• نذكر الجميع من أن الغاية في انشاء هذا المنتدى هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر توعية الاخوان الباحثين عن الركاز بتقديم المساعده لهم من خلال هذا المنتدى بالعلم الحقيقي للأشارات و الرموز المؤدية لأماكن الكنوز المخبأة بعيدآ عن المساكن الأثرية التي كانوا يسكوننها ذالك لمنع ظاهرة التعدي على المباني الاثرية وتخريبها التي لايوجد بها اي كنوز فالكنوز تكون خارج المباني وان كانت موجوده فقد تم استخرجها من قبل الدوله العثمانية التي كانت تهتم باخراج اي كنوز في اي بلد كان تحت حكمها اهدفنا المحافظه على جميع المباني الأثرية لتكون رمز لبلادنا و فخر لنا امام العالم و الحفاظ على الاثار والبحث عن الدفائن و طلب الرزق في الاماكن التي تكون خارج مساكن القدماء
  • إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.

    الحضارة اليهودية .... حضارة بدون تاريخ، وشعب بلا

    تقليص
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • الحضارة اليهودية .... حضارة بدون تاريخ، وشعب بلا

      الحضارة اليهودية
      حضارة بدون تاريخ، وشعب بلا ارض


      ان لمحة صغيرة لتاريخ العلوم الصغير نسبيا (بضعة مئات من السنين)، يعطي الباحث نظرة معبرة على الطريق التي سلكتها تلك العلوم وصولا الى يومنا هذا. ان علمي التاريخ والأركيولوجيا خطوا خطوات عملاقة، في مسيرتهما القصيرة، كانا ولا يزالا بيضة الميزان في الحفاظ على توازن منطقي تسلسلي في كتابة التاريخ العلمي، ومعالجة كل الأحداث التاريخية التي حصلت، لتأريخها بمنطق رصين. ان تلك المئات القليلة من السنين لتلك العلوم أخرج العقل البشري من مجاهل تلك السيطرة المسطحة الأحادي الإتجاه "الدين دائما على حق"، ووضعه في مكان افضل نسبيا (حتى الآن)، في مستوى المنطق العلمي المنفتح الى حد ما على كل الإحتمالات.



      حتى خمسينيات القرن الماضي، كان هناك فلكين تدور حولهما كل العلوم الإنسانية، انه الفلك اليهودي بشقيه العسكري والديني، عمر الكون 4000 سنة منذ الخلق، ولا شيىء ممكن ان يحدث قبل ذلك، وسيطرة هذا الشعب بطريقة او بأخرى بكل مفاصل الأحداث التي حدثت في تلك الـ 4000 سنة، وتصوير الموقف كالتالي:

      لا يمكن لتلك الأحداث ان تحدث لولا هذا الوجود الجوهري، وهم اي اليهود اصل الشعوب بأكملها لذلك لا يمكن ان توجد امة او مملكة او امبرطوية على وجه الأرض من دون ان تكون متحدرة من هذا الشعب العظيم، بكلمة واحدة "لا يهود، لا انسانية ولا تطور ولا مجتمعات ولا فنون ولا اي شيىء على الإطلاق".


      الفلك الثاني: الفلك العقلي والحضاري المتمثل بالإغريقي- اليوناني- الروماني ومن بعده الأوروبي، اي ان اليهودي بعد ان انحدر استلمت تلك الحضارة من بعدهم الى ان وصلنا الى يومنا هذا، وكل شعب آخر ليس سوى "غويم"، كلاب، برابرة، متخلفون.

      تلك العقليتين صبغا العلوم بكل الوانها، الى ان بدأت الأرض نفسها تتلفظ بالحقيقة الأخرى، فخرجت أوغاريت من تحت الأرض، وتبعتها أيبلا، ثم قمران لتضع هذين الفلكين تحت المجهر العلمي الأركيولوجي التاريخي الدقيق، وتغرق العلوم الإنسانية كافة بكم هائل من المعطيات الجديدة كليا والمختلفة اختلافا جذريا عما كان يقال او يعلـّم لمئات من السنوات، ويقلب المنطق العلمي التقليدي الى آخر جديد غير اعتيادي. وانتهى القرن الماضي معاكسا عما بدأ به، فقد تم القضاء نهائيا على ما كان يدعى بالعظمة اليهودية إن من الناحية الإجتماعية او الحضارية، فلم بجدو اي من الأخبار البطولية التي كانوا يتغنون بها، وصنفوها بخانة الخرافات الشعبية على اقرب تقدير، وتخلوا نهائيا على ما كان فيما مضى بالديانة اليهودية، لأن المعطيات الجديدة ثبّتت انتمائها الى غيرها من الحضارات، وما كان فيما مضى معروفا بأم الحضارات العقلية والفلسفية وأقصد الحضارة الإغريقية اليونانية الرومانية، انتهى القرن بها قزمة صغيرة متخلفة امام العظمة الفينيقية والكنعانية في كل النواحي، وما كان بناء واختراعا ونبوغ اغريقي ويوناني فما مضى، عاد الى ذويه ومخترعيه وبنائيه، فهذا بيتاغور (وليس بيتاغوراس) وهذا موخ (وليس موخوس)، وهذا ادون (وليس أدونيس) وزينون وسنخونياتون كلهم عادوا الى فينيقيتهم، انهم فينيقيون- كنعانيون- ايليون، يتبعون خطى الههم "ايل" ووصيته الواحدة: ازرعوا في الارض سلاما، واكثروا من الحب بين الحقول..

      ان هذا الفجر الجديد في العلوم التاريخية والأركيولوجية يتحتم علينا مراجعة جذرية دقيقة، لكل تلك المعطيات، وفي كل الأحوال انها نظرة جديدة غير عادية تحمل في طياتها مسلمات جديدة جدا، مختلفة كليا عما كان سابقا، وتلك النظرة الجديدة لها تداعياتها الكثيرة والكبيرة جدا على كل الأصعدة بدأ من النواحي الإجتماعية وصولا الى النظرة اللاهوتية التي كانت العلوم في نسختها القديمة تتغنى بها.


      وبعد، ان القرن الجديد، وهو في الوقت ذاته الألفية الثالثة، ستكون بدون شك، الفية "أيل الجديد"، وعبّاده الإيليين الفينيقيين والكنعانيين


      يتبع


    • #2
      الحلقة الثانية
      البحث عن اسرائيل
      ان التحدث عن الكتاب المقدس في مطلع القرن العشرين كان نوعا من المحرمات، مع ان الكنيسة الكاثوليكية كانت قد اصدرت بيانا تقول فيها ان الكتاب المقدس ليس كتابا تاريخي تسلسلي بالمعنى المحدد للكلمة. انما هو كتاب ديني يتناول النواحي الدنيوية من زاوية روحية، نقلا عن تقاليد شفهية تناقلتها الأجيال السابقة منذ القدم.

      ان التكلم عن تاريخ الشعب اليهودي منذ نشأته الى اليوم، بأي طريقة كانت، لا تزال نوعا من المحرمات بالنسبة للشعب العادي، اما في الوسط العلمي فالوضع مختلف، لأن الكتاب المقدس هو تحت ضوء التحليل العلمي منذ مطلع القرن السابق حتى يومنا هذا، وقد اصبح هناك نوع من رأي واحد في ما يخص البحث الأركيولوجي والتاريخي والديني العقائدي. ان هذا التدخل العلمي الرصين وضع الكثير من نقاط الإستفهام نحو الشعب ذاته، اي الشعب اليهودي، وذلك من ناحية البنية الإجتماعية، والسياسية والعسكرية التي اشتهر فيها هذا الشعب من خلال اخبار التوراة، والتي- كما وصفها العلماء- بالغت كثيرا في وصفها للملاحم البطولية والمقاومات العسكرية والإثنية الشرسة التي تعرّض لها وخرج منتصرا. كل تلك الأقاويل والأحداث تغيرت تغييرا جزريا عندما وضعت تحت المجهر العلمي، وقد خرج معظم نتائح تلك الأبحاث الى العلن، في اواخر التسعينيات.

      ولكن تداعيات تلك الأبحاث لم تتابع، اي التداعيات التاريخية والإجتماعية.


      ماذا تقول لنا علوم الأركيولوجيا اليوم عن الشعب اليهودي

      لا يزال المبدأ العلمي مقيدا للغاية "بالكلاسيكية العلمية" كما وصفنا ذلك في مقدمتنا، ولكن عندما خرج بعض العلماء عن كلاسيكيتهم، وقابلوا البراهين التاريخية بالإكتشافات الأركيولوجية المتوفرة، وعالجوا كل اكتشاف على حدة، وحاولوا وضعه في "مكانه" و "زمانه" الصحيح حسب قول الكتاب ظهرت المشكلة، حتى ان اكثر العلماء انحيازا للكلاسيكية، واقصد العالم البرايت، اظهر بعض الشكوك التي لم يجد لها مخرج علمي لائق لها. لكن الكثير من العلماء وعلى رأسهم كايت وايتلام وطوماس طومسون وزئيف هرتسوغ وفانكلشتاين وغيرهم، اخذوا تلك الإكتشافات الجديدة، وقولبوها وقابلوها مع آخر النتائج في علوم الأركيولوجيا والتاريخ، في البدء ظهرت بعض الفوارق الذي سرعان ما تحول الى انشقاق عامودي في الوسط العلمي بين مؤيد ومعارض، وقد وصلت تلك الإنشقاقات الى اوجها في اواخر القرن الماضي، فأصبحت الصورة واضحة وجلية، ونوقشت تلك النتائج لجولات وجولات ولكن النتيجة ظلت ذاتها، لكنها صاعقة من النواحي العلمية الأركيولوجية والتاريخية والجغرافية والبنية الإجتماعية والحضارية وايضا اللاهوتية والدينية والعقائدية



      تعليق


      • #3
        الحلقة الثالثة

        مقارنة واقعية

        ان رحلة الكتاب المقدس تأخذك من التكوين حيث تقول التوراة ان الله خلق السماوات والأرض وكل شيئ في 5 ايام وخلق الإنسان في اليوم السادس، ذكرا وانثى في الفردوس واتراح في اليوم السابع. وكان كل شيئ كاملا، ثم كانت الخطيئة ثم النفي من الفردوس جراء تلك الخطيئة. ثم القتل الأول مع قايين وهابيل، ثم انتشار العالم ابتداء من اليهود وامتداد الخطيئة ثم الخلاص مع نوح اليهودي من الطوفان، والبدء من جديد وامتداد الخليقة اليهودية من جديد ثم عصر الآباء الأولين- ابراهيم واسحق ويعقوب واسماعيل (والواضح من ذلك جعل جميع الحضارات "تابعة لليهود" من مسيحيين ومسلمين طبعا حسب منطق "المسيح اليهودي" وهو طبعا ليس بيهوديا)، ومن ثم الجفاف ثم الذهاب الى مصر والوقوع تحت العبودية المصرية، ثم الخلاص من جديد مع موسى وهارون والخروج ثم اجتياح بلاد كنعان، وبعد ذلك عصر يشوع والملوك من بعده وحربهم مع السكان الأصليين والإمتداد الديني والعسكري، ثم مملكة شاوول، والخلاص من جديد مع مملكة داود وبطولاته ومزاميره وابنه سليمان وحكمته العجائبية ومملكته من النيل الى الفرات والعصر الذهبي، وبناء الهيكل، وصولا الى يهوذا ثم السبي ثم الخلاص من السبي وأخيرا وصولا الى المسيح (ليس مسيحا عند اليهود)، ولا يزال اليهود ينتظرون من يعيد الملك الى داوود.



        قصة جميلة، لقد حاول العلماء والمفكرين عبر مختلف العصور، اقناع بعضهم بصحة تلك الأحداث، وكتبت مئات الآلاف من الكتب، وحدثت حروب عظيمة، وحاول رجال الدين بشتى الوسائل اقناع العالم بذلك إن بالقمع او بالحرق ومحاكم التفتيش، لكن لا بد في النهاية من ان تعلن الحقائق، لست اقول بأن كل شيئ اصبح جليا، لكن إعلان الكنيسة الشهير بأن الكتاب المقدس ليس كتاب علمي، بالمعنى التسلسلي وترابط الأفكار والأحداث بطريقة علمية، كان البداية التي شجعت العلماء بأن يخوض مغامرة صدقية التاريخية العلمية للكتاب.

        حاول علماء التاريخ والأركيولوجيا ان يضعوا جانبا بعض الأقسام النافرة من الناحية العلمية، والذي ثبت عدم صحته مثل التكوين في 7 ايام وغيرها، وكان السبب ان تلك الأقسام هي من مخيلة الناسخ وان الأحداث التاريخية هي التي يجب البحث بها، فانصبوا على دراسة الفترة الممتدة من عصر الآباء: "ابراهيم واسحق ويعقوب" حتى يومنا هذا، وذلك لكثرة المصادر والمراجع من الحضارات المجاورة، والذي يسهل عملية البحث.

        كان كل شيئ يسير على ما يرام فكل المدن المذكورة بدأت بالظهور من تحت التراب الواحدة تلو الأخرى، بدأت تظهر بعض المغالطات التاريخية، ثم تعقدت الامور كثيرا بعد ان بدأت تظهر النتائج العلمية الأركيولوجية والتاريخية.

