إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    المقداد بن عمرو

    أول فرسان الإسلام

    تحدث عنه أصحابه ورفاقه فقالوا:
    " أول من عدا به فرسه في سبيل الله، المقداد بن الأسود..
    والمقداد بن الأسود، هو بطلنا هذا المقداد بن عمرو كان قد حالف في الجاهلية الأسود بن عبد يغوث فتبناه، فصار يدعى المقداد بن الأسود، حتى إذا نزلت الآية الكريمة التي تنسخ التبني، نسب لأبيه عمرو بن سعد..
    والمقداد من المبكّرين بالإسلام، وسابع سبعة جاهروا بإسلامهم وأعلنوه، حاملا نصيبه من أذى قريش ونقمتها، قيس شجاعة الرجال وغبطة الحواريين..!!
    ولسوف يظل موقفه يوم بدر لوحة رائعة كل من رآه لو أنه كان صاحب هذا الموقف العظيم..
    يقول عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله:
    " لقد شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون صاحبه، أحبّ اليّ مما في الأرض جميعا".
    في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا.ز حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد وإصرارها العنيد، وخيلائها وكبريائها..
    في ذلك اليوم.. والمسلمون قلة، لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الإسلام، فهذه أول غزوة لهم يخوضونها..
    ووقف الرسول يعجم ايمان الذين معه، ويبلوا استعدادهم لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مشاته وفرسانه..
    وراح يشاورهم في الأمر، وأصحاب الرسول يعلمون أنه حين يطلب المشورة والرأي، فانه يفعل ذلك حقا، وأنه يطلب من كل واحد حقيقة اقتناعه وحقيقة رأيه، فان قال قائلهم رأيا يغاير رأي الجماعة كلها، ويخالفها فلا حرج عليه ولا تثريب..
    وخاف المقدادا أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة تحفظات... وقبل أن يسبقه أحد بالحديث همّ هو بالسبق ليصوغ بكلماته القاطعة شعار المعركة، ويسهم في تشكيل ضميرها.
    ولكنه قبل أن يحرك شفتيه، كان أبو بكر الصديق قد شرع يتكلم فاطمأن المقداد كثيرا.. وقال أبو بكر فأحسن، وتلاه عمر بن الخطاب فقل وأحسن..
    ثم تقدم المقداد وقال:
    " يا رسول الله..
    امض لما أراك الله، فنحن معك..
    والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى
    اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون..
    بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون..!!
    والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا الى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك".. انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف.. وهلل وجه رسول الله وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد.. وسرت في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاضلة التي أطلقها المقداد بن عمرو والتي حددت بقوتها وإقناعها نوع القول لمن أراد قولا.. وطراز الحديث لمن يريد حديثا..!!
    أجل لقد بلغت كلمات المقداد غايتها من أفئدة المؤمنين، فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار، وقال:
    " يا رسول الله..
    لقد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق.. وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك.. والذي بعثك بالحق.. لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا..
    إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء.. ولعل الله يريك منا ما تقر عينك.. فسر على بركة الله"..
    وامتلأ قلب الرسول بشرا..
    وقال لأصحابه:" سيروا وأبشروا"..
    والتقى الجمعان..
    وكان من فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير: المقداد بن عمرو، ومرثد بن أبي مرثد، والزبير بن العوّام، بينما كان بقية المجاهدين مشاة، أو راكبين ابلا..
    إن كلمات المقداد التي مرّت بنا من قبل، لا تصور شجاعته فحسب، بل تصور لنا حكمته الراجحة، وتفكيره العميق..
    وكذلك كان المقداد..
    كان حكيما أريبا، ولم تكن حمته تعبّر عن نفسها في مجرّد كلمات، بل هي تعبّر عن نفسها في مبادئ نافذة، وسلوك قويم مطرّد. وكانت تجاربه قوتا لحكته وريا لفطنته..
    ولاه الرسول على احدى الولايات يوما، فلما رجع سأله النبي:
    " كيف وجدت الإمارة"..؟؟
    فأجاب في صدق عظيم:
    " لقد جعلتني أنظر الى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعا دوني..
    والذي بعثك بالحق، لا اتآمرّن على اثنين بعد اليوم، أبدا"..
    وإذا لم تكن هذه الحكمة فماذا تكون..؟
    وإذا لم يكن هذا هو الحكيم فمن يكون..؟
    رجل لا يخدع عن نفسه، ولا عن ضعفه..
    يلي الإمارة، فيغشى نفسه الزهو والصلف، ويكتشف في نفسه هذا الضعف، فيقسم ليجنّبها مظانه، وليرفض الامارة بعد تلك التجربة ويتحافاها.. ثم يبر بقسمه فلا يكون أميرا بعد ذلك أبدا..!!
    لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله.. هو ذا:
    " ان السعيد لمن جنّب الفتن"..
    واذا كان قد رأى في الامارة زهوا يفتنه، أو يكاد يفتنه، فان سعادته اذن في تجنبها..
    ومن مظاهر حكمته، طول أناته في الحكم على الرجال..
    وهذه أيضا تعلمها من رسول الله.. فقد علمهم عليه السلام أن قلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر حين تغلي..
    وكان المقداد يرجئ حكمه الأخير على الناس الى لحظة الموت، ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته جديد.. وأي تغيّر، أو أي جديد بعد الموت..؟؟
    وتتألق حكمته في حنكة بالغة خلال هذا الحوار الذي ينقله الينا أحد أصحابه وجلسائه، يقول
    " جلسنا الى المقداد يوما فمرّ به رجل..
    فقال مخاطبا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى اله عليه وسلم..
    والله لوددناه لو أن رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت فأقبل عليه المقداد وقال:
    ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدا غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه؟؟ والله، لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبّهم الله عز وجل على مناخرهم في جهنم. أولا تحمدون الله الذي جنّبكم مثلا بلائهم، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم"..

    حكمة وأية حكمة..!!

    انك لا تلتقي بمؤمن يحب الله ورسوله، الا وتجده يتمنى لو أنه عاش أيام الرسول ورآه..!
    ولكن بصيرة المقداد الحاذق الحكيم تكشف البعد المفقود في هذه الأمنية..
    ألم يكن من المحتمل لهذا الذي يتمنى لو أنه عاش تلك الأيام.. أن يكون من أصحاب الجحيم..
    ألم يكون من المحتمل أن يكفر مع الكافرين.
    وأليس من الخير اذن أن يحمد الله الذي رزقه الحياة في عصور استقرّ فيها الاسلام، فأخذه صفوا عفوا..
    هذه نظرة المقداد، تتألق حكمة وفطنة.. وفي كل مواقفه، وتجاربه، وكلماته، كان الأريب الحكيم..
    وكان حب المقداد للإسلام عظيما..
    وكان الى جانب ذلك، واعيا حكيما..
    والحب حين يكون عظيما وحكيما، فانه يجعل من صاحبه انسانا عليّا، لا يجد غبطة هذا الحب في ذاته.. بل في مسؤولياته..
    والمقداد بن عمرو من هذا الطراز..
    فحبه الرسول. ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن سلامة الرسول، ولم يكن تسمع في المدينة فزعة، الا ويكون المقداد في مثل لمح البصر واقفا على باب رسول الله ممتطيا صهوة فرسه، ممتشقا مهنّده وحسامه..!!
    وحبه للاسلام، ملأ قلبه بمسؤولياته عن حماية الاسلام.. ليس فقط من كيد أعدائه.. بل ومن خطأ أصدقائه..
    خرج يوما في سريّة، تمكن العدو فيها من حصارهم، فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته.. ولكن أحد المسلمين لم يحط بالأمر خبرا، فخالفه، فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق، أ، لعله لا يستحقها على الاطلاق..
    فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح، فسأله، فأنبأه ما حدث
    فأخذ المقداد بيمينه، ومضيا صوب الأمير، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له:
    " والآن أقده من نفسك..
    ومكّنه من القصاص"..!!
    وأذعن الأمير.. بيد أن الجندي عفا وصفح، وانتشى المقداد بعظمة الموقف، وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة، فراح يقول وكأنه يغني:
    " لأموتنّ، والاسلام عزيز"..!!
    أجل تلك كانت أمنيته، أن يموت والاسلام عزيز.. ولقد ثابر مع المثابرين على تحقيق هذه الأمنية مثابرة باهرة جعلته أهلا لأن يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام:
    "ان الله أمرني بحبك..
    وأنبأني أنه يحبك"...

    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

    تعليق


    • #17
      زادك الله من علمه ونفع بك واحسن اليك وجعله في ميزان حسناتك

      اللهم امين
      مهما كان حجم المؤامره كبير

      سنبقى اقوى من كل الظروف



      sigpic

      تعليق


      • #18
        اشكر مرورك اخي الاماكن
        ولك مثل ما قلت وجزيت خيراً

        تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

        قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
        "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
        وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

        تعليق


        • #19
          سعيد بن عامر




          سعيد بن عامر

          أيّنا سمع هذا الاسم، وأيّنا سمع به من قبل..؟
          أغلب الظن أن أكثرنا، ان لم نكن جميعا، لم نسمع به قط.. وكأني بكم اذ تطالعونه الآن تتساءلون: ومن يكون عامر هذا..؟؟
          أجل سنعلم من هذا السعيد..!!
          انه واحد من كبار الصحابة رضي الله عنهم، وان لم يكن لاسمه ذلك الرنين المألوف لأسماء كبار الصحابة.
          انه واحد من كبار الأتقياء الأخفياء..!!
          ولعل من نافلة القول وتكراره، أن ننوه بملازمته رسول الله في جميع مشاهده وغزواته.. فذلك كان نهج المسلمين جميعا. وما كان لمؤمن أن يتخلف عن رسول الله في سلم أو جهاد.
          أسلم سعيد قبيل فتح خيبر، ومنذ عانق الاسلام وبايع الرسول، أعطاهما كل حياته، ووجوده ومصيره.
          فالطاعة، والزهد، والسمو.. والاخبات، والورع، والترفع.
          كل الفضائل العظيمة وجدت في هذا الانسان الطيب الطاهر أخا وصديقا كبيرا..
          وحين نسعى للقاء عظمته ورؤيتها، علينا أن نكون من الفطنة بحيث لا نخدع عن هذه العظمة وندعها تفلت منا وتتنكر..
          فحين تقع العين على سعيد في الزحام، لن ترى شيئا يدعوها للتلبث والتأمل..
          ستجد العين واحدا من أفراد الكتيبة الانمية.. أشعث أغبر. . ليس في ملبسه، ولا في شكله الاخرجي، ما يميزه عن فقراء المسلمين بشيء.!!
          فاذا جعلنا من ملبسه ومن شكله الخارجي دليلا على حقيقته، فلن نبصر شيئا، فان عظمة هذا الرجل أكثر أصالة من أن تتبدى في أيّ من مظاهر البذخ والزخرف.
          انها هناك كامنة مخبوءة وراء بساطته وأسماله.
          أتعرفون اللؤلؤ المخبوء في جوف الصدف..؟ انه شيء يشبه هذا..
          عندما عزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب معاوية عن ولاية الشام، تلفت حواليه يبحث عن بديل يوليه مكانه.
          وأسلوب عمر في اختيار ولاته ومعاونيه، أسلوب يجمع أقصى غايات الحذر، والدقة، والأناة.. ذلك أنه كان يؤمن أن أي خطأ يرتكبه وال في أقصى الأرض سيسأل عنه الله اثنين: عمر أولا.. وصاحب الخطأ ثانيا..
          ومعاييره في تقييم الناس واختيار الولاة مرهفة، ومحيطة،وبصيرة، أكثر ما يكون البصر حدة ونفاذا..
          والشام يومئذ حاضرة كبيرة، والحياة فيها قبل دخول الاسلام بقرون، تتقلب بين حضارات متساوقة.. وهي مركز هام لتجارة. ومرتع رحيب للنعمة.. وهي بهذا، ولهذا درء اغراء. ولا يصلح لها في رأي عمر الا قديس تفر كل شياطين الاغراء أمام عزوفه.. والا زاهد، عابد، قانت، أواب..
          وصاح عمر: قد وجدته، اليّ بسعيد بن عامر..!!
          وفيما بعد يجيء سعيد الى أمير المؤمنين ويعرض عليه ولاية حمص..
          ولكن سعيجا يعتذر ويقول: " لا تفتنّي يا أمير المؤمنين"..
          فيصيح به عمر:
          " والله لا أدعك.. أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي.. ثم تتركوني"..؟؟!!

          واقتنع سعيد في لحظة، فقد كانت كلمات عمر حريّة بهذا الاقناع.
          أجل. ليس من العدل أن يقلدوه أمانتهم وخلافتهم، ثم ينركوه وحيدا..واذا انفض عن مسؤولية الحكم أمثال سعيد بن عامر، فأنّى لعمر من يعينه على تبعات الحكم الثقال..؟؟
          خرج سعيد الى حمص ومعه زوجته، وكانا عروسين جديدين، وكانت عروسه منذ طفولتها فائقة الجمال والنضرة.. وزوّده عمر بقدر طيّب من المال.
          ولما استقرّا في حمص أرادت زوجته أن تستعمل حقها كزوجة في استثمار المال الذي زوده به عمر.. وأشارت هليه بأن يشتري ما يلزمهما من لباس لائق، ومتاع وأثاث.. ثم يدخر الباقي..
          وقال لها سعيد: ألا أدلك على خير من هذا..؟؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة، وسوقها رائجة، فلنعط المال م يتجر لنا فيه وينمّيه..
          قالت: وان خسرت تجارته..؟
          قال سعيد: سأجعل ضمانا عليه..!!
          قالت: فنعم اذن..
          وخرج سعيد فاشترى بعض ضروريات عيشه المتقشف، ثم فرق جميع المال في الفقراء والمحتاجين..
          ومرّت الأيام.. وبين الحين والحين تسأله زوجه عن تجارتهما وأيّان بلغت من الأرباح..
          ويجيبها سعيد: انها تجارة موفقة.. وان الرباح تنمو وتزيد.
          وذات يوم سألته نفس السؤال أمام قريب له كان يعرف حقيقة الأمر فابتسم. ثم ضحك ضحكة أوحت الى روع الزوجة بالشك والريب، فألحت عليه أن يصارحها الحديث، فقا لها: لقد تصدق بماله جميعه من ذلك اليوم البعيد.
          فبكت زوجة سعيد، وآسفها أنها لم تذهب من هذا المال بطائل فلا هي ابتاعت لنفسها ما تريد، والا المال بقي..
          ونظر اليها سعيد وقد زادتها دموعها الوديعة الآسية جمالا وروعة.
          وقبل أن ينال المشهد الفاتن من نفسه ضعفا، ألقى بصيرته نحو الجنة فرأى فيها أصحابه السابقين الراحلين فقال:
          " لقد كان لي أصحاب سبقوني الى الله... وما أحب أن أنحرف عن طريقهم ولو كانت لي الدنيا بما فيها"..!!
          واذ خشي أن تدل عليه بجمالها، وكأنه يوجه الحديث الى نفسه معها:
          " تعلمين أن في الجنة من الحور العين والخيرات الحسان، ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعا، ولقهر نورها نور الشمس والقمر معا.. فلأن أضحي بك من أجلهن، أحرى أولى من أن أضحي بهن من أجلك"..!!
          وأنهى حديثه كما بدأه، هادئا مبتسما راضيا..
          وسكنت زوجته، وأدركت أنه لا شيء أفضل لهما من السير في طريق سعيد، وحمل النفس على محاكاته في زهده وتقواه..!!
          كانت حمص أيامئذ، توصف بأنها الكوفة الثانية وسبب هذا الوصف، كثرة تمرّد أهلها واختلافهم على ولاتهم.
          ولما كانت الكوفة في العراق صاحبة السبق في هذا التمرد فقد أخذت حمص اسمها لما شابهتها...
          وعلى الرغم من ولع الحمصيين بالتمرّد كما ذكرنا، فقد هدى الله قلوبهم لعبده الصالح سعيد، فأحبوه وأطاعوه.
          ولقد سأله عمر يوما فقال: " ان أهل الشام يحبونك".؟
          فأجابه سعيد قائلا:" لأني أعاونهم وأواسيهم"..!
          بيد أن مهما يكن أهل حمص حب لسعيد، فلا مفر من أن يكون هناك بعض التذمر والشكوى.. على الأقل لتثبت حمص أنها لا تزال المنفس القوي لكوفة العراق...
          وتقدم البعض يشكون منه، وكانت شكوى مباركة، فقد كشفت عن جانب من عظمة الرجل، عجيب عجيب جدا..
          طلب عمر من الزمرة الشاكية أن تعدد نقاط شكواها، واحدة واحدة..
          فنهض المتحدث بلسان هذه المجموعة وقال: نشكو منه أربعا:
          " لا يخرج الينا حتى يتعالى النهار..
          ولا يجيب أحدا بليل..
          وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما الينا ولا نراه..
          وأخرى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا، وهي أنه تأخذه الغشية بين الحين والحين"..
          وجلس الرجل:
          وأطرق عمر مليا، وابتهل الى الله همسا قال:
          " اللهم اني أعرفه من خير عبادك..
          اللهم لا تخيّب فيه فراستي"..
          ودعاه للدفاع عن نفسه، فقال سعيد:
          أما قولهم اني لا أخرج اليهم حتى يتعالى النهار..
          " فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب.. انه ليس لأهلي خادم، فأنا أعجن عجيني، ثم أدعه يختمر، ثم اخبز خبزي، ثم أتوضأ للضحى، ثم أخرج اليهم"..
          وتهلل وجه عمر وقال: الحمد لله.. والثانية..؟!
          وتابع سعيد حديثه:
          وأما قولهم: لا أجيب أحدا بليل..
          فوالله، لقد كنت أكره ذكر السبب.. إني جعلت النهار لهم،والليل لربي"..
          أما قولهم: إن لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما...
          " فليس لي خادم يغسل ثوبي، وليس بي ثياب أبدّلها، فأنا أغسل ثوبي ثم أنتظر أن يجف بعد حين.. وفي آخر النهار أخرج إليهم ".
          وأما قولهم: إن الغشية تأخذني بين الحين والحين..
          " فقد شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه، وحملوه على جذعه، وهم يقولون له: أحب أن محمدا مكانك، وأنت سليم معافى..؟
          فيجيبهم قائلا: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة..
          فكلما ذكرت ذلك المشهد الذي رأيته أنا يومئذ من المشركين، ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها، أرتجف خوفا من عذاب الله، ويغشاني الذي يغشاني"..
          وانتهت كلمات سعيد التي كانت تغادر شفتيه مبللة بدموعه الورعة الطاهرة..
          ولم يتمالك عمر نفسه ونشوه، فصاح من فرط حبوره.
          " الحمد لله الذي لم يخيّب فراستي".!
          وعانق سعيدا، وقبّل جبهته المضيئة العالية...

