إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الشمائل النبوية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16



    صفة أكله و طعامه - صلى الله عليه وسلم -(1)

    • عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير)(1).
    • عن مسروق قال دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فدعت لي بطعام وقالت: ما أشبع من طعام، فأشاء أن أبكي إلا بكيت، قال قلت: لم؟ قالت: (أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الدنيا والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم)(2).
    عندما نلقي الضوء على مائدة خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليه وسلم- خير هذه الأمة وأزكاهم عند ربه تبارك وتعالى فلن تطول القائمة بأصناف الطعام الفاخرة، وألوان الشراب الشهية، لا ولا الآنية الثمينة والسفر العامرة!.
    لم تكن هذه اللذائذ حاضرة في ذهنه المشغول بالدعوة إلى الله تعالى، وتعليم شرعه، وبيان فرائض دينه، ولم تسيطر تلك الشهوة على قلبه المتعلق بالله تبارك وتعالى، وابتغاء مرضاته ، ولم تشغل من وقته إلا حيزًا يسيرًا بقدر ما يشبع رمقه، ويدفع جوعه، وربما بات ليالي طاوياً لا يجد ما يطعمه!
    نعم لقد آثر أن يشبع يوماً ويجوع يوماً ليتقلب بين نعمتي الشكر والصبر، ذاق طعم الجوع، و لو شاء لسأل الله سبحانه كنوز الأرض ورغدها وطيب عيشها، ولكن ما له وللدنيا!!
    فكم أنفق مما أفاء الله عليه من خيل، وركاب، وأموال على أصحابه، ومضى لبيته خليّاً، راجيا نعيم الآخرة، داعياً ربه: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)(3).
    إن طلب القوت من الرزق و الإعراض عن المباهج ليس ازدراء لنعمة الله تعالى، أو تعاظما على فضله، كلّا وحاشا.
    و لا يعني أبداً حبس النفس و مضّارتها بصدّها عن تحصيل حاجاتها الضرورية ، فقد أحل الله لنا الطّيبات من الرزق ، كما أنزل سبحانه في كتابه على رسوله - صلى الله عليه وسلم-: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقْكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيـِّباً و اتَّقُوْا اللهَ الَّذِيْ أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُوْنَ )(4)، وقال تعالى: (كُلُوْا وَاْشْرَبُوْا وَلاَ تُسْرِفُوْا )(5) ، وقد طعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- اللحم و الثريد ، وأعجبه الدّباء والعسل، والشراب الحلو، ونحوها من المأكولات المعروفة في عصره ، لكنه لم يداوم على الأصناف الشهية المفضّلة عند عامة الناس ، بل أحب الزهد فيها، وطلب القوت من الرزق؛ تأصيلاً لمنهج التقوى والقناعة بما قسم الله تعالى، والارتباط القوي بالدار الآخرة، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، وأن النعيم الآجل لا يدرك بالنعيم العاجل .
    إن اقتصاده في العيش، و تعرّضه للجوع أياماً ، لم يحبطه و يحرمه الشعور بالسعادة، و لم يقعده عن النجاح في تحقيق أهدافه ، فقد نال أشرف المعالي بتبليغ الرسالة، وتعليم القرآن، وهداية الأمة إلى دين الله تعالى ، وبناء مجتمع صالح، والكثير الكثير من المنجزات الخالدة الفريدة ، بل هو السابق إلى كل خير ، والمؤسس لكل صلاح ديني !
    ألا فلنتدبر هديه - صلى الله عليه وسلم- في تربية النفس على الكفاف في كل ما يتّصل بأمر الدنيا، و صيانتها عن الترفّه والإسراف ، والتعفف عن مذلّة السؤال، والحاجة إلى الناس، والرضى بما قدّر الله تعالى من الأرزاق والنعم .
    و في هذا المعنى قال الشاعر:

    دع الحرص على الـدنيا
    فـإن الرزق مـقـسوم

    فقيـر كـل ذي حرص
    وفي العيش فلا تطمع

    وسوء الـظن لا ينفع
    غنيٌّ كـل مـن يقنع


    (1) سنن الترمذي (2360) و سنن ابن ماجه (3347)، وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
    (2) سنن الترمذي (2356) قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
    (3) صحيح مسلم (1055).
    (4) سورة المائدة آية: ( 88 ).
    (5) سورة الأعراف آية : ( 31 ).

    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

    تعليق


    • #17
      سلمت يداك وجزاك الله خيرا

      تعليق


      • #18
        المشاركة الأصلية بواسطة ابو صطيف مشاهدة المشاركة
        سلمت يداك وجزاك الله خيرا



        ويداك اخي ابوصطيف حياك الله

        واشكر مرورك العطر

        تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

        قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
        "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
        وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

        تعليق


        • #19


          صفة أكله وطعامه - صلى الله عليه وسلم- ( 2)



          · عن أنس - رضي الله عنه - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث )(1).

          · و عن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (لا آكل متكئا)(2).

          إن المتأمل لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم- في النمط الغذائي المتمثل في نوعية طعامه وكميته، وكيفية تناوله يجد في شمائله الكريمة القوانين الصحيّة القيّمة التي ينادي بها الأطباء للتغذية السليمة، وحفظ الصحة.

          وللوقوف على شيء من تلك الهداية النبوية (الصحية) نستعرض حديثا واحداً رواه المقدام بن معد يكرب يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول(ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، حسبك يا بن آدم لقيمات يقمن صلبك، فإن كان لا بد فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس).(3)

          في هذا الحديث يدعونا الحبيب - صلى الله عليه وسلم- إلى الاقتصار على لقيمات تدفع حرارة الجوع ، ولفظ (اللقيمات) يوحي بصغر حجم اللقمة، وقلة عددها، وأن هذا المقدار يكفل للجسم الكفاية من العناصر الغذائية التي يحتاجها ليقيم صلبه.

          وفي قلة الأكل وترك النهم منافع كثيرة، منها: أن يكون الرجل أصح جسما، وأجود حفظا، وأزكى فهما، وأقل نوما، وأخف نفسا، وفي كثرة الشبع كظ المعدة، ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه المقل في الأكل، وقال بعض الحكماء : أكبر الدواء تقدير الغذاء.(4)

          و ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة فقال :ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم من هذا .(5)

          وفي وقتنا المعاصر الثري بالتقنية والعلوم التخصصية الحديثة نلمس قيمة هذه النصيحة النبوية الدقيقة المعجزة في مجال الصحة!.

