صادوق، قد أيده. ولكن يبدو أن أصولهم أقدم عهداً، إذ أنها تعود إلى التمرد الحشموني (186 ق.م). ويذكر يوسيفوس شخصاً يُدعَى حزقيا باعتباره رئيس عصابة أعدمه هيرود، وحزقيا هذا هو أبو يهودا الجليلي الذي ترك من بعده شمعون ويعقوب ومناحم (لعله أخوه). وقد تولَّى مناحم الجليلي، وهو زعيم عصبة الخناجر، قيادة التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (66 ـ 70م)، وذلك بعد أن استولى على ماسادا وذبح حاميتها واستولى على الأسلحة، ثم عاد إلى القدس حيث تولَّى قيادة التمرد هو وعصبته الصغيرة، فأحرقوا مبنى سجلات الديون، وأحرقوا أيضاً قصور الأثرياء وقصر الكاهن الأعظم آنانياس ثم قاموا بقتله، بل يبدو أنهم حاولوا إقامة نظام شيوعي. ويبدو كذلك أن عصابة مناحم كانت متطرفة ومستبدة في تعاملها مع الجماهير اليهودية. وقد كانت لدى مناحم ادعاءات مشيحانية عن نفسه، كما أنه جمع في يديه السلطات الدينية والدنيوية. ولذا، قامت ثورة ضده انتهت بقتله، هو وأعوانه، وهروب البقية إلى ماسادا. وقد استمر نشاط الغيورين حتى سقوط القدس وهدم الهيكل عام 70 ميلادية، ولكن هناك من يرى أنهم اشتركوا أيضاً في التمرد اليهودي الثاني ضد هادريان (132 ـ 135م).

                      وكان الغـيورون منقسـمين فيما بينهم إلى فرق متطاحنة متصارعة. ومن قياداتهم الأخرى، يوحنان بن لاوي وشمعون برجيورا.

                      ويُعَدُّ ظهور حزب الغيورين تعبيراً عن الانهيار الكامل الذي أصاب الحكومة الدينية وحكم الكهنة. وقد قام الغيورون، تحت زعامة يهودا الجليلي، بحَثّ اليهود على رفض الخضوع لسلطان روما، وخصوصاً أن السلطات الرومانية كانت قد قررت إجراء إحصاء في فلسطين لتقدير الملكية وتحديد الضرائب. وقد تبعت حزب الغيورين، في ثورته، الجماهير اليهودية التي أفقرها حكم أثرياء اليهود بالتعاون مع اليونانيين والرومان. ويتسم فكر الغيورين بأنه فكر شعبي مفعم بالأساطير الشعبية، ولذا نجد أن أسطورة الماشيَّح أساسية في فكرهم، بل إن كثيراً من زعمائهم ادعوا أنهم الماشيَّح المخلص، وقد قدموا رؤية للتاريخ قوامها أن هزيمة روما شرط أساسي للخلاص، وأن ثمة حرباً مستعرة بين جيوش يسرائيل وجيوش يأجوج ومأجوج (روما)، وأن اليهود مكتوب لهم النصر في الجولة الأخيرة. وعلى هذا، فإن فكرهم يتسم بالنزعة الأخروية التي انتشرت في فلسطين آنذاك، ويُقال إن معظم أدب الرؤى (أبوكاليبس) من أدب الغيورين.

                      ونظراً لجهل الغيورين بحقائق القوى الدولية وموازينها، وبمدى سلطان روما في ذلك الوقت، قاموا بثورة ضارية ضد الرومان واستولوا على القدس. وقد تعاونوا مع الفريسيين في هذه الثورة، ولكن الفريسيين كانوا مترددين بسبب انتماءاتهم. وحينما بدأت المقاومة المسلحة، استخدم الغيورون أسلوب حرب العصابات ضد روما، كما قاموا بخطف وقتل كل من تعاون مع روما، حتى أن الجماهير اليهودية ثارت ذات مرة ضدهم. وقد قضى الرومان على ثورة الغيورين، واستسلمت القوات اليهودية، وكان آخرها القوات اليهودية في ماسادا بقيادة القائد الغيوري إليعازر بن جايـر، وهـي القـوات التـي آثرت الانتحـار على الاستسلام نظراً لأنها كانت قد ذبحت الحامية الرومانية بعد استسلامها لهم وخشي قائد الغيورين أن يذبحهم القائد الروماني، على عكس القلاع الأخرى (مثل ماخايروس وهيروديام) التي استسلمت للرومان.

                      الأسينيون
                      Essenes


                      «أسينيون» من الكلمة الآرامية «آسيا»، ومعناها «الطبيب» أو «المداوي»، وهي من «يؤاسي المريض». ويُقال إنها من الكلمة السريانية «هاسي»، كما يُقـال إنهـا تعـود إلى كلمـة «هوسيوس» اليونانيــة، أي «المقــدَّس»، ولعلهـا النطق اليوناني «أسيديم» للكلمـة العبرية «حسيديم»، أي «الأتقيـاء»، ولعلهـا تصحيف للكلمـة العبرية «حَاشـائيم»، أي «الساكتين». والأسـينيون فرقة دينية يهـودية لم يـأت ذكرها في العهـد الجديـد، ومـا ذُكر عنهـا فـي كتاـبات فيلون ويوسيفوس متناقض. ولعل هذا يدل على وجـود خـلافات في صفوف الأســينيين أنفسهم الذين لم يزد عددهـم عن أربعة آلاف، وكانـوا يمارسون شعائرهم شمال غرب البحر المـيت في الفترة ما بين القرنين الثاني قبل الميلاد والأول الميلادي.

                      والأسينيون (فيما يبدو) جناح متطرف من الفريسيين، وتقترب عقائدهم من عقائد ذلك الفريق، ويظهر هذا في ابتعادهم عن اليهودية كدين قرباني مرتبط بهيكل القدس. آمن الأسينيون بخلود الروح والثواب والعقاب، ووقفوا ضد العبودية والملكية الخاصة، بل ضد التجارة، وانسحبوا تماماً من الحياة العامة (على عكس الفريسيين). وقد قسَّم الأسينيون الناس إلى فريقين: البقية الصالحة من جماعة يسرائيل، وأبناء الظلام. وترقبوا نزول الماشيَّح لينشئ على الأرض ملكوت السماء ويحقق السلام والعدالة في الأرض. وقد عاش الأسينيون في جماعة مترابطة حياة النساك يلبسون الثياب البيض ويتطهرون ويطبقون شريعة موسى تطبيقاً حرفياً، وكانوا أحياناً يتعبدون في اتجاه الشمس ساعة الشروق.

                      عاش الأسينيون على عملهم بالزراعة، وكانوا لا يتناولون من الطعام إلا ما أعدوه بأنفسهم، وهو ما زاد ترابط الجماعة (الأمر الذي جعل عقوبة الطرد منها بمنزلة حكم الإعدام). ويبدو أنه كان لهم تقويمهم الخاص. وقد حرموا الذبائح، ولذلك فقد كانوا يقدمون للهيكل قرابين نباتية وحسب. كما حرموا على أنفسهم، أو على الأقل على الأغلبية العظمى منهم، الزواج. وقد انقرض الأسينيون كلية في أواخر القرن الأول الميلادي.
                      كان فكر الأسينيين متأثراً بالفكر الهيليني وأفكار فيثاغورث، وبآراء البراهمة والبوذيين، وهو ما كان منتشراً في فلسطين (ملتقى الطرق التجارية العالمية في القرن الأول قبل الميلاد). ويُقال إن المسيحية الأولى تأثرت بهم، كما يُقال إن يوحنا المعمدان كان قريباً من الأسينيين، وأن المسيح عليه السلام كان عضواً في هذه الفرقة الدينية وأنه تأثر بفكرهم (ومن المعروف أن المسيح طرد التجار والمرابين من الهيكل). وقد كشفت مخطوطات البحر الميت عن كثير من عقائد الأسنيين. ومن أهم كتبهم كتاب الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام، وهو من كتب الرؤى (أبوكاليبس)، وهو ذو طابع أخروي حاد. ويُقال إن الأسينيين آمنوا بيسوع الناصري كواحد من أنبياء يسرائيل المصلحين، ولكنهم رفضوا دعوة بولس إلى العقيدة المسيحية وظلوا متمسكين بالنواميس اليهودية. ويُقال أيضاً إن الأبيونيين هم الأسينيون في مرحلة تاريخية لاحقة.

                      عصبة حملة الخناجر
                      Sicarii


                      «عصبة الخناجر» ترجمة لكلمة «سيكاري» المنسوبة إلى كلمة «سيكا» اللاتينية، التي تعني الخنجر. و«سيكاريوس sicarius» كلمة مفردة تعني «حامل الخنجر» وجمعها «سيكاريي sicarii». وعصبة الخناجر جماعة متطرفة من الغيورين الذين كانوا بدورهم جماعة متطرفة من الفريسيين، وقد كانوا يخبئون خناجرهم تحت عباءاتهم ليباغتوا أعداءهم في الأماكن العامة ويقتلوهم. وأثناء التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (66 ـ 70م)، يُقال إنهم كانوا تحت قيادة مناحم الجليلي، وأنهم هم الذين أحرقوا منزل الكاهن الأعظم أنانياس، وقصري أجريبا الثاني وأخته بيرنيكي عشيقة تيتوس. كما أحرقوا سجلات الديون حتى ينضم الفقراء المدينون إليهم. وقد أدَّى نشاطهم إلى فرار الأرستقراطيين اليهود. ولكن الجماهير، بقيادة الغيوري المعتدل إليعازر بن حنانيا من حزب القدس، تمردت على المتطرفين وقتلت زعيمهم مناحم الجليلي، ففرت فلولهم. ويُقال إن الجماعة التي لجأت إلى ماسادا، وأبادت الجالية الرومانية بعد استسلامها، من أعضاء عصبة الخناجر. وثمة رأي آخر يرى أن جماعة إليعازر بن جاير كانت معادية لهم، ولكنها اختلفت معهم بشكل مؤقت.

                      ويبدو أنه كان يوجد داخل حركة الغيورين جناحان: جناح متطرف هو عصبة الخناجر، وجناح القدس، ويشار إلى أعضاء هذا الجناح باسم «الغيورين» وحسب. وكان الفارق بين الفريقين كما يلي:

                      1 ـ لم يرتبط غيـورو القدس بأية أسـرة محددة، ولم يعلنوا قوادهم ملوكاً.

                      2 ـ كانت قاعدة الغيورين في القدس، بينما كانت قاعدة العصبة في الجليل.

                      3 ـ كانت الأبعاد الاجتماعية لعصبة الخناجر أوضح منها في حالة الغيورين، رغم ثورة هؤلاء على الكاهن الأعظم والأقلية الثرية الحاكمة.

                      والواقع أن عصبة الخناجر هي الجماعة الوحيدة التي استمرت في نشاطها بعد إخماد التمرد، هذا التمرد الذي اتسع نطاقه إلى الإسكندرية وبرقة، حيث قام يهودي من عصبة الخناجر يدعى يوناثان بقيادة أعضاء الجماعة اليهودية في ثورة تم قمعها. وبعد اغتيال بعض القيادات اليهودية هناك، قام أعضاء الجماعة اليهودية بالقبض على أعضاء عصبة الخناجر وتسليمهم إلى القوات الرومانية. وقد كانت عصبة الخناجر، رغم نشاطها وحركتها، تشكل أقلية لا يزيد عددها حسب بعض التقديرات على ألفين.

                      ويبدو أن فكر عصبة الخناجر كان فكراً شيوعياً بدائياً يعود إلى بعض التيارات الكامنة في العهد القديم. فقد جاء في سفر اللاويين (25/23): "والأرض لا تُبـاع بتة. لأن لي الأرض وأنتـم غـرباء ونزلاء عندي. بل في كل أرض ملككـم تجـعلون فكاكاً للأرض" وغيرها (25/23، 25/55، وتثنية 15/4 ـ 5، 15/6). وفي مفهوم السنة السبتية حيث تُلغى ديون الفقراء من اليهود وهو ما يعكس هذه الشيوعية البدائية التي يبدو أنها أثرت في فكر عصبة الخناجر الذين كان شعارهم "لا ملك إلا الرب"، فهو وحده "مالك الأرض".

                      الفقراء (الإبيونيون)
                      Ebionites


                      الكلمة العبرية «إبيون» تعني «فقير»، وهي كلمة ذات مدلول اقتصادي ومنها «الإبيونيون»، وقد أصبحت هذه الكلمة ذات تضمينات دينية واستخدمها بعض أعضاء الجماعات اليهودية المسيحية في بداية العصر المسيحي للإشارة إلى أنفسهم باعتبار أنهم ورثة مملكة الرب. وقد تبع الإبيونيون الشريعة اليهودية، وأصروا على أن المسيحيين ملزمون بها، كما أنهم راعوا شعائر السبت. وقد رفض معظمهم فكرة ألوهية المسيح وولادته العذرية، ولكنهم آمنوا بأنه الماشيَّح الذي اختاره الإله عند تعميده. ومن هنا كان تعميد المسيح موضوعاً أساسياً في إنجيل الإبيونيين. وقد اعتبر الإبيونيون تعاليم بولس الرسول هرطقة محضة. وذهب فريق من الإبيونيين مذهب الغنوصيين، فقالوا بأن المسـيح هـو آدم. وقال فريـق آخر إنه الروح القـدس حل بآدم، ثم بالآباء، وأخيراً حل بعيسى، فلما صُلب عيسى صعد الروح القدس، الذي هـو المسـيح، إلى السماء. ومع اتساع الهوة بين اليهودية والمسيحية، اختفت هذه الجماعات في نهاية القرن الرابع الميلادي.