          أي حظ من الهدى ناله هذا الطراز من الخلق..؟
          أي معلم كان رسول الله..؟
          اي نور نافذ، كان كتاب الله..؟؟
          وأي مدرسة ملهمة ومعلمة، كان الإسلام..؟؟
          ولكن، هل تستطيع الأرض أن تحمل فوق ظهرها عددا كثيرا من هذا الطراز..؟؟
          انه لو حدث هذا، لما بقيت أرضا، انها تصير فردوسا..
          أجل تصير الفردوس الموعود..
          ولما كان الفردوس لم يأت زمانه بعد فان الذين يمرون بالحياة ويعبرون الأرض من هذا الطراز المجيد الجليل.. قليلون دائما ونادرون..
          وسعيد بن عامر واحد منهم..
          كان عطاؤه وراتبه بحكم عمله ووظيفته، ولكنه كان يأخذ منه ما يكفيه وزوجه.. ثم يوزع باقيه على بيوت أخرى فقيرة...
          ولقد قيل له يوما:
          " توسّع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك"..
          فأجاب قائلا:
          " ولماذا أهلي وأصهاري..؟
          لا والله ما أنا ببائع رضا الله بقرابة"..

          وطالما كان يقال له:
          " توسّع وأهل بيتك في النفقة وخذ من طيّبات الحياة"..
          ولكنه كان يجيب دائما، ويردد أبدا كلماته العظيمة هذه:
          " ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول، بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يجمع الله عز وجل الناس للحساب، فيجيء فقراء المؤمنين يزفون كما تزف الحمام، فيقال لهم: قفوا للحساب، فيقولون: ما كان لنا شيء نحاسب عليه.. فيقول الله: صدق عبادي.. فيدخلون الجنة قبل الناس"..

          وفي العام العشرين من الهجرة، لقي سعيد ربه أنقى ما يكون صفحة، وأتقى ما يكون قلبا، وأنضر ما يكون سيرة..
          لقد طال شوقه الى الرعيل الأول الذي نذر حياته لحفظه وعهده، وتتبع خطاه..
          أجل لقد طال شوقه الى رسوله ومعلمه.. والى رفاقه الأوّابين المتطهرين..
          واليوم يلاقيهم قرير العين، مطمئن النفس، خفيف الظهر..
          ليس معه ولا وراءه من أحمال الدنيا ومتاعها ما يثقل ظهره وكاهله،،
          ليس معه الا ورعه، وزهده، وتقاه، وعظمة نفسه وسلوكه..
          وفضائل تثقل الميزان، ولكنها لا تثقل الظهور..!!
          ومزايا هز بها صاحبها الدنيا، ولم يهزها غرور..!!

          سلام على سعيد بن عامر..
          سلام عليه في محياه، وأخراه..
          وسلام.. ثم سلام على سيرته وذكراه..
          وسلام على الكرام البررة.. أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

          تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

          قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
          "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
          وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

          تعليق


          • #20
            حمزة بن عبد المطلب

            أسد الله وسيّد الشهداء

            كانت مكة تغطّ في نومها، بعد يوم مليء بالسعي، وبالكدّ، وبالعبادة وباللهو..
            والقرشيون يتقلبون في مضاجعهم هاجعين.. غير واحد هناك يتجافى عن المضجع جنباه، يأوي الى فراشه مبركا، ويستريح ساعات قليلة، ثم ينهض في شوق عظيم، لأنه مع الله على موعد، فيعمد الى مصلاه في حجرته، ويظل يناجي ربه ويدعوه.. وكلما استيقظت زوجته على أزير صدره الضارع وابتهالاته الحارّو الملحة، وأخذتها الشفقة عليه، ودعته أن يرفق بنفسه ويأخذ حظه من النوم، يجيبها ودموع عينيه تسابق كلماته:
            " لقد انقضى عهد النوم يا خديجة"..!!
            لم يكن أمره قد أرّق قريش بعد، وان كان قد بدأ يشغلا انتباهها، فلقد كان حديث عهد بدعوته، وكان يقول كلمته سرا وهمسا.
            كان الذين آمنوا به يومئذ قليلين جدا..
            وكان هناك من غير المؤمنين به من يحمل له كل الحب والاجلال، ويطوي جوانحه على شوق عظيم الى الايمان به والسير في قافلته المباركة، لا يمنعه سوى مواضعات العرف والبيئة، وضغوط التقاليد والوراثة، والتردد بين نداء الغروب، ونداء الشروق.
            من هؤلاء كان حمزة بن عبد المطلب.. عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة.

            كان حمزة يعرف عظمة ابن أخيه وكماله.. وكان على بيّنة من حقيقة أمره، وجوهر خصاله..
            فهو لا يعرف معرفة العم بابن أخيه فحسب، بل معرفة الأخ بالأخ، والصديق بالصديق.. ذلك أن رسول الله وحمزة من جيل واحد، وسن متقاربة. نشأ معا وتآخيا معا، وسارا معا على الدرب من أوله خطوة خطوة..
            ولئن كان شباب كل منهما قد مضى في طريق، فأخذ حمزة يزاحم أنداده في نيل طيبات الحياة، وافساح مكان لنفسه بين زعماء مكة وسادات قريش.. في حين عكف محمد على اضواء روحه التي انطلقت تنير له الطريق الى الله وعلى حديث قلبه الذي نأى به من ضوضاء الحياة الى التأمل العميق، والى التهيؤ لمصافحة الحق وتلقيه..
            نقول لئن كان شباب كل منهما قد اتخذ وجهة مغايرة، فان حمزة لم تغب عن وعيه لحظة من نهار فضائل تربه وابن أخيه.. تلك الفضائل والمكارم التي كانت تحلّ لصاحبها مكانا عليّا في أفئدة الناس كافة، وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم.
            في صبيحة ذلك اليوم، خرج حمزة كعادته.
            وعند الكعبة وجد نفرا من أشراف قريش وساداتها فجلس معهم، يستمع لما يقولون..
            وكانوا يتحدثون عن محمد..
            ولأول مرّة رآهم حمزة يستحوذ عليهم القلق من دعوة ابن أخيه.. وتظهر في أحاديثهم عنه نبرة الحقد، والغيظ والمرارة.
            لقد كانوا من قبل لا يبالون، أو هم يتظاهرون بعدم الاكتراث واللامبالاة.
            أما اليوم، فوجوههم تموج موجا بالقلق، والهمّ، والرغبة في الافتراس.
            وضحك حمزة من أحاديثهم طويلا.. ورماهم بالمبالغة، وسوء التقدير..
            وعقب أبو جهل مؤكدا لجلسائه أن حمزة أكثر الانس علما بخطر ما يدعو اليه محمد ولكنه يريد أم يهوّن الأمر حتى تنام قريش، ثم تصبح يوما وقد ساء صاحبها، وظهر أمر ابن أخيه عليها...
            ومضوا في حديثهم يزمجرون، ويتوعدون.. وحمزة يبتسم تارّة، ويمتعض أخرى، وحين انفض الجميع وذهب كل الى سبيله، كان حمزة مثقل الرأس بأفكار جديدة، وخواطر جديدة. راح يستقبل بها أمر ابن أخيه، ويناقشه مع نفسه من جديد...!!!
            ومضت الأيام، ينادي بعضها بعضا ومع كل يوم تزداد همهمة قريش حول دعوة الرسول..
            ثم تتحوّل همهمة قريش الى تحرّش. وحمزة يرقب الموقف من بعيد..
            ان ثبات ابن أخيه ليبهره.. وان تفانيه في سبيل ايمانه ودعوته لهو شيء جديد على قريش كلها، برغم ما عرفت من تفان وصمود..!!
            ولو استطاع الشك يومئذ أن يخدع أحدا عن نفسه في صدق الرسول وعظمة سجاياه، فما كان هذا الشك بقادر على أن يجد الى وعي حمزة منفا أو سبيلا..
            فحمزة خير من عرف محمدا، من طفولته الباكرة، الى شباب الطاهر، الى رجولته الأمينة السامقة..
            انه يعرفه تماما كما يعرف نغسه، بل أكثر مما يعرف نفسه، ومنذ جاءا الى الحياة معا، وترعرعا معا، وبلغا أشدّهما معا، وحياة محمد كلها نقية كأشعة الشمس..!! لا يذكر حمزة شبهة واحدة ألمّت بهذه الحياة، لا يذكر أنه رآه يوما غاضبا، أو قانطا، أو طامعا،أو لاهيا، أو مهزوزا...
            وحمزة لم يكن يتمتع بقوة الجسم فحسب، بل وبرجاحة العقل، وقوة اارادة أيضا..
            ومن ثم لم يكن من الطبيعي أن يتخلف عن متابهة انسان يعرف فيه كل الصدق وكل الأمانة.. وهكذا طوى صدره الى حين على أمر سيتكشّف في يوم قريب..
            وجاء اليوم الموعود..
            وخرج حمزة من داره،متوشحا قوسه، ميمّما وجهه شطر الفلاة ليمارس هوايته المحببة، ورياضته الأثيرة، الصيد.. وكان صاحب مهارة فائقة فيه..
            وقضى هناك بعض يومه، ولما عاد من قنصه، ذهب كعادته الى الكعبة ليطوف بها قبل أن يقفل راجعا الى داره.
            وقريبا من الكعبة، لقته خادم لعبدالله بن جدعان..
            ولم تكد تبصره حتى قالت له:
            " يا أبا عمارة.. لو رأيت ما اقي ابن أخيك محمد آنفا، من أبي الحكم بن هشام.. وجده جالسا هناك ، فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره"..
            ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله..
            واستمع حمزة جيدا لقولها، ثم أطرق لحظة، ثم مد يمينه الى قوسه فثبتها فوق كتفه.. ثم انطلق في خطى سريعة حازمة صوب الطعبة راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل.. فان هو لم يجده هناك، فسيتابع البحث عنه في كل مكان حتى يلاقيه..
            ولكنه لا يكاد يبلغ الكعبة، حتى يبصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش..
            وفي هدوء رهيب، تقدّم حمزة من أبي جهل، ثم استلّ قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجّه وأدماه، وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة، صاح حمزة في أبي جهل:
            " أتشتم محمدا، وأنا على دينه أقول ما يقول..؟! الا فردّ ذلك عليّ ان استطعت"..
            وفي لحظة نسي الجالسون جميعا الاهانة التي نزلت بزعيمهم أبي جهل والدم لذي ينزف من رأسه، وشغلتهم تلك الكلمة التي حاقت بهم طال صاعقة.. الكلمة التي أعلن بها حمزة أنه على دين محمد يرى ما يراه، ويقول ما يقوله..
            أحمزة يسلم..؟
            أعزّ فتيان قريش وأقواهم شكيمة..؟؟
            انها الطامّة التي لن تملك قريش لها دفعا.. فاسلام حمزة سيغري كثيرين من الصفوة بالاسلام، وسيجد محمد حوله من القوة والبأس ما يعزز دعوته ويشدّ ازره، وتصحو قريش ذات يوم على هدير المعاول تحطم أصنامها وآلهتها..!!
            أجل أسلم حمزة، وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي عليه صدره، وترك الجمع الذاهل يجترّ خيبة أمله، وأبا جهل يلعق دماءه النازفة من رأسه المشجوج.. ومدّ حمزة يمينه مرّة أخرى الى قوسه فثبتها فوق كتفه، واستقبل الطريق الى داره في خطواته الثابتة، وبأسه الشديد..!
            كان حمزة يحمل عقلا نافذا، وضميرا مستقيما..
            وحين عاد الى بيته ونضا عنه متاعب يومه. جلس يفكر، ويدير خواطره على هذا الذي حدث له من قريب..
            كيف أعلن اسلامه ومتى..؟
            لقد أعلنه في لحظات الحميّة، والغضب، والانفعال..
            لقد ساءه أن يساء الى ابن اخيه، ويظلم دون أن يجد له ناصرا، فيغضب له، وأخذته الحميّة لشرف بني هاشم، فشجّ رأس أبي جهل وصرخ في وجهه باسلامه...
            ولكن هل هذا هو الطريق الأمثل لك يغدار الانسان دين آبائه وقومه... دين الدهور والعصور.. ثم يستقبل دينا جديدا لم يختبر بعد تعاليمه، ولا يعرف عن حقيقته الا قليلا..
            صحيح أنه لا يشك لحظة في صدق محمد ونزاهة قصده..
            ولكن أيمكن أن يستقبل امرؤ دينا جديدا، بكل ما يفرضه من مسؤوليات وتبعات، في لحظة غضب، مثلما صنع حمزة الآن..؟؟؟
            وشرع يفكّر.. وقضى أياما، لا يهدأ له خاطر.. وليالي لا يرقأ له فيها جفن..
            وحين ننشد الحقيقة بواسطة العقل، يفرض الشك نفسه كوسيلة الى المعرفة.
            وهكذا، لم يكد حمزة يستعمل في بحث قضية الاسلام، ويوازن بين الدين القديم، والدين الجديد، حتى ثارت في نفسه شكوك أرجاها الحنين الفطري الموروث الى دين آبائه.. والتهيّب الفطري الموروث من كل جيد..
            واستيقظت كل ذكرياته عن الكعبة، وآلهاها وأصنامها... وعن الأمجاد الدينية التى أفاءتها هذه الآلهة المنحوتة على قريش كلها، وعلى مكة بأسرها.
            لقد كان يطوي صدره على احترام هذه الدعوة الجديدة التي يحمل ابن أخيه لواءها..
            ولكن اذا كان مقدورا له أن يكون أح أتباع هذه الدعوة، المؤمنين بها، والذائدين عنها.. فما الوقت المناسب للدخول في هذا الدين..؟
            لحظة غضب وحميّة..؟ أم أوقات تفكير ورويّة..؟
            وهكذا فرضت عليه استقامة ضميره، ونزاهة تفكيره أن يخضع المسألأة كلها من جديد لتفكر صارم ودقيق..
            وبدأ الانسلاخ من هذا التاريخ .. وهذا الدين القديم العريق، هوّة تتعاظم مجتازها..
            وعجب حمزة كيف يتسنى لانسان أن يغادر دين آبائه بهذه السهولة وهذه السرعة.. وندم على ما فعل.. ولكنه واصل رحلة العقل.. ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ الى الغيب بكل اخلاصه وصدقه..
            وعند الكعبة، كان يستقبل السماء ضارعا، مبتهلا، مستنجدا بكل ما في الكون من قدرة ونور، كي يهتدي الى الحق والى الطريق المستقيم..
            ولنضع اليه وهو يروي بقية النبأ فيقول:
            ".. ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي.. وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم..
            ثم أتيت الكعبة، وتضرّعت تاة الله أن يشرح صدري للحق، ويذهب عني الريب.. فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقينا..
            وغدوت الى رسول الله صلى الل عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري، فدع الله أن يثبت قلبي على دينه.."
            وهكذا أسلم حمزة اسلام اليقيم..
            أعز الله الاسلام بحمزة..ز ووقف شامخا قويا يذود عن رسول الله، وعن المستضعفين من أصحابه..
            ورآه أبو جهل يقف في صفوف المسلمين، فأدرك أنها الحرب لا محالة، وراح يحرّض قريشا على انزال الأذى بالرسول وصحبه، ومضى يهيء لحرب أهليّة يشفي عن طرقها مغايظة وأحقاده..
            ولم يستطع حمزة أن يمنع كل الأذى ولكن اسلامه مع ذلك كان وقاية ودرعا.. كما كان اغراء ناجحا لكثير من القبائل التي قادها اسلام حمزة أولا. ثم اسلام عمر بن الخطاب بعد ذلك الى الاسلام فدخلت فيه أفواجا..!!
            ومنذ أسلم حمزة نذر كل عافيته، وبأسه، وحياته، لله ولدينه حتى خلع النبي عليه هذا اللقب العظيم:
            "أسد الله، وأسد رسوله"..
            وأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء عدو، كان أميرها حمزة..
            وأول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين كانت لحمزة..
            ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر، كان أسد الله ورسوله هناك يصنع الأعاجيب..!!
            وعادت فلول قريش من بدر الى مكة تتعثر في هزيمتها وخيبتها... ورجع أبو سفيان مخلوع القلب، مطأطئ الرأس. وقد خلّف على أرض المعركة جثث سادة قريش، من أمثال أبي جهل.. وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف. وعقبة بن أبي معيط.. والأسود بن عبدالله المخزومي، والوليد بن عتبة.. والنفر بن الحارث.. والعاص بن سعيد.. وطعمة ابن عديّ.. وعشرات مثلهم من رجال قريش وصناديدها.
            وما كانت قريش لتتجرّع هذه الهزيمة المنكرة في سلام... فراحت تعدّ عدّتها وتحشد بأسها، لتثأر لنفسها ولشرفها ولقتلاها.. وصمّمت قريش على الحرب..
            وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيها، ومعها حلفاؤها من قبائل العرب، وبقيادة أبي سفيان مرة أخرى.
            وكان زعماء قريش يهدفون بمعركتهم الجديدة هذه الى رجلين اثنين: الرسول صلى اله عليه وسلم، وحمزة رضي الله عنه وأرضاه..
            أجل والذي كان يسمع أحاديثهم ومؤامراتهم قبل الخروج للحرب، يرى كيف كان حمزة بعد الرسول بيت القصيد وهدف المعركة..
            ولقد اختاروا قبل الخروج، الرجل الذي وكلوا اليه أمر حمزة، وهو عبد حبشي، كان ذا مهارة خارقة في قذف الحربة، جعلوا كل دوره في المعركة أن يتصيّد حمزة ويصوّب اليه ضربة قاتلة من رمحه، وحذروه من أن ينشغل عن هذه الغاية بشيء آخر، مهما يكن مصير المعركة واتجاه القتال.
            ووعدوه بثمن غال وعظيم هو حريّته.. فقد كان الرجل واسمه وحشي عبدا لجبير بن مطعم.. وكان عم جبير قد لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير"
            " اخرج مع الناس وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق"..!!
            ثم أحالوه الى هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضا ودفعا الى الهدف الذي يريدون..
            وكانت هند قد فقدت في معركة بدر أباها، وعمها، وأخاها، وابنها.. وقيل لها ان حمزة هو الذي قتل بعض هؤلاء، وأجهز على البعض الآخر..
            من أجل هذا كانت أكثر القرشيين والقرشيّات تحريضا على الخروج للحرب، لا لشيء الا لتظفر برأس حمزة مهما يكن الثمن الذي تتطلبه المغامرة..!!
            ولقد لبثت أياما قبل الخروج للحرب، ولا عمل لها الا افراغ كل حقدها في صدر وحشي ورسم الدور الذي عليه أن يقوم به..
            ولقد وعدته ان هو نجح في قال حمزة بأثمن ما تملك المرأة من متاع وزينة، فلقد أمسكت بأناملها الحاقدة قرطها اللؤلؤي الثمين وقلائدها الذهبية التي تزدحم حول عنقها، ثم قالت وعيناها تحدّقان في وحشي:
            " كل هذا لك، ان قتلت حمزة"..!!
            وسال لعاب وحشي، وطارت خواطره توّاقة مشتاقة الى المعركة التي سيربح فيها حريّته، فلا يصير بعد عبدا أو رقيقا، والتي سيخرج منها بكل هذا الحلي الذي يزيّن عنق زعيمة نساء قريش، وزوجة زعيمها، وابنة سيّدها..!!
            كانت المؤمرة اذن.. وكانت الحرب كلها تريد حمزة رضي الله عنه بشكل واضح وحاسم..
            وجاءت غزوة أحد...
            والتقى الجيشان. وتوسط حمزة أرض الموت والقتال، مرتديا لباس الحرب، وعلى صدره ريشة النعام التي تعوّد أن يزيّن بها صدره في القتال..
            وراح يصول ويجول، لا يريد رأسا الا قطعه بسيفه، ومضى يضرب في المشركين، وكأن المنايا طوع أمره، يقف بها من يشاء فتصيبه في صميمه.!!
            وصال المسلمون جميعا حتى قاربوا النصر الحاسم.. وحتى أخذت فلول قريش تنسحب مذعورة هاربة.. ولولا أن ترك الرماة مكانهم فوق الجبل، ونزلوا الى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المهزوم.. لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلها، رجالها، ونسائها بل وخيلها وابلها..!!
            لقد دهم فرسانها المسلمين من ورائهم على حين غفلة، واعملوا فيهم سيوفهم الظامئة المجنونة.. وراح المسلمون يجمعون أنفسهم من جديدو ويحملون سلاحهم الذي كان بعضهم قد وضعه حين رأى جيش محمد ينسحب ويولي الأدبار.. ولكن المفاجأة كانت قاسية عنيفة.
            ورأى حمزة ما حدث فضاعف قوته ونشاطه وبلاءه..
            وأخذ يضرب عن يمينه وشماله.. وبين يديه ومن خلفه.. ووحشيّ هناك يراقبه، ويتحيّن الفرصة الغادرة ليوجه نحنوه ضربته..
            ولندع وحشا يصف لنا المشهد بكلماته:
            [.. وكنت جلا حبشيا، أقذف بالحربة قذف لحبشة، فقلما أخطئ بها شيئا.. فلما التقى الانس خرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق.. يهدّ الناس بسيفه هدّا، ما يقف امامه شيء، فوالله اني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني، اذ تقدّمني اليه سباع بن عبد العزى. فلما رآه حمزة صاح به: هلمّ اليّ يا بن مقطّعة البظرو. ثم ضربه ضربة فما أخطأ رأسه..
            عندئذ هززت حربتي حتى اذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه.. ونهض نحوي فغلب على امره ثم مات..
            وأتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت الى المعسكر فقعدت فيه، اذ لم يكن لي فيه حاجة، فقد قتلته لأعتق..]
            ولا بأس في أن ندع وحشيا يكمل حديثه:
            [فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فهربت الى الطائف..
            فلما خرج وفد الطائف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم تعيّت عليّ المذاهب. وقلت : الحق بالشام أو اليمن أو سواها..
            فوالله اني لفي ذلك من همي اذ قال لي رجل: ويحك..! ان رسول اله، والله لا يقتل أحد من الناس يدخل دينه..
            فخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرني الا قائما أمامه أشهد شهادة الحق. فلما رآني قال: أوحشيّ أنت..؟ قلت: نعم يا رسول الله.. قال: فحدّثني كيف قتلت حمزة، فحدّثته.. فلما فرغت من حديثي قال: ويحك.. غيّب عني وجهك.. فكنت أتنكّب طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان، لئلا يراني حتى قبضه الله اليه..
            فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة.. فلما التقى الانس رأيت مسيلمة الكذاب قائما، في يده السيف، فتهيأت له، وهززت حربتي، حتى اذا رضيته منها دفعتها عليه فوقعت فيه..
            فان كنت قد قتلت بحربتي هذه خير الناس وهو حمزة.. فاني لأرجو أن يغفر الله لي اذ قتلت بها شرّ الناس مسيلمة]..