        لقد قرأنا الكثير من الكتب المتعلقة بإسرائيل اليهودية والدراسات المتعلقة بالتوراة من بداية القرن الماضي حتى نهايته، ولكن كل تلك النظريات ثبت في كثير من الأوقات عدم صدقيتها، وذهب البعض الى رفضها كليا من الزاوية العلمية، لذلك ركزنا في كتابنا هذا على النتائج صدرت في العشرين سنة الأخيرة، وذلك بعد ان اشتد وحمى النقاش بعد صدور كتابين غيرا النظرية التقليدية بإسرائيل التوراة، ووضعوا حدا لكل التأويلات في صحة او عدم صحة الكثير من تلك القصص الموجودة في التوراة. هذين الكتابين هما للباحث والمؤرخ الكبير "كايت وايتلام" في كتابه "اختلاق اسرائيل القديمة، واسكات التاريخ الفلسطيني"، بالحجم الهائل للبراهين والأدلة والمراجع والمصادر التي ذكرها، وقد عالج كل تلك المسائل التوراتية بطريقة تأريخية ملفتة ذاكرا النقاشات التي حدثت في القرن الماضي في ما يخص اسرائيل اليهودية والتوراة، والكتاب الآخر هو للبروفيسور طوماس طومسون في سلسلة كتبه واذكر اشهرهم كتاب "الماضي الخرافي: التوراة والتاريخ" اختصر فيها 60 عاما من الأبحاث الأركيولوجية والتاريخية والدينية واللاهوتية والعسكرية وحتى المناخية لكل من بحث في اسرائيل التوراة او الشعب الفلسطيني، فكانت النتائج كارثية، وما اكد الأمر ظهور العالم والبروفيسور زئيف هيرتسيغ من جامعة تل ابيب في سلسلة من المقالات ليؤكد ما سبق ان قاله من سبقه، مستندا الى 40 عاما من الأبحاث والحفريات.



        البروفيسور طوماس طومسون

        نقرأ من كتاب طومسون ما يلي: "... لقد ادى الإنهماك الطويل للدراسات الكتابية بمسألة الأصول الى تشويهات كثيرة بفهمنا للتراث. اليوم لم يعد لدينا تاريخ لإسرائيل. لم تتحول قصة آدم وحواء وقصة الطوفان، الى خرافة فحسب، بل لم يعد بإمكاننا ان نتحدث عن زمن الآباء الأولين. لم يكن ثمة "مملكة متحدة" في التاريخ ولم يعد هناك معنى من الكلام عن انبياء ما قبل السبي وكتاباتهم. فتاريخ فلسطين العصر الحديدي لا يعرف اليوم عن اسرائيل اي شيئ، الا بوصفها محمية صغيرة من المرتفعات تقع شمال اورشليم وجنوب وادي يزرعئيل. ولم يكن ليهوه ذاك، الإله المهيمن في عبادة شعب اسرائيل، علاقة كبيرة بفهم الكتاب بالرب. ان اي تاريخ نكتبه عن هذا الشعب لا يشبه إلا بشق النفس اسرائيل التي كنا نظن اننا نعرف الكثير عنها منذ سنوات قليلة فقط. وحتى هذا القليل بالكاد سيفتح لنا اصول "الكتاب" في التاريخ. ان تأريخنا للتراث الكتابي قد انقلب رأسا على عقب. فما نعرفه ليس سوى كتاب هلنستي: انه تحديدا ما نبدأ بقراءته لأول مرة في النصوص التي عثر عليها في مخطوطات البحر الميت قرب قمران
        اما في ما يخص فهمنا للحالة العلمية الجديدة للشرق الأوسط فنقرأ في طومسون: "... لقد تجاوز التراكم المحض للمعطيات المفيدة للمؤرخين من اللقى والنصوص في التنقيبات الأثرية امكانية التلخيص. فالنمو في معرفة ما واستخدام حقول معرفية، كعلم الإجتماع، وعلم الإناسة، والإقتصاد، والجغرافيا، واللسانيات التاريخية، والأدب المقارن، قد وصل الى درجة صار فيها الشرق الأدنى القديم، في كل من تاريخه وادبه، يتطلب مراجعات كبرى لكل فروع فهمنا التاريخي. وحتى الأعمال المكتوبة في عهد قريب في منتصف الثمانينيات بالكاد تعكس التغيرات في فهمنا لتاريخ فلسطين واسرائيل الذي يسلم فيه جدلا معظم الباحثين الآن. لم تعد استنتاجات اولائك الذين ثقفوا الجيل الحالي وشكلوا الأساس تقريبا لكل الكتب المؤلفة حاليا حول الآثاريات و "الكتاب" مقبولة او مرضية لديهم. ان سعيهم لتوحيد الآثاريات الفلسطينية والبحث الكتابي ودراسات الشرق الأدنى القديم في توليفه شاملة قد دحض من حيث المبدأ والتفصيل. وهذا ما ترك الحقل بأسس غير ثابتة. لقد وجدت اغلاط كبرى في كل حقول البحث ذات الصلة. فالمراجعة والتغيير في كل مناهجنا مطلوبان.

        كان لنجاح المناهج التاريخية، التي تحقق في منتصف الثمانينيات، تأثيرات عميقة على الطريقة التي نكتب تاريخ فلسطين القديمة اليوم. علاوة على ذلك، فإنه قد بدل بشكل جوهري فهمنا مكانة "الكتاب في التاريخ. فحكايات "الكتاب" تشبه كثيرا كتابات قديمة اخرى قامت بجميع التراثات القصصية للعالم القديم: من مصر، وبلاد ما بين النهرين وفينيقيا. سواء كنا نتحدث عن هيرودوت الكاتب الإغريقي في القرن السادس قبل الميلاد، الذي يعتبره كثيرون بمثابة المؤرخ الاول للعالم الغربي، او الكاتب اليهودي يوسيفوس الذي جاء بعده بأكثر من ستة قرون، او مؤلفي الحكايات الكتابية، من سفر التكوين الى سفر الملوك الثاني، وسفر الأخبار الى عزرا ونحميا، او سفري المكابيين الأول والثاني، فإن هذه المجموعات من القصص القديمة والحكايات الأسطورية لا تمدنا بالأدلة على التاريخ، كما اعتقدت الآثاريات الكتابية طويلا وأملت في اثباته. اذا كنا اليوم لا نملك اي تاريخ قابل للحياة لأجل ما اعتدنا على تسميته "اسرائيل" فثمة اسباب وجيهة لعدم امتلاكنا واحدا. ان كتابة التاريخ تحاول شرح ادلة الماضي التي نجت، وتشرع في إضافة الوضوح والتماسك على ما نعرفه حول الماضي. على كل، اذا كانت معرفتنا متشظية، او غير مؤكدة او غير موجودة، فيجب على تاريخنا ان يأخذ هذا الجهل في الحسبان...


        تعليق


        • #4
          هذا بيان صادر من بروفيسور في العلوم الأركيولوجية، وهو تفصيل علمي دقيق لما يمكن ان تصير اليه تواريخ المنطقة من تغيير جزري في الصورة والمضمون، ولمعالجة التداعيات لتلك التغييرات الجزرية وما يمكن ان يصدر من تاريخ جديد يعبر اكثر عن حالة المنطقة التاريخية والجغرافية في كثير من الإتجاهات الإجتماعية والحضارية. إحدى تلك التداعيات مثلا ما اورده طومسون ذاته: ... في الإجمال، ان فلسطين تفتقر الى النصوص العائدة الى مراحل سابقة للعهد الهيلينستي، ولا تملك شيئا من ثروة مصر او بلاد ما بين النهرين او تعقيدهما. وهذا ينطبق بشكل خاص على فترة العصر الحديدي التي كانت فيها اولى دولتي اسرائيل ويهوذا. علاوة على ذلك، فإن فلسطين، وكما سنرى، لم تتطوّر ابدا الى سلطة سياسية تمتلك اهمية دولية كبيرة. وكانت دائما مقسمة الى مناطقها الصغيرة العديدة حيث لم تطوّر ابدا تاريخا مشتركا، الا عندما كانت محكومة بقوة من الخارج، كمصر واشور وبابل. لم يكن لها الا نادرا الثقافة العالمية، كما يعبر عنها في الفن، والعمارة، والأدب والمهرجانات. وما نجا من الإندثار في جله، اما اجنبي الأصل او مستمد من فينيقيا على الساحل السوري، خلاصة الكلام، ان فلسطين ظلت على الدوام الملحق الجنوبي لسورية من الناحيتين الثقافية والفكرية...

          ... لكن احدى اشياء "الكتاب" التي تكاد تكون غير موجودة ابدا هي "التاريخية القصدية": انه لا يشاركنا اهتمامنا نحن. الكتاب يستخدم في بعض الأحيان، معطيات ملتقطة من نصوص او سجلات قديمة. وهو غالبا ما يشير الى شخصيات عظيمة واحداث من الماضي... الكتاب لا يعرف شيئا تقريبا عن معظم الأحداث العظيمة المحوّلة لتاريخ فلسطين... هو يكاد لا يعرف شيئا عن الجفافات الكبيرة التي غيّرت مسار عالم فلسطين لقرون، وهو جاهل بالقدر ذاته، المعارك التاريخية الكبيرة في المنطقة التي حدثت في مجدو ولكيش وقادش... السبب في ذلك بسيط. فلغة الكتاب ليست لغة تاريخية. انها لغة ادب رفيع، لغة قصة، لغة موعظة ولغة انشودة. انها اداة فلسفية ودرس اخلاقي...

          تحت عنوان الواقعية الساذجة، يكمل طومسون قوله: ... ان عالم الكتاب لا ينتمي الى حقل علماء الآثار، اذ لم يتم العثور عليه في اي موقع اثري، ولا حتى في اريحا او مجدّو، بالطبع كان هناك اسرائيل ما، فالإسم نفسه مستخدم في نهاية العصر البرونزي المتأخر على نصب تذكاري مصري للإشارة الى شعب كنعان الذي قاتله حملة الفرعون مرنبتاح العسكرية الى فلسطين. ولكنها لست اسرائيل التي يتداولها الكتاب (بالطبع سنتكلم لاحقا عن هذه الإسرائيل).

          ... ان آباء سفر التكوين لم يكونوا تاريخيين. فالجزم بأن "اسرائيل كان قبل ذلك شعبا قبل دخول فلسطين، سواء في هذه القصص ام في قصص يشوع، ليس له اساس تاريخي. فلا وجود لحملة عسكرية ضخمة من الإسرائليين البدو الغزاة، غزت فلسطين ابدا. لم يكن اي سكان "كنعانيين" متميزين اثنيا ازاحهم الإسرائليون. لم يوجد عهد القضاة في التاريخ. لم يكن ثمة امبرطورية حكمت (مملكة متحدة) من اورشليم. لم توجد ابدا اية امة "اسرائيلية" متجانسة اثنيا على الإطلاق.

          وإذا استشهدنا بالمؤرخ هيوز Hughes (96: 1990) نسأل معه: ... اين تنتهي الأسطورة ويبدأ التاريخ؟ فيما يتعلق بالتوراة العبرية، كما تمت الإشارة اليه بشكل متكرر، لا يوجد تفريق واضح بين سفر التكوين Genesis (1- 11) وما يليه، حتى نهاية الكتاب المقدس او حتى نهاية جزء الملوك 2. هكذا نستنتج ان التسلسل الزمني في سفري القضاة وصموئيل هو خيال محض اخترعه اليهود في المنفي لكي يمدونا بمشروع تاريخ عمره 1000 سنة يغطي تاريخ وجود اسرائيل في ارض كنعان...

          ويذهب العالم ليتش Leach (10: 1983) الى ابعد من ذلك: ... انني شخصيا اجد تلك الأفكار غير قابلة للتصديق الى حد بعيد. لا توجد اي آثار تدل على وجود هؤلاء الأبطال او حدوث اي من الأحداث المرتبطة بهم. لو لم تكن تلك القصص مقدسة لكنا رفضناها تماما من الناحية التاريخية...

          ان تلك الآراء المتقدمة لم يكن من السهل التكلم بها حتى وقت قليل، فالعارفون بجوانب هذا الموضوع الحساس يعرفون ان الكثيريم من هؤلاء العلماء قد اختبروا الإرهاب الفكري والأكاديمي وصولا الى التهديد بالفصل من عمله ومن لم يهدأ من هؤلاء العلماء، هدد بالإغتيال الجسدي. تكلم في هذا الموضوع كل من لمكة وفنكلشتاين، الذين تعرضوا الى كل انواع الضغط في العمل، وطوماس طومسون الذي تعرض لحرب ضروس بسبب آراءه المعارضة للتوراتيين التقليديين. فقد طرد البروفيسور طومسون استاذ علم الآثار في جامعة "ماركويت" من منصبه في العام 1992، بسبب ابحاثه ان مجموع التاريخ اليهودي الذي يستند الى قصص العهد القديم هي من صنع الخيال. اما البروفيسور زئيف هيرتسيغ فيقول انه تعرض مرات عديدة لضغوط وصلت الى حد التهديد بالإغتيال الجسدي.