                      المغاريــــة
                      Maghariya


                      «المغارية» فرقة يهودية ظهرت في القرن الأول الميلادي حسبما جاء في القرقشاني. وهذا الاسم مشتق من كلمة «مغارة» العربية، أي كهف، فالمغارية إذن هم سكان الكهوف أو المغارات، وهذه إشارة إلى أنهم كانوا يخزنون كتبهم في الكهوف للحفاظ عليها، ويبدو أنها فرقة غنوصية، إذ يذهب المغارية إلى أن الإله متسام إلى درجة أنه لا تربطه أية علاقـة بالمادة (فهو يشبه الإله الخفي في المنظومة الغنوصية)، ولهذا فإن الإلـه لم يخـلق العالم، وإنما خلقـه ملاك ينـوب عن الإله في هذا العالم. وقد كتب أتباع هذه الفرقة تفسيراتهم الخاصة للعهد القديم وذهبوا إلى أن الشريعة والإشارات الإنسانية إلى الإله إنما هي إشارات لهذا الملاك الصانع. وقد قرن بعض العلماء المغارية بالأسينيين والثيرابيوتاي.

                      المعالجون (ثيرابيوتاي)
                      Therapeutae


                      «المعالجون» ترجمة لكلمة «ثيرابيوتاي» المأخوذة من الكلمة اليونانية «ثيرابي» أي «العلاج»، وتعني «المعالجون». والمعالجون (ثيرابيوتاي) فرقة من الزهاد اليهود تشبه الأسينيين استقرت على شواطئ بحيرة مريوط قرب الإسكندرية في القرن الأول الميلادي، ويشبه أسلوب حياتهم أسلوب الأسينيين وإن كانوا أكثر تشدداً منهم. وقد كانت فرقة المعالجين تضم أشخاصاً من الجنسين، وأورد فيلون في كتابه كل ما يعرفه عنهم، فيذكر إفراطهم في الزهد وفي التأمل وبحثهم الدائب عن المعنى الباطـني للنصـوص اليهودية المقدَّسـة. كمـا يذكـر فيلـون أنهـم كانوا يهتمـون بدراسـة الأرقـام ومضمونها الرمـزي والروحـي، كما كانـوا يقضـون يومهـم كلـه في العبادة والدراسة والتدريب على الشعائر. أما الوفاء بحاجة الجسد، فلم يكن يتم إلا في الظلام (وهو ما قد يوحي بأصول غنوصية).

                      المستحمون في الصباح (هيميروبابتست)
                      Hemerobaptists


                      «المستحمون في الصباح» ترجمة للكلمة اليونانية «طوبلحاشحريت» أو «هيميروبابتست» والمستحمون في الصباح فرقة يهودية أسينية كان طقس التعميد بالنسبة إليها أهم الشعائر. ولذا، فقد كان هذا الطقس يُمارَس بينهم كل يوم بدلاً من مرة واحدة في حياة الإنسان. كما أنهم كانوا يتطهرون قبل النطق باسم الإله. ويبدو أن يوحنا المعمدان كان واحداً منهم. وقد ظلت بقايا من هذه الفرقة حتى القرن الثالث الميلادي.

                      عبدة الإله الواحد (هبسستريون)
                      Hypsisterion


                      «عبدة الإله الواحد» ترجمة للكلمة اليونانية «هبسستريون». وعبدة الإله الواحد هم فرقة شبه يهودية كانت تعبد الإله الواحد الأسمى (والاسم مشتق من كلمة يونانية لها هذا المعنى). وقد كان أعضاء هذه الفرقة يعيشون على مضيق البسفور في القرن الأول الميلادي وظلت قائمة حتى القرن الرابع. ومن الشعائر اليهودية التي حافظوا عليها شعائر السبت والطعام، وكانت عندهم شـعائر وثنيـة مثل تعظيـم النـور والأرض والشـمس، وخصوصاً النار، ومع هذا يُقال إن الأمر لم يصل بهم قط إلى درجة تقديس النار كما هو الحال مع المجوس.

                      البناءون (بنائيم)
                      Banaaim


                      «البناءون» ترجمة لكلمة «بنائيم». والبناءون فرقة يهودية صغيرة ظهرت في فلسطين في القرن الثاني الميلادي. ومعنى الكلمة غير معروف بصورة محددة، فيذهب بعض العلماء إلى أن الاسم مشتق من كلمة «بنا» بمعنى «يبني»، وأن أتباع هذه الفرقة علماء يكرسون جلّ وقتهم لدراسة تكوين العالم (كوزمولوجي). ويذهب آخرون إلى أن (البنائيم) فرع من الأسينيين. ويذهب فريق ثالث إلى أن الاسم مشتق من كلمة يونانية بمعنى «حمام» أو «المستحمون». ويذهب فريق رابع إلى أنهم أتباع الراهب الأسيني بانوس. ولعل ربط البنائيم بالأسينيين يرجع إلى اهتمامهم البالغ بشعائر الطهارة والحفاظ على نظافة ملابسهم.
                      اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                      http://www.rasoulallah.net/

                      http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                      http://almhalhal.maktoobblog.com/



                      تعليق


                      • #71
                        أســـــلمة اليهـــــودية وتهـــــويد الإســـــلام
                        Islamization of Judaism and Judaization of Islam

                        «أسلمة اليهودية» و«تهويد الإسلام» مصطلحان قمنا بسكهما لنصف علاقة التأثير والتأثر بين اليهودية والإسلام. ويُلاحَظ أن مقارنة الأديان ودراسة العلاقة بينهما تنصرف عادةً إلى دراسة الشعائر والمصطلحات ومدى التشابه بينهما، الأمر الذي يؤدي بها إلى السطحية. ففي مجال مقارنة الإسلام باليهودية سيُلاحظ الدارس أن شعيرة الختان وحَظْر أكل لحم الخنزير يوجدان في كل من اليهودية والإسلام (بينما تغيب في المسيحية). وأن الشهادة في الإسلام تؤكد أن الله واحد، كما أن دعاء الشماع في اليهودية يؤكد أيضاً أن الله واحد، بينما تظهر عقيدة التثليث في المسيحية. ويَخلُص الباحث من ذلك إلى أن الإسلام أقرب إلى اليهودية منه إلى المسيحية.

                        ولعل الغائب هنا هو أهم شيء وهو النموذج المعرفي الذي يستند إليه النموذج التحليلي والتفسيري والتصنيفي. فهذا النموذج هو الذي يحدد المعنى العميق والكامن (والحقيقي) للشعائر وللدوال سواء كانت كلمات أم صلوات. فالختان داخل إطار حلولي ليس علامة على طاعة الإله وإنما هو علامة على التميز، وقل الشيء نفسه عن قوانين الطعام، بل عن الشهادة والشماع (انظر: «الختان» ـ «الشماع»).

                        وقد قمنا في هذه الموسوعة بمحاولة لمقارنة الأديان من هذا المنظور في مداخل هذا القسم والقسم الذي يليه.

                        ونحن، في دراستنا، نرى أن ثمة نسقين دينيين أساسييين (بل رؤيتين أساسيتين للكون)، إحداهما توحيدية ترى أن الله واحد متجاوز للطبيعة والتاريخ والإنسان (ومع هذا فهو يرعاها)، والأخرى حلولية ترى أن الله يحل في الطبيعة والتاريخ والإنسان فيتوحد الجميع في واحدية مادية كونية يسودها قانون واحد. ونحن نرى أن جوهر النسق الديني الإسلامي هو التوحيدية المتجاوزة، بينما نجد أن النسق الديني اليهودي هو تركيب جيولوجي تراكمي داخله طبقة توحيدية وأخرى حلولية وأن الطبقة الحلولية زادت قوةً وترسخاً واكتسبت مركزية على مرّ الزمن.

                        ولذا، فإن أسلمة اليهودية تعني تزايد درجات التوحيد داخل النسق الديني من خلال احتكاك اليهودية بالإسلام، ويتبدَّى هذا في الفكر القرّائي وفكر موسى بن ميمون. ويصل هذا الاتجاه إلى ذروته في محاولة موسى بن ميمون، في مصر، أن يؤسلم بعض الشعائر الدينية اليهودية مثل الصلاة.

                        وتهويد الإسلام يقف على طرف النقيض من ذلك فهو يعني تسلُّل العناصر الحلولية إلى الإسلام، ويتبدَّى هذا في الإسرائيليات وفي فكر عبد الله بن سبأ وكعب الأحبار. وبإمكان القارئ أن يعود أيضاً إلى المدخلين التاليين: «المواحدانية» و« البروتستانتية والإصلاح الديني»، ليرى تطبيقاً للنموذج نفسه على العقيدة المسيحية، حيث نجد أن فكرة الإله الواحد، داخل الإطار الحلولي، يمكن أن تكتسب مضموناً جديداً يبعدها تماماً عن التوحيد ويقربها من الواحدية الكونية.

                        القــّراءون: تاريـخ
                        Karaites:History

                        «قرّاءون» مصطلح يقابله في العبرية «قرّائيم» أو «بني مقرّا»، أو «بعلي هامقرّا» أي «أهل الكتاب». وقد ُسمِّي القرّاءون بهذا الاسم لأنهم لا يؤمنون بالشريعة الشفوية (السماعية) وإنما يؤمنون بالتوراة (المقرّا) فقط (ولذا يمكن القول بأنهم أتباع اليهودية التوراتية، مقابل اليهودية التلمودية أو الحاخامية). والقرّاءون فرقة يهودية أسسها عنان بن داود في العراق في القرن الثامن الميلادي وانتشرت أفكارها في كل أنحاء العالم. ولم تُستخدَم كلمة «قرّائين» للإشارة إليهم إلا في القرن التاسع إذ ظل العرب يشيرون إليهم بالعنانية نسبةً إلى مؤسس الفرقة.

                        ويبدو أن ظهور هذه الفرقة يعود إلى عدة أسباب وعوامل داخل التشكيل الديني اليهودي وخارجه، من أهمها انتشار الإسلام في الشرق الأدنى وطرحه مفاهيم دينية وأطراً فكرية جديدة كانت تشكل تحدياً حقيقياً للفكر الديني اليهودي وبخاصة بعد أن غلبت عليه النزعة الحلولية الموجودة داخله. ويبدو أيضاً أنه كانت هناك، منذ هدم الهيكل عام 70م، عناصر دينية رافضة لليهودية الحاخامية من بين بقايا الصدوقيين والعيسويين أتباع أبي عيسى الأصفهاني (690)، وأتباع يودغان.وقد أخذ القرّاءون عن الصدوقيين فكرة منع إشعال النار يوم السبت،وأخذوا عن العيسويين إيمانهم بأن عيسى (عليه السلام) ومحمداً (صلى الله عليه وسلم) رسولان من عند الله،كما أخذوا الترهب عن أتباع يودغان. وهناك نظرية تذهب إلى أن يهود الجزيرة العربية الذين وُطِّنوا في عهد عمر في البصرة وغيرها من بقاع العالم الإسلامي، ولم يكونوا يعرفون التلمود، كانوا من أهم العناصر التي ساعدت على انتشار المذهب القرّائي.

                        ومن المعروف أن اليهودية، حتى ذلك الوقت، لم تكن قد صاغت عقائدها الدينية بشكل محدد وواضح، فقد كانت اليهودية لا تزال مجموعة من الممارسات الدينية تشرف الحلقات التلمودية على تنفيذها وعلى إصدار الفتاوى بشأنها حسبما تقتضيه الظروف، وهو ما يعني أن البناء العقائدي كان لا يزال غير متماسك ويسمح بتفسيرات كثيرة. ويضاف إلى كل هذا، الوضع الاقتصادي المتردي لأعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً بين أولئك الذين استوطنوا المناطق الحدودية بعيداً عن سلطة هذه الحلقات. أما القرّاءون أنفسهم فيُرجعون تاريخهم إلى أيام يُربعـام الأول، حينما انقسـمت المملكة العـبرانية المتحـدة إلى مملكتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية (928 ق.م). أما المؤسسة الحاخامية فكانت تشـيع أن عنان بن داود أسَّـس الفرقـة لأسباب شخصية.

                        وبعد انشقاقهم عن اليهودية الحاخامية، ظل القرّاءون (حتى بداية القرن العاشر) في حالة جمود يختلفون فيما بينهم وينقسمون. ويُقال إن يهود الخزر اعتنقوا يهودية قرّائية، وأنهم انتشروا في شرق أوربا بعد سقوط مملكة الخزر، ولذا نجد أن كثيراً من القرّائين في روسيا وبولندا يذكرون أن لغتهم هي التركية. ومع هذا، دافع القرقساني (أحد مفكريهم) عن هذا الانقسام بقوله: إن القرّائين يصلون إلى آرائهم الدينية عن طريق العقل، ولذا فإن الاختلاف بينهم أمر طبيعي. أما الحاخاميون، فإنهم يدَّعون أن آراءهم، أي الشريعة الشفوية، مصدرها الوحي الإلهي. فإن كان هذا هو الأمر حقاً، فلا مجال للاختلاف في الرأي بينهم. ومن ثم، فإن وجود مثل هذه الاختلافات يدحض ادعاءاتهم التي تنسب الشريعة الشفوية لأصل إلهي.

