إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التواصل مع الكائنات الغيبية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التواصل مع الكائنات الغيبية




    التواصل مع الكائنات الغيبية

    ساد في الأزمنة ألقديمةً الاعتقاد بالروح المرشدة (أو الروح المرافقة)، وتختلف مفاهيمها باختلاف ثقافات القبائل والحضارات والشعوب. لكنها تلتقي جميعاً وتتمحور حول الاعتقاد بأن الطفل الصغير يولد معه روح مرشدة لكي تحميه وترشده في خوض معترك الحياة، ولولاها لما استطاع بلوغ مرحلة الرشد (الرجولة). وهذه الروح المرشدة لا تظهر تلقائياً أو تتجلى بسهولة أمام صاحبها حيث وجب على الشخص أن يتَّبع طريقة محددة (حسب اختلاف الثقافات) بحثاً عن روحه المرشدة والتواصل معها. وقد اختلفت الطرق والأساليب بين القبائل والحضارات.
    يمكن أن تكون عبارة عن الالتزام بخلوة مع ألذات في مكان معزول حيث يتم ُّالتواصل مع الروح بعد مضي فترة من الزمن على عملية الاختلاء، أو يمكن أن يتبع أفراد بعض القبائل طقوس الرقص البحراني (كقبائل الزوني)، يقام هذا النوع من الرقص في حفلات صوفية نشطة حيث يدخل الفرد المحتفل به في حالة بحران (شبه غيبوبة) خلال الرقص على إيقاعات محددة، فيتواصل مع روحه المرشدة. وهناك بعض القبائل يتناول أفرادها أعشاب مخدرة (مثل الماريجوانا) فيدخلون في حالة وعي بديلة ويتواصلون مع روحهم المرشدة.

    وساد بين الهنود الحمر الذين سكنوا أمريكا الشماليَّة تقليد يسمى بالسعي للبحث عن رؤيا. فعندما يبلغ الطفل سن مبكرة من عمره، يرسله والديه إلى الطبيعة ليسرح وحيداً في البراري، ذلك من اجل البحث ومن ثم التواصل مع روحه المرشدة. هذه العملية كانت تعتبر ضرورية حتى ينال بعدها الطفل القدرة على التواصل مع عالم الغيب ومن ثم يصبح مستعداً للدخول في مرحلة البلوغ (الرجولة) دون مواجهة صعوبات. فيسرح الطفل ويتجوّل وحيداً في العراء ثم يخيّم في مكان معزول تماماً، فيخوض مرحلة صوم قاسي يدوم أحياناً أياماً عديدة، يمتنع خلالها عن الطعام والشراب، ويبدأ بالصلوات والتأمّل، ويصيح طالباً الحصول على رؤيا أو إشارة تدلّ على تجاوب روحه المرشدة معه. وبعد مرور فترة على خلوته، يدخل الفتى في غيبوبة أو يأتيه حلم أثناء نومه العادي فتتجسد روحه المرشدة فيتواصل معها. فيستمد بعدها الفتى قوة فكرية وعقلية استثنائية (حدس قوي) بالإضافة إلى إحساس سليم بغاية معيّنة أو هدف رئيسي في الحياة.
    وهذا يجعله يدخل معترك الحياة بثقة وإقدام ومن ثم يخوضها بنجاح. أما الشامانيون (أطباء القبائل)، فكان لهم أرواحاً مرشدة خاصة بهم. لكنها تتميّز عن أرواح الأشخاص العاديين. فلا يستطيع أحد أن يصبح شامانياً إلا إذا تواصل مع هذا النوع من الأرواح المميزة التي تتمتع بقدرات سحرية استثنائية. فهذه الأرواح تمدُّ الشاماني بقدرات سحرية هائلة، بالإضافة إلى قيامها بأخذ مكانه في جسده أثناء الغيبوبة (أي تختفي شخصية الشاماني وتظهر شخصية أخرى تماماً وتتواصل مع الحضور وتجيب على أسئلتهم المختلفة). ويمكن للشاماني أن يحضّر الروح المرشدة أمامه ويراها شخصياً ويتحدث معها ويستعين بها لإتمام مهماته المختلفة.