            هكذا سقط أسد الله ورسوله، شهيدا مجيدا..!!
            وكما كانت حياته مدوّية، كانت موتته مدوّية كذلك..
            فلم يكتف أعداؤه بمقتله.. وكيف يكتفون أو يقتنعون، وهم الذين جنّدوا كل أموال قريش وكل رجالها في هذه المعركة التي لم يريدوا بها سوى الرسول وعمّه حمزة..
            لقد أمرت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.. أمرت وحشيا أن يأتيها بكبد حمزة.. واستجاب الحبشي لهذه الرغبة المسعورة.. وعندما عاد بها الى هند كان يناولها الكبد بيمناه، ويتلقى منها قرطها وقلائدها بيسراه، مكافأة له على انجاز مهمته..
            ومضغت هند بنت عتبة الذي صرعه المسلمون ببدر، وزوجة أبي سفيان قائد جيوش الشرك الوثنية،مضغت كبد حمزة، راجية أن تشفي تلك الحماقة حقدها وغلها. ولكن الكبد استعصت على أنيابها، وأعجزتها أن تسيغها، فأخرجتها من فمها، ثم علت صخرة مرتفعة، وراحت تصرخ قائلة:
            نحن جزيناكم بيوم بدر
            والحرب بعد الحرب ذات سعر
            ما كان عن عتبة لي من صبر
            ولا أخي وعمّه وبكري
            شفيت نفسي وقضيت نذري
            أزاح وحشي غليل صدري

            وانتهت المعركة، وامتطى المشركون ابلهم، وساقوا خيلهم قافلين الى مكة..
            ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه الى أرض المعركة لينظر شهداءها..
            وهناك في بطن الوادي. وا هو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا لله أنفسهم، وقدّموها قرابين مبرورة لربهم الكبير. وقف فجأة.. ونظر. فوجم.. وضغط على أسنانه.. وأسبل جفنيه..
            فما كان يتصوّر قط أن يهبط الخلق العربي على هذه الوحشية البشعة فيمثل بجثمان ميت على الصورة التي رأى فيها جثمان عمه الشهيد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيّد الشهداء..
            وفتح الرسول عينيه التي تألق بريقهما كومض القدر وقال وعيناه على جثمان عمّه:
            " لن اصاب بمصلك أبدا..
            وما وقفت موقفا قط أغيظ اليّ من موقفي هذا..".
            ثم التفت الى أصحابه وقال:
            " لولا أن تحزن صفيّة _أخت حمزة_ ويكون سنّه من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير.. ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن، لأمثلن بثلاثين رجلا منهم.."
            فصاح أصحاب الرسول:
            " والله لئن ظفرنا بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم، مثلة لم يمثلها أحد من العرب..!!"
            ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشهادة، يكرّمه مرة أخرى بأن يجعل من مصرعه فرصة لدرس عظيم يحمي العدالة الى الأبد، ويجعل الرحمة حتى في العقوبة والقصاص واجبا وفرضا..
            وهكذا لم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يفرغ من القاء وعيده السالف حتى جاءه الوحي وهو في مكانه لم يبرحه بهذه الآية الكريمة:
            (ادع الى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، ان ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين.
            وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين.
            واصبر وما صبرك الا بالله، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون.
            ان الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون..)
            وكان نزول هذه الآيات، في هذا الموظن، خير تكريم لحمزة الذي وقع أجره على الله..
            كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أعظم الحب، فهو كما ذكرنا من قبل لم يكن عمّه الحبيب فحسب..
            بل كان اخاه من الرضاعة..
            وتربه في الطفولة..
            وصديق العمر كله..
            وفي لحظات الوداع هذه، لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم تحية يودّعه بها خيرا من أن يصلي عليه بعدد الشهداء المعركة جميعا..
            وهكذا حمل جثمان حمزة الى مكان الصلاة على أرض المعركة التي شهدت بلاءه، واحتضنت دماءه، فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم جيء بشهيد آخر، فصلى عليه الرسول.. ثم رفع وترك حمزة مكانه، وجيء بشهيد ثالث فوضع الى جوار حمزة وصلى عليهما الرسول..
            وهكذا جيء بالشهداء.. شهيد بعد شهيد.. والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي على كل واحد منهم وعلى حمزة معه حتى صلى على عمّه يومئذ سبعين صلاة..

            وينصرف الرسول من المعركة الي بيته، فيسمع في طريقه نساء بني عبد الأشهل يبكين شهداءهن، فيقول عليه الصلاة والسلام من فرط حنانه وحبه:
            " لكنّ حمزة لا بواكي له"..!!

            ويسمعها سعد بن معاذ فيظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطيب نفسا اذا بكت النساء عمه، فيسرع الى نساء بني عبد الأشهل ويأمرهن أن يبكين حمزة فيفعلن… ولا يكاد الرسول يسمع بكاءهن حتى يخرج اليهن، ويقول
            " ما الى هذا قصدت، ارجعن يرحمكن الله، فلا بكاء بعد اليوم"
            ولقد ذهب أصحاب رسول الله يتبارون في رثاء حمزة وتمجيد مناقبه العظيمة.

            فقال حسان بن ثابت:

            دع عنك دارا قد عفا رسمها
            وابك على حمزة ذي النائل
            اللابس الخيل اذا أحجمت
            كالليث في غابته الباسل
            أبيض في الذروة من بني هاشم
            لم يمر دون الحق بالباطل
            مال شهيدا بين أسيافكم
            شلت يدا وحشي من قاتل

            وقال عبد الله بن رواحة:

            بكت عيني وحق لها بكاها
            وما يغني البكاء ولا العويل
            على أسد الاله غداة قالوا:
            أحمزة ذاكم الرجل القتيل
            أصيب المسلمون به جميعا
            هناك وقد أصيب به الرسول
            أبا يعلى، لك الأركان هدّت
            وأنت الماجد البرّ الوصول

            وقالت صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة:

            دعاه اله الحق ذو العرش دعوة
            الى جنة يحيا بها وسرور
            فذاك ما كنا نرجي ونرتجي
            لحمزة يوم الحشر خير مصير
            فوالله ما أنساك ما هبّت الصبا
            بكاءا وحزنا محضري وميسري
            على أسد الله الذي كان مدرها
            يذود عن الاسلام كل كفور
            أقول وقد أعلى النعي عشيرتي
            جزى الله خيرا من أخ ونصير

            على أن خير رثاء عطّر ذكراه كانت كلمات رسول الله له حين وقف على جثمانه ساعة رآه بين شهداء المعركة وقال:

            " رحمة الله عليك، فانك كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات"..

            لقد كان مصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العظيم حمزة فادحا. وكان العزاء فيه مهمة صعبة.. بيد أن الأقدار كانت تدّخر لرسول الله أجمل عزاء.
            ففي طريقه من أحد الى داره مرّ عليه الصلاة والسلام بسيّدة من بني دينار استشهد في المعركة أبوها وزوجها، وأخوها..
            وحين أبصرت المسلمين عائدين من الغزو، سارعت نحوهم تسألهم عن أنباء المعركة..
            فنعوا اليها الزوج..والأب ..والأخ..
            واذا بها تسألهم في لهفة:
            " وماذا فعل رسول الله"..؟؟
            قالوا:
            " خيرا.. هو بحمد الله كما تحبين"..!!
            قالت:
            " أرونيه، حتىأنظر اليه"..!!
            ولبثوا بجوارها حتى اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رأته أقبلت نحوه تقول:
            " كل مصيبة بعدك، أمرها يهون"..!!

            أجل..
            لقد كان هذا أجمل عزاء وأبقاه..
            ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتسم لهذا المشهد الفذّ الفريد، فليس في دنيا البذل، والولاء، والفداء لهذا نظير..
            سيدة ضعيفة، مسكينة، تفقد في ساعة واحدة أباها وزوجها وأخاها.. ثم يكون ردّها على الناعي لحظة سمعها الخبر الذي يهدّ الجبال:
            " وماذا فعل رسول الله"..؟؟!!

            لقد كان مشهد أجاد القدر رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عزاء أي عزاء.. في أسد الله، وسيّد الشهداء..!!

            تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

            قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
            "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
            وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