          ونرى في مجتمعاتنا المسلمة آثار التخلّي عن تطبيقها بتفشّي أمراض البدانة، وما يترتب عليها من إنشاء المراكز الصحّية للعناية بتقليل الوزن، و إعداد البرامج الغذائية للتخفيف والحمية و صرف العقاقير الطبية ، ونحوها مما يستنزف الوقت، والمال، والجهد، والصحة!

          إننا بحاجة ماسة إلى تطبيق آداب الطعام النبوية في حياتنا اليومية؛ لنحقق سنة الاتباع لسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم-، وننال بركة الاسترشاد بهديه القويم في صلاح الخلق، وتهذيب النفس إلى جانب حفظ الصحة، وسلامة البدن.

          ومن المعاني النبيلة المقترنة بالأكل التواضع عند أخذ اللقمة، وعدم الاتكاء إلا عند المشقة، والتيمن في التناول، ولعق الأصابع، وتكريم النعمة بعدم عيب الطعام ولو عافته نفسه ، واستحضار آداب الطعام حمداً للكريم المنان.





          (1) رواه مسلم (2034).
          (2) رواه البخاري (5083).
          (3) صحيح ابن حبان (5236)، سنن النسائي الكبرى (6769) ، سنن ابن ماجه (3349).
          (4) تفسير القرطبي( ج7/ص192).
          (5) فتح الباري (ج9/ص528).

          تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

          قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
          "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
          وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

          تعليق


          • #20

            لباسه وفراشه - صلى الله عليه وسلم-



            • عن دحية الكلبيّ - رضي الله عنه- قال : (أهديت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- جبة صوف وخفين فلبسهما حتى تخرقا)(1).

            • و عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: (كان أحب الثياب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يلبسها الحبرة)(2).

            • و عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: (إنما كان فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف)(3).

            • وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قال : (تبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من آدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال: ما يبكيك ؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله ، ! فقال : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)(4)

            عادةً ما يكون لباس المرء عنواناً لطبيعته الكامنة، فإن ما ترسخ جذوره في الباطن لا بدّ أن تبدو ثماره في الظاهر، ولذا كان أجمل لباس وأحسنه هو التقوى النابت من القلب، والممتد على الجوارح ليسبغ على العبد خلائق الستر والحياء والعفاف، كما قال تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(5).
            هذا اللباس المحمود هو أحب لباس تغشاه الحبيب - صلى الله عليه وسلم-، وأقربه إلى نفسه، اللباس الذي يحمل معالم التقوى وحقيقتها، بما يمتاز به من ستر العورات، والبعد عن الإسراف والخيلاء والشهرة، وعن مشابهة الكفار مما هو من خصائصهم، إلى غيره من النواهي الشرعية.
            وكان أحبّ الثياب إليه الحِبَرَة، وهي: برد يماني من قطن محبّر يعني مزيّن، والظاهر أنه أحبها للينها وطراوتها، وحسن انسجام نسجها، وإحكام صنعتها، وموافقتها لجسده الشريف، فإنه - صلى الله عليه وسلم- كان غاية في النعومة واللطف(6).
            إلا أنه لم يرفّه نفسه بالمواظبة على الثياب المريحة، والقمص الراقية، بل كان يرتدي ما سنح له مما ملكه أو أهدي له لسماحته، وبساطة عيشه، وكثرة ورعه، فاتزر واتخذ الرداء، واشتمل الكساء، و تحلّى بالبرد، ولبس جبة صوف وخفّين حتى تخرّقا، وربما ارتدى حلّة جميلة أعجب بها أحد أصحابه فلم تلبث على جسده إلا يسيرا، ثم أهداه له! لا يغريه رونقها وحسنها عن الجود بها، كما لم يسوؤه خشونة جبة الصوف أن تلازمه أمداً حتى تمزقت!.
            ما أعظم هذه النفس الأبية التي لا ترضى أن تقع تحت تأثير متاع الدنيا مهما كان رائعا وجذّاباً، أو حقيراً معاباً! طامحة إلى ما أعده المولى سبحانه وتعالى لأوليائه من نعيم دائم، وخير تامّ، لا ينقطع ولا يمتنع، ولم يخطر على قلب بشر .
            أما فراشه الذي ينام عليه فبساط غليظ من الجلد المحشو من الليف الخشن، بقدر ما يقيه وعورة الأرض وحرارتها، ويمنحه حاجته من النوم، غير مسترسل في الراحة والغفلة عن قيام الليل وذكر الله تبارك وتعالى.
            وربما نام على الحصير فأثّر على جلده الشريف وجنبه! فأبكى عمر- رضي الله عنه- رحمة و شفقة على حاله المؤثرة - صلى الله عليه وسلم-، وتمنّى له ما لكسرى وقيصر من الفرش الوثيرة، والأسرة المريحة، والأثاث الفاخر، والدثار الناعم، فجذبه الحبيب - صلى الله عليه وسلم- بلطفه المعهود إلى المآل المنشود، والنعيم الموعود في الآخرة ...
            و الآخرة خير وأبقى .





            (1) المعجم الكبير (4200 ).
            (2) صحيح البخاري (5476).
            (3) صحيح مسلم (2082).
            (4) صحيح البخاري (4629).
            (5) سورة الأعراف آية (26).
            (6) المواهب المحمدية بشرح الشمائل الترمذية (1/211).

            تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

            قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
            "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
            وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