    وساد أيضاً بين القبائل مفهوم الأرواح المرشدة الجماعية. أي تلك التابعة للأصنام التي عبدوها TOTEM. فكانت تحمي كامل القبيلة من الشرور وتجلب لها الخيرات. أما مفهوم الاستحواذ possession، فكان راسخاً بقوة في طريقة تفكير القدماء. ويقصد به أن شخصية الفرد تختفي بطريقة غامضة لتأخذ مكانها شخصية أخرى غريبة، تختلف تماماً عن شخصيته الأصلية. وهذا الاستحواذ له مظاهر كثيرة. فعرف ما يسمى باستحواذ الشيطان (لكن هذه الحالة اعتبروها فيما بعد بأنها الجنون العادي أو الهستريا أو الانهيار العصبي). وهناك الاستحواذ اللاإرادي، أي تتخذ شخصية الفرد شخصية أخرى غريبة عنه بينما تتراجع شخصيته الأصلية وتختفي تماماً حيث يستطيع بعدها أن يتكلم بلغات غريبة لم يتعلمها من قبل في حياته.
    أما المظهر الأكثر إثارة الذي ساد بين أفراد بعض المجتمعات فهو الدعوة للأرواح (أو الجن أو الآلهة أو الملائكة أو الأموات أو غيرها من كائنات غيبية أخرى التي تختلف حسب اختلاف الثقافات) أن تدخل إلى أجسامهم بشكل إرادي، ومن ثم التواصل مع الأحياء لإرشادهم أو تزويدهم بمعلومات غيبية. وهذه المظاهر موجودة بين العديد من المذاهب الصوفية الإسلامية حيث يقيمون الصلوات والرقصات وغيرها من طقوس مختلفة من أجل استحضار الأرواح (أو الجن)، ويمكن أن تكون الروح التي ينادونها هي تابعة للسيد أو الشيخ الذي وجد هذا المذهب لكنه متوفى. وبعد أن يدخلون في حالة بحران أو غشية يقومون حينها بأعمال استثنائية وإنجازات خارقة كغرس السيوف في أجسادهم أو المشي على النار أو غيرها من معجزات.

    هناك طوائف مسيحية عديدة تعتقد بظاهرة الاستحواذ من قبل روح القدس، ويمارسون طقوساً معيّنة من أجل استحضاره فيستحوذ عليهم ويعمل على شفاء الكثير من الممارسين من العلل والأمراض بالإضافة إلى إنجازات استثنائية أخرى. وطوائف مسيحية أخرى تقيم الصلوات من أجل التواصل مع روح القدس كي تمنحهم الإلهام والإرشاد والمساعدة، لكنهم لا يسلكون طريقة الاستحواذ.
    أشهر الأرواح التي لازالت مجموعة بشرية كبيرة تناديها لمعالجتهم هي العائدة لشخصية الطبيب الفنزويلي خوسيه هيرناندز JOSE HERNANDEZ ، والمثير في الأمر هو أن هؤلاء يشفون فعلاً، حتى من السرطان !. إن كل مواطن من سكان فنزويلا يعرفون روح هذا الرجل جيداً ومعجزاتها غير المحدودة.

    وعرفت هذه الظاهرة عند الإغريق، فكان المتنبئون والعرافون يستحوذون من قبل الأرواح أو كائنات غريبة أخرى، يحصل هذا بعد أن يدخلوا في حالة بديلة من الوعي (غشية أو شبه غيبوبة) فيتنبؤن بالمستقبل ويزودون الحضور بمعلومات غيبية (اشهر مراكز التنبؤ الإغريقية كان معبد دلفي DELPHI). وقد لعب مفهوم الاستحواذ دوراً رئيسياً في الطقوس الدينية والعبادية عند سكان جزر الكاريبي، والأمريكيتين، والشرق الأوسط، والهند، وأفريقيا. أما الدرويديون (كهنة الديانة السلتية التي سادت في بريطانيا وأيرلندا) فمارسوا هذه الطريقة
    خلال قيامهم بالحفلات السنوية من أجل استحضار الآلهة الأم GAIA لكي تستحوذ عليهم وتزودهم بالطاقة الإلهية المقدَّسة.