                        ويُلاحَظ أثر التفكير الديني الإسلامي على فكر القرّائين، وخصوصاً في عصرهم الذهبي في منتصف القرن التاسع. ويُعَدُّ بنيامين النهاوندي، وهو أول من استخدم مصطلح «قرّائي»، أهم مفكري القرّائين، كما يُعتبَر ثاني مؤسسي الفرقة حيث عاش في بلاد فارس في أواخر القرن التاسع، ثم تبعه مفكرون آخرون من أهمهم أبو يوسف يعقوب القرقساني الذي عاش في القرن العاشر.
                        وفي الفترة الممتدة بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر، انتشر المذهب القرّائي بين مختلف أعضاء الجماعات اليهودية، خصوصاً في مصر وفلسطين وإسبانيا الإسلامية حيث عمل اليهود الحاخاميون على طَرْدهم منها، وفي الإمبراطورية البيزنطية قبل الفتح العثماني. ومع حلول القرن السابع عشر، انتقل مركز النشاط القرّائي إلى ليتوانيا وشبه جزيرة القرم التي يعود استيطان القرّائين إياها إلى القرن الثاني عشر.

                        وابتداءً من القرن التاسع عشر، يبدأ فصل جديد في تاريخ القرّائين بعد ضم كل من ليتوانيا (عام 1793) وشبه جزيرة القرم (عام 1783) إلى روسيا. فحتى ذلك الوقت، كانت المجتمعات التقليدية التي وُجد فيها اليهود تُصنَّف كلاًّ من اليهود الحاخاميين واليهود القرّائين باعتبارهم يهوداً وحسب دون تمييز أو تفرقة. ولكن الدولة الروسية اتبعت سياسة مختلفة إذ بدأت تعامل القرّائين كفرقة تختلف تماماً عن الحاخاميين، فأعفت أعضاء الجماعة القرّائية من كثير من القوانين التي تطبَّق على اليهود، مثل: تحديد الأماكن التي يمكنهم السكنى فيها (منطقة الاستيطان)، وتحديد عدد المسموح لهم بالزواج والخدمة العسكرية الإجبارية، وعدم امتلاك الأراضي الزراعية في مناطق معيَّنة. وقد حاول القرّاءون قدر استطاعتهم أن يقيموا حاجزاً بينهم وبين الحاخاميين، فقدموا مذكرات للحكومة القيصرية يبينون فيها أنهم ليسوا كسالى أو طفيليين مثل اليهود الحاخاميين، وهي اتهامات كانت شائعة ضد اليهود في ذلك الوقت. كما أن القرّائين كانوا يؤكدون أنهم لا يؤمنون بالتلمود الذي كانت الحكومة الروسية ترى أنه العقبة الكأداء في سبيل تحديث يهود روسيا. وقد قام المؤرخ والعالم القرّائي أبراهام فيركوفيتش بإعداد مذكرة موثقة للحكومة القيصرية تبرهن على أن اليهود هاجروا من فلسطين قبل التهجير البابلي، وبالتالي فإن تطورهم الديني والتاريخي مختلف تماماً عن اليهود الحاخاميين. وقد أُعيد تصنيف اليهود القرّائين بحيث اعتُبروا قرّائين روسيين من أتباع عقيدة العهد القديم. وقد أثَّر هذا في الهيكل الوظيفي للقرّائين، فبينما كان معظم اليهود الحاخاميين (في القرم) من الباعة الجائلين والحرفيين وأعضاء في جماعات وظيفية وسيطة، كان القرّاءون يحصلون على امتيازات استغلال مناجم الفحم، وكانوا من كبار الملاك الزراعيين الذين تخصصوا في زراعة التبغ (وقد احتكروا تجارته في أوديسا)، كما كانت تربطهم علاقة جيدة مع السلطات القيصرية.

                        وبلغ عدد اليهود القرّائين في القرم حين ضمها الروس نحو 2400، ووصل العدد إلى 12.907 عام 1910، وإلى عشرة آلاف عام 1932. ويصل عددهم الآن حوالي 4571. وحينما ضمت القوات الألمانية القرم وأجزاء أخرى من أوربا إبان الحرب العالمية الثانية، قرَّر النازيون أن القرّائين يتمتعون بسيكولوجية عرْقية غير يهودية. ولذا، فلم تُطبق عليهم القوانين التي طُبِّقت على الحاخاميين. وقد جاء في بعض المصادر أن موقف القرّائين من أحداث الحرب العالمية الثانية كان يتراوح بين عدم الاكتراث والتعاون مع النازيين. ويوجد تجمُّع قرّائي آخر في ولاية كاليفورنيا يضم حوالي 1200 يهودي معظمهم من أصل مصري.

                        وعند إنشاء الدولة الصهيونية، كان القرّاءون معادين لها بطبيعة الحال، ولكن الدعاية الصهيونية والسياسية التي انتهجتها بعض الحكومات العربية والمبنية على عدم إدراك الاختلافات بين الحاخاميين والقرّائين جعلت معظمهم يهاجر من البلاد العربية إلى إسرائيل وغيرها من الدول. ويبلغ عدد القرّائين في إسرائيل نحو عشرين ألفاً، توجد أعداد كبيرة منهم في الرملة، وزعيمهم وحاخامهم الأكبر هو حاييم هاليفي، ويعيش بعضهم في أشدود. وهناك اثنا عشر معبداً قرّائياً ومحكمة شرعية. ويمكن القول بأن معظم القرّائين في إسرائيل من أصل مصري (حيث هاجروا إليها عام 1950). والواقع أن انتماءهم الديني القرّائي لا يزال قوياً، ولذا فإن ثمة خلافات دائمة بينهم وبين اليهود الحاخامين، الأمر الذي ينعكس على العلاقات فيما بينهم داخل المستوطنات المشتركة.

                        القـــــّراءون: فكـــر دينــي
                        Karaites: Religious Thought

                        تأثر القرّاءون بعلم الكلام عند المسلمين، وبالعقلانية الإسلامية بشكل عام. وتأثر مؤسس الفرقة، عنان بن داود، بأصول الفقه على مذهب أبي حنيفة. ويُقال إن اليهود القرّائين يمثلون احتجاج الفرد وضميره الحر ضد عبء السلطة المركزية والتقاليد الجامدة. ومن هنا، فقد وُصفوا بأنهم «بروتستانت اليهودية». ومن الصعب قياس مدى دقة الوصف، وخصوصاً حين يُستخدَم الإطار المرجعي لدين ما لوصف دين آخر. ولكن، وبغض النظر عن مدى دقة الوصف، فإن من المتفق عليه أن الفرقة القرّائية تمثل أكبر احتجاج على اليهودية الحاخامية حتى العصر الحديث (حين ظهرت الفرق اليهودية الحديثة، وخصوصاً اليهودية الإصلاحية). وهي تمثل احتجاجاً بلغ من الضخامة حد أن اليهودية الحاخامية اضطرت إلى تحديد عقائدها وأفكارها على يد سعيد بن يوسف الفيومي (سعديا جاءون). وإذا كان الفيومي قد تأثر بالفكر الديني والفلسفي الإسلامي، فإن الاحتجاج القرّائي كان أكثر استيعاباً لهذا الفكر وأشد تأثراً به. ويتضح هذا التأثر في واقع أن القرّائين قد جعلوا النص المقدَّس المكتوب، أي العهد القديم، المرجع الأول والأخير في الأمور الدينية كافة، والمنبع لكل عقيدة أو قانون. وقد هاجم القرّاءون التلمود، وهدموه، وفندوا تراثه الحاخامي باعتباره تفسيراً من وضع البشر (أي أنهم وضعوا التوراة التي يُقال لها «المقرّا» مقابل المشناه بمعنى «التكرار الشفوي»). والواقع أن رفض الشريعة الشفوية هو في جوهره رفض النزعة الحلولية التي ترى أن الإله يحل بشكل دائم في الحاخامات، ومن ثم يتساوى الاجتـهاد الإنساني والوحي الإلهي، والتمسك بالنص الإلهي المكتوب.

                        ومع هذا، كان للقرّائين تراثهم التفسيري الذي يقابل التلمود، ولكنه ظل مجرد اجتهادات خاضعة للنقاش لا تصطبغ بصبغة نهائية أو مقدَّسة. وقد حدد عنان بن داود الأمور بقوله: « ابحث في الكتاب المقدَّس بعناية تامة ولا تعتمد على رأيي ». بل إن بعض القرّائين كانوا يستعينون باجتهادات الشريعة الشفوية، ولكنهم كانوا ينظرون إليها باعتبارها اجتهادات دينية ليست لها قداسة، وبالتالي غير ملزمة دينياً. كما أنهم يرون أنه لا اجتهاد مع النص، بمعنى أنه إذا كان النص واضحاً، فينبغي عدم فرض أية تفسيرات عليه أو استعارة تفسيرات الآخرين، على عكس تفسيرات التراث الحاخامي التي كانت تتعامل مع النص بشكل متعسف لفرض المعنى المطلوب. وقد وضع القرّاءون أصولاً للتفسير يظهر فيها تأثير الفكر الإسلامي، فكان التفسير يستند إلى العناصر التالية بالترتيب:

                        1 ـ المعنى الحرفي.

                        2 ـ الإجماع.

                        3 ـ القياس.

                        4 ـ العقل.

                        أما تصوُّرهم للإله، فقد تم تطهيره تماماً من أية بقايا وثنية أو طبائع بشرية، فالإله هو خالق السماوات والأرض من العدم، وهو الخالق الذي لم يخلقه أحد، ولا شكل له ولا مثيل له، إله واحد أرسل نبيه موسى وأوحـى إليه التـوراة التي تنقل الحـق الكـامل الذي لا يمكن تغييره أو تعديله، وخصوصاً من خلال العقيدة الشفوية. وعلى المؤمن أن يعرف المعنى الحق للتوراة. وقد أرسل الإله الوحي إلى أنبياء آخرين، ولكن درجة النبوة لديهم أقل منها عند موسى، وسيبعث الإله الموتى، ويحاسبهم يوم القيامة، ويعاقب المذنب ويكافئ المثيب. وكل هذا يعني أن الإله عادل وسيحاسب كل فرد على أفعاله، وأن الإنسان خير، وأن الروح لا تفنى. ويؤمن القرّاءون بأن الإله لا يحتقر هؤلاء الذين يعيشون في المنفى، بل هو على العكس يود أن يطهرهم من خلال عذابهم إلى أن يعود الماشيَّح (لكن عقيدة الماشيَّح قد اختفت في بعض صيغ الفكر القرّائي الأولى). وغني عن القول إن معظم العقائد السابقة تبين أثر الفكر الإسلامي التوحيدي.

                        ولا يوجد في الفكر القرّائي هذا العدد الضخم من الأوامر والنواهي التي حددها الفكر الحاخامي. وتختلف صلاة القرّائين عن صلاة الحاخاميين في عدة أوجه، أهمها أن القرّائين يكتفون بصلاتين: واحدة في الصباح، وأخرى في المساء، وتتضمن صلاتهم الشماع، ولكنهم حذفوا الثماني عشرة بركة (شمونه عسريه). كما أن شكل الصلاة عند القرّائين استقر وأخذ شكلاً نهائياً، على عكس الصلاة عند الحاخاميين. ويرتدي القرّاءون شال الصلاة (طاليت) أثناء أدائها، ولكنهم لا يرتدون تمائم الصلاة (تفيلِّين)، ولا يضعون تمائم الباب (مزوزوت) على منازلهم لأن الإشارات الواردة بشأن هذه التمائم ذات معنى مجازي على عكس ما يتصور الحاخاميون الذي فسروا الإشارات تفسيراً حرفياً. ولا يحتفل القرّاءون بعيد التدشين لأنه ظهر بعد تدوين التوراة، ولهم تقويم خاص بهم. كما أن قوانين الطعام عند القرّائين تختلف عنها لدى الحاخاميين، وخصوصاً في القواعد الخاصة باللحم واللبن. وتتسم قواعد الزواج عند القرّائين بالتزمت إذ زادوا عدد المحارم زيادة غير عادية. كما أن القرّائين يصومون سبعين يوماً (من 13 نيسان إلى 23 سيفان) على طريقة المسلمين، بل يُحرِّم بعضهم استخدام الأدوية حيث لا شافي إلا الإله.

                        وقد اشتد الصراع بين القرّائين والحاخاميين إلى حد أن كل طائفة قامت بتكفير الأخرى وإعلان نجاستها وحرمانها من رحمة الإله. وقد اعتبر الحاخاميون طائفة القرّائين من الأغيار في شئون الطعام والشراب والزواج. وفي العصر الحديث، بذل القرّاءون جهوداً كبيرة للاحتفاظ بالمسافة بينهم وبين الحاخاميين.

                        ومع هذا، لم تنتشر اليهودية القرّائية بين اليهود، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تفسير. ويُقال إن القرّائين كانوا يضمون في صفوفهم كثيراً من التقاة الذين تمسكوا بالتفسير الحرفي للتوراة، وقد أدَّى هذا إلى تَجمُّد فكرهم، وتحوُّلهم إلى حفرية دينية. ولقد وجد كثير من الجماعات القرّائية في تربة إسلامية. ولعلهم وجدوا أن من المنطقي، بعد أن طهروا اليهودية من النزعة الحلولية، وبعد فَرْض الصيغة التوحيدية عليها، أن يعتنقوا الإسلام، وخصوصاً أن ثمة إشارات إلى أن عنان بن داود كان يؤمن، مثله مثل أبى عيسى الأصفهاني، بأن عيسى (عليه السلام) ومحمداً (صلى الله عليه وسلم) من الأنبياء.
                        اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                        http://www.rasoulallah.net/

                        http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                        http://almhalhal.maktoobblog.com/



                        تعليق


                        • #72
                          عنـــان بــن داود (القرن الثامن الميلادي)
                          Anan Ben David

                          مؤسس مذهب القرّائين، ويُقال إنه كان ابن رأس الجالوت في العراق. وقد درس ابن داود الشريعة، ولكن رؤساء الحلقات التلمودية رفضوا تعيينه مكان أبيه، حسب المصادر اليهودية الحاخامية، فرفض الإذعان لقرارهم ودخل في خلاف حاد معهم عام 762. وحينما أُلقي به في السجن بتهمة التمرد، طالب بالإفراج عنه باعتبار أنه ينتمي إلى جماعة دينية مختلفة عن الجماعة اليهودية، فأُجيب طلبه. وبعد الإفراج عنه، أسس ابن داود الفرقة الجديدة في الفترة 762 ـ 767 والتي كانت تُسمَّى في بادئ الأمر بـ «العنانية»، ونشــر عـام 770 كتاـبه سـفر هامتسـفوت باللغـــة الآرامــية (كتاب الأوامـر والنواهــي) ولم يبــق من الكتاب سوى بضعة أجزاء. ولكن لا يمكن تفسير ظهور هذه الفرقة على أساس هذا الحادث الشخصي، فمن الواضـح أن اليهــودية كانت تواجــه تحـدياً فكــرياً ضخمـاً بعد انتـشار الإســلام، وكـان عليــها أن تستجيب له. وكان عـنان بن داود يمـثل أولى هــذه الاســتجابات، ثـم تبـعه سعيد بن يوسف الفيومي، المتحدث باسم اليهودية الحاخامية ومحددها.