          يخبرنا البروفيسور زئيف هرتسيغ، المسؤول عن قسم الأركيولوجيا في جامعة تل ابيب، خلاصة اعماله في مقالات، سنحاول تلخيص بعض جوانبها لما تحتويه من مواد صاعقة وهو العالم اليهودي في عاصمة اسرائيل اليوم: ... من العسير تقبل ذلك، ولكن من الواضح للباحثين اليوم ان شعب اسرائيل لم يقم في مصر، ولم يته في الصحراء، ولم يحتل البلاد بحملة عسكرية ولم يورثها لاثني عشر سبطا اسرائيليا. كذلك أصعب من هذ أن نستوعب حقيقة تتبدى وهي ان المملكة الموحدة لداوود وسليمان، الموصوفة في التوراة كقوة عظمى اقليمية، كانت في أفضل الاحوال مملكة قبلية صغيرة. وعلاوة على ذلك، من الممكن ان ينتاب القلق كل من سيضطر للعيش مع فكرة أن يهوه، اله اسرائيل كانت لديه زوجة، وان الدين الاسرائيلي الأقدم تبنى الوحدانية فقط في هوامش عهد الملوك، وليس على جبل سيناء... وكإبن للشعب اليهودي، وكتلميذ للمدرسة التوراتية، فانني أدرك عمق الاحباط النابع من الفجوة بين التوقعات واثبات التوراة كمصدر تاريخي وبين الوقائع المكتشفة على الأرض...


          البروفيسور زئيف هرتسيغ

          ... وقد خبرت هذه التجربة "على لحمي" وأنا أفحص، أنتقد وأوضح أولا وقبل كل شيء تفسيراتي واستخلاصاتي السابقة، الى جانب انتقاد وتفسير اعمال نظرائي بشكل مجدد... وكان الدافع الأساس للأبحاث الآثارية في أرض اسرائيل دافعا دينيا، وهو يتعلق بإرتباط هذه الارض بالكتب المقدسة. وقامت مدرسة انتقاد التوراة، والتي نشأت في المانيا ابتداء من النصف الثاني للقرن التاسع عشر، بالتشكيك في تاريخية القصص التوراتية وإدعت ان التوصيف التاريخي التوراتي صيغ، وبقدر كبير أختلق في ايام النفي البابلي.

          وقال الباحثون في التوراة ، وخصوصا الالمان منهم، ان تاريخ شعب اسرائيل كاستمرار احداث، بدءا من أيام ابراهيم، اسحق ويعقوب، مرورا بالهجرة الى مصر، والاستعباد، والخروج من مصر وانتهاء باحتلال البلاد واستيطان أسباط اسرائيل- ليست الا استذكارا متأخرا للماضي، ذا هدف ديني...

          تعليق


          • #5
            وكان اولبرايت يؤمن ان التوراة هي وثيقة تاريخية، وانها تعرضت لبعض التحرير، ولكنها ظلت في أساسها تعبر عن الواقع القديم. وكان على قناعة بأنه اذا تم الكشف عن الأطلال القديمة في البلاد، فان ذلك سيوفر برهانا قاطعا على الصدقية التاريخية للأحداث المتعلقة بشعب اسرائيل في أرضه. وقاد علم الآثار التوراتي الذي تطور بعد اولبريت وتلاميذه الى إجراء حفريات واسعة في الوديان التوراتية الهامة: مجيدو، لخيش، جيزر، نابلس، أريحا، القدس، هعي، جبعون، بيسان، بيت شيمش، حاتسور، تعناخ وسواها... وتدريجيا بدأت تظهر الثغرات في الصورة. وبشكل مفارقة نشأ وضع بدأت فيه الاكتشافات الكثيرة تقوض المصداقية التاريخية للوصف التوراتي، بدلا من ان تـُعَزِزَهُ. وبدأت مرحلة الأزمة. وهي مرحلة لا تستطيع فيها النظريات ان تحل العدد المتزايد من المجاهيل، وغدت التفسيرات معقدة وغير لبقة، فتشوشت الصورة وتبين انها غير قابلة للاكتمال... ولم يتم في الحفريات اكتشاف أي شهادة يمكن ان تؤكد هذا التسلسل التاريخي. وقد زعم اولبرايت في مطلع الستينات انه يمكن مقارنة فترة ترحال ابراهيم بالعهد البرونزي (أي القرن العشرين- الثاني والعشرين قبل الميلاد ). ولكن بنيامين ميزار، أب الفرع الاسرائيلي من علم الآثار التوراتي اقترح ان يتم تشخيص الخلفية التاريخية لعهد الآباء بألف سنة بعد ذلك، أي بالقرن الحادي عشر قبل الميلاد، أي في اثناء "فترة الاستيطان" ولكن آخرين رفضوا تاريخية هذه القصص ورأوا فيها مجرد أساطير عن الآباء رويت في مملكة يهودا... ويتفق معظم المؤرخين اليوم على انه في أفضل الحالات، فان المكوث في مصر والخروج منها كان من فعل عائلات قليلة وقد تمت عملية توسيع لقصتها الخاصة و"أممت" لأغراض الأيديولوجيا الدينية....



            ... ان أحد الأسس المبلورة لشعب اسرائيل في التوصيف التاريخي التوراتي هي قصة احتلال البلاد من الكنعانيين. وهنا تتبدى المصاعب الأخطر وتحديدا عند محاولة اكتشاف القرائن الأثرية لقصص التوراة عن احتلال البلاد بأيدي بني اسرائيل. فالحفريات المتكررة التي أجرتها بعثات مختلفة في أريحا وفي العَيّ- المدينتان اللتان يذكر وصف احتلالهما بالتفصيل الدقيق في سفر يهوشع- خيبت الآمال جدا. فرغم مساعي الباحثين تبين انه في أواخر القرن الثالث عشر ، في نهاية العهد البرونزي المتأخر، وفي الفترة المتفق على انها فترة الاحتلال، لم يتم العثور أبدا في هذين الموقعين على أي أثر لمدينة وبالتالي لم تكن هناك أسوار يمكن هدمها... بوضوح فان الاكتشافات الأثرية تناقض الصورة التوراتية. فمدن كنعان لم تكن هائلة، ولم تكن حصينة ورأسها لم يكن في السماء. وبطولة المحتلين، القلة مقابل الكثرة، ومآثر اله اسرائيل الذي حارب الى جانب شعبه هي استذكار ديني ليس له أي أساس واقعي...



            يبدو لي انه ليس هناك اليوم مؤيدون للنموذج التوراتي لـ"الاحتلال العسكري". وقلة من الباحثين لا زالت تتمسك بالرأي القائل ان الاسرائيليين كانوا بدوا وصلوا من شرقي الأردن واستوطنوا ضمن عملية "استيطان هادىء" مناطق الجبل (وهي النظرية التي طورها باحثون ألمان). اما الباحثان الاميركيان جورج مندنهول ونورمان غوتفالد فقد طورا "النظرية الاجتماعية". وتقضي هذه النظرية بأن المستوطنين الجدد هم كنعانيون من سكان القرى في منطقة الساحل، ضجروا من استبداد ملوكهم. وقد تمرد الفلاحون وتركوا الممالك الساحلية في السهول واستوطنوا منطقة الجبل، التي لم تكن مأهولة قبل ذلك...

            ... من هنا فان المملكة الموحدة الكبيرة هي انتاج توصيف تاريخي خيالي جرى تأليفه في أواخر أيام مملكة يهودا كأقصى حد وربما ان الاثبات الحاسم على ذلك هو حقيقة اننا لا نعرف اسم هذه المملكة... والى جانب الزوايا التاريخية والسياسية تثار ايضا شكوك بشأن مصداقية المعطيات حول الايمان والعبادة. فالنظريات حول الايمان المتأخر بالوحدانية في ممالك اسرائيل ويهودا تلقت دعما مع اكتشاف كتابات باللغة العبرية القديمة تذكر زوجا من الآلهة: يهوه وزوجته. وفي موقعين، كونتيلا عجرود في جنوب جبل النقب وبحر الكوم في وادي يهودا، تم الكشف عن كتابات بالعبرية تذكر "يهوه أشرتا"، "يهوه شمران واشراتا"، "يهوه اليمن واشراتو". وقد افصحت هذه الكتابات عن زوج من الآلهة: يهوه وزوجته اشراه، وتبريكات باسم زوج الآلهة . وتعود هذه الكتابات الى القرن الثامن قبل الميلاد ، وهي تؤكد الافتراض بأن الوحدانية ايضا، كدين رسمي، ليست الا تجديدا في أواخر عهد مملكة يهودا، وبعد خراب مملكة اسرائيل

            تعليق


            • #6


              الحلقة الرابعة
              هل من اسس تاريخية لتلك القصص؟

              ان علم الأركيولوجيا والتاريخ، قد زوّد العلماء في القرنين الماضيين، بكميات هائلة من المعطيات الأركيولوجيا، التاريخية والجغرافية، لكل جزء من كوكبنا، والواضح والجلي بالنسبة لي على الأقل ان تلك المعطيات إن وضعت في موقعها الصحيح تستطيع ان تزوّدنا بلمحة عامة ونظرة جديدة يمكن ان تغيّر رؤيتنا الحالية الضيقة لكل حضارات الشرق الأوسط والأدنى. لا يزال هناك الكثير من المعطيات بحاجة الى الكثير من الجهد والوقت لتحقيق نوع من نظرة شاملة وموضوعية في الإتجاهات الصحيحة المجردة، وفي المقابل اصبح هناك الكثير من الحقائق والوقائع المثبتة أركيولوجيا من العلماء لكنها بحاجة فقط الى وضعها في موضعها الصحيح استنادا الى تلك المكتشفات الجديدة، كنظرتنا مثلا الى "مخطوطات قمران" او "مخطوطات البحر الميت" التي اكتشفت رسميا في منتصف القرن الماضي، تلك المخطوطات التي تضج "بأنبياء اليهود" كإرميا وأشعيا وحبقوق وغيرهم... كيف السبيل لمعرفة الحقيقة بين كل تلك المعطيات الثابتة العلمية الرصينة.


              لن ندخل في السجالات العقيمة التي كانت ولا تزال بين أخذ ورد حتى يومنا هذا، لا من البطىء في الترجمة او اسبابها، او الميوعة في دراسة تلك المخطوطات من قبل اللجنة المكلفة دراستها، ولن نتحدث عن "جون اليغرو" وتصريحاته وهو كان عضو في تلك اللجنة لفترة من الزمن، ولا عن الأخذ والرد التي حصلت بعد تلك التصريحات، وايضا لن نتحدث عن الأب ديفو" المسؤول عن اللجنة التي تدرس "مخطوطات البحر الميّت". بل سنقول بكل رصانة علمية، مدعومة بصف كبير من العماء والأركيولوجيين والتاريخيين، وعلماء الإجتماع، وعلماء الجغرافيا، سنقول انه إذا لم يكن هناك من "شعب يهودي" بالمعنى الإجتماعي والحضاري والعسكري للكلمة (وقد فندنا موفقنا هذا سابقا)، ولم يكن هناك من امبرطوريات عظيمة يهودية وجدت في التاريخ، فهل يمكن ان تلك الأخبار المذكورة في التوراة، من قصص للأنبياء قد أخِذت، سرقت وشوّهت ثم وضعت في إطارها اليهودي خدمة لحبكة القصة التي أريد منها ان تكون. هل يمكن ان يكون هؤلاء الأنبياء اسينيين، او فينيقيين، أوآراميين او كنعانيين، اقتلعوا من جذورهم وشوّهوا وحرفت اقوالهم، ليصبحوا في الزاوية اليهودية الضيقية.

              يخبرنا الكتاب المقدس ان اقدم مخطوطة للتوراة هي النسخة السبعينية، وهي كتبت بالعبرية القديمة واليونانية. وتعود لحوالي القرن الثالث او الرابع قبل الميلاد، وهي بشكل عام تتكلم عن موسى والأنبياء، لكن وعلى وقع المكتشفات والأبحاث الجديدة والتي ذكرناها سابقا، لا يمكن ان تكون صحيحة، اي ان تكون كتبت ونسخت من قبل كهنة يهود او "علماء" كما هم يزعمون، لكن اذا كان هذا صحيحا، اي انهم لم يكتبوا ما قالوا انهم كتبوه هم، فمن اين اتت تلك المخطوطات القديمة؟

              عندما كنت ابحث في مخطوطات البحر الميت قرأت من جملة ما قرأت عن هذا الموضوع كتاب لا يتحدث عن فحوى المخطوطات بشكل مباشر، بل يحدثنا ما حدث حول المخطوطات من مد وجزر عن كيفية اكتشاف تلك المخطوطات وما تلاها من اخبار.

              ان كتاب "اهل الكهف" للكاتبة اصالة العوري هو ما فتح لي الباب على مصراعيه للجواب على هذا السؤال الكبير. تحدثنا الكاتبة ص 31: "... يتحدث الأب والباحث التوراتي أوريجانوس Origens الذي قام بزيارة فلسطين في القرن الثالث للميلاد، عن اكتشاف مخطوط قديم كتب بالعبرية واليونانية في جرة بالقرب من اريحا. كما ادلى البطريرك النسطوري "طيموتاوس" بمعلومات مفصلة عن اكتشاف المخطوط، في ظروف قد تكون متطابقة الى حد كبير مع الظروف التي احاطت بالعثور على لفائف قمران!