    وهناك مخطوطات صينية قديمة تعود لأربعة آلاف عام تتكلم عن عرافين صينيين يتعاملون مع الأرواح يشار إليهم باسم wu، وكان الأباطرة يستشيرونهم في مسائل مصيرية كثيرة شخصية ورسمية تخص الدولة، فكان هؤلاء الوسطاء الروحيين ينقلون النصائح القادمة من الأرواح إلى الإمبراطور.

    أمثلة كثيرة تشير إلى أن الاستحواذ كان يلعب دوراً رئيسياً في العالم القديم، إن كان ذلك في الطقوس الدينية أو في الحياة اليومية للشعوب. ولم يكن التواصل مع عالم الغيب مقتصراً على شعب معيّن أو مذهب فكري أو روحي معيّن، أو محصوراً ضمن منطقة أو بلاد معيّنة. جميع سكان الأرض كانوا في إحدى فترات التاريخ القديم يتواصلون بطرق مختلفة مع عالم الغيب أو عالم الأرواح أو الملائكة أو الجن أو غيرها من كائنات أو كيانات خفيَّة. وكان يقتصر هذا التواصل على نوع معيّن من الأشخاص لديهم القدرة على التواصل بسهولة (أي وسطاء) كالشامانيين أو الكهنة أو العرافين… فكانوا يدخلون في حالات بديلة من الوعي (غيبوبة، شبه غيبوبة، بحران…) تختلف أساليبها وطقوسها حسب اختلاف الثقافات أو العادات أو المعتقد، فيتواصلون مع عالم الغيب أو الكائنات التي تمثله.

    إن ظاهرة التواصل مع عالم الغيب ليست مهنة أو حرفة مبتكرة ظهرت في إحدى مراحل التاريخ. بل تعود إلى ما قبل التاريخ، منذ ظهور الإنسان على الأرض. وشكلت جزءاً أساسياً من تجربة الإنسان اليومية منذ انبعاثه إلى الوجود. وتعتبر عنصراً أساسياً في أصول وبدايات أعظم المذاهب الروحية التي برزت عبر التاريخ. فهذا المفهوم ليس محصوراً فقط في مجال ضيّق يمثل السحر والعرافة والتبصير وقراءة الطالع والتنجيم وغيرها من مظاهر مختلفة نألفها اليوم، والتي تعتبر من قبل الكثيرين ضرباً من الشعوذة والنفاق. هذا التواصل الروحي يشكل مظهراً مهماً من مظاهر الوعي الإنساني… تجربة أساسية من تجارب الإنسان وخبرته في الحياة. ومع ذلك، لازلنا نجهل حتى هذه اللحظة ما هي حقيقة هذه الظاهرة وما الهدف من وجودها وآلية عملها الحقيقية.

    في فترات تاريخية معيّنة، كانت ظاهرة التواصل مع عالم الغيب بجميع مظاهرها وأشكالها المختلفة، تعتبر مقبولة وتعدّ أساسية في الحياة اليومية للشعوب، بجميع مستوياتهم الاجتماعية والعلميَّة. وهناك فترات أخرى اعتبرت فيها هذه الظواهر غير طبيعية وغريبة عن المنطق البشري المألوف، واعتبر التعامل بها عملاً لا أخلاقياً أو ملحداً أو وثنياً. حتى أنها اعتبرت في إحدى الفترات جريمة يعاقب عليها القانون بشدة! فأعدم الكثير من ممارسيها حرقاً أو خنقاً، أو غرقاً، أو رجماً بالحجارة. وهناك فترات تعتبر فيها هذه الظاهرة مظهراً شاذاً أو مزعجاً من مظاهر الكائن البشري ! أو تصبح عبارة عن موضة أو صرعة يتحمّس لها الناس لفترة معيّنة ويتعاملون معها ثم يملَّون منها ويمضون إلى ملاحقة صرعات أخرى كما هو الحال اليوم.
يعمل...
X