                          وحجر الزاوية في فكر عنان بن داود هو العودة إلى النص المقدَّس المكتوب نفسه، أي العهد القديم، مستخدماً طريقة القياس التي استقاها من الفقه الإسلامي، وخصوصاً من فكر الإمام أبي حنيفة. كما أنه رفض الشريعة الشفوية التي تعبِّر عن الحلولية اليهودية. وقد بذل ابن داود جهداً كبيراً في تفسير التناقضات الموجودة في العهد القديم. وكان يفضل التشدد في كثير من الأمور، مثل الزواج وشعائر السبت. ومع هذا، يظل المفتاح الأساسي لفهم فكره الديني هو عبارته: "فلتبحث بعناية فائقة في النص، ولا تعتمد على رأيي".

                          بنيامــين بـن موســى النهــاونـدي (منتصف القرن التاسع الميلادي)
                          Benjamin Ben Moses Nahawandi


                          عالم قرّائي عاش في فارس والعراق. ويُعَدُّ (مع عنان بن داود) مؤسس المذهب القرّائي. وهو صاحب مصطلح «قرّائي». وكان النهاوندي يتسم بعلمه الواسع في العلوم الإسلامية الدينية والدنيوية. كما أنه حدَّد عقائد القرّائين، وبذل جهداً كبيراً في تطهير الفكر الديني من أية اتجاهات لخلع صفات بشرية على الإله. ولذا، فقد أصر على قوله بأن الشريعة لم تُوحَ إلى موسى مباشرة وإنما أُوحيَت إليه من خلال ملاك. وأصر على أن الإله لم يَخلُق العالم مباشرة وإنما خلقه من خلال ملاك أيضـاً (وقد رفض القرّاءون رأيه هذا). ورغم تأكيده أهـمية النص المقدَّس، كما هو الحال مع القرّائين، فإنه لم يمانع في الاستفادة من الشـريعة الشـفوية (أي تفاسـير الحاخامات) دون أن يخلع عليها أية قداسة. وقد وضع النهاوندي معظم مؤلفاته بالآرامية، ومن أهمها شروح العهد القديم، إلى جانب بعض الدراسات القانونية الأخرى.

                          أبو يوسـف يعقوب القرقسـاني (النصف الأول من القرن العاشر الميلادي)
                          Abu Yusuf Yaqub Qirqisani


                          عالم قرّائي اسـتوعب العلوم الإسـلامية الدينيـة والدنيويـة في عصره، وكان على إلمام كبير بالتراث الحاخامي. وأهم كتبه كتاب الأنوار والمراتب (بالعربية)، وهو مصنف في القوانين القرّائية، أما الكتاب الثاني فهو كتاب الرياض والحدائق، وهو تعليق على الأجزاء التي لا تتناول الشرائع في العهد القديم. وهو، في جميع كتاباته، يُحكِّم عقله ويستند إلى قواعد التفسير التي وضعها العلماء القرّاءون من قبله.

                          أبراهـام فيركوفيتـش (1786-1874)
                          Abraham Firkovich


                          عَالم قرّائي روسي بولندي المولد، بذل جهوداً كبيرة لفصل اليهود القرّائين عن اليهود الحاخاميين، فهاجم اليهودية الحاخامية والحسيدية هجوماً لاذعاً. وقد قدَّم فيركوفيتش مذكرة عام 1825 إلى الحكومة الروسية القيصرية بيَّن فيها أن القرّائين يتسمون بالنشاط والإنتاجية، على عكس اليهود الحاخاميين الذين يتسمون في رأيه بالكسل والطفيلية. وقد اقترح في المذكرة أن تقوم الحكومة القيصرية بتهجير الحاخاميين من المناطق المتاخمة للحدود الغربية، حتى تُوقفهم عن الاشتراك في عمليات التهريب، وحتى يتم تشجيعهم على الاشتغال بالزراعة (وقد كان القرّاءون في شبه جزيرة القرم يشتغلون بكل المهن، ومنها الزراعة، كما كانوا يمتلكون مزارع تبغ). وقد بيَّن فيركوفيتش في دراساته أن القرّائين هاجروا من فلسطين بعد انقسام مملكة سليمان، وأنهم استوطنوا القرم منذ القدم، وأن قبيلة الخزر تهوَّدت على أيديهم. وقد قام بجمع العديد من المخطوطات العبرية في فلسطين (وربما مصر)، كما استشهد بالاكتشـافات الأثرية، وخصــوصاً شواهد القبور اليهودية، ليثبت قوله. ونشر فيركوفيتش آراءه عام 1872، وقد تقبَّلها كثير من المؤرخين اليهود في عصره. ولكن بعض العلماء يرون أن فيركوفيتش كان يزيف الشواهد التاريخية لتأييد وجهة نظره، ولا تزال هذه القضية خلافية.

                          وتُعَدُّ مجموعتا فيركوفيتش بالمكتبة العامة في سانت بطرسبرج أكبر مجموعتي كتب ومخطوطات عبرية في العالم.

                          الإســرائيليات (تهــويد الإسـلام)
                          (Israeliyat (Judazation of Islam


                          «الإسرائيليات» هي مجموعة من القصص والتفسيرات لقصص وأحكام القرآن. ويتناول كثير من هذه الإسرائيليات قصصاً وأساطير أبطالها شخصيات من العهد القديم ورد ذكرهم في القرآن. وتفترض الإسـرائيليات أن ثمة اسـتمراراً بين قصص العهد القديم وقصص القرآن، وأن إبراهيم، الذي ذُكر في التوراة هو نفسه سيدنا إبراهيم (عليه السلام) الذي ذُكر في القرآن. ولما كان القرآن لم يذكر قصص الأنبياء كاملة فإن كتاب الإسرائيليات يلجأون، في تفاسيرهم، إلى ملء الثغرات بالعودة إلى كتب اليهود الدينية. وتتناول الإسرائيليات كذلك عقائد، مثل: المسيح المخلِّص (المهدي المنتظر)، وآخر الأيام، وعذاب القبر، واسم الإله الأعظم. ويتسم معظم الإسرائيليات بطابعه الحلولي المتطرف (الذي يتناقض بشكل حاد مع الفكر التوحيدي) ومن المعروف أن افتراض الاستمرار الكامل، ومحاولة ملء كل الفراغات، هي من سمات الأنساق الحلولية التي لا تقبل جود أية مساحات داخل نسق فضفاض.

                          ويروي ابن خلدون في مقدمته من أسباب تسرب الإسرائيليات إلى المسلمين وأسباب استكثارهم من روايتها أن العرب لم يكونوا أهل كتاب أو علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء، مما تتشوق إليه النفوس البشرية وأسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، وهم أنفسهم كانوا أهل بادية منهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمْيَر الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم.

                          وتساهل المفسرون وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم (الحفني). ومعنى كل هذا أن ثمة رغبة شعبوية بدائية في معرفة أصل الأشياء، ملأها المفسرون من خلال احتكاكهم بيهود الجزيرة العربية الذين كانوا يؤمنون هم أنفسهم بيهودية شعبوية بعيدة عن التوحيد أو تميل إلى الحلولية ولذا تود ملء كل الثغرات.

                          ويضرب الحفني مثلاً على ذلك: أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، وكلها تفاصيل روائية، لا فائدة من معرفتها، ولكن العقل الشعبي يود دائماً الإحاطة بالتفاصيل المادية إذ يجد صعوبة غير عادية في التجريد وتجاوز المادة. والموقف الإسلامي من هذا واضح فقد ورد في القرآن (كما يُبيِّن الدكتور الحفني) أن ثمة أموراً أبهمها الله، ولا فائدة من تعيينها تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم، وبقي الاختلاف عنهم في ذلك جائزاً ("سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون خمسة سادسهم كلبهم، رجماً بالغيب، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، قل ربي أعلم بعدتهم، ما يعلمهم إلا قليل، فلا تُمار فيهم إلا مراءً ظاهراً، ولا تستفت فيهم منهم أحدا" [الكهف 22 [).

                          دخل الكثير من الإسرائيليات إلى كتب التفسير الإسلامية عن طريق اليهود الذين اعتنقوا الإسلام في مرحلة مبكرة مثل كعب الأحبار.ولكن،بعد فترة، لم يَعُد اليهود الذين أسلموا وحدهم مصدر الإسرائيليات،فكثير من المفسرين المسلمين كانوا يعودون بأنفسهم إلى الكتب الدينية اليهودية،أو الفلكلـور اليهـودي، لتفسـير القصص القرآني.كما أن الوجدان الشعبي نسج وولَّد قصصاً وتفسيرات على منوال الإسرائيليات.ونحن نذهب إلى أن الخطاب الغنوصي ظل سائداً بين العامة ووجد طريقه إلى عمليات التفسير في كل الديانات التوحيدية.ويجب أن نتذكر أن كثيراً من الإسرائيليات هي،في جوهرها، فلكلور يهودي نجح في أن يصبح جزءاً من العقائد الدينية اليهودية الرسمية،والتلمود كتاب فلكلور بقدر ما هو كتاب تفسير.ونحن نذهب إلى أن شخصيات العهد القديم تختلف في سماتها وسلوكها عن مثيلتها التي تحمل الأسماء نفسها في القرآن الكريم.ومن ثم، فإن إبراهيم الذي ورد ذكره في التوراة يتميَّز عن سيدنا إبراهيم (عليه السلام) الذي ترد قصته في القرآن الكريم (ولهذا،فإن اسم الأول خلافاً للثاني يرد هنا مجرداً من لفظ «سيدنا» ).
                          اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                          http://www.rasoulallah.net/

                          http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                          http://almhalhal.maktoobblog.com/



                          تعليق


                          • #73
                            عبد اللـه بــن سـبأ (القرن السابع الميلادي)
                            Abdallah Ibn Saba

                            ويُسمَّى أيضاً ابن السوداء. وهو عربي يهودي من أهل صنعاء في اليمن. وقد ادَّعى ابن سبأ بعد موت الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو الماشيَّح الذي سيرجع مرة أخرى، فكان يقـول: "العـجب ممن يزعم أن عيـسى يرجع، ويكذِّب برجوع محمد". وقد أيَّد رأيه بآية من القرآن: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد" (القصص 85) ومن ثم فإن محمداً أحق بالرجوع من عيسى. وقال أيضاً إنّ في التوراة أنّ "لكل نبي وصياً، وإن علياً (زوج ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم) هو وصيه، ولذا فعليٌّ هو خاتم الأوصياء بعد محمد خاتم النبيين". بل يُقال إنه لما بويع علي قام إليه ابن سـبأ فقـال لـه:"أنت خلقت الأرض وبسطت الرزق".

                            وقد ذهب عبد الله بن سبأ إلى القول بالتناسخ. وبحسب قوله، فإن روح الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم تمت مع محمد بل استمرت حية تتعاقب في ذريته، فروح الله التي تبعث الحياة في الرسل تنتقل بعد وفاة أحدهم إلى آخر، وأن روح النبوة بصفة خاصة انتقلت إلى عليّ واستمرت في عائلته، ومن ثم فعليّ ليس مجرد خلف شرعي للخلفاء الذين سبقوه، وهو ليس في مستوى واحد مع أبي بكر وعمر اللذين اندسا مغتصبين بينه وبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأخذا الخلافة بغير وجه حق، إنما هي «الروح القدسية» تجسدت فيه وهو وريث الرسالة، ومن ثم فهو بعد وفاة محمد الحاكم الوحيد الممكن للأمة، تلك الأمة التي يجب أن يكون على إمامتها مثل حيّ لله. وقد استطاع ابن سبأ تكوين خلايا سرية في عديد من الأمصار الإسلامية التي مرَّ بها (الحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر)، وجرت بينه وبين أعضاء هذه الخلايا مكاتبات، وحاك ابن سبأ المؤامرات ووضع مخططات للثورة. وبعد مقتل عليّ رضي الله عنه عام 661، أنكر عبد الله أن علياً قد قُتل، زاعماً أن من قُتل هو في واقع الأمر شيطان يشبه علياً وأن علياً نفسه فيه الجزء الإلهي وأنه هو الذي يجئ في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، ولذا كان أتباعه يقولون عند سماع الرعد: "السلام عليك يا أمير المؤمنين". وأنه لابد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلاً كما مُلئت جوراً.

                            وقد أسَّس ابن سبأ الطائفة السبئية التي تقول بألوهية عليّ. ويُقال للسبئية «الطيارة» لزعمهم أنهم لا يموتون وإنما موتهم طيران نفوسهم في الغَلَس (قبيل انبلاج النهار). ويُقال إن عبد الله بن سبأ جاء إلى الإمام عليّ (رضي الله عنه) مع جماعته وقالوا له « أنت الله» فأحرقهم بالنار، فجعلوا يقولون: "الآن صحَّ عندنا أنه الله لأنه لا يعذِّب بالنار إلا رب النار".