            تعليق


            • #21
              عبدالله بن مسعود

              أول صادح بالقرآن

              قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، كان عبدالله بن مسعود قد آمن به، وأبح سادس ستة أسلموا واتبعوا الرسول، عليه وعليهم الصلاة والسلام..
              هو اذن من الأوائل المبكرين..
              ولقد تحدث عن أول لقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
              " كنت غلاما يافعا، أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوبكر فقالا: يا غلام،هل عندك من لبن تسقينا..؟؟
              فقلت: اني مؤتمن، ولست ساقيكما..
              فقال النبي عليه الصلاة والسلام: هل عندك من شاة حائل، لم ينز عليها الفحل..؟
              قلت: نعم..
              فأتيتهما بها، فاعتلفها النبي ومسح الضرع.. ثم اتاه أبو بكر بصخرة متقعرة، فاحتلب فيها، فشرب أبو بكر ثم شربت..ثم قال للضرع: اقلص، فقلص..
              فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد لك، فقلت: علمني من هذا القول.
              فقال: انك غلام معلم"...
              لقد انبهر عبدالله بن مسعود حين رأى عبدالله الصالح ورسوله الأمين يدعو ربه، ويمسح ضرعا لا عهد له باللبن بعد، فهذا هو يعطي من خير الله ورزقه لبنا خالصا سائغا للشاربين..!!
              وما كان يدري يومها، أنه انما يشاهد أهون المعجزات وأقلها شأنا، وأنه عما قريب سيشهد من هذا الرسول الكريم معجزات تهز الدنيا، وتلمؤها هدى ونور..
              بل ما كان يدري يومها، أنه وهو ذلك الغلام الفقير الضعيف الأجير الذي يرعى غنم عقبة بن معيط، سيكون احدى هذه المعجزات يوم يخلق الاسلام منه منه مؤمنا بايمانه كبرياء قريش، ويقهر جبروت ساداتها..
              فيذهب وهو الذي لم يكن يجرؤ أن يمر بمجلس فيه أحد أشراف مكة الا مطرق الرأس حثيث الخطى.. نقول: يذهب بعد اسلامه الى مجمع الأشراف عند الكعبة، وكل سادات قريش وزعمائها هنالك جالسون فيقف على رؤوسهم. ويرفع صوته الحلو المثير بقرآن الله:
              (بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن، علّم القرآن، خلق الانسان، علّمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان).
              ثم يواصل قراءته. وزعماء قريش مشدوهون، لا يصدقون أعينهم التي ترى.. ولا آذانهم التي تسمع.. ولا يتصورون أن هذا الذي يتحدى بأسهم.. وكبريائهم..انما هو أجير واحد منهم، وراعي غنم لشريف من شرفائهم.. عبدالله بن مسعود الفقير المغمور..!!
              ولندع شاهد عيان يصف لنا ذلك المشهد المثير..
              انه الزبير رضي الله عنه يقول:
              " كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، اذ اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
              والله ما سمعت قريش مثل هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعوه..؟؟
              فقال عبدالله بن مسعود:أنا..
              قالوا: ان نخشاهم عليك، انما نريد رجلا له عشيرته يمنعونه من القوم ان أرادوه..
              قال: دعوني، فان الله سيمنعني..
              فغدا ابن مسعود حتى اتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، فقام عند المقام ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم _رافعا صوته_ الرحمن.. علم القرآن، ثم استقبلهم يقرؤها..
              فتأملوه قائلين: ما يقول ابن ام عبد..؟؟ انه ليتلو بعض ما جاء به محمد..
              فقاموا اليه وجعلوا يضربون وجهه، وهو ماض في قراءته حتى بلغ منها ما شا الله أن يبلغ..
              ثم عاد الى أصحابه مصابا في وجهه وجسده، فقالوا له:
              هذا الذي خشينا عليك..
              فقال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها غدا..
              قالوا: حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون"..!!
              أجل ما كان ابن مسعود يوم بهره الضرع الحافل باللبن فجأة وقبل أوانه.. ما كان يومها يعلم أنه هو ونظراؤه من الفقراء والبسطاء، سيكونون احدى معجزات الرسول الكبرى يوم يحملون راية الله، ويقهرون بها نور الشمس وضوء النهار..!!
              ما كان يعلم أن ذلك اليوم قريب..
              ولكن سرعان ما جاء اليوم ودقت الساعة، وصار الغلام الأجير الفقير الضائع معجزة من المعجزات..!!
              لم تكن العين لتقع عليه في زحام الحياة..
              بل ولا بعيدا عن الزحام..!!
              فلا مكان له بين الذين أوتوا بسطة من المال، ولا بين الذين أوتوا بسطة في الجسم، ولا بين الذين أوتوا حظا من الجاه..
              فهو من المال معدم.. وهو في الجسم ناحل، ضامر.. وهو في الجاه مغمور..
              ولكن الاسلام يمنحه مكان الفقر نصيبا رابيا وحظوظا وافية من خزائن كسرى وكنوز قيصر..!
              ويمنحه مكان ضمور جسمه وضعف بنيانه ارادة تقهر الجبارين، وتسهم في تغيير مصير التاريخ..!
              ويمنحه مكان انزوائه وضياعه، خلودا، وعلما وشرفا تجعله في الصدارة بين أعلام التاريخ..!!
              ولقد صدقت فيه نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام يوم قال له: " انك غلام معلّم" فقد علمه ربه، حتى صار فقيه الأمة، وعميد حفظة القرآن جميعا.
              يقول على نفسه:
              " أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، لا ينازعني فيها أحد"..
              ولكأنما أراد الله مثوبته حين خاطر بحياته في سبيل ان يجهر بالقرآن ويذيعه في كل مكان بمكة أثناء سنوات الاضطهاد والعذاب فأعطاه سبحانه موهبة الأداء الرائع في تلاوته، والفهم السديد في ادراك معانيه..
              ولقد كان رسول الله يوصي أصحابه أن يقتدوا بابن مسعود فيقول:
              " تمسّكوا بعهد ابن أم عبد".
              ويوصيهم بأن يحاكوا قراءته،ويتعلموا منه كيف يتلو القرآن.
              يقول عليه السلام:
              " من أحب أن يسمع القرآن عصّا كما أنزل فليسمعه من ابن أم عبد"..
              " من أحب أن يقرأ القرآن غصا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"..!!
              ولطالما كان يطيب لرسول الله عليه السلام أن يستمع للقرآن من فم ابن مسعود..
              دعاه يوما الرسول، وقال له:
              " اقرأ عليّ يا عبد الله"..
              قال عبد الله:
              " أقرأ عليك، وعليك أنزل يا رسول الله"؟!
              فقال له الرسول:
              "اني أحب أن أسمعه من غيري"..
              فأخذ ابن مسعود يقرأ من سورة النساء حتى وصل الى قوله تعالى:
              (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا..
              يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض..
              ولا يكتمون الله حديثا)..
              فغلب البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاضت عيناه بالدموع، وأشار بيده الى ابن مسعود:
              أن" حسبك.. حسبك يا ابن مسعود"..
              وتحدث هو بنعمة الله فقال:
              " والله ما نزل من القرآن شيء الا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تمتطى اليه الابل أعلم مني بكتاب الله لأتيته وما أنا بخيركم"!!
              ولقد شهد له بهذا السبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
              قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه:
              " لقد ملئ فقها"..
              وقال أبو موسى الأشعري:
              " لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم"
              ولم يكن سبقه في القرآن والفقه موضع الثناء فحسب.. بل كان كذلك أيضا سبقه في الورع والتقى.
              يقول عنه حذيفة:
              " ما رأيت أحدا أشبه برسول الله في هديه، ودلّه، وسمته من ابن مسعود...
              ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن ام عبد لأقربهم الى الله زلفى"..!!
              واجتمع نفر من الصحابة يوما عند علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه فقالوا له:
              "يا أمير المؤمنين، ما رأينا رجلا كان أحسن خلقا ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعا من عبدالله بن مسعود..
              قال علي:
              نشدتكم الله، أهو صدق من قلوبكم..؟؟
              قالوا:نعم..
              قال:اللهم اني أشهدك.. اللهم اني أقول مثل ما قالوا أو أفضل..
              لقد قرأ القرآن فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه..فقيه في الدين، عالم بالسنة"..!
              وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يتحدثون عن عبدالله بن مسعود فيقولون:
              " ان كان ليؤذن له اذا حججنا، ويشهد اذا غبنا"..
              وهم يريدون بهذا، أن عبد الله رضي الله عنه كان يظفر من الرسول صلى الله عليه وسلم بفرص لم يظفر بها سواه، فيدخل عليه بيته أكثر مما يدخل غيرهو ويجالسه أكثر مما يجالس سواه. وكان دون غيره من الصّحب موضع سرّه ونجواه، حتى كان يلقب بـ صاحب السواد أي صاحب السر..
              يقول أبو موسى الشعري رضي الله عنه:
              "لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام، وما أرى الا ابن مسعود من أهله"..
              ذلك أن النبيب صلى الله عليه وسلم كان يحبّه حبا عظيما، وكان يحب فيه ورعه وفطنته، وعظمة نفسه..
              حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه:
              " لو كنت مؤمّرا أحدا دون شورى المسلمين، لأمّرت ابن أم عبد"..
              وقد مرّت بنا من قبل، وصية االرسول لأصحابه:
              " تمسكوا بعهد ابن أم عبد"...
              وهذا الحب، وهذه الثقة أهلاه لأن يكون شديد لبقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطي ما لم يعط أحد غيره حين قال له الرسول عليه الصلاة والسلام:" اذنك عليّ أن ترفع الحجاب"..
              فكان هذا ايذانا بحقه في أن يطرق باب الرسول عليه أفضل السلام في أي وقت يشاء من ليل أو نهار...
              وهكذا قال عنه أصحابه:
              " كان يؤذن له اذا حججنا، ويشهد اذا غبنا"..
              ولقد كان ابن مسعود أهلا لهذه المزيّة.. فعلى الرغم من أن الخلطة الدانية على هذا النحو، من شأنها أن ترفع الكلفة، فان ابن مسعود لم يزدد بها الا خشوعا، واجلالا، وأدبا..
              ولعل خير ما يصوّر هذا الخلق عنده، مظهره حين كان يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته...
              فعلى الرغم من ندرة تحدثه عن الرسول عليه السلام، نجده اذا حرّك شفتيه ليقول: سمعت رسول الله يحدث ويقول: سمعت رسول الله يحدث ويقول... تأخذه الرّعدة الشديدة ويبدو عليه الاضطراب والقلق، خشية أن ينسى فيضع حرفا مكان حرف..!!

              ولنستمع لاخوانه يصفون هذه الظاهرة..
              يقول عمرو بن ميمون:
              " اختلفت الى عبدالله بن مسعود سنة، ما سمعه يتحدث فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الا أنه حدّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله، فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدّر عن جبهته، ثم قال مستدركا قريبا من هذا قال الرسول"..!!
              ويقول علقمة بن قيس:
              " كان عبدالله بن مسعود يقوم عشيّة كل خميس متحدثا، فما سمعته في عشية منها يقول: قال رسول الله غير مرة واحدة.. فنظرت اليه وهو معتمد على عصا، فاذا عصاه ترتجف، وتتزعزع"..!!
              ويحدثنا مسروق عن عبدالله:
              " حدّث ابن مسعود يوما حديثا فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم أرعد وأرعدت ثيابه.. ثم قال:أو نحو ذا.. أو شبه ذا"..!!
              الى هذا المدى العظيم بلغ اجلاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ توقيره اياه، وهذه أمارة فطنته قبل أن تكون امارة تقاه..!!
              فالرجل الذي عاصره رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرمن غيره، كان ادراكه لجلال هذا الرسول العظيم ادراكا سديدا.. ومن ثمّ كان أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، ومع ذكراه في مماته، أدبا فريدا..!!

              لم يكن يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ولا في حضر.. ولقد شهد المشاهد كلها جميعها.. وكان له يوم بدر شأن مذكور مع أب جهل الذي حصدته سيوف المسلمين في ذلك اليوم الجليل.. وعرف خلفاء الرسول وأصحابه له قدره.. فولاه أمير المؤمنين عمر على بيت المال في الكوفة. وقال لأهلها حين أرسله اليهم:
              " اني والله الذي لا اله الا هو، قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا".
              ولقد أحبه أهل الكوفة حبا جما لم يظفر بمثله أحد قبله، ولا أحد مثله..
              واجماع أهل الكوفة على حب انسان، أمر يشبه المعجزات..
              ذلك أنهم أهل تمرّد ثورة، لا يصبرون على طعام واحد..!! ولا يطيقون الهدوء والسلام..

              ولقد بلغ من حبهم اياه أن أطاحوا به حين أراد الخليفة عثمان رضي الله عنه عزله عن الكوفة وقالوا له:" أقم معنا ولا تخرج، ونحن نمنعك أن يصل اليك شيء تكرهه منه"..
              ولكن ابن مسعود أجابهم بكلمات تصوّر عظمة نفسه وتقاه، اذ قال لهم:
              " ان له عليّ الطاعة، وانها ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن يكون أول من يفتح أبوابها"..!!
              ان هذا الموقف الجليل الورع يصلنا بموقف ابن مسعود من الخلبيفةعثمان.. فلقد حدث بينهما حوار وخلاف تفاقما حتى حجب عن عبدالله راتبه ومعاشه من بيت الامل،، ومع ذلك لم يقل في عثمان رضي الله عنه كلمة سوء واحدة..
              بل وقف موقف المدافع والمحذر حين رأى التذمّر في عهد عثمان يتحوّل الى ثورة..
              وحين ترامى الى مسمعه محاولات اغتيال عثمان، قال كلمته المأثورة:
              " لئن قتلوه، لا يستخلفون بعده مثله".
              ويقولبعض أصحاب ابن مسعود:
              " ما سمعت ابن مسعود يقول في عثمان سبّة قط"..

              ولقد آتاه الله الحكمة مثلما أعطاه التقوى.
              وكان يملك القدرة على رؤية الأعماق، والتعبير عنها في أناقة وسداد..
              لنستمع له مثلا وهو يلخص حياة عمر العظيمة في تركيز باهرا فيقول:
              " كان اسلامه فتحا.. وكانت هجرته نصرا.. وكانت امارته رحمة..".
              ويتحدث عما نسميه اليوم نسبية الزمان فيقول:
              " ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار.. نور السموات والأرض من نور وجهه"..!!
              ويتحدث عن العمل وأهميته في رفع المستوى الأدبي لصاحبه، فيقول:" اني لأمقت الرجل، اذ أراه فارغا.. ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة"..
              ومن كلماته الجامعة:
              " خير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى، وشر العمى عمى القلب، وأعظم الخطايا الكذب، وشرّ المكاسب الربا، وشرّ المأكل مال اليتيم، ومن يعف الله عنه، ومن يغفر الله له"..

              هذا هو عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
              وهذه ومضة من حياة عظيمة مستبسلة، عاشها صاحبها في سبيل الله، ورسوله ودينه..
              هذا هو الرجل الذي كان جسمه في حجم العصفور..!!
              نحيف، قصير، يكاد الجالس يوازيه طولا وهو قائم..
              له ساقان ناحلتان دقيقتان.. صعد بهما يوما أعلى شجرة يجتني منها أراكا لرسول اله صلى الله عليه وسلم.. فرأى أصحاب النبي دقتهما فضحكوا، فقال عليه الصلاة والسلام:
              " تضحكون من ساقيْ ابن مسعود، لهما أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد"..!!
              أجل هذا هو الفقير الأجير، الناحل الوهنان.. الذي جعل منه ايمانه ويقينه اماما من أئمة الخير والهدى والنور..
              ولقد حظي من توفيق الله ومن نعمته ما جعله أحد العشرة الأوائل بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.. أولئك الذين بشروا وهم على ظهر الأرض برضوان الله وجنّته..
              وخاض المعارك الظافرة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، مع خلفائه من بعده..
              وشهد أعظم امبراطوريتين في عالمه وعصره تفتحان أبوابهما طائعة خاشعة لرايات الاسلام ومشيئته..
              ورأى المناصب تبحث عن شاغليها من المسلمين، والأموال الوفيرة تتدحرج بين أيديهم، فما شغله من ذلك شيء عن العهد الذي عاهد الله عليه ورسوله.. ولا صرفه صارف عن اخباته وتواضعه ومنهج حياته..
              ولم تكن له من أمانيّ الحياة سوى أمنية واحدة كان يأخذه الحنين اليها فيرددها، ويتغنى بها، ويتمنى لو أنه أدركها..
              ولنصغع اليه يحدثنا بكلماته عنها:
              " قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.. فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فأتبعتها أنظر اليها، فاذا رسول الله، وأبوبكر وعمر، واذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات واذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه اليه، والرسول يقول: ادنيا اليّ أخاكما.. فدلياه اليه، فلما هيأه للحده قال: اللهم اني أمسيت عنه راضيا فارض عنه.. فيا ليتني كنت صاحب هذه الحفرة"..!!

              الله الله تلك أمنيته الوحيد التي كان يرجوها في دنياه.
              وهي لا تمت بسبب الى ما يتهافت الناس عليه من مجد وثراء، ومنصب وجاه..
              ذلك أنها أمنية رجل كبير القلب، عظيم النفس، وثيق اليقين.. رجل هداه الله، وربّاه الرسول، وقاده القرآن..!!

              تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

              قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
              "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
              وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

              تعليق


              • #22
                حذيفة بن اليمان

                عدوّ النفاق وصديق الوضوح

                خرج أهل المدائن أفواجا يستقبلون واليهم الجديد الذي اختاره لهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه..
                خرجوا تسبقهم أشواقهم الى هذا الصحابي الجليل الذي سمعوا الكثير عون ورعه وتقاه.. وسمعوا أكثر عن بلائه العظيم في فتوحات العراق..
                واذ هم ينتظرون الموكب الوافد، أبصروا أمامهم رجلا مضيئا، يركب حمارا على ظهره اكاف قديم، وقد أسدل الرجل ساقيه، وأمسك بكلتا يديه رغيفا وملحا، وهو يأكل ويمضغ طعامه..!
                وحين توسط جمعهم، وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان الوالي الذي ينتظرون، كاد صوابهم يطير..!!
                ولكن فيم العجب..؟!
                وماذا كانوا يتوقعون أن يجيء في اختيار عمر..؟!
                الحق أنهم معذورون، فما عهدت بلادهم أيام فارس، ولا قبل فارس ولاة من هذا الطراز الجليل.!!
                وسار حذيفة، والناس محتشدون حوله، وحافون به..
                وحين رآهم يحدّقون فيه كأنهم ينتظرون منه حديثا، ألقى على وجوههم نظرة فاحصة ثم قال:
                " اياكم ومواقف الفتن"..!!
                قالوا:
                وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله..!!
                قال:
                " أبواب الأمراء"..
                يدخل أحدكم على الوالي أو الأمير، فيصدّقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه"..!
                وكان استهلالا بارعا، بقدر ما هو عجيب..!!
                واستعاد الإنس موفورهم ما سمعوه عن واليهم الجديد، من أنه لا يمقت في الدنيا كلها ولا يحتقر من نقائصها شيئا أكثر مما يمقت النفاق ويحتقره.
                وكان هذا الاستهلال أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، وعن منهجه في الحكم والولاية..
                فـ حذيفة بن اليمان رجل جاء الحياة مزودا بطبيعة فريدة تتسم ببغض النفاق، وبالقدرة الخارقة على رؤيته في مكامنه البعيدة.
                ومنذ جاء هو أخوه صفوان في صحبة أبيهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعنق ثلاثتهم الاسلام، والاسلام يزيد موهبته هذه مضاء وصقلا..
                فلقد عانق دينا قويا، نظيفا، شجاعا قويما.. يحتقر الجبن والنفاق، والكذب...
                وتأدّب على يدي رسول الله واضح كفق الصبح، لا تخفى عليهم من حياته، ولا من أعماق نفسه خافية.. صادق وأمين..يحب الأقوياء في الحق، ويمقت الملتوين والمرائين والمخادعين..!!
                فلم يكن ثمة مجال ترعرع فيه موهبة حذيفة وتزدهر مثل هذا المجال، في رحاب هذا الدين، وبين يدي هذا الرسول، ووسط هذا ارّعيل العظيم من الأصحاب..!!
                ولقد نمت موهبته فعلا أعظم نماء.. وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر.. يقرأ الوجوه في نظرة.. ويبلو
                كأنه الأعماق المستترة، والدخائل المخبوءة. في غير عناء..
                ولقد بلغ من ذلك ما يريد، حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو الملهم الفطن الأريب، يستدل برأي حذيفة، وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم.
                ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن يريده.. وانما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه، ومظانه..
                وهكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار، والنفاق والمؤمنين..
                يقول:
                " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني..
                قلت: يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر؟
                قال: نعم..
                قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟
                قال: نعم، وفيه دخن..
                قلت: وما دخنه..؟
                قال: قوم يستنون بغير سنتي.. ويهتدون يغير هديي، وتعرف منهم وتنكر..
                قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر..؟
                قال: نعم! دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم اليها قذفوه فيها..
                قلت: يا رسول الله، فما تأمرني ان أدركني ذلك..؟
                قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم..
                قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا إمام..؟؟
                قال: تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"..!!
                أرأيتم قوله:" كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"..؟؟
                لقد عاش حذيفة بن اليمان مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن، مسالك الشرور ليتقها، وليحذر الناس منها. ولقد أفاء عليه هذا بصرا بالدنيا، وخبرة بالانس، ومعرفة بالزمن.. وكلن يدير المسائل في فكره وعقله بأسلوب فيلسوف، وحصانة حكيم...

                ويقول رضي الله عنه:
                " ان اله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، فدعا الإنس من الضلالة الى الهدى، ومن الكفر الى الايمان، فاستجاب له من استجاب، فحيي بالحق من كان ميتا...
                ومات بالباطل من كان حيا..
                ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على مناهجها..
                ثم يكون ملكا عضوضا..!!
                فمن الانس من ينكر بقلبه، ويده ولسانه.. أولئك استجابوا لحق..
                ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه، كافا يده، فهذا ترك شعبة من الحق..
                ومنهم من ينكر بقلبه، كافا يده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الحق..
                ومنهم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميّت الأحياء"...!
                ويتحدّث عن القلوب وعن حياة الهدى والضلال فيها فيقول:
                " القلوب أربعة:
                قلب أغلف، فذلك قلب الكافر..
                وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق..
                وقلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن..
                وقلب فيه نفاق وإيمان، فمثلا إيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب.. ومثل النفاق كقرحة يمدّها قيح ودم: فأيهما غلب، غلب"...!!

                وخبرة حذيفة بالشر، وإصراره على مقاومته وتحدّيه، أكسبا لسانه وكلماته شيئا من الحدّة، وينبأ هو بهذا في شجاعة نبيلة:
                فيقول:
                " جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ان لي لسانا ذربا على أهلي، وأخشى أن يدخلني النار..
                فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام: فأين أنت من الاستغفار..؟؟ اني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة"...