            تعليق


            • #21


              نومه و تعطره - صلى الله عليه وسلم-


              • عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما-: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن ينام وضع يده تحت رأسه ثم قال: اللهم قني عذابك يوم تجمع عبادك أو تبعث عبادك)(1)
              • و عنه - رضي الله عنهما - قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك أموت وأحيا، وإذا قام قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)(2).
              • و عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات)(3).
              • وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)(4).
              • عن أنس -رضي الله عنه- قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-)(5).
              • عن أنس بن مالك قال: (دخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال عندنا فعرق، وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب)(6).
              حينما يودّ أحدنا أن يخلد للنوم بعد نهار أمضاه وجهد قضاه ؛ فإنه يأوي لفراش مريح، وغطاء ناعم، ومكان هادئ؛ لينال حظاً كافياً من الدعة والراحة.
              وهذا أمر طبيعي، غير أن هذه المعطيات قد تتوفر للبعض على أحسن الوجوه وأكملها، فلا تؤمن لهم النوم المنشود لسكن الفؤاد وراحة البال!
              وربما يعاني هؤلاء من أرق واضطرابات في النوم تقضّ مضاجعهم، وتحرمهم لذّته.
              إذن ؛ فإن حصول هذه النعمة - التي هي من آيات الله تبارك وتعالى - على صورتها الفضلى يتجلّى لمن اهتدى بدين الله - عز وجل-، واقتدى بسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم-، ولازم ذكر ربه عند هجعته وانتباهه، و إن لم يملك من الفُرُش سوى حصير حقير أو بساط من جلد.
              و هذا الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم- لم يكن لديه من متاع الدنيا إلا النزر اليسير, وكان ينام من الليل حاجته، ومن النهار قيلولته، مطمئن النفس، هادئ البال! بالرغم من معاناته قيادة الأمة ومتاعب الدعوة، ومشقة الجهاد وألوان الأذى في سبيل الله - تعالى -.
              و ما انشراح صدره، و سكينة نفسه إلا بالله -جلّ جلاله-؛ الذي عرف قدره، وأكثر ذكره، وعظّم دينه ، فطهّره وزكّاه، وأرخى عليه أستار فضله، وفيوض رحمته، وعظيم نعمه.
              و كان حمد الله تعالى على نعمه من هديه - صلى الله عليه وسلم- إذا أوى إلى فراشه؛ فيحمده على رزقه الذي آتاه، وكفايته من كل شر يخشاه، وفضله عليه بإيوائه من التشرد واليتم.
              و يذكر الله كثيراً و يثني عليه ويمجّده، و يدعوه ويستعيذ به من شر ما خلق من الدواب والصفات، ولا ريب أن المواظبة على الأدعية والأذكار المأثورة في ختام اليوم والليلة يبث للنفس الراحة والطمأنينة، والحفظ من تلاعب الشياطين، والوقاية من الهوامّ والمخاطر، وتضمن لمن مات أن تكون خاتمته على الفطرة إلى غيرها من الآثار الطيبة على حياة العبد، وحسن خاتمته.(7)
              فحري أن نعتني بهذه الأوراد الحصينة عند مبيتنا، ونعلمها صغارنا ليألفوا ذكرها، وننال بها الأجر وطيّب الأثر.
              وينضم إلى هذا الذكر الحميد الحال الطيبة التي يكون عليها الحبيب - صلى الله عليه وسلم- عند نومه، فكان من هديه - صلى الله عليه وسلم- أن ينام طاهراً، في بدنه وثيابه، بل إن طهارة ثيابه ، وطيب رائحته لا تنفك عنه سائر يومه و ليلته؛ فهذا خادمه أنس بن مالك - رضي الله عنه- الذي لازمه زمناً طويلاً يفضّل رائحة النبي - صلى الله عليه وسلم- على أجود أنواع الطيب من المسك والعنبر المعروفة آنذاك، وكانت أم سليم - رضي الله عنها- تجمع عرقه إذا استنقع على الأديم المفروش تحته؛ ليكون أطيب طيب تنتفع بعطره الفواح، و ترجو بركته لصبيانها!
              إن جمال المظهر، وطهارة البدن، وطيب الرائحة من محاسن الإسلام التي حث عليها أتباعه، و لها آثارها الإيجابية على الفرد والمجتمع.




              (1) سنن الترمذي قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (3398).
              (2) صحيح البخاري (5953).
              (3) صحيح البخاري (4729 ).
              (4) صحيح مسلم (2715).
              (5) صحيح مسلم ( 2330).
              (6) صحيح مسلم (2331).
              (7) للفائدة تراجع: (موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة)فيما يتعلق بموضوع النوم، وقد أثبتت الدراسات العلمية والتجارب الفعلية أن الآداب النبوية في النوم تمثل قمة الإعجاز الطبي.

              تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

              قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
              "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
              وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

              تعليق


              • #22




                رفقه ورحمته بأمته - صلى الله عليه وسلم-

                • عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قال(لَوْلا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي أو على الناس لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مع كل صَلاةٍ)(1).

                • و عن أَنَس بن مَالِكٍ قال(ما صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً ولا أَتَمَّ من النبي - صلى الله عليه وسلم- وَإِنْ كان لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ)(2).

                • و عن أبي وَائِلٍ قال:كان عبد اللَّهِ يُذَكِّرُ الناس في كل خَمِيسٍ فقال له رَجُلٌ: يا أَبَا عبد الرحمن لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قال: (أَمَا إنه يَمْنَعُنِي من ذلك أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يَتَخَوَّلُنَا بها مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا)(3).

                الحديث عن الرفق و الرحمة من أفق محمد - صلى الله عليه وسلم- يغيث القلوب الجرداء، وينعش النفوس الظمأى، فقد تجاوز حدود الرفق والرحمة في أمور الدنيا التي ألفها الناس ممن أُلهم هذه الصفة، وعرف بها في حياته الزوجية والأسرية والاجتماعية.
                في حين تتجلى عظمة هذا الخلق النبوي حين يتخلّى الحبيب - صلى الله عليه وسلم- عن استمراء أحب الأمور إليه, و أعزها لديه، التي هي من جملة العبادة؛ مخافة المشقة على أمته !!

                فيقول بأبي هو و أمي: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 236 خلاصة حكم المحدث: صحيح
                و يصلي بالناس الجماعة فيحيي لذة العبادة بالوقوف والمناجاة لله رب العالمين، تلك الصلاة التي هي راحته وغاية أنسه وسعادته، فيخفّفها عندما يسمع بكاء الصبي؛ رحمةً بأمه ، و رعايةً لعاطفتها الفطرية تجاهه.

                قال النووي - رحمه الله-: فيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم، وإن كان يسيراً من غير ضرورة(4).