                            وقد انشغل المؤرخون المسلمون (في الماضي والحاضر) بقضية هل كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية وُجـدت فعلاً أم شخصية مُختَلَقَة، وهي في الواقع قضية قد تكون على قدر من الأهمية ولكنها تترك المسألة الأساسية، أي بنية أفكار ابن سبأ (وهي أفكار كان هناك من يحملها ويروجها بغض النظر عن وجود ابن سبأ نفسه). ولنضرب مثلاً لنوضح ما نرمي إليه: ينتشر كثير من الأفكار الرومانتيكية وتتبناها جماعات من الناس في أنحاء العالم دون أن يطلعوا بالضرورة على كتابات الشعراء أو الفلاسفة الرومانتيكيين في الغرب، وحتى دون أن يعرفوا بوجود شيء يُسمَّى «الحركة الرومانتيكية». والواقع أن القضية هي بنية هذه الأفكار ومدى تأثيرها في سلوكهم ومدى تأثيرهم فيمن حولهم بعد حَمْلهم هذه الأفكار، وهكذا. أما قضية الأصول والتأثير والتأثر، وهل اطلع هؤلاء بالفعل على النصوص الأساسية للحركة الرومانتيكية الغربية أم لا، فهي قضية ثانوية رغم أهميتها، وخصوصاً أن كثيراً من الأفكار الإنسانية تتوالد من داخل العقل الإنساني، دون حاجة لتأثير خارجي. والأفكار الحلولية (التي تشكل الإطار الذي تتحرك داخله المنظومة السبئية) أمر كامن في تجارب الإنسان الأولى.

                            ويمكن القول بأن النسق الفكري الذي يُنسَب إلى اسم بن سبأ نسق حلولي غنوصي كامل يستحق الدراسة من هذا المنظور:

                            1 ـ فهو نسق يفترض الحلول الدائم للإله في الطبيعة والتاريخ، ولذا فالرعد هو صوت عليّ والبرق سوطه، فالإله يتجسد في الطبيعة. كما أن ثمة إيماناً بأن روح الإله تنتقل من رسول إلى آخر ولابد أن يكون هناك إمام هو مثل حيّ (تَجسُّد ـ حلول) للإله في التاريخ. ويُلاحَظ أنه في الأنساق الحلولية، لابد أن يكون هناك تجسُّد دائم ومستمر للإله في الطبيعة وتناسخ دائم عبر التاريخ، حتى يظل الإله دائماً متجسداً في الزمان والمكان كامناً فيهما لا متجاوزاً أو مفارقاً لهما. والإله، في هذه المنظومة، جزء لا يتجزأ من الطبيعة والتاريخ ويُردُّ إليهما لملء كل الفراغات والمجالات والثغرات بحيث يتصل الزمان بالمكان في وحدة وجود روحية لا تبقى للإله من الألوهية سوى الاسم.

                            2 ـ ويتضمن النسق الديني الحلولي إلغاء فكرة محمد خاتم المرسلين، وهي الفكرة التي تتضمن أن التاريخ أصبح المجال الذي يتفاعل فيه الإنسان مع الإله وأن التاريخ هو الرقعة التي يختبر الإله فيها الإنسان، وبإمكان الإنسان أن يخطىء ويصيب فيها (فهو حرّ الإرادة). بدلاً من ذلك يطرح النسق السبئي الحلولي فكرة نهاية التاريخ. كما يتضمن النسق الحلولي إلغاء فكرة الضمير الشخصي ووجود الإنسان الفرد.

                            3 ـ يمكن أن يتحقق الحلول الإلهي في شخص بدرجة مركزة بحيث يصبح هذا الشخص إلهاً لا يموت، وهذه هي صفات عليّ (رضي الله عنه) في النسق السبئيّ أو صفات محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي لابد أن يعود أو صفات من يتحقق فيه الحلول الإلهي عبر التاريخ.

                            4 ـ يُلاحَظ أن الحلول الإلهي مسألة متوارثة في مجموعة من الناس، فكأن الإله بحلوله في عائلة ما يصبح جزءاً عضوياً يجري في عروقها، وكأن الربانية أصبحت صفة بيولوجية وليست صفة تعبر عن نفسها في أعمال أخلاقية تتبدَّى من خلالها التقوى. والنظم الحلولية نظم عضوية، والإنسان الذي يتمتع بالحلول يتجاوز الخير والشر. وهذه صفات موجودة في النسق السبئي. ولم تذكر المصادر التي توافرت لنا شيئاً عن سلوك السبئيين وما إذا كانوا قد انغمسوا في ممارسات جنسية داعرة تعبر عن الحلول الإلهي العضوي في أجسادهم أو تعبِّر عن سقوط القيم الأخلاقية.

                            5 ـ المنظومة الحلولية تتسم بعدم النضج المعرفي، فهي تنحو نحو اختزال الكون في عناصر سببية بسيطة، فالإمام سيملأ الدنيا عدلاً بعد أن امتلأت جوراً، أي أن كل الثغرات ستُسد ويظهر عالم واضح عضوي مصمت، لا ثغرات فيه، عالم متأيقن تماماً، السبب مرتبط تماماً فيه بالنتيجة. أما من الناحية النفسية فالإنسان الحلولي يرفض الحدود ويفضل البقاء في حالة سيولة كونية رحمية (نسبة إلى الرَحم)، ومن ثم يرفض أن يكبح جماح غرائزه بل يرفض الموت، الحد الأكبر المفروض على الإنسان والنتيجة الطبيعية لإيمان الإنسان بالإله الواحد. ويتبدَّى هذا أيضاً في المنظومة السبئية حيث تُرفَض فكرة الموت بالنسبة لعليّ (رضي الله عنه) ولمن يرث الروح الإلهية. فكأن النسق الحلولي يعد أتباعه بأنهم سيصيبون الأزلية في الدنيا، أي سيصبحون آلهة. بل يمكن القول بأن تحديد المنظومة السبئية لعليّ (رضي الله عنه)، كنقطة للحلول الإلهي، هو بحث عن نقطة فردوسية (غنوصية) طاهرة تماماً لا يوجد فيها أي تركيب أو تناقض، نقطة الوحدة الحقّة للوجود.

                            6 ـ تفترض المنظومة الحلولية تداخل كل الأشياء وترابطها من خلال الحلول الإلهي المستمر. وهذه الرؤية هي التي أدَّت إلى ظهور الإسرائيليات في الإسلام حيث افترض بعض المفسرين وجود استمرار بين التوراة التي بين أيدينا وبين القرآن. وكما أشرنا من قبل، تستند المنظومة السبئية إلى مقدِّمات وردت في التوراة تُستخلَص منها نتائج إسـلامية، فكأن ثمة اسـتمراراً بين التـوراة والقرآن وبين الإسـلام واليهودية.

                            هذه بعض ملامح المنظومة السبئية الحلولية المتطرفة، وهي منظومة كان لها تابعوها وتأثر بها العديدون. وقد ظهرت هذه المنظومة بأشكال أخرى بين جماعات أخرى لها أسماء أخرى، ومن ثم يكون هذا الانشغال المتطرف بشخصية ابن سبأ انشغالاً شاذاً إلى حدٍّ ما.

                            ويمكننا الآن أن نسأل: ما مصدر هذه الحلولية؟ وما جذورها التاريخية وربما البيئية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، قد نحتاج إلى بحث مكثف. ويمكن أن نذهب هنا إلى أن المنظومة ذات أصول يمنية، ولعل المؤرخين الذين جعلوا عبد الله بن سبأ يمنياً كانوا يشيرون إلى هذا. وفي هذه الحالة، لابد أن ندرس بتعمق أنماط اليهودية التي كانت منتشرة آنذاك في جنوب الجزيرة العربية، ومدى اختلاطها بعناصر وثنية من العبادات العربية المجاورة، وهو أمر متوقع تماماً لسببين: أولهما أن يهودية الجزيرة العربية كانت منعزلة إلى حدٍّ كبير عن المراكز والحلقات التلمودية سواء في فلسطين أو بابل. كما أن الطبيعة الجبلية لليمن تضمن استمرار كثير من العبادات والعادات ذات الطابع البدائي الجيولوجي المتحجر (وهذه طبيعة المناطق الجبلية كما هو الحال في الشام وبلاد شبه جزيرة القوقاز). ويُلاحَظ أن الفرس قد احتلوا اليمن لبعض الوقت، والفكر الحلولي سمة أساسية في العبادات الفارسية. ولعلنا لو اكتشفنا قوة الطبقة الحلولية داخل اليهودية الموجودة في اليمن لأمكننا إلقاء مزيد من الضوء على الإسرائيليات وعلى تطوُّر اليهودية نفسها.

                            والواقع أن التشابه بين المنظومة السبئية والمنظومة الغنوصية تشابه يثير التساؤل ويدعم نظريتنا القائلة بأن الغنوصية ليست مجرد حركة ظهرت في زمان ومكان معينين (الشرق الأدنى في القرن الأول الميلادي) وإنما هي رؤية كامنة في داخل الإنسان وتظهر في كثير من الحضارات وتعبِّر عن فشل الإنسان في تجاوز الوثنية والحواس، كما تعبِّر عن الرغبة في الذوبان في السيولة الكونية الأولية للوصول إلى عالم الواحدية الكونية، حيث لا حدود ولا هوية، ولا أعباء أخلاقية أو نفسية، ولا مسئولية من أي نوع. ولعل هذا الخطاب الغنوصي الكامن هو الذي يفسر التشابه بين حركة مثل السبئية نشأت في القرن السادس الميلادي في الجزيرة العربية وانتشرت في ربوع العالم الإسلامي وحركة مثل البهائية نشأت في إيران في القرن الثامن عشر وانتشرت منها في أنحاء العالم المختلفة.

                            كعــب الأحبـــار (؟ -647)
                            Kaab al-Ahbaar

                            «كعبُ الأحبار» هو أبو إسحق، كعب بن مانع الحمْيري، وأصله من يهود اليمن (حيث كانت اليهودية تنتشر هناك في زمن معاصر للدعوة الإسلامية)، وقد أدرك الجاهلية وأسلم في فترة الخلافة الراشدة. سُمِّي «كعب الأحبار» من باب التعظيم تقديراً لعلمه بكتب الأنبياء وأخبار الماضين.

                            ويحتل كعب الأحبار مكانة مهمة بين المفسرين الأوائل بصفته يهودياً. وقد كان يرجع (بعد إسلامه) إلى التوراة والتعاليم الإسرائيلية في دراسته للإسلام، لذلك فإن كثيراً من المصادر الدارسة للتفسير والعلوم الإسلامية تتشكك في مروياته ومقولاته التي جاءت مشَّبعة بالإسرائيليات.

                            ويُتهم كعب الأحبار بالإطلاع على مكيدة قتل عمر بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، وصياغته لها في صورة نبوءة إسرائيلية. وترجع بعض الإسرائيليات، وخصوصاً في التفسير وفي مباحث النبوءات وذكر الأنبياء السابقين، إلى محاولة المفكرين الجاهليين الذين أسلمو التوفيق بين الرؤية الدينية التي كانت عندهم والتي كانت تتنبأ ببعثة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين العقائد الإسلامية الخاصة بهذا الموضوع.

                            صموئيل بن عبــاس (1125-1175)
                            Samuel Ibn Abbas

                            ويُعرف أيضاً باسم «ابن يحيي المغربي». مؤلف عربي وعَالم رياضيات وطبيعة وُلد في بغداد وعاش في سوريا والعراق وإيران. حقق ذيوعاً كمؤلف يهودي وعالم طبيعة. وفي عام 1163، اعتنق الإسلام في أذربيجان وكتب كتيباً بعنوان إفحام اليهود. وفي عام 1167، أصدر نسخة موسعة من الكتيب وأضاف لها سيرة ذاتية حيث أعلن أن النبي صمويل والرسول محمد (عليه الصلاة والسلام) جاءاه في المناه وأمراه أن يعتنق الإسلام. ولكنه أضاف أن الرؤية لم تكن السبب الوحيد في تحوُّله إلى الإسلام، فالسبب الحقيقي هو مجموعة من المقدمات العقلانية والنتائج المنطقية توصَّل إليها عقل عالم رياضيات، وأن الرؤية لم تكن سوى العنصر الحاسم الذي حدد زمن التحول إلى الإسلام. وقد حقق الكتيب والسيرة ذيوعاً كبيراً واستخدمه المفكرون الإسلاميون في النقاش الدائر بين المسلمين واليهود.

                            ويذهب ابن عباس في كتابه إلى أن نسخة العهد القديم التي وصلت إلينا هي تشويه للوحي الأصلي (الذي نزل على موسى عليه السلام)، فهي من وضع عزرا الذي كان من الكهان الهارونيين (أتباع هارون) المعادين لبيت داود الملكي. ويبيِّن ابن عباس أن هناك قصصاً كثيرة في العهد القديم تشوه سيرة الأنبياء وتسيء إليهم، وإلى أن ثمة نزعة تشبيهية تنسب إلى الإله صفات إنسانية لا تليق به، كأن يُقال إن الإله يندم على أفعاله. كما بيَّن أن هناك من المقطوعات ما يدل على أن القانون الموسوي قد تم نسخه، ومع ذلك يصر اليهود على التمسك به وتطبيقه. ويُهاجم ابن عباس التلمود والشريعة الشفوية ككل ويعطي تاريخاً مبسطاً لظهور التلمود والصلوات في المعبد اليهودي وتفسيرات قانون الطعام المباح شرعاً. كما يُحدِّد ابن عباس عدة مقطوعات في العهـد القـديم يرى أنها تُبشر بمقـدم الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام). وقد تُرجم كتيبه إلى اللاتينية وإلى عدد من اللغات الأوربية.