              كتب البطريرك النسطوري الى صديقه اسقف عيلام "سرجيوس" رسالة الى القرن الثامن الميلادي، يقول فيها: "علمنا من يهود ثقاة بالعثور، قبل عدة سنوات، على كتب مخبأة بين الصخور بالقرب من اريحا... ويستطرد البطريرك في رسالته مضيفا: ولوجود عالم بينهم - اي اليهود - اطلع على تلك الكتب وتمعن بدراستها، قمت بسؤاله عن مقاطع كثيرة وردت في كتابنا المقدس بوصفها اقتباسا من "العهد القديم"، غير اننا لم نجدها في النسخ المتداولة حاليا، سواء بين المسيحيين، فأجابني العالم بقوله: انها موجودة ويمكنك رؤينها هناك في الكتب المكتشفة حديثا".

              تلك اشارة مذهلة بالفعل، تلمح الى وجود كتاب مقدس بالعبرية في العصور القديمة، يختلف عن العهد القديم المعترف به، والذي في حوذتنا الآن"...

              الا تصلح هذه القصة ان تكون المصدر الحقيقي للمخطوطة التي تدعى خطأ "بيهودية" وهي النسخة السبعينية؟

              والمعروف ان النص الآخر الركن من اركان التوراة هو النص المعروف بالمسوري وقد عثر عليه بطريقة غريبة مماثلة للنص الذي يقال عنه بالسبعيني.

              من النص الحرفي المنقول من مقدمة الكتاب المقدس - العهد القديم ص. 52 نقرأ ما يلي: "... تطلق عبارة النص المسوري على صيغة النص الرسمية التي قررت نهائيا في الدين اليهودي حوالي القرن العاشر بعد المسيح... واقدم مخطوط مسوري بين ايدينا نسخ فيما بين 820 - 850 بعد المسيح. اما نسخ الكتاب المقدس العبري الحالية، فهي منقولة عن النشرة التي صدرت في البندقية في السنة 1524 ميلادي..."

              1524 للميلاد؟؟!! انه البارحة من وجهة النظر التاريخية، هذا يذكرني بسلسلة من الكتب للكاتب ويليام غاي كار، الذي يصف بالتفاصيل القابلة للتثبت منها، كيف ان العقل اليهودي الصهيوني بدأ منذ ذلك الوقت بعملية غسيل للأدمغة بدأت من الترويج للمنطق اليهودي وما تلاها من المتاهات السوداء التي ادخلت العلوم جمعاء فيها التي مسحت العقول وأدخلتها في الفلك التاريخي للحضارة اليهودية، هذا من جهة، وعملية الإحتيال الأكبر في التاريخ المكتوب والذي ادخلت كل الدول الأوروبية المؤثرة آنذاك، وتلاها الولايات المتحدة في وقت لاحق، ان تلك العملية وضعت كل تلك الدول في قبضة المال اليهودي، الذي سيطر آنذاك ولا يزال يسيطر اليوم على مختلف المحاور الإقتصادية والإجتماعية للعالم بأجمعه ولا شك ان اشهرها "بروتوكولات حكماء صهيون" فبكلمة واحدة، ان اي عملية بحث اركيولوجية او تاريخية علمية او اي بحث علمي من اي نوع كان او جيولوجي بحت من اي مستوى كان لا تخرج حيّز التنفيذ من دون المال الذي يخرج من مشتقات تلك الشركات الكبيرة المهيمنة، وبالتالي ان اي حدث خارج عن فلك الحضارة اليهودية لا يخرج حيز التنفيذ ابدا، فمن هنا قلنا ان العلوم ومنطقها يسيران مسيرة السلحفات في التقدم والرقي. والدخول في تلك الأخذ والرد يخرج الكتاب عن مساره، لكن لا بد للحقيقة ان تنجلي، وللمنطق العلمي الرصين الذي تقدم في الحكمة والمعرفة، ولو أخذ الوقت الكثير ان يتخلص من صباه. لكن بخطى ثابتة تتقدم العلوم اليوم غير آبهة الا بالحقيقة التي وان لا زالت تتعرض لمختلف انواع الترهيب وعمليات الطمس، لكن وجود التكنولوجيات الحديثة من التواصل والترابط بين الحضارات كافة اليوم، تجعل كل عمليات الطمس والترهيب تبوء بالفشل الذريع.

              هذه الأجواء هي التي كانت مسيطرة على المسرح العلمي في القرن العشرين، فسلطة المال والنفوذ الديني هما اللذان لا يزالين المسيطرين على العلوم اليوم ولو خفتت قليلا، وإلا فما هي تلك الأسباب القوية التي لا تزال قادرة على منع كل من مخطوطات اوغاريت وأيبلا او موضوعنا الآن "مخطوطات البحر الميت" من الصدور والخروج من سراديب الأرشيفات التي يقال لها بعلمية - انه الإرهاب الفكري بكل هيبته. لكن النتف القليلة التي استطاعت التملص من تلك السيطرة المحكمة، كانت كافية لتغيير الوجه العلمي والتاريخي لكل مناهج العلوم الإنسانية، بل قلبتها وجها على عقب، اصبح هناك بالنسبة الى العلوم الأركيولوحيية - ما قبل أوغاريت وأيبلا وقمران وما بعدهم.

              اما بالنسبة الى الخط الذي سمي الخط العبري المربع، فكل العلماء المختصين باللغة تعرف وتؤكد ان هذا الخط العبري المقطع هو آرامي: "... فالعبرية ليست سوى آرامية مكتسبة، لذا سميت بالكتابة المقدسة، وقد تبناها اليهود بالتدريج مع تعديل حروفها تعديلا بسيطا، ان اقدم المخطوطات العبرية لا تتعدى القرن الثاني ق.م. وحتى اليوم لم يعثر على اي مخطوط او نص بالعبرية قبل هذا التاريخ، وتميزت لغة مخطوطات البحر الميت "بصعوبة قرائتها بالعبرية"...

              كما قلنا سابقا لا بد من تغيير الكثير من المسلمات ان لزم الأمر للوصول الى نظرة اكثر قابلية للإتساع في البحث عن الحقيقة. لنأخذ الإكتشافات والموجودات التي عثر علميا في الكهوف المكتشفة ونضعها على بساط التحليل العلمي، ان المكتشفات التي يمكن القول ان لها علاقة بالتورات لا تتعدى 25% من المكتشفات والبقبة الباقبة هي عبارة عن موضوعات غير توراتية لم يشهدها العالم من قبل، لذلك اعتبرت ذات اهمية قصوى، وهي تتحدث عن فرقة دينية "الأسينيين"، لهم قوانينهم وتراتبيتهم، وكتاباتهم من شعرية، صوفية، فلكية او دينية تتحدث عن مجيىء "ملك السلام".

              لقد حدث جدال كبير وأخذ ورد عظيمين في محاولة للدمج بين تلك الفرق والديانة اليهودية او كحد ادنى الإعتراف بـ "الأصول اليهودية" لتلك الفرقة، لكن التغيير الجذري في فهمنا الجديد للمعطيات الجديدة الخاصة بالحضارة اليهودية، وعدم امكانية حدوث تلك الأخبار والبطولات التاريخية وعدم وجود الأدلة الأركولوجية لوجود ديانة او حضارة يهودية يضعنا امام الإحتمالات الجديدة الغير اليهودية التي يمكن ان توضع ابناء قمران تحت لوائها. وإذا كان الأمر كذلك اي ان تلك المخطوطات قد وجدت بهذه الطريقة المثيرة للجدل، هذا من جهة، ومن جهة اخرى اذا كانت كل تلك القصص المذكورة في التوراة هي اخبار واساطير شعبية وضعت لغاية حبكة القصة فقط، فلماذا اذا لا يزال هذا الجدل الكبير بأن اهل قمران هم من اليهود المنشقين؟

              تعليق


              • #7


                الحلقة الخامسة

                من هم الأسينيون


                ان الوهج والتعصي الأعمى للحضارة اليهودية يشعل الكثير من الأهواء الإثنية والعقائدية ونؤدي هذه التوجهات الى الجدال العقيم الممتد منذ مئات من السنين والذي كان يأتي بصاحبه في القرون الوسطى الى الملاحقات القانونية والكنسية، وصولا الى السجن والتعذيب والحرق في اكثر الأحيان.


                ان خفوت الوهج المصطنع الذي كانت تسببه الخرافات اليهودية وما تبعتها تلك الخرافات من تداعيات عظيمة، ادى في نهاية المطاف الى ركود في الأفكار، ومنطقية اكثر في العالجات الأثنية والحضارية والإجتماعية والعقائدية لكل مكونات المجتمعات الشرق اوسطية ومنها على موضوعنا الآن اي الأسينيين، فهذا التوجه الذي نحن بصدده الآن لم يكن يصلح منذ ثلاثين عاما، نظرا للكثير من التعقيدات التي كانت منتشرة آنذاك والتي حسمت في حاضرنا هذا ومنها المنطق التسلسلي للحضارة اليهودية.

                كثرت التأويلات عن اصل عبارة "الأسينيين"، لكن الأكثر ترجيحا والذي يتمسك بها علماء اليوم، وهي المشتقة من "آسى يواسي"، والتي تعني الشافي، ولا عجب ان احد القاب المسيح "يسوع = يسى يواسي"، او عبارة "عيسى" اي يسوع في القرآن، وهي تعني ايضا الشافي، ومن هنا ينطلق العلماء على وصل يسوع المسيح بالأسينيين القدماء، وتلك الوضعية الجديدة اي وصل شخصية المسيح بالأسينيين هو منطق اصبح شائعا وشبه مؤكد نظرا للترابط في المنطق، واستعمال المسيح للكثير من المقرات التي يسكنها الأسينيين، أثناء وجوده في العالم، ومن اشهرها جبل الكرمل والذي بالقرب منه ولد المسيح، وهو المكان الذي يتفق عليه علماء اليوم ان المسيح ترقى فيه العلم والحكمة والمعرفة، خلال وجوده الخفي قبل البدء بالبشارة. والملفت في العبارة ايضا منطقة قاديشا وقنوبين في شمال لبنان والمعروفة اليوم بـ "الوادي المقدس" هناك دير لا يعرف احد تاريخ تأسيسه وهو دير "قزحيا"، والعبارة تبدو انها ايضا مشتقة من الجذر نفسه القاف تبدل بالألف، وهو شيىء مألوف في الحضارات القديمة، "أسى" اي الشافائين، وهؤلاء الرهبان كانوا يشفون الجسد والنفس والروح (ولا تزال المغارة المقدسة بالقرب من الدير اليوم، والجنازير الموجودة خير دليل على ذلك) وهو مصطلح سنتوسع فيه لا حقا في مؤلفنا هذا عند تحدثنا عن الجبل المقدس.

                اما من الناحية التاريخية، فهناك اختلاف في الأصول:
                يقول العالم الأميركي المعروف بتعصبه لليهود وليام البرايت عن جماعة قمران: ... ان جماعة قمران ليست سوى الطائفة اليهودية القديمة، المعروفة بالأسينيين، الذين تحدث عنهم المؤرخين القدامى: فيلون، يوسيفوس وبيليني. فالأسينيون وفقا لهؤلاء المؤرخين، جماعة متدينة بعمق، يرتدي أعضائها ثياب كتانية بيضاء، ويحيون معا حياة جماعية مشتركة...، يتنازل الأثرياء منهم طوعا عن اموالهم وممتلكاتهم الخاصة لصالح الجماعة، ويمارس اعضائهم جميعا شعيرة العماد..."
                .



                إذا اردنا التحدث ان تلك الفرقة المسؤولة عن كتابة مخطوطات قمران، انها شيعة يهودية او فئة من اليهود، ومنع من يقول بأن تلك الجماعة قديمة في التاريخ، بهدف لصقها بثورة المكابيين، فهذا الكلام اصبح ضعيفا من الناحية الأركيولوجية والتاريخية والإجتماعية، نظرا للأسئلة "الوجودية" الكثيرة التي بات على الحضارة اليهودية الإجابة عليها لإثبات وجودها كسلسلة حضارية في التاريخ، وهو امر بات مستبعدا نظرا للإنهيارات العظيمة الواحدة تلو الأخرى في الأساسات التي تؤلف الحضارة اليهودية بشكل عام، وهي أحدى المسلمات الجديدة المهمة التي يجب ان نتعامل معها في قراءة كل حدث تاريخي ولاهوتي، والأهم من ذلك معالجة تداعيات هكذا تغيير على الحضارات المجاورة من فينيقية وكنعانية وآرامية ومصرية، وتداعياتها المباشرة على حضارات بلاد ما بين النهرين والحضارة الفارسية من ناحية الشرق، ومعالجة جديدة للحضارة الغربية الإغريقية بشكل خاص وما تلاها من يونانية ورومانية.

                وهناك مغالطة كبيرة للعالم البرايت، بخلع الرداء اليهودي عن جماعة قمران وهو "العماد" فالمعروف للقاصي والداني من العلماء اليوم ان اليهود لم يكونوا ابدا يمارسون هذه الشريعة على الإطلاق. فالعماد هي واحدة من الشعائر الدينية الكنعانية بإمتياز.