                لقد أدرك أصحابه - رضي الله عنهم- هذا الأدب الجمَّ من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم-، و بلاغةِ أثره عليهم، وحاجتِهم إليه فاحتذوا به إتباعاً لسنته، واقتداءً بهديه .
                ففي مجال الموعظة ـ التي دعا إليها القرآن الكريم ـ نرى ابن عمر - رضي الله عنه- يتحرّى الأوقات المناسبة لنشاط النفوس واشتياقها للحضور فيعظهم كل أسبوع،ن ويأبى تذكيرهم كل يوم بالرغم من سؤالهم لها.
                و يعلّل ذلك بقوله:" أَمَا إنه يَمْنَعُنِي من ذلك أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يَتَخَوَّلُنَا بها مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا".
                قال النووي - رحمه الله-: فيه الاقتصاد في الموعظة لئلا تملها القلوب فيفوت مقصودها(5).
                لقد تجلّى لنا مما روي عنه - صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب من الأحاديث الغفيرة عظم شفقته - صلى الله عليه وسلم- ورحمته بأمته، وسماحة شريعته، حيث أرشدهم إلى ما فيه صلاح دينهم، واستقامة عبادتهم، وأمرهم بالتيسير في النوافل، ونهاهم عن التشديد فيها؛ ليمكنهم الدوام عليها بلا مشقة أو ملل؛ لأن النفس تنشط إلى ما تطيق من العبادة، ويحصل لها المقصود من العمل، وهو حضور القلب، وانشراحه، فتتم العبادة مع المواظبة عليها ويكثر الثواب لتكرّر العمل وملازمته(6).
                و القليل الدائم خيرٌ من كثيرٍ ينقطع، وإنما كان خيرًا لأن به دوام الإقبال على الله سبحانه بالطاعة والذكر والمراقبة، وإخلاص النية، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة(7).
                • و الأحاديث الواردة في تخفيف النبي - صلى الله عليه وسلم- عن أمته، لا تنافي هدي النبي - صلى الله عليه وسلم- في الاجتهاد في العبادة، والإكثار منها، والمداومة عليها، وإن أضرَّ بنفسه فصلى حتى تتفطّر قدماه، أو صام حتى يواصله يومًا ويومين؛ لأنه أعطي من الجَلَد والصَّبر والقوَّة ولذََّة العبادة ما لم يؤت غيره، ففارقهم.
                لقد آتاه الله – سبحانه- قرة العين بذكره، والتنعّم بحبه، وبهجة النفس بطاعته، والشوق إلى لقائه، فلا شيء ألذَّ له من طاعته، وطيب حياته بعبادته، فحاله أفضل الأحوال وأكملها(8).




                (1) متفق عليه صحيح البخاري (847) و مسلم (252).
                (2) متفق عليه، صحيح البخاري (676) ومسلم (470).
                (3) صحيح البخاري (70).
                (4) شرح النووي ج4/ص187.
                (5) شرح النووي على صحيح مسلم ج17/ص164
                (6) ينظر: شرح ابن بطال (3/144)، شرح النووي (6/312)، شرح الكرماني (1/173)، فتح الباري (1/138)، عمدة القاري (7/209)، إرشاد الساري (1/189)، فيض القدير (4/354)، عون المعبود (7/56).
                (7) بتصرف يسير،شرح النووي (6/312).
                (8) ينظر: المفهم (3/1339-1340)، زاد المعاد (2/32)، طريق الهجرتين (ص474)، تحفة الأحوذي (2/382).

                تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                تعليق


                • #23

                  حلمه و عفوه - صلى الله عليه وسلم-

                  عن أبي سعيد الخدري قال: (بينما النبي - صلى الله عليه وسلم- يقسم ذات يوم قسما فقال ذو الخويصرة -رجل من بني تميم-: يا رسول الله، اعدل قال: (ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟) فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: لا......)(1)
                  وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: بعث علي -رضي الله عنه- إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- بذهيبة فقسمها...فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: (من يطع الله إذا عصيت، أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنونني، فسأله رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد فمنعه)(2).


                  الحلم و العفو طبعٌ عزيز، وخلقٌ آسر:

                  تتجلّى حقيقته في تلك المواقف التي يتجرأ فيها الآخر على إيذاء عرضك بالسبّ، أو انتقاد عملك أو التعرض لحياتك الخاصّة، بأسلوب همجي، و ألفاظ غليظة، ونبرة حادّة، فلا تواجهه إلا بخير..!

                  ليست الأحلام في حال الرضى إنما الأحلام في حال الغضب(3)

                  والحقيقة أن توطين النفس على كظم الغيظ، والصبر عن الانتقام لها، وتربيتها على العفو والصفح مع من يجهل عليها، أمرٌ لا تخفى مشقّته، لقوّة الداعي إلى الأخذ بالثأر، والرغبة الجامحة للحميّة للذّات، واستيفاء الحقوق.
                  و حين نتأمل حال النبي - صلى الله عليه وسلم- المثقل بهّم الدعوة ومسؤولية الرسالة، وتلقّي الوحي، وقيادة الأمة لتكون خير أمة أخرجت للناس، نرى صفاء الحلم والعفو يتدفّق في قسمات وجهه المشرق، وكلماته الرقيقة النّدية؛ ليكون علماً من معالم شخصيّته المعجزة .
                  يعترض له (ذو الخويصرة ) بجفاء وهو يقسم للناس حظّهم من المال؛ فيناديه بفظاظة: يارسول الله، اعدل!
                  و يأتي آخر رافعاً صوته، متطاولاً عليه يدعوه باسمه(يا محمد) مجرّداً من نعت الرسالة والاصطفاء! فيقول بملء فمه (اتق الله يا محمد) فلا تظلم في العطاء!
                  إنها كلمة غاية في الشناعة والصّلف في حق خير البرية - صلى الله عليه وسلم- وأزكاهم عند الله - تبارك وتعالى-، المؤتمن على وحيه، وتبليغ رسالاته، وبيان شرعه، وحلاله وحرامه، المخيّر حين نبوّته بين أن يكون ملكا أو عبدا فاختار العبودية، أتغرّه لعاعة من متاع الدنيا فينقض عهده مع ربه! ويجرح أمانته، ويخالف رسالته، ويهدم مبادئه العليا!!!
                  لقد كان لتلك الكلمات الجائرة صدى عنيفاً على سمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فأشعلت فتيل الغضب في نفوسهم، وتبادروا لقتله، فما كان من الحبيب - صلى الله عليه وسلم- إلا أن منعهم من ذلك، واكتفى بالتأنيب والعتاب المؤثر (ويحك) وفي رواية: (ويلك، من يطع الله إذا عصيت، أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنونني)، وفي رواية (أو لست أحق أهل الأرض أن أطيع الله؟).
                  و يبلغ العفو منتهاه حينما يدخل مكة ـ حرسها الله ـ بعد كفاح طويل في الدعوة والجهاد في سبيل الله، فيجتمع أهلها إليه في المسجد فيقول لهم: (ما ترون أني صانع بكم؟) قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(4).
                  يا له من صفح جميل، و عفو بليغ، مأمول من ذلك الرجل الكريم الذي هو أهله، حيث يكون سائغا.
                  و حين تنتهك حرمات الله تعالى، فإنه يشتدّ غضبه لله حتى يرى أثره على وجهه، فلا يعف عن منكر لا يرضاه الله – سبحانه-، أو يحلم عن إقامة حدّ من حدوده.

                  تعفو بعدل و تسطو إن سطوت به فلا عدمتك من عافٍ و منتقم(5)

                  و هذا هو التوجيه الشرعي الصحيح الذي نتعلمه من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم- للعواطف والمشاعر الثائرة، فلا يكون فيها انتكاسة بحيث نغضب ونشتدّ غيضاً حميّة لأنفسنا، وأنسابنا، وأموالنا، وديارنا، ونكتفي بغضّ الطرف، وزمّ الشفاه، والحوقلة إذا انتهكت محارم الله – سبحانه- واستبيح حماه.