                هذا هو حذيفة عدو النفاق، صديق الوضوح..
                ورجل من هذا الطراز، لا يكون إيمانه الا وثيقا.. ولا يكون ولاؤه الا عميقا.. وكذلكم كان حذيفة في إيمانه وولائه..
                لقد رأى أباه المسلم يصرع يوم أحد..وبأيد مسلمة، قتلته خطأ وهي تحسبه واحدا من المشركين..!!
                وكان حذيفة يتلفت مصادفة، فرأى السيوف تنوشه، فصاح في ضاربيه: أبي... أبي.. انه أبي..!!
                لكن القضاء كان قد حم..
                وحين عرف المسلمون، تولاهم الحزن والوجوم.. لكنه نظر اليهم نظرة اشفاق ومغفرة، وقال:
                " يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين"..
                ثم انطلق بسيفه صوب المعركة المشبوبة يبلي فيها بلاءه، ويؤدي واجبه..
                وتنتهي المعركة، ويبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بالدية عن والد حذيفة "حسيل بن جابر" رضي الله عنه، ويتصدّق بها على المسلمين، فيزداد الرسول حبا له وتقديرا...
                وايمان حذيفة وولاؤه، لا يعترفان
                بالعجز، ولا بالضعف..بل ولا بالمستحيل....
                في غزوة الخندق..وبعد أن دبّ الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائهم من اليهود، أراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يقف على آخر تطوّرات الموقف هناك في معسكر أعدائه.
                كان الليل مظلما ورهيبا.. وكانت العواصف تزأر وتصطخب، كأنما تريد أن تقتلع جبال الصحراء الراسيات من مكانها.. وكان الموقف كله بما فيه من حصار وعناد وإصرار يبعث على الخوف والجزع، وكان الجوع المضني قد بلغ مبلغا وعرا بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم..
                فمن يملك آنئذ القوة،وأي قوة ليذهب وسط مخاطر حالكة الى معسكر الأعداء ويقتحمه، أو يتسلل داخله ثم يبلوا أمرهم ويعرف أخبارهم..؟؟
                ان الرسول هو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بهذه المهمة البالغة العسر..
                ترى من يكون البطل..؟
                انه هو..حذيفة بن اليمان..!
                دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فلبى، ومن صدقه العظيم يخبرنا وهو يروي النبأ أنه لم يكن يملك الا أن يلبي.. مشيرا بهذا الى أنه كان يرهب المهمة الموكولة اليه، ويخشى عواقبها، والقيام بها تحت وطأة الجوع، والصقيع، والإعياء الجديد الذي خلفهم فيه حصار المشركين شهرا أو يزيد..!
                وكان أمر حذيفة تلك الليلة عجيبا...
                فاقد قطع المسافة بين المعسكرين، واخترق الحصار.. وتسلل الى معسكر قريش، وكانت الريح العاتية قد أطفأت نيران المعسكر، فخيّم عليه الظلام،واتخذ حذيفة رضي الله عنه مكانه وسط صفوف المحاربين...
                وخشي أبوسفيان قائد قريش، أن يفاجئهم الظلام بمتسللين من المسلمين، فقام يحذر جيشه، وسمعه حذيفة يقول بصوته المرتفع:
                " يا معشر قريش، لينظر كل منكم جليسه، وليأخذ بيده، وليعرف اسمه".
                يقول حذيفة"
                " فسارعت الى يد الرجل الذي بجواري، وقلت لهمن أنت..؟ قال: فلان بن فلان؟"...
                وهكذا أمّن وجوده بين الجيش في سلام..!
                واستأنف أبو سفيان نداءه الى الجيش قائلا:" يا معشر قريش.. إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام.. لقد هلكت الكراع _ أي الخيل_ والخف_ أي الإبل_، وإختلفنا وبنوقريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فاني مرتحل"..
                ثم نهض فوق جمله، وبدأ المسير فتبعه المحاربون..
                يقول حذيفة:
                " لولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليّ ألا تحدث شيئا حتى تأتيني، لقتلته بسهم"..
                وعاد حذيفة الى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره الخبر، وزف البشرى اليه...
                ومع هذا فان حذيفة يخلف في هذا المجال كل الظنون..
                ورجل الصومعة العابد، المتأمل لا يكاد يحمل سيفه ويقابل جيوش الوثنية والضلال حتى يكشف لنا عن عبقرية تبهر الأبصار..
                وحسبنا أن نعلم، أنه كان ثالث ثلاثة، أو خامس خمسة كانوا أصحاب السبق العظيم في فتوح العراق جميعها..!
                وفي همدان والري والدينور تم الفتح على يديه..
                وفي معركة نهاوند العظمى، حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين الفا.. اختار عمر لقيادة الجيوش المسلمة النعمان بن مقرّن ثم كتب الى حذيفة أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة..
                وأرسل عمر الى المقاتلين كتابه يقول:
                " اذا اجتمع المسلمون فليكن على كل أمير جيشه.. وليكن أمير الجيوش جميعها النعمان بن مقرّن..
                فاذا استشهد النعمان، فليأخذ الراية حذيفة، فاذا استشهد فجرير بن عدالله..
                وهكذا مضى أمير المؤمنين يختار قوّاد المعركة حتى سمّى منهم سبع...
                والتقى الجيشان..
                الفرس في مائة ألف وخمسين ألفا..
                والمسلمون في ثلاثين ألفا لاغير...
                وينشب قتال يفوق كل تصور ونظير ودارت معركة من أشد معارك التاريخ فدائية وعنفا..
                وسقط قائد المسلمين قتيلا، سقط النعمان بن مقرّن، وقبل أن تهوي الراية المسلمة الى الأرض كان القائد الجديد قد تسلمها بيمينه، وساق بها رياح النصر في عنفوان لجب واستبسال عظيم... ولم يكن هذا القائد سوى حذيفة بن اليمان...
                حمل الراية من فوره، وأوصى بألا ندع نبأ موت النعمان حتى تنجلي المعركة.. ودعا نعيم بن مقرن فجعله مكان أخيه النعمان تكريما له..
                أنجزت المهمة في لحظات والقتال يدور، بدهيته المشرقة.. ثم انثنى كالإعصار المدمدم على صفوف الفرس صائحا:
                " الله أبكر صدق وعده!!
                الله أكبر نصر جنده!!"
                ثم لوى زمام فرسه صوب المقاتلين في جيوشه ونادى: يا أتباع محمد.. هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم فلا تطيلوا عليها الانتظار..
                هيا يا رجال بدر..
                تقدموا يا ابطال الخندق وأحد وتبوك..
                لقد احتفظ حذيفة بكل حماسة المعركة وأشواقها، ان لم يكن قد زاد منها وفيها..
                وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس.. هزيمة لا نكاد نجد لها نظيرا..!!
                هذا العبقري في حمته، حين تضمّه صومعته..
                والعبقري في فدائيته، حين يقف فوق أرض القتال..
                هو كذلك العبقري في كل مهمة توكل إليه، ومشورة تطلب منه.. فحين انتقل سعد بن أبي وقاص والمسلمون معه من المدائن الى الكوفة واستوطنوها..
                وذلك بعد أن أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا.
                مما جعل عمر يكتب الى سعد كي يغادرها فورا بعد أن يبحث عن أكثر البقاع ملاءمة، فينتقل بالمسلمين اليها..
                يومئذ من الذي وكل اليه أمر اختيار البقعة والمكان..؟
                انه حذيفة بن اليمان.. ذهب ومعه سلمان بن زياد، يرتادان لمسلمين المكان الملائم..
                فلما بلغا أرض الكوفة، وكانت حصباء جرداء مرملة. شمّ حذيفة عليها أنسام العافية، فقال لصاحبه: هنا المنزل ان شاء الله..
                وهكذا خططت الكوفة وأحالتها يد التعمير الى مدينة عامرة...
                وما كاد المسلمون ينتقلون إليها، حتى شفي سقيمهم. وقوي ضعيفهم. ونبضت بالعافية عروقهم..!!
                لقد كان حذيفة واسع الذكاء، متنوع الخبرة، وكان يقول للمسلمين دائما:
                " ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة.. ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا.. ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه"...
                وذات يوم من أيام العام الهجري السادس والثلاثين..دعي للقاء الله.. واذ هو يتهيأ للرحلة الأخيرة دخل عليه بعض أصحابه، فسألهم:
                أجئتم معكم بأكفان..؟؟
                قالوا: نعم..
                قال: أرونيها..
                فلما رآها، وجدها جديدة فارهة..
                فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة، وقال لهم:
                " ما هذا لي بكفن.. انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص..
                فاني لن أترك في القبر الا قليلا، حتى أبدّل خيرا منهما... أو شرّ منهما"..!!
                وتمتم بكلمات، ألقى الجالسون أسماعهم فسمعوها:
                " مرحبا بالموت..
                حبيب جاء على شوق..
                لا أفلح من ندم"..
                وصعدت الى الله روح من أعظم أرواح البشر، ومن أكثرها تقى، وتألقا، وإخباتا...

                تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                تعليق


                • #23
                  عمّار بن ياسر
                  رجل من الجنة..!!

                  لو كان هناك أناس يولدون في الجنة، ثم يشيبون في رحابها ويكبرون..
                  ثم يجاء بهم إلى الأرض ليكون زينة لها، ونورا، لكان عمّار، وأمه سميّة، وأبوه ياسر من هؤلاء..!!
                  ولكن لماذا نقول: لو.. لماذا مفترض هذا الافتراض، وقد كان آل ياسر فعلا من أهل الجنة..؟؟
                  وما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مواسيا لهم فحسب حين قال:
                  " صبرا آل ياسر ان موعدكم الجنة"..
                  بل كان يقرر حقيقة يعرفها ويؤكد واقعا يبصره ويراه..
                  خرج ياسر والد عمّار، من بلده في اليمن يطلب أخا له، ويبحث عنه..
                  وفي مكة طاب له المقام، فاستوطنها محالفا أبا حذيفة بن المغيرة..
                  وزوّجه أبو حذيفة احدى امائه سميّة بنت خياط..
                  ومن هذا الزواج المبارك رزق الله الأبوين عمارا..
                  وكان اسلامهم مبكرا.. شأن الأبرار الذين هداهم الله..
                  وشأن الأبرار المبكّرين أيضا، أخذوا نصيبهم الأوفى من عذاب قريش وأهوالها..!!
                  ولقد كانت قريش تتربّص بالمؤمنين الدوائر..
                  فان كانوا ممن لهم في قومهم شرف ومنعة، تولوهم بالوعيد والتهديد، ويلقى أبو جهل المؤمن منهم فيقول له:" تركت دين آبائك وهم خير منك.. لنسفّهنّ حلمك، ولنضعنّ شرفك، ولنكسدنّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك" ثم يشنون عليه حرب عصبية حامية.
                  وان كان المؤمن من ضعفاء مكة وفقرائها، أو عبيدها، أصلتهم سعيرا.
                  ولقد كان آل ياسر من هذا الفريق..
                  ووكل أمر تعذيبهم الى بني مخزوم، يخرجون بهم جميعا.. ياسر، سمية وعمار كل يوم الى رمضاء مكة الملتهبة، ويصبّون عليهم جحيم العذاب ألوانا وفنونا!!
                  ولقد كان نصيب سمية من ذلك العذاب فادحا رهيبا. ولن نفيض في الحديث عنها الآن.. فلنا ان شاء الله مع جلال تضحيتها، وعظمة ثباتها لقاء نتحدث عنها وعن نظيراتها وأخواتها في تلك الأيام الخالدات..
                  وليكن حسبنا الآن أن نذكر في غير كبالغة أن سمية الشهيدة وقفت يوم ذاك موقفا يمنح البشرية كلها من أول الى آخرها شرفا لا ينفد، وكرامة لا ينصل بهاؤها..!
                  موقفا جعل منها أمّا عظيمة للمؤمنين في كل العصور.. وللشرفاء في كل الأزمان..!!
                  كان الرسول عليه الصلاة والسلام يخرج الى حيث علم أن آل ياسر يعذبون..
                  ولم يكن آنذاك يملك من أسباب المقاومة ودفع الأذى شيئا..
                  وكانت تلك مشيئة الله..
                  فالدين الجديد، ملة ابراهيم حنيفا، الدين الذي يرفع محمد لواءه ليس حركة اصلاح عارضة عابرة.. وانما هو نهج حياة للبشرية المؤمنة.. ولا بد للبشربة المؤمنة هذه أن ترث مع الدين تاريخه بكل تاريخه وبطولاته، وتضحياته ومخاطراته...
                  ان هذه التضحيات النبيلة الهائلة، هي الخرسانة التي تهب الدين والعقيدة ثباتا لا يزول، وخلودا لا يبلى..!!!
                  انها العبير يملأ أفئدة المؤمنين ولاء، وغبطة وحبورا.
                  وانها المنار الذي يهدي الأجيال الوافدة الى حقيقة الدين، وصدقه وعظمته..
                  وهكذا لم يكن هناك بد من أن يكون للإسلام تضحياته وضحاياه، ولقد أضاء القرآن الكريم هذا المعنى للمسلمين في أكثر من آية...
                  فهو يقول:
                  (أحسب الناس أن يتركوا، أن يقولوا آمنّا، وهم لا يفتنون)؟!

                  (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ويعلم الصابرين)؟

                  (ولقد فتنّا الذين من قبلهم، فليعلمنّ الله الذين صدقوا، وليعلمنّ الكاذبين).

                  (أم حسبتم أن تتركوا، ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم..)

                  (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيّب)..

                  (وما أصابكم يوم التقى الجمعان، فبإذن الله، وليعلم المؤمنين).