                يبقى هناك نظرتين يجب معالجتهما بروية، طبعا بنظرة سريعة غير متسرعة منتظرة من يعالجهما بطريقة اكثر عمقا وشمولية.

                الأولى ان الأسينيين هم جماعة "رهبانية" اتت مع الإستعمار المصري في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، مؤسسهم هو كاهن مصري ويدعى "موريا- ايل"، ومؤسسها يصفها بأنها حركة رهبانية توحيدية تصحيحية، للعودة الى الجذور الرهبانية الأولى للمنطق الرهباني المصري، وانتشرت تلك الحركة في الشرق القريب بأكمله، ويصف علماء اليوم بأن تلك كانت الحالة العامة للحضارة المصرية التي كانت تتصارع لاهوتيا وإجتماعيا بين التوجه لعبادة الإله الواحد "اتون" إله الآباء المصريين، وبين التوجه الآخر الى تعدد الآلهة وعبادت كل إله بشكل مستقل. والكل بات يعرف بأن سيطرة الكهنة التي كانت تنادي بتعدد الآلهة في الحكم ادى الى تقهقر عبّاد الإله الواحد في مصر لاهوتيا وعسكريا، والمطاردات العسكرية لتلك الباقية في الشرق على شكل حملات تأديبية او ما شابه.

                لكن هذا التوجه الرهباني التصحيحي يلقي بأسئلة علمية جوهرية يمس بالتركيبة الإجتماعية واللاهوتية التي تمتاز بها جماعة قمران والجماعات المتشابهة التي تم العثور عليها، الأول، إذا كانت تلك الرهبنات ذات اصول مصرية وللوهلة الأولى تبدو كذلك، فلماذا هذا الوجود النسائي الكبير فيما بينهم؟ فمن الواضح والمعروف ان الحضارات المصرية والسومرية والبابلية والأكادية والأشورية واليهودية والإغريقية، يجتمعون على ان النظام الرهباني هو نظام ذكوري بإمتياز، فلماذا إذا وجود النساء والأطفال في ما بينهم؟

                .



                .
                والسؤال الآخر المشابه، إذا كانت تلك الحركات "التصحيحية" هي مصرية المصدر كما يقولون، وتصبو فيما تصبو اليه، على غرار الكهنة المصريين، الى التوحد في البرية والإبتعاد عن الملذات الأرضية والتأمل باللاهوت المصري، فيجب ان تكون كتابات قمران ممتلئة بالآلهة المصرية وميتولوجياتها وفلسفاتها وحضاراتها المعروفة والموجودة في كل المتاحف العالمية، فلماذا اذا هي ممتلئة الى فوق بأسماء وميتولوجيات جيرانهم الفينيقيين والكنعانيين؟، طبعا وكما تلاحظون عند افول الوهج المصطنع اليهودي، تصبح النظرة افضل واسلم واكثر منطقية وأكثر شمولية، فلا لزوم للدخول في تلك المتاهات المصطنعة في ما يمكن ان يخص او لا يخص الحضارة اليهودية، ولا لزوم للدفاع عن قدسية او غير قدسية تلك المسلمات، ان المسار التاريخي يصبح اكثر سلاسة للمعالجات اللاهوتية والإجتماعية والأركيولوجية والتاريخية.


                النظرة الثانية وهي الأكثر منطقية واكثر علمية، لكن الأقدم من الناحية الأركيولوجية والعلمية، الأكيد اركيولوجيا ان تلك المستوطنات هي قديمة جدا، قبل الدخول في تلك النظرة، يجب التوقف عند نقطتين اساسيتين كنا قد عالجنا النقطة الأولى المتعلقة بالتبعبة الدينية العمياء، المتمثلة في حالتنا الحالية بالأب ديفو وهو المسؤول ورئيس البعثة العلمية لمخطوطات البحر الميت، وقد ادى تصرفه على مر عشرات من السنين الى بروز ردات فعل عنيفة طالت المجتمع العلمي والكنيسة الكاثولكية على حد سواء، وكان ابرزها ما تقدم به كل من العالم اليغروا وهو العضو الوحيد في فريق الذي درس المخطوطات والذي لا ينتمي الى اي منظمة دينية وقد تمت إقالته والتشهير بسمعته بعد ان نشر دراسته التي تركزت على مخطوطات: "... تتعلق بشروحات جماعة قمران على اسفار التوراة (وهي غير النسخ الموجودة في التوراة اليوم، وسنحلل البعض منها لاحقا)، اضافة الى متفرقات شعرية تتعلق بالحكمة، والترانيم والخطب والمواعظ، اتضح لاحقا انها غير توراتية وبالغة الحساسية، لم يسبق لأحد رؤيتها من قبل، تتصل بجماعة قمران نفسها وهي نتاجها الخاص وتنتمي جميعها الى الكهف رقم 4، ذلك الكهف المثير الذي آثر الأب ديفو ورفيقه الأب ماليك بمخطوطاته..." والعالمة اليهودية "ريتشل إليور"، وهي أستاذة التصوف اليهودي في الجامعة العبرية بالقدس، طبعا لا نوافق نظرتها عن جماعة قمران وهي تقول انهم لا يمكن ان يكونوا قد وجدا على الإطلاق، وأن لا اساس لهم في التاريخ، فهذا نابع عن التعصب العلمي المعروف للمدافعين عن العقيدة اليهودية ولكن ما يهمنا هي ما اوردته من معطيات خاصة تستحق التدقيق العلمي، وخصوصا ما يتصل بالمؤرخ اليهودي جوزريفوس، والتي اتهمته بالخداع والتصرف اللاعلمي في مقاربة مسألة جماعة قمران، وتتحدث ايضا عما حصل من خيبات للأمل بعد نشر المجموعة الأولى من المخطوطات:

                "... وازداد شوق الباحثين لقراءة النصوص بعد ترجمتها ونشرها. للتعرف على إجابات لأسئلة ظلت تشكل ألغازا لمدة ألفى عام .. لكن الذى حدث بعد ذلك كان مخيبا للآمال. فبعد نشر المجموعة الأولى من المخطوطات توقف ظهور أى ترجمات أخرى. وأسدل ستار الصمت على مضمون المخطوطات وأسرار جماعة قمران. ... ولا شك أن الجماعة المشرفة على إعداد المخطوطات قد ساعدت على حدوث هذه التطورات السلبية. فبينما سيطرت جماعة "المدرسة البيبلية" الفرنسية على أعمال اللجنة استبعدت جماعات لها مصلحة واضحة، فلم تضم اللجنة أى من الباحثين غير الكاثوليك .. ونشب صراعا خفيا بين لجنة المخطوطات وبين سلطة الآثار الإسرائيلية منذ اليوم الأول لسقوط متحف القدس تحت سلطة الاحتلال الاسرائيلى بعد حرب 67 إلا أن الأمور استمرت على ما كانت عليه لأكثر من عشرين عاما بعد ذلك، قبل أن يبدأ الصراع المكشوف الذى أدى في النهاية إلى التخلص من السيطرة الكاثوليكية وإحلال سلطة الأثار الإسرائيلية مكانها عام 1991 .. ففى هذا العام ظهر في لندن كتاب بعنوان ( خداع مخطوطات البحر الميت) للكاتبين مايكل بيجنت وريتشارد لى إتهما فيه الفاتيكان صراحة بالتدخل في عملية ترجمة ونشر المخطوطات ومحاولة إخفاء معلومات وردت بها مخالفة للتعاليم الكاثوليكية . واعتمد المؤلفان في أدلتهما على التأخير الذى زاد على أربعين عاما في نشر مخطوطات كهف قمران رقم (4) فمن بين خمسمائة نص عثر عليها في هذا الكهف لم ينشر منها إلا مائة فقط كما أن أعضاء لجنة المخطوطات لم يسمحوا لأحد بالإطلاع على ما تحت أيديهم منها وقال المؤلفان بأن الإيكول بايبلك ــ المسيطرة على أعمال اللجنة ــ تخضع في عملها لبابا الفاتيكان مباشرة ــ وأن هذا الولاء يهدد بضياع أي نص قد يتعارض صراحة مع مصلحة الفاتيكان.


                ثم بدأت حملة إعلامية كبرى في أواخر عام 90 وأوائل عام 1991 م خاصة في الصحف الأمريكية مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست تهاجم مجموعة الباحثين المسؤولة عن ترجمة ونشر المخطوطات وتتهمهم بالاشتراك في مؤامرة يحيكها الفاتيكان لمنع نشر بعض ما ورد بنصوص قمران كما انتشرت عدة شائعات بوجود مؤامرة لإخفاء بعض محتويات مخطوطات قمران لأن محتوياتها سيكون لها تأثير سلبى على بعض المعتقدات اليهودية والمسيحية... "

                ان هذا التصرف يعتبر كلاسيكيا، فهذه التصرفات كانت لتبقى مخفية لو كنا في القرون الوسطى كما ذكرنا سابقا، لكن كما قلنا سنعود ونقول مرة اخرى، لا بد للحقيقة ان تنجلي، والمسيحية ليست يهودية المصدر ولا يهودية الهوية، ولا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد باليهودية، والذي يحدث هو ما تبقى من تلك التحجرات التي على الكنيسة التخلص منها سريعا، فالمسيح هو "عمانوئيل" اي ايل معنا، وايل هو اله الكنعانيون، وهو النور الذي يضيىء كل انسان آت الى هذا العالم (كل انسان، وليس كل مسيحي فقط ولا كل يهودي مسيحي).

                لقد اوردنا تلك الحادثة لنقول ان ما يحدث في هذا الموضوع (مخطوطات قمران)، هو ما يمنع النظرة الثانية للظهور الى العلن، فإذا لم تكن تلك الجماعة يهودية (وهذا هو السبب الرئيس في بقاء المخطوطات لوقت طويل في الأدراج، وتحت الحماية القصوى)، وإذا لم تكن مصرية المصدر، وهو بات واضحا كما بينا سابقا، تبقى هناك النظرة الوحيدة المتبقية، وكل المعطيات تدعمها، وهي ان مجموعة قمران، والمجموعات الكثيرة الأخرى المكتشفة حديثا والمنتشرة في المنطقة بأكملها هي فينيقية- كنعانية المصدر، وهي كنعانية اللاهوت والعبادة والآلهة، وطريقة العيش، فالمرأة الكنعانية كانت مشهورة بتحررها وبتثقيها العال، وبمرتبتها المتساوية للرجل في الكثير من الأحيان (ومنها قصة ايليسا مؤسسة مدينة قرطاج)، وهذه النظرة تحل مسألة وجود النساء المؤثر في البنية الإجتماعية في قمران، والفرق الأخرى، ويدعم قصة العذراء مريم ام يسوع، وقصة انتقاء العذارى والتجسد، ويحل المسألة الأخرى التي لا تزال عالقة، وهي وجود مكتشفات كثيرة قديمة لا تحصر في إطار النظرة التصحيحية المصرية الذي قادها موريا- ايل في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.

                قبل الدخول في العامل الآخر يجب التنبه الى معطى اساس، وهو الوجود الإجتماعي الذي اثر ثأثيرا كبيرا في اكتشافات البحر الميت، وهو وجود "التعامرة" وهم من البدو الرحل، والرعاة، ومن مقومات بقائهم الى جانب الرعي، هو الإتجار الواسع بالأثريات التي كانت منتشرة بكثرة في ذلك الزمان، وهم الذين وجدوا تلك المخطوطات في بادىء الأمر، ولجنة الآثار قد اشترت ما استطاعت منهم، واستملكت بعض الأراضي لحماية الجزء الآخر من الإكتشافات في الكهوف الأخرى، واستعمال العنف معهم للحد من سرقة المخطوطات والذي اضر بعملية استعادة اللفائف المتبقية من جهة، وإحكام السرية من قبل التعامرة في اخفاء ما بقي من اللفائف من الجهة الاخرى، مما يعرضها للتلف. ان تلك العمليات الإحترازية قد فعلت فعلتها فقد تم العثور على اربعة كهوف في وادي المربعات، ومن بينها تم العثور على اهم كشف اثري شهدته المنطقة، وهو قدّوم بيد خشبية وسيور جلدية ونصل من الصوان، يعود تاريخها الى 4000- 3000 سنة قبل الميلاد، مما يدل على ان المنطقة كانت مأهولة بالكنعانيين منذ ذلك الزمن السحيق. ان استكشاف الموقع الجديد، الذي يعرف بخربة قمران، يتكون من سلسلة مترابطة من البنايات، بها غرف صغيرة وقاعات للطعام والإجتماعات والكتابة، علاوة على قنوات للمياه وصهاريج ومغاسل وحوض كبير. وتقع في الجوار مقبرة تحتوي على اكثر من الف ومئتي قبر عندما نبش بعضها ظهرت جثتان لامرأتين وأخرى لطفل. الغريب ان الجثث كانت متوجهة للشمال والجنوب، بما يتفقان مع التقاليد الكنعانية، ويختلفان مع تقاليد الدفن اليهودية والإسلامية. من الناحية الفلكية لم يذكر احدا من المؤرخين شيئا عن انفراد الأسينيين وجماعة قمران بإتباع التقوين الشمسي خلافا للتقويم القمري المتبع عند اليهود.