                  (1) صحيح البخاري (5811).
                  (2) متفق عليه.
                  (3) أدب الدنيا و الدين (ص219).
                  (4) سنن البيهقي الكبرى (18055).
                  (5) أدب الدنيا و الدين (ص 223).

                  تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                  قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                  "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                  وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                  تعليق


                  • #24

                    تواضعه و لين جناحه - صلى الله عليه وسلم-



                    عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ: (يَا أُمَّ فُلاَنٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَك) فَخَلاَ مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا.(1)
                    عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ أَبِي، وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: (سَنَهْ سَنَهْ).
                    قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: (دَعْهَا)، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ.(2)

                    إذا شرفت النفس كانت للآداب طالبة ، وفي الفضائل راغبة، فإن اقترن بها علو الهمّة، ونبل الهدف كانت طيّبة الجنى، وارفة الظلال، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها!
                    يقتات منها الصغير والكبير، ويأوي إليها القوي والضعيف، والغني والفقير.
                    لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مع الناس تلك النفس الخيّرة، آيةً في اللين والتواضع، ومثلاً في السماحة واللطف، بالرغم من نفوذ سلطانه، وجلالة قدره، و انقيادهم لأمره، و توقيره و مهابته.
                    بل إن طاعته و محبّته مقدّمة على النفس، والأهل، والمال، والعشيرة...!

                    توافيه تلك المرأة (وفي عقلها شيء) في بعض الطرق الضيقة، المصطفة من النخيل، المسلوكة التي لا تنفك عن مرور الناس غالبًا(3)، و تسأله حاجتها، و ما ثمّ لولا ما آنسته من الحبيب - صلى الله عليه وسلم- من تمام التواضع والقرب من المستضعفين، ولينه في أيديهم، ومشيه في حوائجهم، وتشوقهِ إلى إرضائِهم، وسماعِ شَكواهُم، وقضاءِ شُؤونِهم .
                    فيسعها النبي - صلى الله عليه وسلم- بعطفه المعروف، وتواضعه المألوف، ملبياً رغبتها بسخاوة نفس وتقدير: (يَا أُمَّ فُلاَنٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَك) !!!

                    فللّه لين ذاع في الناس صيته وخفض جناحٍ طوّق الوعر والسّهلا

                    و تأتيه جارية صغيرة هي : أمَة (بمفتوحة وخفَّة ميم) بنت خالد بن سَعيْد بن العَاصِ، تكنّى أم خالد(4)، و تقترب منه لترسم صورة أخرى رائعة من التواضع والعطف النبوي .
                    نرى فيها النَّبي المربِّي - صلى الله عليه وسلم - وهديه القويم في رعاية الأطفال، وقربه من الصِّغَار، وتلقِّيهم بالبِشْر وسهولة الخلق.. والرحابة ...
                    وشفقته على البنات خاصَّة ! ألا ترى إلى عظيم تقديره لأم خالد، واصطفائها من سائر القوم، وتشريفها بهديته، بعدما سأل الحضور من أصحابه عمن يستحقها، وسكتوا حيرة، فاستشرفوا لها، وكانت تلك الجارية هي الجديرة بها، قَالَ: (مَنْ تَرَوَنَ أَنْ نكْسُوَ هذه؟ فسكت القومُ، قَالَ: ائتوني بأمّ خالدٍ).
                    إنه يدعوها بكنيتها، زيادة في إكرامها، والاهتمام بها، وجيء بها تحمل في -رواية– لحداثة سنِّها – (فَأَخَذَ الخَمِيْصَةَ – وهي كساء من خزٍّ أو صوف - بيده الشريفة فألبسه) إياها!
                    وبالغ - عليه الصَّلاة والسلام - في العطف عليها، والإحسان إليها، والبِّر بها، (فَجَعَلَ يَمْسَحُ الأعلام – وهي ألوانها البارزة الصفراء أو الخضراء – بيده، ويقول مادحًا لها، مثنيًا على جمالها وروعتها هذا: (سَنَهْ سَنَهْ)، بمعنى حسن، وما قالها الحبيبُ - صلى الله عليه وسلم - بالحبشيَّة، وهو العربيُّ الفصيح! إلا محاكاة لُّلغة التي ألفتها منذ طفولتها، وتطييبًا لخاطرها، وطمعًا في إدخال السرور والبهجة إلى قلبها.
                    ويَسْتمرُّ الحنانُ النبويُّ الدافئ ليحكي مشهدا مؤثِّرا من اللطف الغامر بتلك الصبية، دنت منه بعدما اطمأنّت لتواضعه ورحمته، ولفت نظرها خاتم النبوة البارز بين كتفيه (كزرِّ الحجلة)،، فَتَاقَتْ نفسُها إلى لمسه، فطفقت تلعب به، مما أثار حفيظة والدها الذي نهرها بقسوة، فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (دعه)، فاستمرت تلهو به مرحًا مستأنسة برضى النبي - صلى الله عليه وسلم - مطمئنة إلى سماحته، ثم يختم اللقاء الطيب بدعواتٍ لها مباركةٍ، يرددها ثلاثًا، ويمتدُّ أثرها إلى أمد ذاك اللقاء بما يحويه من المعاني القيِّمة للتواضع وخفض الجناح، يمثل أنموذجًا من الدروس التربوية التي لها أكبر الأثر في بناء الشخصية العاطفية، وتربيتها على التواضع ودماثة الخلق على نحو أفضل.






                    (1) رواه مسلم (2326) و البخاري (3786) وزاد بلفظ:" والذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ إِنَّكُم أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ)، مرَّتَيْن.
                    (2) متفق عليه، الراوي: أم خالد أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم: 4024 خلاصة حكم المحدث: صحيح
                    (3) ينظر: لسان العرب (10/439)، مختار الصحاح (ص129)، الغريب لابن سلام (1/349)، الغريب للخطابي (1/729)، مشارق الأنوار (2/268)، النهاية في غريب الحديث (2/284)فتح الباري (9/416).
                    (4) الاستيعاب (4/1790)، أسد الغابــة (6/325)، الإصابـة (7/506)، المغني في ضبط أسماء الرجال (ص26).