                            اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                            http://www.rasoulallah.net/

                            http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                            http://almhalhal.maktoobblog.com/



                            تعليق


                            • #74
                              تنصـــــــير اليهوديــــــة
                              Christianization of Judaism


                              «تنصير اليهودية» مصطلح نحتناه لنصف عملية حدثت للنسق اليهودي وحولته تحويلاً جذرياً، وهي ظاهرة رصدها بشكل جزئي متفرق كثير من دارسي اليهودية من الغربيين ولكنهم لم يعطوها المركزية التفسيرية التي تستحقها. وابتداءً، لابد أن نقرر أن «التنصير» المشار إليه عملية بنيوية مركبة تمت داخل اليهودية بشكل تلقائي طوعي غير واع على مستوى البنية الكامنة وليس من الخارج. ولذا، فهي لا تأخذ شـكل اقتراض فـكرة هـنا أو شـعيرة هناك، وإنما تأخذ شكلاً أكثر جذرية. كما أن تنصير اليهودية لا يعني أن اليهودية أصبحت نصرانية، إذ أن اليهودية فقدت كثيراً من سماتها الخاصة واستوعبت بعض السمات البنيوية للمسيحية. ولكن الثمرة النهائية لهذه العملية هو تَشوُّه كلٍّ من اليهودية والسمات المسيحية التي استوعبتها.

                              وتعود ظاهرة تنصير اليهودية إلى عدة عناصر:

                              1 ـ تركيب اليهودية الجيولوجي يساعد كثيراً على تَقبُّله سمات وعناصر من الأنساق الدينية الأخرى.

                              2 ـ أصول المسيحية يهودية، فالسيدة مريم العذراء عاشت وماتت يهودية، والسيد المسيح نفسه والحواريون كانوا في بداية الأمر يهوداً يدورون في إطار الثقافة الآرامية السائدة. وقد بدأت المسيحية باعتبارها دعوة موجهة إلى اليهود أساساً، ثم إلى كل الناس بعد ذلك، والمسيحية لم تَجُبّ اليهودية وإنما أكملتها (على حد قول السيد المسيح(.

                              3 ـ تَبنَّت المسيحية التوراة (كتاب اليهود المقدَّس) كتاباً مقدَّساً، حتى بعد أن سَمَّته العهد القديم، وأصبح الشعب ضمن أتباع الكنيسة، وأصبحت الكنيسة نفسها تُسمَّى «إسرائيل الحقيقية» (باللاتينية: «إسرائيل فيروس Israel verus»)، وأصبحت العودة إلى صهيون والقدس (بالمعنى الروحي) إحدى الركائز الأساسية للتفكير الأخروي المسيحي. وهناك بعض المفاهيم المشتركة بين اليهودية والمسيحية مثل ابن الإله والاختيار.

                              4 ـ منذ القرن الرابع عشر، عاشت غالبية يهود العالم في العالم الغربي في تربة مسيحية. ولكن يهود المارانو هم أهم العناصر التي ساعدت على تنصير اليهودية حيث أشاعوا القبَّالاه، وخصوصاً القبَّالاه اللوريانية، التي استوعبت كثيراً من الأفكار المسيحية لدرجة أن أتباع المفكر القبَّالي أبو العافية تنصروا لاكتشافهم الشبه بين نسقه الفكري والمسيحية.

                              ويجب ألا ننسى أن كثيراً من المارانو كانوا مسيحيين صادقين في إيمانهم، وفُرضت عليهم اليهودية فَرْضاً بسبب غباء محاكم التفتيش وعنصريتها. ولذا، فإنهم كانوا يفكرون من خلال إطار مسيحي كاثوليكي. وحتى أولئك اليهود المتخفون الذين احتفظوا بيهوديتهم سراً، أصبح إطارهم المفاهيمي كاثوليكياً. فهم، على سبيل المثال، كانوا يؤمنون بالقديسة «سانت إستير»، بل إن بعض شعائرهم تأثرت بالشعائر المسيحية وتأثرت رؤيتهم للماشيَّح برؤية المسيحيين للمسيح.

                              ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر التأثر بالمسيحية بين يهود اليديشية، وقد كانت مراكز اليهودية الحاخامية في المدن الكبرى، أما أغلبية اليهود فكانوا في الشتتلات يعيشون مع الفلاحين السلاف، جنباً إلى جنب، بعيداً عن قبضة المؤسسة الحاخامية، فاصطبغ فكرهم الديني بصبغة فلكلورية سلافية أرثوذكسية .

                              ولفهم عملية تنصير اليهودية، لابد أن نتناول قضية معالجة كلٌ من المسيحية واليهودية لقضية الحلول الإلهي أو اللوجوس. فاللوجوس في المسيحية، هو ابن الله الذي ينزل ويتجسد لفترة زمنية محددة ويُصلَب ويقوم ويترك التاريخ، ومن ثم، فإن الحلول شخصي مؤقت ومنته. أما اللوجوس في اليهودية، فهو الشعب اليهودي، مركز التاريخ والطبيعة، ولذا فالحلول جماعي ودائم ومتواصل، وتَجسُّد المطلق في التاريخ مسألة دائمة. وهذا الفارق بين الحلين لمشكلة الحلولية (أو لنقطة تلاقي المطلق والنسبي) هو الذي يشكل مفتاحاً لفهم طبيعة تنصير اليهودية.

                              ويتبدَّى تداخل عناصر مسيحية والنسق الديني اليهودي في زعم الحاخامات أن المشناه تجسيد للوجوس، تماماً كالمسيح عند المسيحيين. ولعل تفسير راشي للاختيار بأنه سر من الأسرار هو أيضاً تأثر بالمفاهيم المسيحية الخاصة بحادثة الصلب باعتبارها سراً من الأسرار الإلهية التي يؤمن بها الإنسان دون أن يتساءل عنها. لكن مثل هذه الأفكار يمكن أن تُولَد داخل أي نسق ديني إيماني دون تأثر بأنساق دينية أخرى، فتعيين بعض الأفكار التي لا يمكن التساؤل عنها أو عن سببها مسألة أساسية في كل دين (بل في كل العقائد وضمن ذلك العقائد العلمانية). ولكن يصعب أن نقول الشيء نفسه عن قول الحاخامات إن المشناه هي لوجوس خُلق قبل الخَلق (مع أنها تضم اجتهادات بعض الحاخامات اليهود(.

                              وإذا كان هناك إبهام ما في حالة اليهودية الحاخامية في بدايات العصور الوسطى، فإن الأمر يختلف تماماً بعد هيمنة القبَّالاه. ويمكننا الآن أن نبيِّن بعض نقط التلاقي بين القبَّالاه وبعض العقائد المسيحية. إن أهم مفاهيم القبَّالاه (التجليات النورانية العشرة) هو صدى لفكرة التثليث المسيحية. وقد قال أحد الحاخامات إنه إذا كان المسيحيون يؤمنون بثلاثة آلهة فالقباليون يؤمنون بعشرة، وإذا كانت المسيحية ترى أن الكنيسة جسد المسيح وأن المسيحي يشكل جزءاً من هذا الجسد فإن القبَّالاه جعلت التجلي العاشر للإله «جماعة يسرائيل» نفسها أو «كنيست يسرائيل».

                              وفي هذه التجليات، نجد أن التجلي الثالث هو الأب العلوي أو السماوي (والعلة الذكرية الأولى). أما التجلي الثاني، فهو الأم العلوية أو السـماوية والعلـة الأنثوية الأولى، وهما يتزاوجان وينجبان التجلي السادس، وهذا صدى لفكرة ابن الإله وابن الإنسان. والتجلي السادس هو الملك والعريس، وتربطه علاقة بالتجلي العاشر (شخيناه) التعبير الأنثوي عن الإله والملكة والعروس.
                              وفي القبَّالاه اللوريانية، نجد أن أبا وأما يكوِّنان النمط الأعلى للزواج المقدَّس. ثم نجد بعد ذلك «زعير أنبين»، أي «ذا الوجه القصير» و«نقيفاه زعير»، أي «أنثى زعير» (وهي مقابل التجلي العاشر).

                              وفي حادث تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) ونفي الشخيناه صدى لحادثة الصلب، كما أن إصلاح الخلل الكوني (تيقون) فيه أيضاً صدى لبعث المسيح بعد الصلب. وهناك من يذهب إلى أن الشخيناه هي أم الشعب اليهودي التي تشفع له عند الإله، وأنها الوسيط بين الإله والكون، فهي إذن تشبه العذراء مريم في اللاهوت الكاثوليكي. كما أن الشخيناه هي أيضاً جماعة يسرائيل وجزء من جسد الإله، وهذا يشبه المفهوم المسيحي (الكاثوليكي) للكنيسة.
                              وقد انتشرت القبَّالاه بأفكارهاالغنوصية شبه المسيحية، وجعلت التربة خصبة للحركات الشبتانية التي كانت في جوهرها حركات حلولية متطرفة كان قادتها يعلنون أن الإله حلَّ فيهم، أو أنهم هم أنفسهم الإله، كما فعل شبتاي تسفي أو جيكوب فرانك اللذان تألها، وجعلا نفسيهما جزءاً من ثالوث إلهي خاص ابتدعاه.

                              ويرى بعض الدارسين أن ثمة تأثراً في الفكر الشبتاني بالتراث المسيحي يتبدَّى في مركزية فكرة الماشيَّح الفرد، كما يتبدَّى في فكرة الخلاص الداخلي وفي الحرية الباطنية. ولكن التشابه الأصلي يتبدَّى أساساً في شخصية الماشيَّح. فالمسيح عيسى بن مريم، حسب العقيدة المسيحية، هو تجسد الإله في ابنه الذي يُصلَب، وهي فكرة مبنية على فكرة التناقض (بارادوكسا) وتَقبُّلها، فالإله يصبح بشراً وهذا البشري يُصلَب. والواقع أن ثمة تناقضاً أساسياً في فكرة الماشيَّح عند الشبتانيين، وهو أن الماشيَّح هو ابن الإله البكر الذي ينزل إلى الظلمات والدنس فيرتد عن اليهودية ويعتنق المسيحية أو الإسلام أو يتظاهر بذلك، وارتداده شكل من أشكال الصلب، فكأن الماشيَّح المرتد المدنَّس هو المسيح المصلوب. ولكن ارتداده، مثل الصلب، مسألة غير حقيقية، فالمؤمنون يرون أن هذا هو عالم الظاهر والحس، كل ما فيه زائف، ويظل الباطن (القيام والطهر) هو الحقيقة. والفارق بين الشبتانيين المعتدلين والشبتانيين المتطرفين يتمثل في موقفهم من هذه الفكرة، فالمعتدلون منهم يرون أن عليهم الإيمان حتى يظهر الماشيَّح المرتّد، أما المتطرفون فيرون أن الإيمان لا يكفي وعليهم أن يتشبهوا به وأن يرتدوا هم أيضاً، وبذلك ينزلون إلى عالم الدنس مثل الماشيَّح المرتد المدنَّس. بل يرى بعض الدارسين أن الشبتانية تؤمن بثالوث هو: الإله الخفي (النور غير العاقل)، وإله جماعة يسرائيل (النور العاقل) والشخيناه (جماعة يسرائيل) أو أيّ تنويع آخر، كما يرون أن هذا التثليث صورة سوقية مشوهة للتثليث عند المسيحيين.

                              ويظهر الثالوث الشبتاني في ثالوث الفرانكية:

                              1 ـ الأب الطيب (ويقابل الإين سوف في العقيدة القبَّالية).

                              2 ـ الأخ الأعظم أو الأكبر (ويقابل التفئيريت أو الابن).

                              3 ـ «الأم علماه» أو «العذراء بتولاه» أو «هي»، وهي خليط من الشخيناه والعذراء مريم.

                              والثالوث الفرانكي يضم كثيراً من عناصر الثالوث المسيحي بعد تشويهها تماماً. ويتجلى أثر المسيحية في اليهودية في الحركة الحسيدية التي يعتقد البعض أنها جوهر اليهودية، أو اليهودية الخالصة، بينما هي في واقع الأمر متأثرة تماماً بالمسيحية الأرثوذكسية السلافية، وخصوصاً جماعات المنشقين مثل الدوخوبور (المتصارعين مع الروح) والخليستي (من يضربون أنفسهم بالسياط). وتُعَدُّ الجماعة الأخيرة أقرب الفرق إلى الحسيدية، فقد كان قادتها يعتقدون أن الروح القدس تحل في قائد الجماعة (تساديك)، ولذا فهو مسيح قادر على الإتيان بالمعجزات. وكان التساديك يشبه القديس المسيحي في مقدرته على الإتيان بالمعجزات، كما كان نحمان البرتسلافي يستمع إلى اعترافات تابعيه، ويقوم بالإجراءات اللازمة ليحصلوا على المغفرة. وكان بعض التساديك يقبلون من أتباعهم فدية أو خلاص النفس (بالعبرية: فيديون نيفيش) مقابل الخلاص الذي يعطونه لأتباعهم. ولذا، فإن بعض الدارسين يُشبِّهون الفيديون نيفيش بصكوك الغفران. وكل تساديك أصبح مسيحاً، مركزاً للحلول الإلهي، له أرضه المقدَّسة التي لا ينافسه فيها أحد. وقد أخذ هذا الاتحاد شكلاً متطرفاً في حالة نحمان البراتسلافي الذي أعلن أنه الماشيَّح الوحيد (ويبدو أن أتباعه كانوا يعبدونه، ولذا لم يَخلُفه أحد). بل إن مصطلحاً مثل «الحمل بلا دنس» وهو مصطلح يتضمن مفهوماً مسيحياً بعيداً كل البعد عن روح اليهودية الحاخامية، وجد طريقه إلى الحسيدية من خلال الخليستي. فكان الخليستي يعيشون بعيداً عن زوجاتهم باعتبار أن الإله شاء أن تحمل العذراء فحملت، وكذا الأمر معهم. وهذا ما فعله بعل شيم طوف، فعندما ماتت زوجته وعُرض عليه أن يتزوج من امرأة أخرى احتج ورفض وقال إنه لم يعاشر زوجته قط وأن ابنه هرشل قد وُلد من خلال الكلمة (اللوجوس). وتظهر الفكرة نفسها في عذراء لادومير، وهي تساديك أنثى امتنعت عن الزواج وكان لها أتباعها، لكنهم انفضوا عنها بعد زواجها.