                ان هذا المنحى الجديد، اللايهودي، والذي يتناغم مع المحيط الكنعاني لكل الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وهذا التناغم اللاهوتي لمعتقدات تلك الطائفة بشكل خاص والطوائف الأخرى الكتشفة بشكل عام ان من حيث اسماء الآلهة وتشابه الأساطير او من حيث البنية الإجتماعية، زيادة على ذلك النتائج المذهلة والمزلزلة لمكتشفات ايبلا وأوغاريت قبل ذلك (وهو ما سنتكلم عنه لاحقا في كتابنا)، جعلت كل الإهتمامات تنصب مع الأسف لحماية البنية الدينية والعقلية القديمة، على حساب تلك الحقائق الأركيولوجية الصافية.

                اذا كانت كل تلك المسلمات الجديدة الغير يهودية، والتي لا يمكن بوصفها "توراتية" لأن التوراة وكما بيّنا سابقا لم تخرج كاملة الى العلن في العام 1524، وان جماعات قمران، وكل تلك المنظومة الحضارية والدينية ليس لها اية صلة بالحضارة اليهودية، فإن تداعيات كل ذلك سيكون هائلا وجذريا في نظرتنا الى الحضارة الإنسانية.

                يبقى هناك قصص الأنبياء، والذي يصار الى ذكرهم كثيرا في مخطوطات البحر الميت، فلا بد من القول ان هذه المواد لا يمكن معالجتها الا من خلال فهمنا واستيعابنا لتداعيات عدم وجود الديانة اليهودية كتسلسل اجتماعي مترابط، فلا يمكن معالجة ارميا، او آشعيا، من دون وجود فعلي للشعب اليهودي، وهو غير ممكن ان يوجد بالطريقة الموصوفة في الكتاب، فالمطالعات الكثيرة حول هذا الموضوع، والدقة التاريخية المتوخات من جانبي جعلتني اميز بين ما هو حقيقي تاريخي موجود في التوراة وما هو غير يهودي، وهذا اوصلني الى خلاصة سنعالحها مطولا في الكتاب، ان كتاب التوراة الذي كتب في نسخته الحالية في العام 1524، ما هو الا مجموعة غير متناسقة من المعطيات الصحيحة التاريخية لكن الغير يهودية، جرى التلاعب بتلك المعطيات بقصد حبكت القصة، وقد زيد عليها لإعطاء الرونق التسلسلي للقصة، غير آبهين بالحقيقة التاريخانية للمعطيات الحقيقية، فخرجت التوراة برونقها الحالي. وقد امكنني نسبة الى مصادر رصينة مثل هيرودوت وغيره من الميتولوجيات، وخصوصا ملحمة البعل وعناة، من التعرف من خلالهم على الكثير من موجودات التوراة، في إطارها الطبيعي الجميل. هذا كان طرف الخيط، وهذا المنطق قادني لاحقا الى الكثير من الأخبار والقصص التي كتبت في التوراة مشوهة وهي في اصلها بسيطة وواضحة المعالم عندما تكون في وسطها الطبيعي.

                تعليق


                • #8

                  الحلقة السادسة

                  قصة اسباط اسرائيل الإثني عشر


                  يخبرنا هيرودوت اب التاريخ من جملة اخباره قصة غريبة تشبه كثيرا احد العواميد من اساسات الحضارة اليهودية وهي قصة الأسباط الإثني عشر لكن على حقيقتها وبساطتها: "... لقد كان المصريون حتى الآن المصدر فيما رويت، اما فيما يأتي فإني سأعرض ما يقبل به سواهم بأنه تاريخ للبلد، إضافة الى بعض ملاحظاتي الخاصة. واعلموا انه مر بمصر بعد سيتوس عهد لم يعرف خلاله المصريون حكم الملوك. لكن لما اشتدت الحاجة الى ملك عمدوا الى تقسيم مصر الى اثني عشر اقليما، ثم جعلوا على كل اقليم ملكا. وقد ساد الوئام والتفاهم بين هؤلاء الملوك بعدما توطدت العلاقات بينهم بفعل المصاهرة فيما بينهم وتفاهمهم على الا يحاول احدهم من ازاحة اي من الملوك الآخرين عن عرشه او توسيع سلطانه على حساب الممالك الأخرى، واخذوا المواثيق والعهود على بعضهم البعض بالإلتزام بهذا الإتفاق خشية تحقيق النبوءة التي تقول بأن من يشرب من قدح برونزي في معبد هيفستوس سيكون سيد مصر...



                  ... ولتدعيم عرى الصداقة بينهم عزم هؤلاء الملوك على تخليد ذكرى عهودهم بعمارة يشاركون بها جميعا...، وقد شاهدت هذا الصرح ومبلغ روعته التي تعجز العبارات عن وصفها، ولا ريب ان اصحابها تكلفوا في بناءه من المال والجهد ما يفوق كلفة بناء الأسوار والمرافق العامة في بلاد الإغريق كلها... ان هذا الصرح يضم اثني عشر قصرا تنتصب كل ستة منها في صف، أحداهما بإتجاه الشمال والآخر بإتجاه الجنوب، وابوابها متماثلة ومتقابلة، ويضمها جميعا سور خارجي واحد متصل...

                  ... يتألف المبنى من طابقين يشتملان على ثلاثة آلاف حجرة، نصفها تحت الأرض ونصفها الثاني فوقه، وقد كان لي ان اجول في حجرات الطابق الثاني الأعلى، وبالتالي ما سيأتي يعتمد على مشاهداتي، اما الطابق السفلي فإمتنع علي زيارته، لذلك ما سياتي من الوصف يعتمد على رواية الرواة، ذلك لأنه لم يتيسر لى دخول ذلك الطابق لممانعة المصريين في ولوج مكان يضم قبور الملوك الذين شيدوا المتاهة والقبور المقدسة...

                  ... وما رأيته هناك ينأى عن الوصف حتى يكاد لا يصدق المرء ان ما يشاهده الناس من صنع انسان...

                  ... وقد مضى عهد الملوك الإثني عشر على ميثاقهم بألا يعتدي احدهم على حق الآخرين ويتجاوز ارضه، حتى كان موعدهم المعروف لتقديم القرابين في معبد هيفيستوس (بتاح)، حين ذهب كبير الكهنة ، في اليوم الأخير وهو اليوم المعين لصب الشراب المقدس على المذبح ليأتي بالكؤوس الذهبية المحفوظة خصيصا لهذه المناسبة، فعاد بها منقوصة، سهوا، فلما وزع الكؤوس لم يجد واحدة ليقدمها لبسميستاك الذي كان موقعه في آخر الصف. وكان يضع على رأسه كعادة الملوك خوذة من البرونز، فلما وجد نفسه بلا كأس، قدم خوذته بعفوية ليتناول بها حصته من النبيذ وهو لا يقصد سوءا، ولكن الملوك الآخرين تذكروا عندئذ النبوءة القديمة التي تقول بأن من يتناول الشراب المقدس من كأس برونزية لا بد ان يكون مآله الملك على مصر. فمضوا الى التحقيق معه، ولما ايقنوا بأنه لم يقصد بذلك العمل سوءا، فلم يصدروا عليه حكمهم بالإعدام بل قاموا بتجريده من الكثير من سلطانه، ونفوه الى منطقة المستنقعات...

                  وتنتهي قصة النفي هذه بتحقيق النبوءة وقيامته ملكا على كل مصر...

                  اليست هذه القصة في مضمونها تشبه الى حد بعيد قصة الأسباط الإثني عشر الإثني عشر لبني اسرائيل، الا تصلح هذه القصة ان تكون المصدر الرئيسي لقصة الأسباط، طبعا بعد اضافة ما يجب اضافته وطمس ما يجب طمسه وإزالته فتتغير القصة من مصر الى بلاد كنعان ويصبح الملوك الإثني عشر لبلاد مصر، الأسباط الإثني عشر لبني اسرائيل

                  تعليق


                  • #9


                    الحلقة السابعة

                    التكوين والطوفان


                    ان هذا القسم ليس لتبيان حقيقة او خرافة التكوين والطوفان، بل القصد منه هو تبيان المصدر الأساسي الحقيقي الذي أخذ منه كتـّاب "الكتاب" ليجعلوا منه قصة جميلة هي قصة "الكتاب المقدس" او قصة "تاريخ اليهود" منذ البدء. من المؤكد اليوم ان الله لم يصنع الكون والإنسان وكل شيئ في سبعة ايام. لأن الحقيقة العلمية حتى الآن ان عمر الكون هو حوالي 14 مليار سنة، وهذا الرقم مرشح للإمتداد، والأكيد ايضا ان ليس لله شعب مختار فهو اي الله "كل شيئ وفي كل شيئ" فهو اذا الإله المحب اللطيف الفائق العذوبة، وهو كالأم لا يختار بين اولاده. لكن ليس الآن في هذا الفصل هوالوقت لتبيان حقيقة او عدم صحة وجود تلك القصة.


                    نبدأ معالجتنا هذه بضم صوتنا الى صوت القديس اوريجان 185- 253 بعد الميلاد بقوله: "... من هو الإنسان العاقل الذي يؤمن بأن يوم الخلق التوراتي الأول والثاني والثالث كان هناك مياء ونهار ولم يكن هناك شمس وقمر ونجوم وبأنه لم يكن في اليوم الأول سماء؟!... واذا اخذنا بحرفية ما جاء في الشريعة، كما يفعل اليهود وبسطاء المسيحيين، فإنني احمرّ خجلا إذا كان الله هو من وضع هذه الشريعة، أن قوانين وشرائع الناس تبدوا أفضل وأكثر منطقية منها..."
                    طبعا ان الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين، وقصة الخلق "الإينوما ايليش" الخاصة بتراثها، وكما اصبح معروفا ومتفقا عليه بين علماء الآثار والتاريخ، هي القصة الأقدم في التاريخ التي تتحدث عن خلق البشر ("7 ازواج" من البشر)، وهي تعود الى الألف الثالث قبل الميلاد على الأقل، وهي قديمة قدم الحضارة البشرية الحالية، فقد اثبتت الإكتشافات في بلاد ما بين النهرين بأن قصة آدم وحواء مأخوذة بحرفيها عن الحضارة السومرية، اذ اكتشف ختم يعود الى الفي سنة قبل الميلاد، يظهر شجرة تحرسها افعى، وعلى جانبي الشجرة صورة رجل وإمرأة تحاول مد يدها الى ثمار الشجرة والأفعى الى جانب المرأة... بالإضافة الى ان وجود الخير والشر كوجود انتروبولوجي هو من صنعنا نحن البشر، فقد وضعنا فب الله قوتنا وضعفنا، مزاجنا المتغيّر وحبنا للسلطة، وكل تناقضاتنا هي من صنعنا نحن البشر، فقد وضع اليهود الله في خدمتهم، فهو يقتل، يستبيح الحرمات ويسكر سيفه بدماء الرضّع والنساء والأطفال والشيوخ، ان هذه النظرة الى الله هي نظرتنا نحن اليه، والتناقض في سلطة الخلق، وانني لأستعين هنا بالفيلسوف اليوناني ابيقور 341- 270 ق م : "... إذا كان الله كلي القدرة وكلي الخير فلماذا يوجد الشر في العالم؟ اما اذا كان هذا الإله يريد القضاء على هذا الشر ولا يستطيع وفي هذه الحال يكون عاجزا وغير كلي القدرة، وبالتالي لا يستحق التأليه والعبادة، واما انه يستطيع ولا يريد، فهو في هذه الحال، يكون شريرا وشيطانا وساديا يتلذذ بعذاب ضحاياه! واما انه لا يستطيع ولا يريد وهذا امر يتنافى مع رأي العباد فيه. واما انه يريد ويستطيع، ويبقى السؤال من اين اتى الشر اذا، ومن هو المسؤول عن مفاعيله؟...
                    طبعا ليس هذا هو المكان المناسب لمعالجة كل تلك التفاصيل التي اوردها ابيقور، وليس هنا المكان ايضا لمعالجة منطق إله اليهود السادي المحب للقتل. فنحن هنا نعالج حقيقة وجود تلك القصص في مخطوطات الحضارات القديمة والتي نقلها اليهود الى كتبهم وجعلوها جزء من حضارتهم وجزء لا يتجزء من تراثهم.
                    لن نعالج هنا منطق "الجنة" في هذا الجزء بل بما ان قصة الجنة والخلق ملتصقان دائما بمنطق "الجبل المقدس"، سنترك تشريح منطق الجنة عند نقاشنا عن "الجبل المقدس".
                    عندما نتحدث عن الطوفان يتبادر الى ذهننا مباشرة "الله ونوح" وعزم الله من التخلص من البشر بإفنائهم بواسطة طوفان يقضي عليهم. وحقيقة القول وكما اصبح شائعا ومعروفا عند العلماء ان تلك القصة متطابقة الى حد كبير مع قصة الطوفان السومري، مع تغيير طبعا في الأسماء لحسن سير وحبكة القصة عند التوراة، فنوح الطوفان هو اترحسيس عند نظرية الخلق السومرية (الألف الثالث قبل الميلاد) وهو أوتا- نابيشتيم في ملحمة جلجامش (الألف الثالث- منتصف الألف الثاني قبل الميلاد) والكلمة كل في لغته لهما المعنى ذاته "الفائق الحكمة- الفائق الفطنة...
                    تلخص قصة الطوفان عند السومريين ان الإله الأكبر انو يقرر مع الآلهة إفناء البشر لأنهم اصبحوا كثيري الضجيج، ويتفق الإله انو مع اله الرعد والبرق والأمطار هدد، على خطة لتنفيذ تلك العملية، لكن الإله ايا يعرف بتفاصيل الخطة، ويعلنها بواسطة الحلم لرجل يدعى اترحسيس، ويعلمه الطريقة المثلى للخلاص من الطوفان وذلك ببناء فلك. ويأتي الطوفان بطريقة عنيفة جدا ويفني البشر إلا اترحسيس وامرأته وعندما تعلم الآلهة بذلك تغضب غضبا شديدا لأن الخطة كانت بإفناء البشر جميعا، وإعادة خلقهم من جديد، ويتم الإتفاق على قتله. لكن تدخل إيا يخلص الموقف وتعود الأمور الى مجاريها، ويبارك انو اترحسيس ويهبه هبة الخلود في الجنة ويصبح مثل الآلهة.
                    هذا بتلخيص كبير فحوى قصة الخلق السومرية. بربكم اليست قصة نوح التوراة متطابقة مع تلك القصة، وتصلح الى ان تكون المصدر الحقيقي لطوفان التوراة.
                    هذه هي قصة الحقيقية للطوفان عند اليهود، يبقى هناك لغزا صغيرا بحاجة الى تقويمه ووضعه في إطاره الصحيح الا وهو الأسم "نوح" هل هناك مثلا ثمة نوح ما خارج التوراة، هل هذا النوح مذكورا في اية تقليد من تقاليد شعوب المنطقة، في البحث الدقيق التي اجريته لم اجد سوى مكانا واحدا ذكر هذا النوح وهو في كتاب أحنوخ، ومن المفيد للذكر ان سفر احنوخ كان جزءا من التوراة لكن التصاق احنوخ بإله الكنعانيين "إيل" والآلهة الكنعانية الأخرى جعلت كتبة التوراة يشطبونه من تواراتهم (مشكورون سلفا).
                    بالعودة الى هذا النوح، فوصف كتاب احنوخ لنوح هو غريب نوعا ما وغير عادي، فبعد زمن اتخذ متوشالا زوجة لابنه لاميك، وحملت منه ولدا لكن امر غريب حدث عند ولادة الطفل، والغريب كان شكل الطفل والتفاصيل الغريبة، فيقول كتاب احنوخ صفحة 174- 175: "... ان لون بشرة الطفل كان ابيضا مثل الثلج، وأحمرا مثل الورد، ولون شعره كان ابيضا مثل الصوف وطويل، وعيناه كانت جميلة جدا، عندما يفتح عيناه كان يضيء كل المنزل، مثل الشمس، كان كل المنزل يمتلىء من النور، وعندما كان بين يدي القابلة، فتح فمه وشكر سيد الحق والبر، عندها خاف ابوه لاميك منه وذهب الى ابيه ميتوشالا قائلا له: لقد اتاني ولدا، ليس كبقية الأولاد، انه ليس بشريا، بل يشبة اولاد ملائكة السماء، وهو بكليته مختلف عنا ولا يشبهنا ابدا. عيناه مضيئة مثل اشعة الشمس، ملامحه مهيبة، وهو بطلعته كأنه ليس مني بل من الملائكة..."
                    تفاصيل غريبة وغير مألوفة، لكن طبعا هناك تفاسير كثيرة حول موضوع "نوح" وبداية العرق الأبيض، لكن طبعا في مكان وزمان ليسا في هذا الكتاب، فنحن سنظل في هذا البحث ملتصقين بالإكتشافات الأركيولوجية والعلمية الرصينة، لإضاءة الطريق لتواريخ وضعت في خزانة النسيان، ولتسليط الضؤ الكبير على التغييرات الكبيرة والمذهلة التي حدثت على ارضنا في الخمسة آلاف سنة التي سبقت مجيء المسيح