                    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                    تعليق


                    • #25
                      اللهم صل علي سيدنا محمد وعلي اله وصحبه وسلم
                      اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي اله عدد كمال الله وكما يليق بكماله[SIGPIC][/SIGPIC]

                      تعليق


                      • #26




                        عفّته و حياؤه - صلى الله عليه وسلم-


                        عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (دعه فإنّ الحياء من الإيمان).(1)
                        عن أنس قال: (لما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم- زينب أهدت له أم سليم حيسا في تور من حجارة، فقال أنس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" اذهب فادع لي من لقيت من المسلمين، فدعوت له من لقيت، فجعلوا يدخلون عليه فيأكلون ويخرجون، ووضع النبي - صلى الله عليه وسلم- يده على الطعام فدعا فيه، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ولم أدع أحدًا لقيته إلا دعوته، فأكلوا حتى شبعوا، وخرجوا، وبقي طائفة منهم فأطالوا عليه الحديث، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم- يستحيي منهم أن يقول لهم شيئا، فخرج وتركهم في البيت، فأنزل الله - عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)، قال قتادة: غير متحينين طعامًا، (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا)، حتى بلغ: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)).(2)
                        عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم- أشد حياء من العذراء في خدرها، حدثني محمد بن بشار حدثنا يحيى وبن مهدي قالا: حدثنا شعبة مثله، وإذا كره شيئا عرف في وجهه).(3)
                        الحياء غذاء الروح، وحياة القلب، كما أن الغيث حياة الأرض، ورواؤها، وبهجتها.
                        وعلى حسب حياة القلب تكون قوّة خلق الحياء، فكلّما كان القلب أحيا كان الحياء أتم، وقلة الحياء من موت القلب والروح .(4)
                        و لمّا كان الحياء بهذه المنزلة العظيمة من حياة الإيمان في القلب، واقترانه به ودوامه فيه، كان النبي - صلى الله عليه وسلم- أعظم هذه الأمة حياءً، شهد له ربه – سبحانه- بهذه الصفة الكريمة في محكم تنزيله فقال: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ) [سورة الأحزاب : 53].
                        ومن تأمّل هذه الأحاديث الثابتة رأى كثرة حياء النبي - صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان جامعا ًبين نوعي الحياء الغريزي والمكتسب.
                        ففي الغريزي كان أشد من العذراء في خدرها، وأما المكتسب فقد كان في الذروة العليا منه.
                        وكلا النوعين محمود، مطلوب، وسبب لزيادة الإيمان؛ لأنه يكون تخلقا واكتسابا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب، ونية، وعلم، فهو من الإيمان، ولكونه باعثاً على أفعال البر، ومانعاً من المعاصي، ومُعْفَىً من الفواحش، وناهيا عن المنكرات، فلا يأتي منه إلا خير(5).
                        و ترجمت لنا سيرته العطرة حقيقة ذلك الحياء، وتمكّنه من خلقه وسلوكه العملي، في مواقف شتى، منها زواجه من زينب بنت جحش -رضي الله عنها-.
                        فقد كان - صلى الله عليه وسلم- حديث عهدٍ بأهله، والأضياف في بيته قد حضروا وليمته، وطعموا حتى شبعوا، وظلّوا مستأنسين بالحديث في غفلةٍ عن حال النبي - صلى الله عليه وسلم- وتكدّره من طول بقائهم، و هو يستحي أن يواجههم بأمر الخروج من بيته، و الانفراد بعروسه!
                        حمله الحياء على أن يترك أخصّ حقوق نفسه في ليلة البناء بأهله، والشوق إليهم، وتحمّل مشقة الحرج من أصحابه الذين أكرمهم بضيافته، والتناول من مائدته، على أن يصارحهم بما يجول في خاطره، وما يعتمل في نفسه؛ إيثاراً للحياء، وحرصاً على توفير الراحة والانبساط لهم.
                        فتولّى الرحمن – سبحانه- أمره، ورفع عنه ما أهمّه، وأنزل قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يصدع بما للنبي - صلى الله عليه وسلم- من الحقّ العظيم من الاحترام والتوقير، والآداب المتعّينة له على أصحابه و أمته.
                        ويدعونا في الوقت نفسه إلى الاقتداء به، والتحلي بهذا الخلق الفاضل، فمن استحيا من الله – سبحانه- حق الحياء رأى نعمه وآلاءه، واستشعر إساءته وتقصيره، وبادر بالخيرات، وترك المنكرات، ومن استحيا من نفسه عفّها وصانها في الخلوات، ومن استحيا من الناس كف أذاه عنهم، وترك المجاهرة بالقبيح والسيئات(6).





                        (1) صحيح البخاري (24)، و مسلم (36).
                        (2) هذا لفظ مسلم، صحيحه ج2/ص1052، وللحديث طرق في الصحيحين.
                        (3) متفق عليه صحيح البخاري (3369)، ومسلم (2320).
                        (4) ينظر: مدارج السالكين (2/259).
                        (5) ينظر: فتح الباري ( ج10/ص522)، وشرح النووي: ج2/ص5، أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم- في القرآن والسنة (1/485).
                        (6) ينظر : أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص 243).

                        تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                        قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                        "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                        وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                        تعليق