                              وفي العصر الحديث تأثر مارتن بوبر بالفكر الصوفي المسيحي (البروتستانتي) ومسألة تجسُّد الإله بشكل شخصي للمؤمن. ويظهر تَنصُّر الخطاب الديني اليهودي تماماً في خطاب الفيلسوف الصهيوني البرجماتي هوراس كالن الذي يرى أن اليهود أمة روحية، وأن ذكرياتهم وآمالهم ومخاوفهم وعقائدهم ومواثيقهم تضفي على نضالهم القومي وأعمالهم ووسائلهم قداسة خاصة. ويحوّل هذا البُعد الصوفي المقدَّس «المادة الفظّة» التي تتكون منها حياة اليهود اليومية تحويلاً كاملاً، يوافق ما تفعله العقيدة المسيحية الخاصة بالوجود الحق حين تحوَّل العشاء الرباني في فم المؤمن الحقيقي إلى «جسد المسيح».

                              ويمكن القول بأن هذا هو تنصير اليهودية في مرحلة حلولية شحوب الإله. أما في مرحلة وحدة الوجود وموت الإله (حلولية بدون إله)، فإن التنصير يأخذ شكلاً مختلفاً. وقد ظهر مؤخراً ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» أو «ما بعد أوشفيتس» الذي يَصدُر عن القول بأن حادثة الإبادة النازية لليهود حدث مطلق يتجاوز الفهم الإنساني، ولذا فعلى المرء تَقبُّله دون تساؤل باعتباره سراً من الأسرار (بارادوكسا)، من الواضح أن هذا اللاهوت تعبير عن تزايد معدلات العلمنة والإلحاد داخل العقيدة اليهودية. ولكن يمكننا أن نلاحظ أيضاً أنه تعبير عن تنصير النسق الديني اليهودي. فحادثة الصلب في الرؤية المسيحية هي اللحظة التي ينزل فيها الإله إلى الأرض متجسداً في شكل ابنه فيُصلَب فداءً للبشر، وهي حادثة تتجاوز الفهم الإنساني، وعلى الإنسان تَقبُّلها بكل تناقضاتها دون تساؤل وهي التي تعطي مغزى للتاريخ. وسنجد أن ما حَدَث داخل عقل المفكرين الدينيين اليهود أن الابن أصبح الشعب اليهودي المقدَّس الذي جاء إلى هذا العالم فاضطهده الأغيار إلى أن تمت حادثة الصلب على يد النازيين، فنظروا إلى هذه الحادثة التاريخية باعتبارها الواقعة الأساسية في تاريخ اليهود الحديث، بل في تاريخ اليهود بأسره. ويشكل هذا استمراراً للنمط التنصيري القديم نفسه، وقد أخذ نقطة الحلول (نزول الابن وصلبه وقيامه) وقام بتحويلها إلى شيء مستمر عبر التاريخ. وفي هذه الحالة، يكون ظهور الشعب اليهودي في التاريخ هو النزول، وتكون الكوارث التي لحقت به (ابتداءً بالخروج من مصر وانتهاءً بالإبادة) هي الصلب، أما القيام فهو عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وقيام الدولة الصهيونية.

                              وإن تحدثنا عن تنصير اليهودية فلابد أيضاً من الحديث عن يهودية الفلاشاه، فهي تحوي عناصر مسيحية كثيرة تجعل من الصعب على بعض الدارسين تسميتها «يهودية». فالفلاشاه لا يعرفون التلمود أو العبرية ويتعبدون بالجعيزية لغة الكنيسة الإثيوبية المقدَّسة وتضم كتبهم المقدَّسة مقتطفات من العهد الجديد، ولا يوجد عندهم حاخامات وإنما قساوسة ورهبان، وهكذا. ولذا، لا عجب أن مندوب الوكالة اليهودية نصحهم (عام 1973) بأن يتنصروا حلاًّ لمشكلتهم. ومع هذا قبلتهم إسرائيل يهوداً في الثمانينيات مع تزايد حاجتها للمادة البشرية، كما قبلت الفلاشاه مورا من بعدهم. يقابل مصطلح «تنصير اليهودية» مصطلح «تهويد المسيحية».
                              اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                              http://www.rasoulallah.net/

                              http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                              http://almhalhal.maktoobblog.com/



                              تعليق


                              • #75
                                ابـن الإلـــه
                                Son of God

                                «ابن الإله» يقابلها «بن إلوهيم» في العبرية، وهي عبارة تشير إلى ما يلي:

                                1 ـ كل البشر باعتبار أن الإله هو أب لكل الناس (تثنية 3/6، أشعياء 64/7).

                                2 ـ أعضاء جماعة يسرائيل الذين يُشار إليهم في سفر الخروج باعتبارهم «إسرائيل ابني البكر» (4/22)، وفي سفر التثنية باعتبارهم «أولاد للرب إلهكم» (14/1)، وفي سفر هوشع باعتبارهم «أبناء الرب الحي»(1/10)، وفي سفر أشعياء (63/16) « فإنك أنت أبونا... أنت يا رب أبونا ».

                                3 ـ ملك اليهود (الماشيَّح) الذي يُشار إليه بأنه ابن الإله: "قال لي أنت ابني... أنا اليوم ولدتك" (مزامير 2/7) وكذلك (أخبار أول 17/13). ولذا، كان أحد ألقاب شبتاي تسفي «ابن الإله البكر».

                                4 ـ الملائكة (تكوين 6/2 وأيوب 1/6، 2/1).

                                5 ـ الأتقياء والعادلين (في الترجمة السبعينية فقط).

                                6 ـ الماشيَّح، في الترجوم، وفي بعض كتب الأبوكريفا الخفية، وفي التفسيرات.

                                7 ـ يشير فيلون إلى اللوجوس باعتباره ابن الإله.

                                8 ـ كان يُشار إلى التوراة باعتبارها ابن الإله.

                                9 ـ كان يُشار إلى المشناه باعتبارها «اللوجوس»، أي «الكلمة» التي هي «ابن الإله» في التراث المسيحي.

                                ومع هذا، يجب التنبيه إلى أن هذه الفكرة رغم انتشارها هي مجرد طبقة جيولوجية واحدة تراكمت مع طبقات أخرى عديدة داخل النسق الديني اليهودي، بل إن كثيراً من اليهود، في العصور الوسطى، فقدوا حياتهم بسبب إنكارهم أن المسيح ابن الإله. وقد جاء في كثير من الردود الحاخامية على المسيحيين، رفض لفكرة ابن الرب. ولذا جاء في مدراش (تفسير) كتبه أحد الحاخامات يقول: «الرب يقول: أنا الأول (أشعياء 44/6) لأنني لا أب لي، وأنا الأخير، لا أخ لي ولا إله غيري، لأنني لا ابن لي ». فالتوحيد واحد من أهم الطبقات الجيولوجية التي تراكمت داخل اليهودية والتي تكتسب مركزية في بعض المداخـل وفي كتابات بعـض المفكرين اليهـود. ولكن العكـس صحيح أيضاً، فإذا كانت فكرة «ابن الإله» تعبيراً عن شكل من أشكال الحلول المؤقت الشخصي غير المتكرر في التاريخ (ذلك أن الإله يحل وبشكل مؤقت في الزمان وفي إنسان بعينه فيُصْلَب ويقوم مرة أخرى) فإن الفكر القبَّالي يصل إلى درجة أكثر تطرفاً في الحلول بحيث يصبح الشعب هو الإله ويصل هذا التيار ذروته حين تصبح الدولة الصهيونية ليست ابن الإله، وإنما هي الإله نفسه، العجل الذهبي الجديد.

                                وقد جاء في سورة التوبة: « وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل » (التوبة ـ 30)، والمعنى هنا أن بعض اليهود هم الذين يؤمنون بأن عزير ابن الله، ونسب ذلك القول إلى اليهود جاء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، فيُقال فلان يركب الخيول وهو لا يركب إلا واحداً منها، وفلان يجالس السلاطين وهو لا يجالس إلا واحداً. ويقول الشهرستاني صاحب الملل والنحل: إن الصدوقيين هم الذين قالوا ذلك من بين سائر اليهود. ولا ندري مدى صحة ذلك، ولكننا نعرف أن الصدوقيين أنكروا القيامة والبعث وخلود الروح. ويقول المقريزي: إن يهود فلسطين زعموا أن عزير ابن الله، وأنكر أكثر اليهود ذلك.

                                ومنذ ظهور اليهودية الحاخامية لم يَعُد هناك أثر للإيمان بعقيدة ابن الإله، وإن كان يُشار إلى التوراة باعتبارها «ابنة الإله»، كما أن المشناه كان يُشار إليها باعتبارها «اللوجوس»، أي «الكلمة» التي هي «ابن الرب» في التراث المسيحي.

                                المسيح (عيسى بن مريم)
                                Jesus

                                يُشار إلى المسيح (عيسى بن مريم) بكلمة «يشو» العبرية، ويُشار إليه في التلمود بوصفه «ابن العاهرة»، كما يُشار إلى أنَّ أباه جنديٌّ رومانيٌّ حملت منه مريم العذراء سفاحاً (أما كلمة «ماشيَّح»، فإنها تشير إلى المسيح المخلِّص اليهودي الذي سوف يأتي في آخر الأيام). ويشير التلمود إلى أنَّ صلب المسيح تمَّ بناءً على حكم محكمة حاخامية (السنهدرين) بسبب دعوته اليهود إلى الوثنية، وعدم احترامه لسلطة الحاخامات. وكلُّ المصادر الكلاسيكية اليهودية تتحمَّل المسئولية الكاملة عن ذلك، ولا يُذكَر الرومان بتاتاً في تلك المصادر. وظهرت كتب مثل توليدوت يشو (ميلاد المسيح) وهي أكثر سوءاً من التلمود نفسه وتتهم المسيح بأنَّه ساحر.

                                واسم المسيح نفسه (يشو) اسم مقيت. ولكن يُفسَّر على أنَّه كلمة مركَّبة من الحروف الأولى لكلمات أخرى (على نظام النوطيرقون) لعبارة معناها «ليفن اسمه ولتفن ذكراه». وقد أصبحت الكلمة عبارة قدح في العبرية الحديثة، فيُقال «ناصر يشو»، وهي تساوي «ليفن اسم ناصر، ولتفن ذكراه» وهكذا. ولا تساوي اليهودية الحاخامية المسيحية بالإسلام، فهي تعتبر أن المسيحية شرك ووثنية، ولكنها لا ترى أن الإسلام كذلك.

                                توليــدوت يشُّـو
                                Toledot Yeshu

                                «توليدوت يشُّو» عبارة عبرية تعني «حياة المسيح» وهي عنوان كتاب كان متداولاً بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب. ويُقدِّم هذا الكتاب التصور اليهودي لمولد وحياة المسيح. وقد تداخلت عدة عناصر لتكوِّن هذه الصورة من بينها بعض أقسام التلمود (سوطه أو المرأة المشبوهة ـ السنهدرين) وبعض الفتاوى في عصر الفقهاء (جاؤون)، وبعض العناصر الفلكلورية المنتشرة بين أعضاء الجماعات اليهودية. ويُقدِّم الكتاب أحياناً صورة إيجابية إلى حدٍّ ما للعذراء مريم أم المسيح، فهي من عائلة طيبة وتعود جذورها لبيت داود، أما أبو المسيح فهو رجل شرير قام باغتصابها ثم هرب.

                                وتُبيِّن القصة أن المسيح شخص يتمتع بذكاء عال ولكنه لا يحترم شيوخ البلد وحكماءها. وهو يتمتع بمقدرات عجائبية لأنه سرق أحد الأسماء السرية للإله من الهيكل، ومع هذا ينجح أحد فقهاء اليهود في إبطال سره، وتوجد تفاصيل أخرى في الكتاب أكثر بشاعة وقبحاً.

                                ويهدف الكتاب إلى تفريغ قصة المسيح من أي معنى روحي، كما أنها تحاول تفسير المعجزات التي تدور حول المسيح بطريقة تكشفها وتنزع عنها أيَّ سحر أو جلال أو هالات دينية. وهذا الكتاب يُسبِّب كثيراً من الحرج للجماعات اليهودية حينما تكتشف السلطات أمره. ولذا كان بعض الحاخامات يحرصون على تأكيد أن يسوع المشار إليه في الكتاب ليس المسيح وإنما هو شخص يحمل هذا الاسم عاش قرنين قبل الميلاد. وقد أُعيد طبع كتاب توليدوت يشو على نطاق واسع في إسرائيل.

                                تهويــــــد المسيحيـــــة
                                Judaization of Christianty

                                «تهويد المسيحية» اصطلاح يشير إلى عمليات تحول بنيوية بدأت تدخل المسيحية منذ الإصلاح الديني وتبدَّت في المسيحية البروتستانتية. وجوهر التهود انتقال الحلول الإلهي من الكنيسة إلى الشعب.