                    تعليق


                    • #10

                      الحلقة الثامنة
                      موسى في التاريخ "الغير يهودي"


                      ان التكلم عن موسى هو التكلم عن اهم ركن من اركان الديانة اليهودية، لذلك سنتوسع قليلا لأهمية الموضوع القصوى، فالكل يعرف من هو موسى.

                      من الناحية اللاهوتية، هو النبي موسى الذي بقوة الله كسر سحر الكهنة الفراعنة، وجلب الموت الى مصر، وعبر بهم الى الصحراء قاسما البحر الى جزئين، قاتل الفرعون عند اللحاق به وهزمه حيث انزل البحر عليهم وهو يتبعهم عندما قسم البحر، هو النبي المتحدث الى الله على الدوام، واللذي في نهاية الأمر انزل اليه الوصايا العشر على الواح من الحجارة، وأخيرا هو الواضع لكل القوانين الخاصة بالشعب والكهنة اليهوديين، وفي النهاية هو الذي ملك يشوع بن نون ملكا قبل غزوة الشعب الكنعاني، فاتحا بذلك الباب لمملكة اسرائيل فيما بعد وصولا الى الذروة مع الملكين داوود وسليمان.

                      تكلمنا عن تك المراحل وفندناها، وقسمناها وكتبنا عن رأي العلماء بها. انها بكل بساطة غير موجودة على الإطلاق من الناحيتين التاريخية والأركيولوجية، لكن وكما نبين يبدو ان هناك بعد التباين في بعض الأحداث والتي يمكن ان تؤدي في نهاية المطاف الى فهم اكبر لهذه الرواية، وايضا كما قلنا سابقا، خارجة عن المنظومة اليهودية، ولا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالمنطق والتاريخ اليهودي.

                      ان الناظر في شخصية موسى التوراة، يلاحظ فواصل كبيرة بارزة تتماثل مع شخصيات من الحضارات القريبة المجاورة. فلضرورات حبكة القصة في ذهنية الكاتب التوراتي، ولتسهيل عملية غسل الأدمغة، لسهولة تقبلها جرى التركيز على المواد التالية، الإسم "موسى"، والخواص النبوية والسحرية للشخصية ذاتها. ان عبارة "موسى" داخل التوراة وخارجها هو واحد، موسى من موش اي "الملتقط من"، ففي القصة التوراتية، ان فرعون مصر قرر افناء كل ذكر طفل للعبيد اليهود، وعندما ولد موسى الطفل، خافت عليه امه من جنود الفرعون، فوضعته في سلة في نهر النيل بين القصب المنتشر على ضفافه، قرب القصر الفرعوني، وجدته ابنة الفرعون فأخذته وربته، "انتشلته من المياه...، إذا الإسم موسى هو اللقب الذي اعطي من ابنة الفرعون عندما انتشلته من مياه النيل. هذا هو الوجه الأول، الثاني "النبي الساحر"، الذي اخذ من الحية رمزا له واستطاع بقوة "الله- اي يهوة" ان يهزم سحرة الفرعون واحدا واحدا، حتى لم يبقى من ينازله، وارسل الأمراض والأوبئة الواحدة تلو الأخرى، لإخافة الفرعون، ثم القائد الروحي الكبير العظيم الذي استطاع ان ينزل النظام الى العالم بحكمته، على شكل "الواح الوصايا".

                      والسؤال المطروح دائما في هذا الكتاب، وهو المنطق التحليلي الذي ساعدني في كشف تلك الخيوط "القليلة المتبقية" وهو: لماذا اراد كاتب التوراة ان يدعو تلك الشخصية بموسى، هل هناك من موسى ما، في الديانات القديمة المجاروة، ليس اية موسى ما، يجب ان يكون هذا الموسى ذو شأن كبير من الناحيتين الإجتماعية والروحية، لأن موسى التوراة هو قائد ميداني اجتماعي، ونبي روحي من الطراز الأول، فمن هو هذا الموسى العظيم الذي استطاع ابناء واحفاد اليهود إقناع العالم به، طبعا لم يكن الجواب سهلا، لكن الحقيقة الناصعة الراقية لا بد من ان تعلن على السطوح. اذا الشخصية التي نحن بصدد البحث عنها يجب ان تتحلى بخاصتين: "الملتقط من" اي الإسم- اللقب موسى، الساحر العظيم الفائق الشهرة بقوة عظمة سحره، والنبوة البارزة المتحدثة الى الله على الدوام والأهم من كل شيىء "يجب ان يكون مصريا". طبعا كان البحث المضني في الأسماء والمراجع، للملوك الفراعنة وصولا الى الآلهة وهناك كان الجواب، كنت اعتقد ان الإسم يجب ان يكون مصريا كما قلت لكن المفاجئة كانت اكبر بكثير. ان الشخصية التي اتكلم عنها هي معروفة كالشمس في ارجاء الشرق القديم بأكمله، له لقب مقدس في حضارات العالم اجمع، وهو مشهور جدا جدا في الحضارتين المصرية والكنعانية بأنه رسول الآلهة، اي المتحدث مع الآلهة على الدوام، والأفعى هي من ادواته والقابه، والحكمة هي من خصائصه، هو "اخنوخ" الذي "التقطته" الآلهة فسكن عندها، هو المتحدث بإسمهم ورسولهم لكل الأمم، المعروف عند المصريين بـ "هرمس المثلث العظمة"، اي العظمة الروحية وهي سعة معرفته الشبه كاملة، ومعرفته الأرضية بكل مكنونات المادة "كل ما هو فوق مشابه لما هو تحت"، وهو اله الشفاء بواسطة الأفعى المقدسة، التي تشفي الجسد والنفس والروح.

                      ان هرمس المثلث عظمة عند المصريين، الذي هو احنوخ عند الكنعانيين، يغطي القسم الأكير من الأسئلة التي نحن بصدد التحدث عنها، فيكون منطق الإسم "موسى" مشابها، والعلاقة المقدسة مع الله- يهوة" اصبحت مفهومة المصدر، وايضا مسألة السحر القوي، القائد والمثال الروحي، النظام والقوانين التي من عند الله او الآلهة، كل تلك القصص تكون قد وضعت بنصابها الصحيح، ويكون الشخص المنوي انشائه في عقل مؤلفي التوراة، من النواحي الروحية والعقلية والسحرية قد وضعت في مضمونها مع العبث بحبكة القصة بالطبع، يبقى هناك التماهي التاريخي. فالكاتب التوراتي يجب ان يكون لديه مصدر ما تاريخي، يلقي نوع من المصداقية التاريخية للموضوع، لأنه وكما قلنا يجب على تلك الشخصية الأساسية في قصة التوراة، ان تكون غير قابلة للطعن. وهنا بدأ البحث من جديد، للشخصيات المصرية المعروفة والتي تصلح ان تكون الواجهة التاريخية لهذا لموسى المنوي اختراعه، وهنا من جديد كان الجواب، وهو جميل في منطقه وفي بيئته، واعني بذلك الكاهن "يوزرسيف".
                      من هو هذا الكاهن؟
                      ان العارف بالتاريخ المصري ما قبل المسيح، يقسم تاريخ مصر الى ثلاث اقسام، مصر القديمة ما قبل القرن السابع عشر قبل الميلاد، مصر عصر الهكسوس، ومصر ما بعد القرن الرابع عشر قبل الميلاد وهو عصر بداية الحملات العسكرية على لبنان، هذا بإختصار شديد النظرة الكلاسيكية لتاريخ مصر (وسنعالج لاحقا بطريقة اكثر تفصيل تلك المراحل). وتميزت المرحلة الثانية بالتقلبات والتغيرات الكثيرة والكبيرة في اللاهوت والعقائد المصريتان، وقصتنا تقع في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

                      القصة تبدأ عندما تكون ابنة الفرعون وام مرنبتاح تتمشى على ضفاف نهر النيل عندما تسمع بكاء طفل صغير في الماء، وتدعو إحدى خادماتها، لإنتشاله، وهذا الصبي والذي يدعى "اوزرسيف" يكبر ليصبح كاهنا محترما من الجميع. تمر الأيام ويأتي اليوم ليبدأ الإبن اي مرنبتاح، ليستلم مقاليد الحكم عن ابيه، فتقوم الام عندئذ بالترويج بأن يتسلم "اوزرسيف" مقاليد الحكم، لأن الجميع كان يعلم ان مرنبتاح كان خفيف العقل، وكان الأم تعلم بأن المصاعب الكبيرة التي كانت تمر بها الحضارة المصرية، تستدعي من الحاكم ان يكون كاملا من الناحية العقلية على الأقل ليستلم مقاليد الحكم. يعلم مرنبتاح بالقصة، وما يدور حوله من أخبار لتنحيه عن الحكم، فيقرر عندئذ ان يستلم الحكم بالقوة، قيقتل الفرعون والدته وكل من كان مشاركا في هذا الإتفاق، وينجح هذا الكاهن الشاب "اوزرسيف" بالهرب الى خارج مصر.