                  أجل هكذا علم القرآن حملته وأبناءه، أن التضحية جوهر الايمان، وأن مقاومة التحديّات الغاشمة الظالمة بالثبات وبالصبر وبالاصرار.. انما تشكّل أبهى فضائل الايمان وأروعها..
                  ومن ثمّ فان دين الله هذا وهو يضع قواعده، ويرسي دعائمه، ويعطي مثله، لا بد له أن يدعم وجوده بالتضحية، ويزكّي نفسه بالفداء، مختارا لهذه المهمة الجليلة نفرا من أبنائه وأوليائه وأبراره يكنون قدوة سامقة ومثلا عاليا للمؤمنين القادمين.
                  ولقد كانت سميّة.. وكان ياسر.. وكان عمّار من هذه الثلة المباركة العظيمة التي اختارتها مقادير الاسلام لتصوغ من تضحياتها وثباتها واصراراها وثيقة عظمته وخلوده..
                  قلنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج كل يوم الى أسرة ياسر، محيّيا صمودها، وبطولتها.. وكان قلبه الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم وهم يتلقون العذاب ما لا طاقة لهم به.
                  وذات يوم وهو يعودهم ناداه عمّار:
                  " يا رسول الله.. لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ"..
                  فنا داه الرسول: صبرا أبا اليقظان..
                  صبرا آل ياسر..
                  فان موعدكم الجنة"..
                  ولقد وصف أصاب عمّار العذاب الذي نزل به في أحاديث كثيرة.
                  فيقول عمرو بن الحكم:
                  " كان عمّار يعذب حتى لا يدري ما يقول".
                  ويقول عمرو بن ميمون:
                  " أحرق المشركون عمّار بن ياسر بالنار، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به، ويمر يده على رأسه ويقول: يا نار كوني بردا وسلاما على عمّار، كما كنت بردا وسلاما على ابراهيم"..
                  على أن ذلك لهول كله لم يكن ليفدح روح عمار، وان فدح ظهره ودغدغ قواه..
                  ولم يشعر عمار بالهلاك حقا، الا في ذلك اليوم الذي استنجد فيه جلادوه بكل عبقريتهم في الجريمة والبغي.. فمن الكي بالنار، الى صلبه على الرمضاء المستعرة تحت الحجارة الملتهبة.. الى غطّه في الماء حتى تختنق أنفسه، وتتسلخ قروحه وجروحه..
                  في ذلك اليوم اذ فقد وعيه تحت وطأة هذا الغول فقالوا له: أذكر آلهتنا بخير، وأخذوا يقولون له، وهو يردد وراءهم القول في غير شعور.
                  في لك اليوم، وبعد أن أفاق قليلا من غيبوبة تعذيبه، تذكّر ما قاله فطار صوابه، وتجسمت هذه الهفوة أما نفسه حتى رآها خطيئة لا مغفرة لها ولا كفارة.. وفي لحظات معدودات، أوقع به الشعور بالاثم من العذاب ما أضحى عذاب المشركين تجاهه بلسما ونعيما..!!
                  ولو ترك عمّار لمشاعره تلك بضع ساعات لقضت عليه لا محالة..
                  لقد كان يحتمل الهول المنصّب على جسده، لأن روحه هناك شامخة.. أما الآن وهو يظن أن الهزيمة أدركت روحه فقد أشرفت به همومه وجزعه على الموت والهلاك..
                  لكن الله العليّ القدير أراد للمشهد المثير أن يبلغ جلال ختامه..
                  وبسط الوحي يمينه المباركة مصافحا بها عمّارا، وهاتفا به: انهض أيها البطل.. لا تثريب عليك ولا حرج..
                  ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه فألفاه يبكي، فجعل يمسح دموعه بيده، ويقول له:
                  " أخذك الكفار، فغطوك في الماء، فقلت كذا.. وكذا..؟؟"
                  أجاب عمّار وهو ينتحب: نعم يا رسول الله...
                  فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبتسم:" ان عادوا، فقل لهم مثل قولك هذا"..!!
                  ثم تلا عليه الآية الكريمة:
                  ( الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان)..
                  واستردّ عمّار سكينة نفسه، ولم يعد يجد للعذاب المنقض على جسده ألما، ولم يعد يلقي له وبالا..
                  لقد ربح روحه، وربح ايمانه.. ولقد ضمن القرآن له هذه الصفقة المباركة، فليكن بعدئذ ما يكون..!!
                  وصمد عمّار حتى حل الإعياء بجلاديه، وارتدّوا أمام اصراره صاغرين..!!
                  استقرالمسلمون بالمدينة بعد هجرة رسولهم اليها، وأخذ المجتمع الاسلامي هناك يتشكّل سريعا، ويستكمل نفسه..
                  ووسط هذه الجماعة المسلمة المؤمنة،أخذ عمار مكانه عليّا..!!
                  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا حمّا، ويباهي أصحابه بايمانه وهديه..
                  يقول عنه صلى الله عليه وسلم
                  : ان عمّارا ملئ ايمانا الى مشاشه".
                  وحين وقع سوء تفاهم بين عمار وخالد بن الوليد رضي الله عنهما ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من عادى عمارا، عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله"
                  ولم يكن أمام خالد بن الوليد بطل الإسلام الا أن يسارع الى عمار معتذرا اليه، وطامعا في صفحه الجميل..!!
                  وحين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد بالمدينة اثر نزولهم بها، ارتجز علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنشودة راح يرددها ويرددها المسلمون معه، فيقولون:
                  لا يستوي من يعمر المساجدا
                  يدأب فيها قائما وقاعدا
                  ومن يرى عن الغبار حائدا
                  وكان عمار يعمل من ناحية المسجد فأخذ يردد الأنشودة ويرفع بها صوته.. وظن أحد أصحابه أن عمارا يعرض به، فغاضبه ببعض القول فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
                  " ما لهم ولعمّار..؟
                  يدعوهم الى الجنة، ويدعونه الى النار..
                  ان عمّارا جلدة ما بين عينيّ وأنفي"...
                  واذا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما الى هذا الحد، فلا بد أن يكون ايمانه، وبلاؤه، وولاؤه، وعظمة نفسه، واستقامة ضميره ونهجه.. قد بلغت المدى، وانتهت الى ذروة الكمال الميسور..!!
                  وكذلكم كان عمار..
                  لقد كال الله له نعمته وهداه بالمكيال الأوفى، وبلف في درجات الهدى واليقين ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يزكّي ايمانه، ويرفعه بين أصحابه قدوة ومثلا فيقول:
                  " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر... واهتدوا بهدي عمّار"..
                  ولقد وصفه الرواة فقالوا:
                  " كان طوّالا، أشهل، رحب ما بين المنكبين.. من أطول الناس سكوتا، وأقلهم كلاما"..
                  فكيف سارت حياة هذا العملاق، الصامت الأشهل، العريض الصدر، الذي يحمل جسده آثار تعذيبه المروّع، كما يحمل في نفس الوقت وثيقة صموده الهائل، والمذهل وعظمته الخارقة..؟!
                  كيف سارت حياة هذا الحواري المخلص، والمؤمن الصادق، والفدائي الباهر..؟؟
                  لقد شهد مع معلّمه ورسوله جميع المشاهد.. بدرا، وأحدا، والخندق وتبوك.. وبقيّتها جميعا.
                  ولما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى، واصل العملاق زحفه..
                  ففي لقاء المسلمين مع الفرس، ومع الروم، ومن قبل ذلك في لقائهم مع جيوش الردّة الجرّراة كان عمّار مناكفي الصفوف الأولى دوما.. جنديا باسلا أمينا، لا تنبو لسيفه ضربة.. ومؤمنا ورعا جليلا، لا تأخذه عن الله رغبة..
                  وحين كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يختار ولاة المسلمين في دقة وتحفّظ من يختار مصيره، كانت عيناه تقعان دوما في ثقة أكيدة على عمّار بن ياسر"..
                  وهكذا سارع اليه وولاه الكوفة، وجعل ابن مسعود معه على بيت المال..
                  وكتب الى أهلها كتابا يبشرهم فيه بواليهم الجديد، فقال:
                  " اني بعثت اليكم عمّار بن ياسر أميرا.. وابن مسعود معلما ووزيرا..
                  وانهما من النجباء، من أصحاب محمد، ومن أهل بدر"..
                  ولقد سار عمّار في ولايته سيرا شق على الطامعين في الدنيا تحمّله حتى تألبوا عليه أو كادوا..
                  لقد زادته الولاية تواضعا وورعا وزهدا..
                  يقول ابن أبي الهذيل، وهو من معاصريه في الكوفة:
                  " رأيت عمّار بن ياسر وهو أمير الكوفة يشتري من قثائها، ثم يربطها بحبل ويحملها فوق ظهره، ويمضي بها الى داره"..!!
                  ويقول له واحد من العامّة وهو امير الكوفة:" يا أجدع الأذن يعيّره بأذنه التي قطعت بسيوف المرتدين في حرب اليمامة.. فلا يزيد الأمير الذي بيده السلطة على أن يقول لشاتمه:
                  " خير أذنيّ سببت.. لقد أصيبت في سبيل الله"..!!
                  أجل لقد أصيب في سبيل الله في يوم اليمامة، وكان يوما من أيام عمّار المجيدة.. اذا انطلق العملاق في استبسال عاصف يحصد في جيش مسيلمة الكذاب، ويهدي اليه المنايا والدمار..
                  واذا يرى في المسلمين فتورا يرسل بين صفوفهم صياحه المزلزل، فيندفعون كالسهام المقذوفة.
                  يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنهما:
                  " رايت عمّار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين.. أمن الجنة تفرّون..؟ أنا عمّار بن ياسر، هلموا اليّ.. فنظرت اليه، فاذا أذنه مقطوعة تتأرجح، وهو يقاتل أشد القتال"..!!!
                  ألا من كان في شك من عظمة محمد الرسول الصادق، والمعلم الكامل، فليقف أمام هذه النماذج من أتباعه وأصحابه، وليسأل نفسه: هل يقدر على انجاب هذا الطراز الرفيع سوى رسول كريم، ومعلم عظيم؟؟
                  اذا خاضوا في سبيل الله قتالا اندفعوا اندفاع من يبحث عن المنيّة، لا عن النصر..!!
                  واذا كانوا خلفاء وحكّاما، ذهب الخليفة يحلب شياه الأيامى، ويعجن خبز اليتامى.. كما فعل أبو بكر وعمر..!!
                  واذا كانوا ولاة حملوا طعامهم على ظهورهم مربوطا بحبل.. كما فعل عمّار.. أو تنازلوا عن راتبهم وجلسوا يصنعون من الخوص المجدول أوعية ومكاتل، كما صنع سلمان..!!
                  ألا فلنحن الجباه تحيّة واجلالا للدين الذي أنجبهم، وللرسول الذي ربّاهم.. وقبل الدين والرسول، الله العليّ الكبير الذي اجتباهم لهذا كله..
                  وهداهم لهذا كله.. وجعلهم روّادا لخير أمة أخرجت للناس..!!
                  كان الحذيفة بن اليمان، الخبير بلغة السرائر والقلوب يتهيأ للقاء الله، ويعالج سكرات الموت حين سأله أصحابه الحافون حوله قائلين له" بمن تأمرنا، اذا اختلف الناس"..؟
                  فأجابهم حذيفة، وهو يلقي بآخر كلماته:
                  " عليكم بابن سميّة.. فانه لن يفارق الحق حتى يمت"..
                  أجل ان عمارا ليدور مع الحق حيث يدور.. والآن نحن نقفو آثاره المباركة، ونتتبع معالم حياته العظيمة، تعلوْا نقترب من مشهد عظيم..
                  ولكن قبل أن نواجه هذا المشهد في روعته وجلاله، في صولته وكماله، في تفانيه واصراره، في تفوقه واقتداره، تعالْوا نبصر مشهد مشهدا يسبق هذا المشهد، ويتنبأ به، ويهيئ له...
                  كان ذلك اثر استقرار المسلمين في المدينة، وقد نهض الرسول الأمين وحوله الصحابة الأبرار، شعثا لربهم وغبرا، بنون بيته، ويقيمون مسجده.. قد امتلأت أفئدتهم المؤمنة غبطة، وتألقت بشرا، وابتهلت حمدا لربها وشكرا..
                  الجميع يعملون في حبور وأمل.. يحملون الحجارة، أو يعجنون الملاط.. أو يقيمون البناء..
                  فوج هنا وفوج هناك..
                  والأفق السعيد يردد تغريدهم الذي يرفعون به أصواتهم المحبورة:
                  لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل
                  هكذا يغنون وينشدون..
                  ثم تتعالى أصواتهم الصادحة بتغريدة أخرى:
                  اللهم ان العيش عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
                  وتغريدة ثالثة:
                  لا يستوب من يعمّر مسجدا
                  يدأب فيها قائما وقاعدا
                  ومن يرى الغبار عنه حائدا
                  انها خلايا لله تعمل.. انهم جنوده، يحملون لواءه، ويرفعون بناءه..
                  ورسوله الطيّب الأمين معهم، يحمل من الحجارة أعتاها، ويمارس من العمل أشقه.. وأصواتهم المغرّدة تحكي غبطة أنفسهم الراضية المخبتة..
                  والسماء من فوقهم تغبط الأرض التي تحملهم فوق ظهرها.. والحياة المتهللة تشهد أبهى أعيادها..!!
                  وعمار بن ياسر هناك وسط المهرجان الحافل يحمل الحجارة الثقيلة من منحتها الى مستقرّها...
                  ويبصره الرحمة المهداة محمد رسول الله، فيأخذه اليه حنان عظيم، ويقترب منه وينفض بيده البارّة الغبار الذي كسى رأسه، ويتأمّل وجهه الوديع المؤمن بنظرات ملؤها نور الله، ثم يقول على ملأ من أصحابه جميعا:
                  " ويح ابن سميّة..!! تقتله الفئة الباغية"...
                  وتتكرر النبوءة مرّة أخرى حين يسقط جدار كان يعمل تحته، فيظن بعض اخوانه أنه قد مات، فيذهب ينعاه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويفزّع الأصحاب من وقع النبأ.. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في طمأنينة وثقة:
                  " ما مات عمّار تقتله الفئة الباغية"..
                  فمن تكون هذه الفئة يا ترى..؟؟
                  ومتى..؟ وأي..؟
                  لقد أصغى عمّار للنبوءة اصغاء من يعرف صدق البصيرة التي يحملها رسوله العظيم..
                  ولكنه لم يروّع.. فهو منذ أسلم، وهو مرشّح للموت والشهادة في كل لحظة من ليل أو نهار...
                  ومضت الأيام.. والأعوام..
                  ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى.. ثم لحق به الى رضوان الله أبو بكر.. ثم لحق بهما الى رضوان الله عمر..
                  وولي الخلافة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه..
                  وكانت المؤامرات ضدّ الإسلام تعمل عملها االمستميت، وتحاول أن تربح بالغدر واثارة الفتن ما خسرته في الحرب..
                  وكان مقتل عمر أول نجاح أحرزته هذه المؤامرات التي أخذت تهبّ على المدينة كريح السموم من تلك البلاد التي دمّر الاسلام ملكها وعروشها..
                  وأغراها استشهاد عمر على مواصلة مساعيها، فألّبت الفتن وأيقظتها في معظم بلاد الاسلام..
                  ولعل عثمان رضي الله عنه، لم يعط الأمور ما تستحقه من الاهتمام والحذر، فوقعت الواقعة واستشهد عثمان رضي الله عنه، وانفتحت على المسلمين أبواب الفتنة..
                  وتعددت اتجاهات الصحابة.. فمنهم من نفض يديه من الخلاف وأوى الى بيته، جاعلا شعاره كلمة ابن عمر:
                  " من قال حيّ على الصلاة أجبته...
                  ومن قال حيّ على الفلاح أجبته..
                  ومن قال حيّ على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله، قلات: لا؟..
                  ومنهم من انحاز الى معاوية..
                  ومنهم من وقف الى جوار علي رضي الله عنه لخلافة المسلمين..
                  ترى أين يقف اليوم عمّار؟؟
                  أين يقف الرجل الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
                  " واهتدوا بهدي عمّار"..؟
                  أين يقف الرجل الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
                  " من عادى عمّارا عاداه الله"..؟
                  والذي كان اذا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته يقترب من منزله قال:
                  " مرحبا بالطيّب المقدام، ائذنوا له"..!!
                  لقد وقف الى جوار عليّ ابن أبي طالب، لا متحيّزا ولا متعصبا، بل مذعنا للحق، وحافظا للعهد..
                  فعليّ خليفة المسلمين، وصاحب البيعة ولقد أخذ الخلافة وهو لها أهل وبها جدير..
                  وعليّ قبل هذا وبعد هذا، صاحب المزايا التي جعلت منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كمنزلة هارون من موسى..
                  ان عمارا الذي يدور مع الحق حيث دار، ليهتدي بنور بصيرته واخلاصه الى صاحب الحق الأوحد في النزاع.. ولم يكن صاحب الحق يومئذ في يقينه سوى عليّ، فأخذ مكانه الى جواره..
                  وفرح علي رضي الله عنه بنصرته فرحا لعله لم يفرح يمئذ مثله وازداد ايمانا بأنه على الحق ما دام رجل الحق العظيم عمّار قد أقبل عليه وسار معه..
                  وجاء يوم صفين الرهيب.
                  وخرج علي رضي الله عنه يواجه العمل الخطير الذي اعتبره تمرّدا يحمل هو مسؤولية قمعه.
                  وخرج معه عمار..
                  كان عمار قد بلغ من العمر يومئذ ثلاثة وتسعين..
                  ثلاث وتسعون عاما ويخرج للقتال..؟
                  أجل ما دام يتعقد أن القتال مسؤليته وواجبه.. ولقد قاتل أشدّ وأروع مما يقاتل أبناء الثلاثين...!!
                  كان الرجل الدائم الصمت، القليل الكلام، لا يكاد يحرّك شفتيه حين يحرّكهما الا بهذه الضراعة:
                  " عائذ بالله من فتنة...
                  عائذ بالله من فتنة..".
                  وبعيد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ظلت هذه الكلمات ابتهاله الدائم..
                  وكلما كانت الأيام تمر، كان هو يكثر من لهجه وتعوّذه.. كأنما كان قلبه الصافي يحسّ الخطر الداهم كلما اقتربت أيامه..
                  وحين وقع الخطر ونشبت الفتنة، كان ابن سميّة. يعرف مكانه فوقف يوم صفين حاملا سيفه وهو ابن الثالثة والتسعين ليناصر به حقا من يؤمن بوجوب مناصرته..
                  ولقد أعلن وجهة نظره في هذا القتال قائلا:

                  " ايها الناس:
                  سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرون لعثمان، ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره، ولكنهم ذاقوا الدنيا، واستمرءوها، وعلموا أن الحق يحول بينهم وبين ما يتمرّغون فيه من شهواتهم ودنياهم..
                  وما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة المسلمين لهم، ولا لولاية عليهم، ولا عرفت قلوبهم من خشية الله ما يحملهم على إتباع الحق...
                  وانهم ليخادعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان.. وما يريدون الا أن يكونوا جبابرة وملوكا؟...
                  ثم أخذ الراية بيده، ورفعها فوق الرؤوس عالية خافقة، وصاح في الناس قائلا:
                  " والذي نفسي بيده.. لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهأنذا أقاتل بها اليوم..
                  والذي نفسي بيده. لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هجر، لعلمت أننا على الحق، وأنهم على الباطل"..
                  ولقد تبع الناس عمارا، وآمنوا بصدق كلماته..
                  يقول أبو عبدالرحمن السلمي:
                  " شهدنا مع عليّ رضي الله عنه صفين، فرأيت عمار ابن ياسر رضي اله عنه لا يأخذ في ناحية من نواحيها، ولا واد من أوديتها، الا رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتبعونه كأنه علم لهم"..!!
                  كان عمّار وهو يجول في المعركة ويصول، يؤمن أنه واحد من شهدائها..
                  وقد كانت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتلق أمام عينيه بحروف كبرة:
                  " تقتل عمّار الفئة الباغية"..
                  من أجل هذا كان صوته يجلجل في أفق المعركة بهذه التغريدة:

                  "اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه"..!!

                  ثم يندفع كقذيفة عاتية صوب مكان معاوية ومن حوله الأمويين ويرسل صياحا عاليا مدمدما:

                  لقد ضربناكم على تنزيله
                  واليوم نضربكم على تأويله

                  ضربا يزيل الهام عن مقليه
                  ويذهل الخليل عن خليله
                  أو يرجع الحق الى سبيله

                  وهو يعني بهذا أن أصحاب الرسول السابقين، وعمارا منهم قاتلوا الأمويين بالأمس وعلى رأسهم أبو سفيان الذي كان يحمل لواء الشرك، ويقود جيوش المشركين..
                  قاتلوهم بالأمس، وكان القرآن الكريم يأمرهم صراحة بقتالهم لأنهم مشركون..
                  أما اليوم، وان يكونوا قد أسلموا، وان يكن القرآن الكريم لا يأمرهم صراحة بقتالهم، الا أن اجتهاد عمار رضي الله عنه في بحثه عن الحق، وفهمه لغايات القرآن ومراميه يقنعانه بقتالهم حتى يعود الحق المغتصب الى ذويه، وحتى تنصفئ الى البد نار التمرّد والفتنة..
                  ويعني كذلك، أنهم بالأمس قاتلوا الأمويين لكفرهم بالدين والقرآن..
                  واليوم يقاتلون الأمويين لانحرافهم بالدين، وزيغهم عن القرآن الكريم وإساءتهم تأويله وتفسيره، ومحاولتهم تطويع آياته ومراميه لأغراضهم وأطماعهم..!!
                  كان ابن الثالثة والتسعين، يخوض آخر معارك حياته المستبسلة الشامخة.. كان يلقن الحياة قبل أن يرحل عنها آخر دروسه في الثبات على الحق، ويترك لها آخر مواقفه العظيمة، الشريفة المعلمة..
                  ولقد حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمّار ما استطاعوا، حتى لا تقتله سيفهم فيتبيّن للناس أنهم الفئة الباغية..
                  بيد أن شجاعة عمار الذي كان يقتل وكأنه جيش واحد، أفقدتهم صوابهم، فأخذ بعض جنود معاوية يتحيّنون الفرصة لإصابته، حتى اذا تمكّنوا منه أصابوه...
                  كان جيش معاوية ينتظم من كثيرين من المسلمين الجدد.. الذين أسلموا على قرع طبول الفتح الاسلامي في البلاد الكثيرة التي حررها الاسلام من سيطرة الروم والفرس.. وكان أكثر هؤلاء وقود الحرب التي سببها تمرّد معاوية ونكوصه على بيعة علي رضي الله عنه للخلافة، كانوا وقودها وزيتها الذي يزيدها اشتعالا..
                  وهذا الخلاف على خطورته، كان يمكن أن ينتهي بسلام لو ظلت الأمور بأيدي المسلمين الأوائل.. ولكنه لم يكد يتخذ أشكاله الحادة حتى تناولته أيد كثيرة لا يهمها مصير الاسلام، وذهبت تذكي النار وتزيدها ضراما..
                  شاع في الغداة خبر مقتل عمار وذهب المسلمون يتناقل بعضهم عن بعض نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سمعها أصحابه جميعا ذات يوم بعيد، وهم يبنون المسجد بالمدينة..
                  " ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية".
                  أمّا عمّار، فقد حمل الى حيث صلى عليه والمسلمون معه.. ثم دفن في ثيابه..
                  أجل في ثيابه المضمّخة بدمه الزكي الطهور.. فما في كل حرير الدنيا وديباجها ما يصلح أن يكون كفنا لشهيد جليل، من طراز عمّار...
                  ووقف المسلمون على قبره يعجبون..
                  منذ ساعات كان عمّار يغرّد بينهم فوق أرض المعركة.. تملؤ نفسه غبطة الغريب المضنى يزف الى وطنه، وهو يصيح:
                  " اليوم ألقى الأحبة، محمدا وصحبة"..!!
                  أكان معهم اليوم على موعد يعرفه، وميقات ينتظره...؟؟!!
                  وأقبل بعض الأصحاب على بعضهم يتساءلون...
                  قال أحدهم لصاحبه: أتذكر أصيل ذلك اليوم بالمدينة ونحن جالسون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وفجأة تهلل وجهه وقال:
                  " اشتاقت الجنة لعمّار"..؟؟
                  قال له صاحبه نعم، ولقد ذكر يومها آخرين منهم علي وسلمان وبلال..
                  اذن فالجنة كانت مشتاقة لعمّار..
                  واذن، فقد طال شوقها اليه، وهو يستمهلها حتى يؤدي كل تبعاته، وينجز آخر واجباته..
                  ولقد أدّاها في ذمّة، وأنجزها في غبطة..
                  أفما آن له أن يلبي نداء الشوق الذي يهتف به من رحاب الجنان..؟؟
                  بلى آن له أن يبلي النداء.. فما جزاء الاحسان الا الاحسان.. وهكذا ألقى رمحه ومضى..