                                وقد نتج عن ذلك زيادة الاهتمام بالعهد القديم وانتشار الحركات الصوفية الحلولية بين المسيحيين والقبَّالاه المسيحية. (انظر أيضاً: «البروتستانتية والإصلاح الديني»).

                                التراث اليهـودي المســيحي
                                Judeo-Christian Tradition

                                «التراث اليهودي المسيحي» مصطلح ازداد شيوعاً في العالم الغربي في الآونة الأخيرة، وهو يعني أن ثمة تراثاً مشتركاً بين اليهودية والمسيحية، وأنهما يكوِّنان كلاًّ واحداً. وهو ادعاء له ما يسانده داخل النسق الديني المسيحي وإن كان لا يعبِّر عن الصورة الكلية إذ أن مصطلح «التراث اليهودي المسيحي» يتجاهل حقائق دينية أساسية:

                                1 ـ هناك الاختلافات الأساسية الواضحة مثل الإيمان بالتثليث في المسيحية والإيمان بوحدانية الإله في اليهودية. والشيء نفسه ينطبق على موقف كلتا العقيدتين من تجسيم الإله وتصويره وتشبيهه بالبشر، إذ أن العقيدة المسيحية تقبله (وهنا لابد أن نشير إلى طبيعة اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي). ولذا، فبرغم تأكيد التوحيد وعدم التشبيه والتجسيم على مستوى من المستويات، فإن ثمة سقوطاً في الحلولية المتطرفة التي تؤدي باليهودية إلى الشرك والتجسيم والتشبيه إلى درجات متطرفة لا تعرفها المسيحية نفسها. كما أن موقف اليهودية والمسيحية من الخطيئة مختلف بشكل جوهري، فالمسيحية تؤمن بأن الإنسان ساقط بسبب الخطيئة الأولى. أما اليهودية، فلا تؤمن بالخطيئة الأولى. ولذا، فإن أداء الشعائر، واتباع الأوامر والنواهي، كافيان لخلاص الإنسان.

                                2 ـ وثمة خلافات بين العقيدتين حول فكرة المسيح، فبينما ترى اليهودية المسيح (أي الماشيَّح) باعتباره شخصية سياسية قومية سيقود شعبه إلى صهيون ويعيد بناء الهيكل ويؤسس المملكة اليهودية مرة أخرى، فإن المسيح في المسيحية إله إنسان مهمته خلاص كل البشرية لا الشعب اليهودي وحسب.

                                3 ـ تُعدُّ قضية صلب المسيح قضية أساسية ونقطة خلاف رئيسية. فمن المعروف أن كل أمة أو مجموعة عرْقية أو دينية تدَّعي أنها مدينة بوجودها لشكل من أشكال التضحية والفداء الرمزي، أو الفعلي الذي يكتسب مكانة رمزية ويصبح بمنزلة الركيزة النهائية للنسق ولحظة التأسيس. وحادثة الصلب في المسيحية هي هذه اللحظة، حين نزل ابن الإله إلى الأرض وارتضى لنفسه أن يُصلَب، وكان فعله هذا الفداء الأكبر. ولحظة الصلب هذه ليست لحظة زمنية، رغم حدوثها في الزمان، ولا ترتبط بفترة تاريخية معينة رغم وقوعها في التاريخ، فهي كونية، وفي احتفالات الجمعة الحزينة يحاول المسيحي المؤمن أن يستعيد ألم المسيح، هذه الواقعة الكونية التي لا يمكن أن تنافس واقعة أخرى. واليهود عنصر أساسي في حادثة الصلب، فحاخاماتهم هم الذين حاكموا المسيح وهم الذين أصروا على صلبه، فهم قتلة الرب، الذين يقتلونه دائماً، بإنكارهم إياه.

                                ورغم المحاولات العديدة، المسيحية واليهودية، لتغيير هذه البنية الرمزية للوجدان المسيحي، فإن مثل هذه المحاولات لا تُكلَّل بالنجاح نظراً لأن المجال الرمزي مجال إستراتيجي يتسم بقدر من الثبات. ولذا فكثيراً ما تنشب الصراعات فجأة وبلا مقدمات حين يقوم بعض المسيحيين بتمثيل بعض المسرحيات الدينية التي تبرز الرموز المسيحية وتسقط على اليهودي دور قاتل الرب. وقد نشب صراع حول أوشفيتس كان في جوهره صراعاً حول الرموز ومعناها. فحادثة الإبادة، أصبحت في الوجدان اليهودي لا تختلف عن حادثة الصلب في الوجدان المسيحي. ولذا حين أقامت بعض الراهبات الكرمليات ديراً في هذا المعتقل لإقامة الصلاة على الضحايا من أي عرْق أو دين أو جنسية اعترض ممثلو أعضاء الجماعات اليهودية، لأن هذا يعني فرض لحظة الصلب المسيحية، على لحظة الصلب اليهودية!

                                4 ـ ثمة رأي داخل المسيحية يقول بأن العهد الجديد لم ينسخ العهد القديم، ولكنه مع هذا حل محله وتجاوزه. ومع أن الكنيسة لم تستبعد العهد القديم (وقد كان مارسيون وبعض الغنوصيين يجاهرون بأن إله العهد القديم إله غيور، على حين أن إله العهد الجديد إله رحيم)، فإن الإيمان المسيحي يستند إلى أن الشريعة (أو القانون) قد تحققت من خلال المسيح وتم تجاوزها، وأن الرحمة الإلهية والإيمان بالمسيح وسيلة للخلاص حلت محل الشريعة والأوامر والنواهي، ومن ثم كان رفض الشعائر الخاصة بالطعام والختان التي تَمسَّك بها اليهود. وقد ذهب المسيحيون إلى أن اليهودية دين الظاهر والتفسير الحرفي دون إدراك المعنى الداخلي أو الباطن، وأن الكنيسة هي يسرائيل فيروس، أي يسرائيل الحقيقية، وأنها يسرائيل الروحية (حسب الروح)، أما اليهود فهم يسرائيل الزائفة الجسدية التي لا تدرك مغزى رسالتها. وبالتالي، فَقَد اليهود دورهم، وأصبحت اليهودية ديانة متدنية بالنسبة إلى المسيحيين، ووصف اليهود بأنه شعب يحمل كتباً ذكية ولكنه لا يفقه معنى ما يحمل.

                                5 ـ لكل هذا، أعادت الكنيسة تفسير العهد القديم بحيث اكتسب مدلولاً جديداً مختلفاً تماماً عن مدلوله عند اليهود الذين استمروا في شرحه وتفسيره على طريقتهم، وفهمه فهماً حرفياً وحلولياً وقومياً. ومن ثم اختلف النسق الديني اليهودي عن النسق الديني المسيحي. ومن أهم أشكال الاختلاف أن المسيحية أصبحت ديناً عالمياً، باب الهداية فيه مفتوح للجميع (وهذا أمر متوقع بعد أن خففت المسيحية من حدة وتطرف الحلولية اليهودية بحصرها الحلول الإلهي في المسيح واعتبار الكنيسة جسد المسيح)، على عكس اليهودية التي ظلت ديناً حلولياً مغلقاً مقصوراً على شعب أو عرْق بعينه يظل وحده موضع الحلول الإلهي. ثم تَعمَّق الاختلاف بحيث أصبحت للمسيحيين رؤية مختلفة تماماً عن رؤية اليهودية.

                                6 ـ وقد تبدَّى كل هذا في شكل صراع تاريخي حقيقي، فقد رفض اليهود المسيح (عيسى بن مريم) ولا يزالون يرفضونه. ويلوم الآباء المسيحيون الأوائل اليهود باعتبارهم مسئولين عما حاق بالمسيحيين الأولين من اضطهاد، وأنهم هم الذين كانوا يهيجون الرومان ضد المسيحيين ويلعنون المسيحيين في المعابد اليهودية، وأنهم هم المسئولون في نهاية الأمر عن صلب المسيح. وهم يرون أن هدم الهيكل وتشتيتهم هو العقاب الإلهي الذي حاق بهم على ما اقترفوه من ذنوب (وتشكِّل معاداة اليهود، باعتبارهم قتلة الرب، جزءاً أساسياً وجوهرياً من التراث الفني الديني المسيحي من موسيقى ورسم ومسرحيات).

                                وقد استمر الصراع إلى أن تغلبت المسيحية في نهاية الأمر على اليهودية، وانتشرت بين جماهير الإمبراطورية الرومانية. واستمر من تَبقَّى من اليهود في الإيمان باليهودية ويعبِّرون عن رأيهم، في كتب مثل التلمود والقبَّالاه، يتحدثون عن المسيح والمسيحيين بنبرة سلبية وعنصرية للغاية.

                                وقد تَحدَّد موقف الكنيسة من اليهود في مفهوم الشعب الشاهد، وهو أن اليهود هم الشعب الذي أنكر المسيح الذي أرسل إليهم، وهم لهذا قد تشتتوا عقاباً لهم على ما اقترفوه من ذنوب. ولكن رفض اليهود للمسيح سر من الأسرار. فاليهود في ضعفهم وذلتهم وتشرُّدهم يقفون شاهداً على عظمة الكنيسة، أي أن اليهود بعنادهم تحولوا إلى أداة لنشر المسيحية.

                                ومن ثم، يمكننا أن نقول إن العلاقة بين اليهودية والمسيحية علاقة عدائية متوترة إلى أقصى حد، ولكن مصطلح «التراث اليهودي المسيحي» يزداد مع هذا شيوعاً، وخصوصاً في الأوساط البروتستانتية واليهودية الإصلاحية وأحياناً المحافظة، أما اليهود الأرثوذكس فيرفضونه. وقد يكون قبول المصطلح من هذه الفرق تعبيراً عن عودة الحلولية داخل هذه الأنساق الدينية. ويمكن العودة إلى مداخل «القبَّالاه» حيث نبيِّن أنه بهيمنة القبَّالاه على اليهودية استولى عليها نسق حلولي كموني، عبَّر عن نفسه في بداية الأمر في هيئة انفجارات مشيحانية (شبتاي تسفي) وفلسفات علمانية حلولية (إسبينوزا) ثم فلسفات حلولية ربوبية (موسى مندلسون) وأخيراً على هيئة «اليهودية الإصلاحية» و«اليهودية المحافظة» و«اليهودية التجديدية» (انظر أيضاً: «الحلولية والتوحيد والعلمنة: حالة اليهودية [أطروحة ماكس فيبر وبيتر برجر]»). وبإمكان القارئ أن يعود إلى مدخل «البروتستانتية (القرن السادس عشر والسابع عشر)» ومدخل «عصر النهضة (القرن السادس عشر والسابع عشر)» حيث نبيِّن تصاعد الحلولية داخل النسق الديني المسيحي. فبدلاً من المفهوم الكاثوليكي للحلول (حلول مؤقت في شخص واحد ومنته ترثه الكنيسة كمؤسسة) تظهر فكرة الحلول البروتستانتية حيث ينتقل الحلول من مؤسسة الكنيسة إلى الشعب أو الفرد أو الجميع وهو حلول دائم، وهو في تصوُّرنا شكل من أشكال تهويد المسيحية. وفي الواقع فإن تزايد قبول المصطلح يعبِّر أيضاً عن تزايد علمنة الدين في الغرب (وثمة ترابط بين تزايد معدلات الحلولية ومعدلات العلمنة) بحيث يمكن الوصول إلى صيغ توفيقية تُفقد العقائد كثيراً من أبعادها وخصوصيتها، وهذا هو جوهر التسامح العلماني: أن يتخلى الجميع عن هويتهم ويلتقوا على مستوى علماني ويتوحدوا في هوية علمانية واحدة. وقد وصف أحد الباحثين التراث اليهودي المسيحي بأنه تعبير جديد عن الاتجاهات الربوبية في المجتمع الغربي التي تؤكد العناصر الأخلاقية المشتركة بين البشر وبعض افتراضاتهم الأخلاقية دون الإيمان بإله شخصي يرسل بالوحي (مع إسقاط أهمية الشعائر بسبب خصوصيتها). ولعـل عملية العلمنة هذه هي نفسها ما يُطلَق عليه «عملية التهويد» (وقد استخدم ماركس كلمة «تهويد» بهذا المعنى حين تَحدَّث عن انتشار الرأسمالية في المجتمع باعتباره عملية «تهويد»، فجعل كلمة «اليهـودية» مرادفة لكلمة «الرأسمالية«).

                                وفي الوقت الحاضر تختلف المواقف المسيحية من الصهيونية وإسرائيل وتتباين، وإن كانت كلها تميل الآن نحو قبول الدولة الصهيونية والاعتراف بها. وتوجد نزعة صهيونية /معادية لليهود تسري في عقائد بعض الكنائس البروتستانتية المتطرفة (انظر: «شهود يهوه» ـ «المورمون» ـ «فرسان الهيكل»). وحتى عـام 1964 كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤكد أن اليهـود هم المسـئولون عن دم عيسى. وكانت المؤسسة الصهيونية بدورها تتهم الفاتيكان بأنه وقف متفرجاً على مذابح اليهود وإبادتهم على أيدي هتلر. وبالتدريج اختلف موقف الفاتيكان حتى اعتـرفت بالدولة الصهـيونية في ديســمبر 1994، ومع هذا يؤكد المتحدثون باسم الفاتيكان بأن الاعتراف بالدولة الصهيونية لا علاقة له بالعقائد المسيحية.
                                اللهم لااله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين
                                http://www.rasoulallah.net/

                                http://www.qudamaa.com/vb/showthread.php?12774-%28-%29

                                http://almhalhal.maktoobblog.com/



                                تعليق

                                يعمل...
                                X