                      هناك قصة اخرى يذكرها الكاهن المصري مانيتو ان اثنين من مستشاري الفرعون (يعتقد انهم للفرعون رعمسيس الثاني)، يصدرون امرا بطرد المصابين بالبرص من مدينة افاريس وهم كانوا بكميات كبيرة، وبالتالي طردهم من مصر، ويقال ان تلك المجموعة كان يقودها رجل يدعى "يوزرسيف" الذي غيّر اسمه فيما بعد الى موسى وطلب من القاطنين في افاريس والنجسين ان يوقفوا ذبح وشوي الحيوانات المقدسة، ويصفهم بأنهم توقفوا عن عبادة الآلهة. ويعتقد ان جيش الفرعون قد قاتل وهزم وطارد هؤلاء البرص وداعميهم الشرقيين وطردوهم خارج مصر.






                      تعليق


                      • #11

                        الحلقة التاسعة

                        اسرائيل الكنعانية
                        عندما نذكر كلمة إسرائيل، تأخذنا أفكارنا إلى الكتاب المقدس- العهد القديم، وتبدأ تلك الأفكار تحليلاتها في هذا الإطار الضيق فقط، والسبب في ذلك هي تلك "الطريقة في التفكير"، فنبدأ بنعتهم بالشعب المقدس، لماذا؟ لأن الكتاب يقول ذلك، مع ان معنى الكلمة إسرائيل: أي اسرة إيل أو عائلة إيل الإله الكنعاني اللبناني الكوني. وظلت تلك "الطريقة في التفكير"، حتى أتى عِلم الأركيولوجيا، وبدأ يثبت العكس. ولا شك أن أفضل ما يقال في تأريخ تاريخ فلسطين ما ورد في كتاب طوماس طومسون صفحة 37: "... وقد أدى الإنهماك الطويل للدراسات الكتابية بمسألة الأصول إلى تشويهات كثيرة بفهمنا للتراث. واليوم لم يعد لدينا تاريخ لإسرائيل.
                        قلنا أن الباحث الدقيق هو الذي يخرج من جسد وعقلية انسان القرن الواحد والعشرين ويدخل في عقلية الأقدمين وتعابيرهم. ويكتب ما يراه ويعرفه طبقا لمنطق التأريخ العلمي الرصين.
                        لنعد الآن إلى الفترة الأولى لعهد الآباء (حسب التاريخ اليهودي) والذي يعود إلى حوالي القرن السابع عشر قبل الميلاد ونحلل تلك الفترة الزمنية حتى الخروج من مصر وذلك بالطريقة العلمية الرصينة. تقول لنا علوم الأركيولوجيا وعلم المناخ وعلوم الإجتماع أنه في بداية القرن السابع عشر قبل الميلاد دخلت المنطقة عهودا مطولة من نوبات الجفاف المتكررة من جهة، وقلة المواد المائية الطبيعية من جهة أخرى، فأدخلت المنطقة بأكملها في حالة من عدم الإستقرار إذ إدت تلك النوبات التي إستمرت لحوالي قرن ونصف إلى تدمير زراعة المرتفعات التي كانت تتركز على الزيتون والعنب، وبتدمير تلك المزروعات تحوّلت المنطقة بأسرها إلى منطقة شبه مهجورة ( وفي بعض الأماكن هجرة شبه تامة)، ولم تنج سوى مساحات قليلة كمجموعة القرى الصغيرة الواقعة في الوديان المحيطة بشكيم أو تلك الواقعة على طول وادي أيالون قرب أورشليم. وثمة بعض المؤشرات أن الريف أصبح مزعزعا وخطرا في معظم المناطق ونعرف من التنقيبات وأعمال المسح الأثرية أن التجمعات السكانية في تلك الحقبة إنقسمت إلى قسمين، قسم إستمر في الزراعات التقليدية في المرتفعات وقرب الأنهر والمياه، فيما وسّع الآخرون الحياة الرعوية في شكل موسمي من الحياة البدوية. وقد أدى عدم الإستقرار السكاني إلى خلق حالة من إنعدام ضبط الأمن. وفي أثناء القرن الرابع عشر والثالث عشر تفاقمت الحالة الغير مستقرة للسكان من جهة والمناخ الجاف المسيطر على المنطقة من جهة أخرى، ما أدى إلى تعاظم قوى العصابات وقطاع الطرق الذين كانوا يسلبون ويقطعون طرق التجارة (ولا سيما التجار المصريين، مما حمل للفرعون مرنبتاح 1238 - 1209 إلى تنظيم حملة على فلسطين لحماية خط التجارة البري مع المدن الكنعانية في الشمال، والخط الذي يتجه إلى شبه الجزرة من الجنوب بإتجاه الشرق). فبكلمة واحدة، إختفت الحياة الإجتماعية في الساحل الفلسطيني بشكل شبه تام ما عدا بعض البلدات الكبيرة.

                        إن تلك النظرة العلمية تتناسب مع الحقيقة التاريخية، ففي هذا المنظار نجد، وبما أن المنطقة أصبحت شبه خالية، نجد أنه من الطبيعي أن يستقر الفلسطينيون في تلك المنطقة، وأن تتعاظم أعمال السلب وهم كانوا من الغزاة، وتتناسب أيضا مع السبب الذي دعا إلى الفرعون مرنبتاح إلى تنظيم حملات لتأديب المنطقة عسكريا، ولكنها لا تتناسب على الإطلاق مع التاريخ التوراتي لا من قريب ولا من بعيد.

                        نبقى في التاريخ العلمي الرصين وفي مستهل بحثنا في التاريخ عن جزور كلمة إسرائيل، فنرى أن أقدم سجل علمي لإستعمال كلمة إسرائيل موجودة في مخطوطات إيبلا الكنعانية بوصفها مملكة في الجنوب، ثم يعاد ذكره في السجلات المصرية للفرعون مرنبتاح 1238- 1209 في "نصب" في السنة الخامسة لحكمه، وتكلم على إنتصار على مجموعة تسمى "إسرائيل" ويجب القول أنه في العقلية المصرية عندما تشير بواسطة "نصب" لإنتصار الفرعون على شعب ما، هي إشارة على أن هذا الشعب المهزوم كان ذي أهمية تاريخية وعسكرية كبيرة وعريقة وتقول المصادر عينها أنه في تلك الحقبة كانت عبارة "إسرائيل" إسم شعب كنعان لمنطقة غرب فلسطين، ونبقى نتتبع إستعمال كلمة إسرائيل في التاريخ، ففي العصر الأشوري تكرر ذكر إسرائيل من جديد على أنها دولة إقليمية صغيرة تسيطر على المرتفعات الواقعة شمال أورشليم...، وعندما نحاول فهم تطوّر الدولة الصغيرة في التلال الوسطى من الضروري الإنتباه إلى الإتكال المتبادل الفريد لإقتصادات المناطق الثلاث التي كانت تشكل كتلة أراضي هذه التلال. ذلك الإقتصاد لم يكن بقاء لمزارعين متتاخمين مستقلين، بل كان ينطوي بالأحرى على نظام معقد من القرى والدساكر المترابطة. لقد كانت معتمدة إعتمادا كليا على التجارة والمقايضة مع بعضها البعض لأجل البقاء... أما من الناحية الدينية - يقول طومسون- إذا كان على المرء أن يصنف نوع الدين هنا فلا يتردد في وصفه بأنه فينيقي... ولكن إذا كان على المرء أن يفكر بأي من الصفات الفنية للأشكال الدينية، فلا يمكنه أن يتجنب الإعتراف بهذا الإبن لفينيقية...



                        يقوم الكتاب المقدس العهد القديم، بتقديم عرض مفصل للحملة الأشورية فبعد سقوط السامرة يحول الإهتمام إلى قصة تدمير أورشليم ويهوذا، ويبدأ بسرد مجموعة من القصص البطولية وأحيانا الأسطورية كما في: "سفر الملوك الثاني 18: 28- 35، الملوك الثاني 19: 35- 37، أشعيا 10: 24- 27، أشعيا 22". بالرغم من أن إسم يهوذا هو مصطلح جغرافي يرد ذكره في العهد الأشوري، ويشير إلى المرتفعات الواقعة جنوب القدس، فإن هذا الإسم هو إسم سياسي، إنه إسم المقاطعة الفارسية. الإسم الذي يطلقه الأشوريون على المرتفعات الجنوبية هو "ياءوداا" والإسم الأمبراطوري للفرس "يهد" لم يكونا إنعكاسين لشعب أكثر مما كان أي من الأسماء الأخرى المستخدمة لأجل أقاليم الأمبرطورية.


                        أما كيف إنتهت تلك المملكة في التاريخ العلمي: "... تاريخيا، لا يبدو أن حملة الأشوريين موجهة إلى أورشليم. بل نحو إخماد تمرد في بلدة عقرون الساحلية وفي بلدة لخيش في المنخفض الساحلي، فقد كانت لخيش مفتاحا إلى إنتاج الزيتون في المرتفعات اليهودية. وكانت ظاهريا مصدر تهديد المنطقة الأول للسياسات الأشورية التي كانت تؤيد تحكم أورشليم بيهوذا. عندما سقطت لخيش في العام 701 ق.م. فقد دمِّرت. وتم ترحيل كل سكانها. والنقوش النافرة التي تمجد هذا الإنتصار بتصويرها تدمير وإحراق الجيش الأشوري للمدينة، كانت ذات مرة تزين قصر سنحريب في ننوى. واليوم يمكن رؤية تلك النقوش الشهيرة في المتحف البريطاني، ولخيش لم يُعد بنائها. كانت أورشليم، التابعة لدولة الأشورية، والمتواطئة بإرادتها، وحالما تخلصت أورشليم من منافِستها لخيش، بسطت سيطرتها على المرتفعات اليهوذية ومدت نفوذها بإتحاه الجنوب إلى النقب الشمالي..."


                        بإختصار، إن إسرائيل التاريخية الوحيدة التي يمكن الحديث عنها، هي شعب دولة المرتفعات الصغيرة التي فقدت حكمها الذاتي السياسي في الربع الأخير من القرن الثامن، والتي تجاهلها المؤرخون ودارسو الكتاب المقدس على حدّ سواء وبشكل مستمر. هذه هي إسرائيل الذي يعتبر سكانها أنفسم بني إسرائيل، التي تعود إلى ضوء التاريخ بإعتبارها "شعب" مزارعي المرتفعات ذاته، كما كانوا لآلاف السنوات...

                        تعليق


                        • #12


                          الحلقة العاشرة



                          خلاصة


                          من المؤكد ان الكتبة الذين كتبوا هذه القصص التي اصبحت فيما بعد اي في العام 1524 "التوراة" والذين تناقلوا تلك القصص على مر العصور، وقد عمدوا عن قصد الى اختراع كل تلك الأحداث التي حصلت في التوراة، نقلا عن احداث حقيقية، بعد ان حوروا وبدلوا ما استطاعوا لحبكة القصة، ولا بد من التنويه انه وقبل 100 عام من الآن، لم يكن هناك امكانية على الإطلاق لتنقية تلك القصص لإعتبارات عدة نذكر اهمها:

                          - السيطرة الكاملة للمنطق الديني ورجال الدين على المنطق العلمي والعلوم بشكل عام، مما ادى الى شوائب كبيرة لا نزال نعالج تداعياتها الى اليوم.



                          - التوزيع الغير عادل للمعلومات في القرون الماضية من خلال احتكار الكتب والمعطيات فقط من النافذين والمتحكمين في الشأن العام من لوردات وأصحاب الشأن والمتمولين والأغنياء، والذي كان من مصلحتهم إخفاء ما امكن من المعطيات في كل الإتجاهات للحفاظ عى مكانتهم ومصالحهم، والتناغم المتبادل بينهم وبين رجال الدين الذين اخفوا الكتب التي في جوزتهم وتلك المعلومات ما امكنوا، والحكم بالنفي او بالسجن او بالحرق على كل من كان يحاول زعزعة تلك المحرمات او تلك القوانين.

                          - كل ذلك يصلنا الى النقطة الأخيرة، الفقر والقمع من الحكام الذي كانوا يدعمون النقطة الأولى والثانية

                          طبعا ان التطور التكنولوجي ادى الى تخلخل كبير في تلك التوازنات "توازنات الرعب" التي كانت قائمة في الماضي والثورات الكبيرة التي حدثت من تلك الشعوب الفقيرة المقموعة على حكامها، كل ذلك ادى الى اطلاق اليد الكبيرة لثورة تكنولوجية اخرى، وهي ظاهرة التلفاز، ومن ثم الإنترنت، الذي حوّل العالم الى قرية صغيرة، وادى في واقع الحال الى انتشار واسع ومجاني غير مسبوق للمعلومات، ادى الى ظهور تلك التداعيات الكبيرة والى نشوء منطق جديد لا يزال في مرحلة النمو، لكنه غير اعتيادي في كل الإتجاهات العلمية قائم على معطيات غير قابلة للنقد، بسبب وضوحها وبروزها بشكل كبير كمسألة الوجود اليهودي الذي نحن بصدده الآن، ولا شك ان مثل تلك الحقائق قادرة بدون ادنى شك ان تضيىء على اخرى لا تزال غير تقليدية والتي سنمر عليها للإضائة عليها علنا نصل معها الى رؤية علمية مغايرة غير تقليدية توصل بنا الى نظرة اكثر شمولية من تلك التي نراها اليوم في العالم العلمي






                          تعليق

                          يعمل...
                          X