                  تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                  قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                  "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                  وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                  تعليق


                  • #24
                    عبادة بن الصامت

                    انه واحد من الأنصار الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
                    " لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، ولولا الهجرة لكنت من أمراء الأنصار"..عبادة بن الصامت كونه من الأنصار، فهو واحد من زعمائهم الذين اتخذهم نقباء على أهليهم وعشائرهم...
                    وحينما جاء وفد الأنصار الأول الى مكة ليبايع الرسول عليه السلام، تلك البيعة المشهورة بـ بيعة العقبة الأولى، كان عبادة بن الصامت رضي الله عنه أحد الاثني عشر مؤمنا، الذين سارعوا الى الاسلام، وبسطوا أيمانهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعين، وشدّوا على يمينه مؤازرين ومسلمين...

                    وحينما كان موعد الحج في العام التالي، يشهد بيعة العقبة الثانية يبايعها وفد الأنصار الثاني، مكّونا من سبعين مؤمنا ومؤمنة، كان عبادة أيضا من زعماء الوفد ونقباء الأنصار..

                    وفيما بعد والمشاهد تتوالى.. ومواقف التضحية والبذل، والفداء تتابع، كان عبادة هناك لم يتخلف عن مشهد ولم يبخل بتضحية...
                    ومنذ اختار الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقوم على أفضل وجه بتبعات هذا الاختيار..
                    كل ولائه لله، وكل طاعته لله، وكلا علاقته بأقربائه بحلفائه وبأعدائه انما يشكلها ايمانه ويشكلها السلوك الذي يفرضه هذا الايمان..
                    كانت عائلة عبادة مرتبطة بحلف قديم مع يهود بني قينقاع بالمدينة..

                    ومنذ هاجر الرسول وأصحابه الى المدينة، ويهودها يتظاهرون بمسالمته.. حتى كانت الأيام التي تعقب غزوة بدر وتسبق غزوة أحد، فشرع يهود المدينة يتنمّرون..
                    وافتعلت احدى قبائلهم بنو قينقاع أسبابا للفتنة وللشغب على المسلمين..
                    ولا يكاد عبادة يرى موقفهم هذا، حتى ينبذ الى عهدهم ويفسخ حلفهم قائلا:
                    " إنما أتولى الله، ورسوله، والمؤمنين...
                    فيتنزل القرآن محييا موقفه وولاءه، قائلا في آياته:
                    ( ومن يتولى الله ورسوله، والذين آمنوا، فان حزب الله هم الغالبون)...
                    لقد أعلنت الآية الكريمة من هم حزب الله..
                    وحزب الله، هم أولئك المؤمنون الذين ينهضون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملين راية الهدى والحق، والذين يشكلون امتدادا مباركا لصفوف المؤمنين الذين سبقوهم عبر التاريخ حول أنبيائهم ورسلهم، مبلّغين في أزمانهم وأعصارهم كلمة الله الحي القيّوم..
                    ولن يقتصر حزب الله على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، بل سيمتد عبر الأجيال الوافدة، والأزمنة المقبلة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ضمّا الى صفوفه كل مؤمن بالله وبرسوله..
                    وهكذا فان الرجل الذي نزلت هذه الآية الكريمة تحيي موقفه وتشيد بولائه وايمانه، لن يظل مجرّد نقيب الأنصار في المدينة، بل سيصير نقيبا من نقباء الدين الذي ستزوى له أقطار الأرض جميعا.
                    أجل لقد أصبح عبادة بن الصامت نقيب عشيرته من الخزرج، رائدا من روّاد الإسلام، وإمامٍ من أئمة المسلمين يخفق اسمه كالراية في معظم أقطار الأرض لا في جبل، ولا في جبلين، أو ثلاثة بل الى ما شاء الله من أجيال.. ومن أزمان.. ومن آماد..!!
                    سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يتحدث عن مسؤولية الأمراء والولاة..
                    سمعه يتحدث عليه الصلاة والسلام، عن المصير الذي ينتظر من يفرّط منهم في الحق، أو تعبث ذمته بمال، فزلزل زلزالا، وأقسم بالله ألا يكون أميرا على أثنين أبدا..
                    ولقد برّ بقسمه..
                    وفي خلافة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، لم يستطع الفاروق أن يحمله على قبول منصب ما، الا تعليم الانس وتفقيههم في الدين.
                    أجل هذا هو العمل الوحيد الذي آثره عبادة، مبتعدا بنفسه عن الأعمال الأخرى، المحفوفة بالزهو وبالسلطان وبالثراء، والمحفوفة أيضا بالأخطار التي يخشاها على مصيره ودينه
                    وهكذا سافر الى الشام ثالث ثلاثة: هو ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء.. حيث ملؤا البلاد علما وفقها ونورا...
                    وسافر عبادة الى فلسطين حيث ولي قضاءها بعض الوقت وكان يحكمها باسم الخليفة آنذاك، معاوية..
                    كان عبادة بن الصامت وهو ثاو في الشام يرنو ببصره الى ما وراء الحدود.. الى المدينة المنورة عاصمة السلام ودار الخلافة، فيرى فيها عمر ابن الخطاب..رجل لم يخلق من طرازه سواه..!!
                    ثم يرتد بصره الى حيث يقيم، في فلسطين.. فيرى معاوية بن أبي سفيان..رجل يحب الدنيا، ويعشق السلطان...
                    وعبادة من الرعيل الأول الذي عاش خير حياته وأعظمها وأثراها مع الرسول الكريم.. الرّعيل الذي صهره النضال وصقلته التضحية، وعانق الاسلام رغبا لا رهبا.. وباع نفسه وماله...
                    عبادة من الرعيل الذي رباه محمد صلى الله عليه وسلم بيديه، وأفرغ عليه من روحه ونوره وعظمته..
                    واذا كان هناك من الأحياء مثل أعلى للحاكم يملأ نفس عبادة روعة، وقلبه ثقة، فهو ذلك الرجل الشاهق الرابض هناك في المدينة.. عمر بن الخطاب..
                    فاذا مضى عبادة يقيس تصرّفات معاوية بهذا المقياس، فستكون الشقة بين الاثنين واسعة، وسيكون الصراع محتوما.. وقد كان..!!
                    يقول عبادة رضي الله عنه:
                    " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نخاف في الله لومة لائم"..
                    لقد شهد أهل فلسطين يومئذ عجبا.. وترامت أنباء المعارضة الجسورة التي يشنّها عبادة على معاوية الى أقطار كثيرة من بلاد الاسلام فكانت قدوة ونبراسا..
                    وعلى الرغم من الحلم الواسع الرحيب الذي اشتهر به معاوية فقد ضاق صدره بمواقف عبادة ورأى فيها تهديدا مباشرا لهيبة سلطانه..
                    ورأى عبادة من جانبه أن مسافة الخلف بينه وبين معاوية تزداد وتتسع، فقال لمعاوية:" والله لا أساكنك أرضا واحدة أبدا".. وغادر فلسطين الى المدينة..
                    كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه ، عظيم الفطنة، بعيد النظر.. وكان حريصا على ألا يدع أمثال معاوية من الولاة الذين يعتمدون على ذكائهم ويستعملونه بغير حساب دون أن يحيطهم بنفر من الصحابة الورعين الزاهدين والنصحاء المخلصين، كي يكبحوا جماح الطموح والرغبة لدى أولئك الولاة، وكي يكونوا لهم وللناس تذكرة دائمة بأيام الرسول وعهده..
                    من أجل هذا لم يكد أمير المؤمنين يبصر عبادة بن الصامت وقد عاد الى المدينة حتى ساله:" ما الذي جاء بك يا عبادة"...؟؟ ولما قصّ عليه ما كان بينه وبين معاوية قال له عمر:
                    " ارجع الى مكانك، فقبّح الله أرضا ليس فيها مثلك..!!
                    ثم أرسل عمر الى معاوية كتابا يقول فيه:
                    " لا إمرةَ لك على عبادة"..!!
                    أجل ان عبادة أمير نفسه..
                    وحين يكرّم عمر الفاروق رجلا مثل هذا التكريم، فانه يكون عظيما..
                    وقد كان عبادة عظيما في ايمانه، وفي استقامة ضميره وحياته...
                    وفي العام الهجري الرابع والثلاثين، توفي بالرملة في أرض فلسطين هذا النقيب الراشد من نقباء الأنصار والاسلام، تاركا في الحياة عبيره وشذاه....

                    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                    تعليق


                    • #25
                      عمير بن وهب

                      شيطان الجاهلية، وحواريّ الإسلام

                      في يوم بدر، كان واحدا من قادة قريش الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على الإسلام.
                      وكان حديد البصر، محكم التقدير، ومن ثم ندبه قومه ليستطلع لهم عدد المسلمين الذين خرجوا مع الرسول للقائهم، ولينظر ان كان لهم من وزرائهم كمين أو مدد..
                      وانطلق عمير بن وهب الجمحيّ وصال بفرسه حول معسكر المسلمين، ثم رجع يقول لقومه:" انهم ثلاثمائة رجل، يزيدون قليلا أ، ينقصون" وكان حدسه صحيحا.
                      وسألوه: هل وراءهم امتداد لهم؟؟ فأجابهم قائلا:
                      " لم أجد وراءهم شيءا.. ولكن يا معشر قريش، رأيت المطايا تحمل الموت الناقع.. قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم..
                      " والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم، فاذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير العيش بعد ذلك..؟؟
                      " فانظروا رأيكم"..
                      وتأثر بقوله ورأيه نفر من زعماء قريش، وكادوا يجمعون رجالهم ويعودون الى مكة بغير قتال، لولا أبي جهل الذي أفسد عليهم رأيهم، وأضرم في النفوس نار الحقد، ونار الحربو التي كان هو أول قتلاها..
                      كان أهل مكة يلقبونه بـ شيطان قريش..
                      ولقد أبلى شيطان قريش يوم بدر بلاء لم يغن قومه شيئا، فعادت قوات قريش الى مكة مهزومة مدحورة، وخلّف عمير بن وهب في المدينة بضعة منه.. اذ وقع ابنه في أيدي المسلمين أسيرا..
                      وذات يوم ضمّه مجلس ابن عمّه صفوان بن أميّة.. وكان صفوان يمضغ أحقاده في مرارة قاتلة، فان أباه أميّة بن خلف قد لقي مصرعه في بدر وسكنت عظامه القليب.
                      جلس صفوان وعمير يجترّان أحقادهما..
                      ولندع عروة بن الزبير ينقل الينا حديثهما الطويل:
                      " قال صفوان، وهو يذكر قتلى بدر: والله ما في العيش بعدهم من خير..!
                      وقال له عمير: صدقت، ووالله لولا دين محمد عليّ لا أملك قضاءه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت الى محمد حتى أقتله، فان لي عنده علة أعتلّ بها عليه: أٌقول قدمت من أجل ابني هذا الأسير.
                      فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك.. أنا أقضيه عنك.. وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا..
                      فقال له عمير:اذن فاكتم شأني وشأنك..."
                      ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة.
                      وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، اذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب، قد أناخ راحلته على باب المسجد، متوشحا سيفه، فقال:
                      هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء الا لشرّ..
                      فهو الذي حرّش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر..
                      ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فال:
                      يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء موشحاً سيفه..
                      قال صلى الله عليه وسلم:
                      أدخله عليّ.." فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلبّبه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار، ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فانه غير مأمون."
                      ودخل به عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بحمّالة سيفه في عنقه فلما رآه الرسول قال: دعه يا عمر..
                      إدنُ يا عمير..
                      فدنا عمير وقال: انعموا صباحا، وهي تحيّة الجاهلية،
                      فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام.. تحية أهل الجنة.
                      فقال عمير: أما والله يا محمد ان كنت بها لحديث عهد.
                      قال لرسول: فما جاء بك يا عمير..؟؟
                      قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم.
                      قال النبي: فما بال السيف في عنقك..؟؟
                      قال عمير: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا..؟!
                      قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أصدقني يا عمير، ما الذي جئت له..؟
                      قال: ما جئت الا لذلك.
                      قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أميّة في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت، لولا دين عليّ، وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك..!!!
                      وعندئذ صاح عمير: أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.. هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله ما أنبأك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام..
                      فقال الرسول لأصحابه: فقّهوا أخاكم في الدين وأقرئه القرآن، وأطلقوا أسيره....!!
                      هكذا أسلم عمير بن وهب..
                      هكذا أسلم شيطان قريش، وغشيه من نور الرسول والسلام ما غشيه فاذا هو في لحظة يتقلب الى حواريّ الإسلام..!!
                      يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
                      " والذي نفسي بيده، لخنزير كان أحبّ اليّ من عمير حين طلع علينا..
                      ولهو اليوم أحبّ اليّ من بعض ولدي"..!!
                      جلس عمير يفكّر بعمق في سماحة هذا الدين، وفي عظمة هذا الرسول:
                      ثم تذكر بلاءه يوم بدر وقتاله.
                      وتذكر أيامه الخوالي في مكة وهو يكيد للإسلام ويحاربه قبل هجرة الرسول وصحبه الى المدينة.
                      ثم هاهو ذا يجيء اليوم متوشحا سيفه ليقتل به الرسول.
                      كل ذلك يمحوه في لحظة من الزمان قوله:" لا اله الا الله، محمد رسول الله"..!!
                      أيّة سماحة، وأي صفاء، وأية ثقة بالنفس يحملها هذا الدين العظيم..!!
                      أهكذا في لحظة يمحو الإسلام كل خطاياه السالفة، وينسى المسلمون كل جرائره وعداواته السابقة، ويفتحون له قلوبهم، ويأخذونه بالأحضان..؟!
                      أهكذا والسيف الذي جاء معقودا على شرّ طوية وشرّ جريمة، لا يزال يلمع أمام أبصارهم، ينسي ذلك كله، ولا يذكر الآن الا أن عميرا بإسلامه، قد أصبح احدا من المسلمين ومن أصحاب الرسول، له ما لهم.. وعليه ما عليهم..؟!!!
                      أهكذا وهو الذي ودّ عمر بن الخطاب منذ لحظتين أن يقتله، يصبح أحب الى عمر من ولده وبنيه..؟؟؟!!!
                      اذا كانت لحظة واحدة من الصدق، تلك التي أعلن فيها عمر إسلامه، تحظى من الإسلام بكل هذا التقدير والتكريم والمثوبة والإجلال، فان الإسلام اذن لهو دين عظيم..!!
                      وفي لحظات عرف عمير واجبه تجاه هذا الدين.. أن يخدمه بقدر ما حاربه، وان يدعو اليه، بقدر ما دعا ضدّه.. وأن يري الله ورسوله ما يحب الله ورسوله من صدق، وجهاد وطاعة.. وهكذا أقبل على رسول الله ذات يوم، قائلا:
                      " يا رسول الله: انب كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، واني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم الى الله تعالى، والى رسوله، والى الإسلام، لعلّ الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم"..
                      في تلك الأيام، ومنذ فارق عمير مكة متوجها الى المدينة كان صفوان بن أمية الذي أغرى عميرا بالخروج لقتل الرسول، يمشي في شوارع مكة مختالا، ويغشي مجالسها وندواتها فرحا محبورا..!
                      وكلما سأله قومه وإخوته عن سر فرحته ونشوته، وعظام أبيه لا تزال ساخنة في حظائر بدر، يفرك كفّيه في غرور يقول للناس:" أبشروا بوقعة يأتيكم نبأها بعد أيام تنسيكم وقعة بدر"..!
                      وكان يخرج الى مشارف مكة كل صباح يسأل القوافل والركبان:" ألم يحدث بالمدينة أمر".
                      وكانوا يجيبونه بما لا يحب ويرضى، فما منهم من أحد سمع أو رأى في المدينة حدثا ذا بال.
                      ولم ييأس صفوان.. بل ظلّ مثابرا على مساءلة الركبان، حتى لقي بعضهم يوما فسأله:" ألم يحدث بالمدينة أمر"..؟؟
                      فأجابه المسافر: بلى حدث أمر عظيم..!!
                      وتهللت أسارير صفوان وفاضت نفسه بكل ما في الدنيا من بهجة وفرح..
                      وعاد يسأل الرجل في عجلة المشتاق:" ماذا حدث اقصص عليّ".. وأجابه الرجل: لقد أسلم عمير بن وهب، وهو هناك يتفقه في الدين، ويتعلم القرآن"..!!
                      ودارت الأرض بصفوان.. والوقعة التي كان يبشر بها قومه، والتي كان ينتظرها لتنسيه وقعة بدر جاءته اليوم في هذا النبأ الصاعق لتجعله حطاما..!!
                      وذات يوم بلغ المسافر داره.. وعاد عمير الى مكة شاهرا سيفه، متحفزا للقتال، ولقيه أول ما لقيه صفوان بن أمية..
                      وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته، ولكن السيف المتحفز في يد عمير ردّه الى صوابه، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ثم مضى لسبيله..
                      دخل عمير بن وهب مكة مسلما، وهو الذي فارقها من أيام مشركا، دخلها وفي روعة صورة عمر بن الخطاب يوم أسلم، ثم صاح فور إسلامه قائلا:
                      " والله لا أدع مكانا جلست فيه بالكفر، الا جلست فيه بالإيمان".
                      ولكأنما اتخذ عمير من هذه الكلمات شعارا، ومن ذلك الموقف قدوة، فقد صمم على نذر حياته للدين الذي طالما حاربه.. ولقد كان في موقف يسمح له بأن ينزل الأذى بمن يريد له الأذى..
                      وهكذا راح يعوّض ما فاته.. ويسابق الزمن الى غايته، فيبشر بالإسلام ليلا ونهارا.. علانية وجهارا..
                      في قلبه إيمانه يفيض عليه أمنا، وهدى ونورا..
                      وعلى لسانه كلمات حق، يدعو بها الى العدل والإحسان والمعروف والخير..
                      وفي يمينه سيف يرهب به قطاع الطق الذين يصدّون عن سبيل الله من آمن به، ويبغونها عوجا.
                      وفي بضعة أسابيع كان الذين هدوا الى الإسلام على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير يمكن أن يخطر ببال.
                      وخرج عمير بهم الى المدينة في موكب طويل مشرق.
                      وكانت الصحراء التي يجتازونها في سفرهم لا تكتم دهشتها وعجبها من هذا الرجل الذي مرّ من قريب حاملا سيفه، حاثّا خطاه الى المدينة ليقتل الرسول، ثم عبرها مرّة أخرى راجعا من المدينة بغير الوجه الذي ذهب به يرتل القرآن من فوق ظهر ناقته المحبورة.. ثم ها هو ذا يجتازها مرة ثالثة على رأس موكب كبير من المؤمنين يملؤون رحابها تهليلا وتكبيرا..
                      أجل لنه لنبأ عظيم.. نبأ شيطان قريش الذي أحالته هداية الله الى حواريّ باسل من حوارييّ الاسلام، والذي ظلّ واقفا الى جوار رسول الله في الغزوات والمشاهد، وظلّ ولاؤه لدين الله راسخا بعد رحيل الرسول عن الدنيا.
                      وفي يوم فتح مكة لم ينس عمير صاحبه وقريبه صفوان بن أمية فراح اليه يناشده الاسلام ويدعوه اليه بعد أن لم يبق شك في صدق الرسول، وصدق الرسالة..
                      بيد أن صفوان كان قد شدّ رحاله صوب جدّة ليبحر منها الى اليمن..
                      واشتدّ اشفاق عمير على صفوان، وصمم على أن يستردّه من يد الشيطان بكل وسيلة.
                      وذهب مسرعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:
                      " يا نبيّ الله ان صفوان بن أميّة سيّد قومه، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فأمّنه صلى الله عليك،
                      فقال النبي: هو آمن.
                      قال رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة"..
                      ولندع عروة بن الزبير يكمل لنا الحديث:
                      " فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي.. الله الله في نفسك أن تهلكها.. هذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به..
                      قال له صفوان: ويحك، اغرب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان..فداك أبي وأمي، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الناس، وأبرّ الناس ، وأحلم الناس، وخير الانس.. عزّه عزّك، وشرفه شرفك..
                      قال: اني أخاف على نفسي..
                      قال: هو أحلم من ذاك وأكرم..
                      فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم..
                      فقال صفوان للنبي صلى الله عليه وسلم: ان هذا يزعم أنك أمّنتني..
                      قال الرسول صلى الله عليه وسلم: صدق..
                      قال صفوان: فاجعلني فيه بالخيار شهرين..
                      قال صلى الله عليه وسلم: أنت بالخيار أربعة أشهر".
                      وفيما بعد أسلم صفوان.ز
                      وسعد عمير بإسلامه أيّما سعادة..
                      وواصل ابن وهب مسيرته المباركة إلى الله، متبعا أثر الرسول العظيم الذي هدى الله به الناس من الضلالة وأخرجهم من الظلمات الى النور.