                        • #27




                          أمانته و وفاؤه - صلى الله عليه وسلم-

                          لئن كان خلق الأمانة والوفاء عظيماً في سائر الناس؛ لما له من الأثر الكبير في صلاح أمر الدنيا والدين، فإنه في أنبياء الله ورسله أعظم، وفي حقهم أوجب وألزم، فطرهم الله ورباهم عليها ليتمكّنوا من تبليغ رسالاته إلى خلقه، وكان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم- في الذروة العليا من هذه الأخلاق والسجايا الكريمة، وكماله فيها فاق كل كمال.
                          لقد نشأ يتيماً مطبوعاً على الأمانة والوفاء بالعهد، فلا يكاد يعرف في قومه إلا بالأمين، فيقولون:جاء الأمين، وذهب الأمين، وحلّ في نفوسهم وقلوبهم أعلى منازل الثقة والرضى!!(1)
                          كما دلّ على ذلك احتكامهم إليه في الجاهلية في قصة رفع الحجر الأسود عند بنائهم الكعبة المشرفة، بعد تنازعهم في استحقاق شرف رفعه ووضعه في محله، حتى كادوا يقتتلون، لولا اتفاقهم على تحكيم أول داخل يدخل المسجد الحرام، فكان هو محمد - صلى الله عليه وسلم- فلما رأوه قالوا: (هذا الأمين، رضينا هذا محمد)(2).
                          و بلغ من ثقتهم الكبيرة في أمانته ووفائه ما اعتادوا عليه من حفظ أموالهم ونفائس مدّخراتهم لتكون وديعة عنده، ولم يزل هذا شأنهم حتى بعد معاداته بسبب نبوّته، ودعوتهم إلى الإيمان، ونبذ عبادة الأوثان، فلم يخالجهم الشك في أمانته و وفائه! ومما يدل على ذلك ترك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بمكة بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم- ليرد للناس ودائعهم التي كانت عنده، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم-.(3)
                          ولقد تحقق ذلك الخلق العظيم بأتمّ معانيه، وأحسن مراميه بعد نبوّته - صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الله تعالى أراده خاتماً لأنبيائه ورسله إلى الناس كافة، و لا يُمكّن من ذلك إلا أمين كامل الأمانة، يحظى بثقة الناس فيستجيبون له ويؤمنون به.
                          و أدّى نبينا - صلى الله عليه وسلم- شرع ربنا - تبارك وتعالى- كما أراده الله - عزّ وجل-، وبلّغ آياته فلم يكتم منها حرفاً، وإن كان عتاباً له ولوماً، وشهد له في كتابه بهذا البلاغ الكامل حتى تمّ الدين، وظهر الإسلام قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً) [سورة المائدة:3].
                          و إن من المواقف العظيمة في أمانته ما رواه سعد -رضي الله عنه- قال لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله) فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)(4).
                          و أما الوفاء فله منزلة عظيمة في أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم-، فكان أوفى الناس مع ربه - تبارك و تعالى-، و مع أصحابه، وأزواجه، وذويه، بل وأعدائه!.
                          و من أروع المواقف النبوية التي تتجسد فيها هذه السجية الفاضلة ؛ وفاؤه لحاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- مع فعلته الكبرى، وهي إفشاؤه لسر النبي - صلى الله عليه وسلم- في أشد المواقف خطورة، موقف الغزو الذي لا تغفر البشرية لمثله؛ لأنه تجسس وخان خيانة عظمى.
                          فقد كتب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بمقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إليهم بجيشه لفتح مكة، وأرسله خفية مع ظعينة له، فلما أطلع الله - تعالى- نبيه - صلى الله عليه وسلم- على ذلك، ومكّنه من إحباطه، وراوده بعض أصحابه على ضرب عنقه، قال - صلى الله عليه وسلم-: (إنه قد شهد بدراً، و ما يدريك لعلّ الله اطّلع على من شهد بدراً فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)(5).
                          فانظر إلى مبلغ وفائه لأصحابه! وإن عظمت زلّة أحدهم، أو كبر خطؤه، ما لم يكن في حدّ من حدود الله – سبحانه-، أو تهاون بشرعه، و أمكن تدارك الخطر قبل وقوعه.
                          و لاشك أن هذا الوفاء الفريد، والتصرف الرشيد، سيعزز حبّ ذلك الصحابي للتوبة النصوح من هذا الذنب الذي لا يبرره خوفه على أهله وذويه في مكة.
                          وهكذا كانت شمائل النبي - صلى الله عليه وسلم- حقائق عملية في مواقف الحياة المتنوعة، تربي النفوس وتهذبها على معاني الفضيلة، وتغرس في القلوب روائع الإيمان بالله - عزّ وجلّ-.




                          (1) انظر هذه المقالة في أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم- للدكتور/ أحمد الحداد (2/538ـ 574) نقلتها باختصار.
                          (2) سيرة ابن هشام (1/28)، وطبقات ابن سعد (1/146).
                          (3) سيرة ابن هشام (2/237).
                          (4) رواه أبو داود (4359)، و الحاكم ( 4360)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
                          (5) رواه البخاري (5/184)، ومسلم ( 2494).

                          تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                          قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                          "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                          وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                          تعليق


                          • #28





                            كرمه وسخاؤه صلى الله عليه وسلم




                            عن موسى بن أنس عن أبيه قال: "ما سئل رسول الله صلى الله على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، قال فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين" فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء لا يخشى الفاقة.(1)

                            وعن شهاب قال: "غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح فتح مكة ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة. قال بن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.(2)

                            وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال: لا"(3)



                            لئن كان الكرم جامعاً لمكارم الأخلاق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ليتمم مكارم الأخلاق قد بلغ فيه منزلة الكمال والعظمة، وقد شهد له ربه سبحانه بعظمة خلقه عموماً، وبالكرم خصوصاً فقال تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم)(4) وقال سبحانه: (إنه لقول رسول كريم)(5).

                            وصفه في هذه الآية بالكرم خاصة دون غيره من الأخلاق العظيمة التي أثبتها له سبحانه لأثر الكرم على سائرها، وأنها مندرجة تحته، تابعة له.(6)

                            لقد منح النبي صلى الله عليه وسلم من السخاء والجود حتى جاد بكل موجود، وأثر غيره بكل مطلوب ومحبوب، حتى مات ودرعه مرهونة عند يهودي على أصع من شعير!

                            وقد حكم جزيرة العرب، وكان فيها من قبل ملوك لهم خزائن وأموال، يقتنونها ذخراً ويتباهون بها فخراً، ويستمتعون بها شراً وبطراً.

                            وحاز صلى الله عليه وسلم ملك جميعهم، فما اقتنى ديناراً ولا درهماً، يعطي الجزيل الخطير، ويصل الجم الغفير، ويتجرّع مرارة الإقلال، ويصبر على سغب الاختلال، وعنده غنائم هوازن وهي من السبي ستة آلاف رأس، ومن الإبل أربعة وعشرون ألف بعير، ومن الغنم أربعون ألف شاة، ومن الفضة أربعة آلاف أوقية، فجاد بجميع حقه، وعاد خلواً، فهل لمثل هذا الكرم والجود كرماً وجوداً؟! هيهات.(7)


                            ولذا كان سخاء النبي صلى الله عليه وسلم مستفيضاً عند أصحابه، نقلوه لنا حتى بلغ حدّ التواتر، وتمّ لهذه الدلائل الخبرية شواهد عمليّة ثابتة في سائر أحواله تجلي لنا حقيقة الكرم النبوي الفريد الذي لا يباري في مضماره، ولا يجارى في ميدانه، ولا يراد به الرياء والشهرة والصيت!

                            دهش لكرمه ذاك الرجل حين أتاه، إذ فاق نوال النبي صلى الله عليه وسلم آماله التي عقدها على كرام الناس، حين أعطاه الكريم صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين، لم يحسب عدد رؤوسها عليه!.

                            فانبهر لسخائه العظيم وهرع لقومه فرحاً مستبشراً بهذا الرزق الواسع الذي غمره بلا أدنى عناء وهو يقول: يا قوم أسلموا فإن محمد يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة.

                            إيهٍ وربي، أيخشى الفاقة من اتصل قلبه بمولاه تعالى، وتعلق فؤاده بمالك الملك جلّ جلاله، فكان يقينه بما في يده سبحانه من خزائن السماوات والأرض، أعظم مما في يده، ورجاؤه بما لديه سبحانه من النعيم المقيم في الجنة أعلى وأغلى مما يراه من متاع الدنيا!. لقد هانت عنده لذة الدنيا وزينتها، فأعطى وأهدى وتصدّق في وجوه الخير والبر، وبلغ من كرمه أن لا يرد سائلاً ما طلبه، بل يعطي تفضلاً بلا سؤال ولا يتبعه بالمنّ والأذى، عطاءً سمحت به نفسه، وجادت به يمينه، ورضيه بلا تردد، ناسباً الفضل كله لله وحده وأنه مجرد قاسم بين الناس حظوظهم.

                            تعوّد بسط الكف حتى لو أنه
                            ثناها لقبض لم تجبه أنامله

                            هو البحر من أي النواحي أتيته
                            فلجّته المعروف والجود ساحله

                            ولو لم يكن في كفه غير روحه
                            لجاد بها فليتق الله سائله(8)

                            فلا تعجب أن كان جديراً بأن يحضى بمودّة الناس وإعجابهم، وامتلاء قلوبهم من حبّه كما ملأ أيديهم من جوده، قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ .

                            وظلّ عطاؤه للمؤلفة قلوبهم في أول الأمر طمعاً في إسلامهم، قال أنس رضي الله عنه: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.(9)

                            ومن هنا نرى أثر النيّة الصالحة في طرح البركة في العطاء، والهبة، والصدقة، كم تثمر من الآثار الطيبة، والمعاني الخيّرة والأجور المدّخرة التي لا تبلغها لولا الإخلاص لله تعالى، وابتغاء مرضاته.



                            (1) صحيح مسلم ج4، ص1806.
                            (2) صحيح مسلم ج4، ص1806.
                            (3) صحيح مسلم ج4، ص1805.
                            (4) سورة القلم: 4.
                            (5) سورة الحاقة: 40.
                            (6) أنظر في هذا الموضوع: أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن (2/647).
                            (7) أعلام النبوة للماوردي (ص302).
                            (8) عزاه بن رجب في لطائف المعارف (ص195) لبعض الشعراء يمدح بها، قال: وما تصلح إلا أن تكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
                            (9) شرح النووي (15/72).


                            تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                            قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                            "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                            وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                            تعليق


                            • #29
                              بارك الله فيك اخى صباحو وجزاك كل خير
                              مشاء الله تبارك الله
                              لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الضالمين

                              تعليق


                              • #30




                                صدقه ومروءته صلى الله عليه وسلم



                                إذا كان الصدق خلقاً تدعو إليه الفطرة وتحبّذه – ولو لم يكنن هناك شرع يدعو إليه ويرغب فيه- فإن كل ذي فطرة سليمة يحافظ عليه ويلتزم به على كل أحواله.
                                وقد اشتهر بعض أشراف العرب بذلك قبل الإسلام لأغراض دنيوية، واعتبارات اجتماعية، فإذا عُلم من أحدهم كذباً سقط من اعتبارهم، وانتزعت الثقة منه، وباء بخسارة تجارته وانتقاص منزلته.
                                أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد تحقق فيه خلق الصدق والمروءة بأبهى صورها منذ بزوغ نجمه، ونعومة أظفاره، واطراد شبابه، محبة له وقناعة بقيمته وحسن عاقبته، فما كان يعرف في قومه إلا بالصادق والأمين ولماً يوح إليه بعد.(1)
                                وحينما اختاره ربه تبارك وتعالى لتبليغ رسالته، وبيان شريعته، كان رسوخ الصدق في شمائله عظيماً والداعي إليه كبيراً، حيث كان من دلائل نبوته، وأمارات اصطفائه.
                                يؤكد ذلك قول الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(2) وقال تعالى: (قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم)(3).
                                فكانت رسالته هي الصدق كله والحق عينه، ويستحيل أن ينحرف لسانه أو يتطرق إلى منطقه وسلوكه حرف زور أو ميل وجور، ولذا فإن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن آفة الكذب عمداً أو سهواً واجبٌ بالدليل الشرعي، والعقلي، والبرهان السابغ والإجماع.
                                إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة، رسالة دائمة على ممر الزمان ويستحيل عقلاً وواقعاً تواتر العمل بها واستمرائها من غير مقومات راسخة ودعائم متينة من الصدق الذي لا تحريف فيه ولا كذب في نقل الخبر وبيان الأثر.
                                فالثبات والاستمرارية يتطلبان ضرورة وجود العصمة في نقل الأخبار حتى تتلقاه الأمة، ويستقر تعلقه في الذمّة.(4)
                                ولقد كانت هيئة النبي صلى الله عليه وسلم وقسماته النيرة شاهداً آخر على مبلغ مكانته من الصدق، في الجد والهزل، والقول والفعل، وأنه الصادق المصدق، كما ثبت من الحبر عبدالله بن سلام (رضي الله عنه) الذي ما إن رأى النبي صلى الله عليه وسلم حتى استيقن صدقه وعرف أن وجهه ليس بكذّاب، وأعلن إسلامه وتبرأ من كيد اليهود وتكذيبها وعنادها.
                                وأجاد عبد الله بن رواحة حين قال:

                                لو لم تكن فيه آيات مبينة
                                كانت بديهته تنبيك بالخبر(5)

                                وكانت شهادة زوجه خديجة (رضي الله عنها) في أوائل نبوته وبدء نزول الوحي عليه بالصدق المعهود والمروءة التامة من دلائل اصطفاء الله له، وبشائر إرادة الخير له، وحفظه من كل سوء، قالت: "أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبداً، فو الله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث...".(6)
                                فهذه شهادة من خبر أخلاقه، وسبر أحواله، وعرف سيرته ولا ينبئك مثل خبير.
                                قال الكاتب المستشرق الانجليزي (Heg Wells): "إن من أرفع الأدلة على صدق محمد كون أهله وأقرب الناس إليه يؤمنون به، فقد كانوا مطلعين على أسراره، ولو شكّوا في صدقه لما آمنوا به."(7)




                                (1) يبنظر: أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة (1/412).
                                (2) سورة النجم، الآية: 3-4.
                                (3) سورة النساء، الآية: 170.
                                (4) ينظر: شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم ص480.
                                (5) أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة (1/412).
                                (6) متفق عليه.
                                (7) الإسلام والرسول في نظر منصفي الشرق والغرب (ص132).

                                تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                                قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                                "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                                وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                                تعليق

                                يعمل...
                                X