                      تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                      قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                      "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                      وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                      تعليق


                      • #26
                        خباب بن الأرت

                        أستاذ فنّ الفداء

                        خرج نفر من القرشيين، يغدّون الخطى، ميممين شطر دار خبّاب ليتسلموا منه سيوفهم التي تعاقدوا معه على صنعها..
                        وقد كان خباب سيّافا، يصنع السيوف ويبيعها لأهل مكة، ويرسل بها الى الأسواق..
                        وعلى غير عادة خبّاب الذي لا يكاد يفارق بيته وعمله، لم يجده ذلك النفر من قريش فجلسوا ينتظرونه..
                        وبعد حين طويل جاء خباب على وجهه علامة استفهام مضيئة، وفي عينيه دموع مغتبطة.. وحيّا ضيوفه وجلس..
                        وسألوه عجلين: هل أتممت صنع السيوف يا خباب؟؟
                        وجفت دموع خباب، وحل مكانها في عينيه سرور متألق، وقال وكأنه يناجي نفسه: ان أمره لعجب..
                        وعاد القوم يسألونه: أي أمر يا رجل..؟؟ نسألك عن سيوفنا، هل أتممت صنعها..؟؟
                        ويستوعبهم خبّاب بنظراته الشاردة الحالمة ويقول:
                        هل رأيتموه..؟ هل سمعتم كلامه..؟
                        وينظر بعضهم لبعض في دهشة وعجب..
                        ويعود أحدهم فيسأله في خبث:
                        هل رأيته أنت يا خبّاب..؟؟
                        ويسخر خبّاب من مكر صاحبه، فيردّ عليه السؤال قائلا:
                        من تعني..؟
                        ويجيب الرجل في غيظ: أعني الذي تعنيه..؟
                        ويجيب خبّاب بعد اذ أراهم أنه أبعد منالا من أن يستدرج، وأنه اعترف بايمانه الآن أمامهم، فليس لأنهم خدعوه عن نفسه، واستدرجوا لسانه، بل لأنه رأى الحق وعانقه، وقرر أن يصدع به ويجهر..
                        يجيبهم قائلا، وهو هائم في نشوته وغبطة روحه:
                        أجل... رأيته، وسمعته.. رأيت الحق يتفجر من جوانبه، والنور يتلألأ بين ثناياه..!!
                        وبدأ عملاؤه القرشيون يفهمون، فصاح به أحدهم:
                        من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أمّ أنمار..؟؟
                        وأجاب خبّاب في هدوء:
                        ومن سواه، يا أخا العرب.. من سواه في قومك، من يتفجر من جوانبه الحق، ويخرج النور بين ثناياه..؟!
                        وصاح آخر وهبّ مذعورا:
                        أراك تعني محمدا..
                        وهز خبّاب رأسه المفعم بالغبطة، وقال:
                        نعم انه هو رسول الله الينا، ليخرجنا من الظلمات الى النور..
                        ولا يدري خبّاب ماذا قال بعد هذه الكلمات، ولا ماذا قيل له..
                        كل ما يذكره أنه أفاق من غيبوبته بعد ساعات طويلة ليرى زوّاره قد انفضوا.. وجسمه وعظامه تعاني رضوضا وآلاما، ودمه النازف يضمّخ ثوبه وجسده..!!
                        وحدّقت عيناه الواسعتان فيما حوله.. وكان المكان أضيق من أن يتسع لنظراتهما النافذة، فتحمّل على آلامه، ونهض شطر الفضاء وأمام باب داره وقف متوكئا على جدارها، وانطلقت عيناه الذكيتان في رحلة طويلة تحدّقان في الأفق، وتدوران ذات اليمين وذات الشمال..انهما لا تقفان عند الأبعاد المألوفة للناس.. انهما تبحثان عن البعد المفقود...أجل تبحثان عن البعد المفقود في حياته، وفي حياة الناس الذين معه في مكة، والناس في كل مكان وزمان..
                        ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من محمد عليه الصلاة والسلام اليوم، هو النور الذي يهدي الى ذلك البعد المفقود في حياة البشر كافة..؟؟
                        واستغرق خبّاب في تأمّلات سامية، وتفكير عميق.. ثم عاد الى داخل داره.. عاد يضمّد جراح جسده، ويهيئه لاستقبال تعذيب جديد، وآلام جديدة..!!
                        ومن ذلك اليوم أخذ خبّاب مكانه العالي بين المعذبين والمضطهدين..
                        أخذ مكانه العالي بين الذين وقفوا برغم فقرهم، وضعفهم يواجهون كبرياء قريش وعنفها وجنونها..
                        أخذ مكانه العالي بين الذين غرسوا في قلوبهم سارية الراية التي أخذت تخفق في الأفق الرحيب ناعية عصر الوثنية، والقيصرية.. مبشرة بأيام المستضعفين والكادحين، الذين سيقفون تحت ظل هذه الراية سواسية مع أولئك الذين استغلوهم من قبل، وأذاقوهم الحرمان والعذاب..
                        وفي استبسال عظيم، حمل خبّاب تبعاته كرائد..
                        يقول الشعبي:
                        " لقد صبر خبّاب، ولم تلن له أيدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه"..!!
                        أجل كان حظ خبّاب من العذاب كبيرا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..
                        لقد حوّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبّاب والذي كان يصنع منه السيوف.. حولوه كله الى قيود وسلاسل، كان يحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوّق بها جسده ويداه وقدماه..
                        ولقد ذهب يوما مع بعض رفاقه المضطهدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، راجين العافية، فقالوا:" يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا..؟؟" أي تسأل الله لنا النصر والعافية...
                        ولندع خبّابا يروي لنا النبأ بكلماته:
                        " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا..؟؟
                        فجلس صلى الله عليه وسلم، وقد احمرّ وجهه وقال:
                        قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل، فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بمنشار، فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه..!!
                        وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل، والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون"..!!
                        سمع خبّاب ورفاقه هذه الكلمات، فازداد إيمانهم وإصرارهم وقرروا أن يري كل منهم ربّه ورسوله ما يحبّان من تصميم وصبر، وتضحية.
                        وخاض خبّاب معركة الهول صابرا، صامدا، محتسبا.. واستنجد القرشيون أم أنمار سيدة خبّاب التي كان عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت واشتركت في حملة تعذيبه..
                        وكانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب، وتضعه فوق رأسه ونافوخه، وخبّاب يتلوى من الألم، لكنه يكظم أنفاسه، حتى لا تخرج منه زفرة ترضي غرور جلاديه..!!
                        ومرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، والحديد المحمّى فوق رأسه يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانا وأسى، ولكن ماذا يملك عليه الصلاة والسلام يومها لخبّاب..؟؟
                        لا شيء الا أن يثبته ويدعو له..
                        هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين الى السماء، وقال:
                        " اللهم أنصر خبّابا"..
                        ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قصاص عاجل، كأنما جعله القدر نذيرا لها ولغيرها من الجلادين، ذلك أنها أصيبت بسعار عصيب وغريب جعلها كما يقول المؤرخون تعوي مثل الكلاب..!!
                        وقيل لها يومئذ لا علاج سوى أن يكوى رأسها بالنار..!!
                        وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمّى يصبّحه ويمسّيه..!!
                        كانت قريش تقاوم الإيمان بالعذاب.. وكان المؤمنون يقاومون العذاب بالتضحية.. وكان خبّاب واحدا من أولئك الذين اصطفتهم المقادير لتجعل منهم أساتذة في فن التضحية والفداء..
                        ومضى خبّاب ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه..
                        ولم يكتف رضي الله عنه في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة، بل استثمر قدرته على التعليم، فكان يغشى بيوت بعض إخوانه من المؤمنين الذين يكتمون إسلامهم خوفا من بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم إياه..
                        ولقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آية آية.. وسورة، سورة حتى ان عبدالله بن مسعود، وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من أراد أن يقرأ القرآن غصّا كما أنزل، فليقراه بقراءة ابن أم عبد"..
                        نقول:
                        حتى عبد الله بن مسعود كان يعتبر خبّابا مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة..
                        وهو الذي كان يدرّس القرآن لـ بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الإسلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة التي كان يعلّم منها خبّاب، حتى صاح صيحته المباركة:
                        " دلوني على محمد"...!!
                        وسمع خبّاب كلمات عمر هذه، فخرج من مخبئه الذي كان قد توارى فيه وصاح:
                        " يا عمر..
                        والله إني لأرجوا أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فاني سمعته بالأمس يقول: اللهم أعز الإسلام بأحبّ الرجلين اليك.. أبي الحكم بن هشام، وعمر بن الخطاب"..
                        وسأله عمر من فوره: وأين أجد الرسول الآن يا خبّاب:
                        " عند الصفا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم"..
                        ومضى عمر الى حظوظه الوافية، ومصيره العظيم..!!
                        شهد خبّاب بن الأرت جميع المشهد والغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش عمره كله حفيظا على إيمانه ويقينه....
                        وعندما فاض بيت مال لمسلمين بالمال أيام عمر وعثمان، رضي الله عنهما، كان خبّاب صاحب راتب كبير بوصفه من المهاجرين لسابقين الى الإسلام..
                        وقد أتاح هذا الدخل الوفير لخبّاب أن يبتني له دارا بالكوفة، وكان يضع أمواله في مكان ما من الدار يعرفه أصحابه وروّاده.. وكل من وقعت عليه حاجة، يذهب فيأخذ من المال حاجته..
                        ومع هذا فقد كان خبّاب لا يرقأ له جفن، ولا تجف له دمعة كلما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه الذين بذلوا حياتهم لله، ثم ظفروا بلقائه قبل أن تفتح الدنيا على المسلمين، وتكثر في أيديهم الأموال.
                        اسمعوه وهو يتحدث إلى عوّاده الذين ذهبوا يعودونه وهو رضي الله عنه في مرض موته.
                        قالوا له:
                        أبشر يا أبا عبدالله، فانك ملاق اخواتك غدا..
                        فأجابهم وهو يبكي:
                        " أما انه ليس بي جزع .. ولكنكم ذكّرتموني أقواما، وإخوانا، مضوا بأجورهم كلها ام ينالوا من الدنيا شيئا..
                        وانّا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا الا التراب"..
                        وأشار الى داره المتواضعة التي بناها.
                        ثم أشار مرة أخرى الى المكان الذي فيه أمواله وقال:
                        " والله ما شددت عليها من خيط، ولا منعتها من سائل"..!
                        ثم التفت الى كنفه الذي كان قد أعدّ له، وكان يراه ترفا واسرافا وقال ودموعه تسيل:
                        " أنظروا هذا كفني..
                        لكنّ حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجد له كفن يوم استشهد الا بردة ملحاء.... اذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، واذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه"..!!
                        ومات خبّاب في السنة السابعة والثلاثين للهجرة..
                        مات أستاذ صناعة السيوف في الجاهلية..
                        وأستاذ صناعة التضحية والفداء في الإسلام..!!
                        مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم، ويحييهم، عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، وللفراء من أمثال :خبّاب، وصهيب، وبلال يوما آخر.
                        فاذا القرآن العظيم يختص رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم، وتهل آياته قائلة للرسول الكريم:
                        ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟! أليس الله بأعلم بالشاكرين واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا، فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة)..
                        وهكذا، لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يراهم بعد نزول الآيات حتى يبالغ في إكرامهم فيفرش لهم رداءه، ويربّت على أكتافهم، ويقول لهم:
                        " أهلا بمن أوصاني بهم ربي"..
                        أجل.. مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي، وجيل التضحية...
                        ولعل خير ما نودّعه به، كلمات ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه حين كان عائدا من معركة صفين، فوقعت عيناه على قبر غضّ رطيب، فسأل: قبر من هذا..؟
                        فأجابوه: انه قبر خبّاب..
                        فتملاه خاشعا آسيا، وقال:
                        رحم الله خبّابا..
                        لقد أسلم راغبا.
                        وهاجر طاءعا..
                        وعاش مجاهدا..

                        تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                        قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                        "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                        وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                        تعليق


                        • #27
                          أبو عبيدة بن الجرّاح
                          أمين هذه الأمة

                          من هذا الذي أمسك الرسول بيمينه وقال عنه:
                          " ان لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح"..؟
                          من هذا الذي أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مددا عمرو بن العاص، وجعله أميرا على جيش فيه أبو بكر وعمر..؟؟
                          من هذا الصحابي الذي كان أول من لقب بأمير الأمراء..؟؟
                          من هذا الطويل القامة النحيف الجسم، المعروق الوجه، الخفيف اللحية، الأثرم، ساقط الثنيتين..؟؟
                          أجل من هذا القوي الأمين الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه:
                          " لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله"..؟؟
                          انه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح..رضي الله عنه وأرضاه .
                          أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للإسلام، قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الرقم، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف الى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة.
                          عندما بايع أبو عبيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن ينفق حياته في سبيل الله، كان مدركا تمام الإدراك ما تعنيه هذه الكلمات الثلاث، في سبيل الله وكان على أتم استعداد لأن يعطي هذا السبيل كل ما يتطلبه من بذل وتضحية..
                          ومنذ بسط يمينه مبايعا رسوله، وهو لا يرى في نفسه، وفي ايّامه وفي حياته كلها سوى أمانة استودعها الله إياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته، فلا يجري وراء حظ من حظوظ نفسه.. ولا تصرفه عن سبيل الله رغبة ولا رهبة..
                          ولما وفّى أبو عبيدة بالعهد الذي وفى به بقية الأصحاب، رأى الرسول في مسلك ضميره، ومسلك حياته ما جعله أهلا لهذا اللقب الكريم الذي أفاءه عليه،وأهداه إليه، فقال عليه الصلاة والسلام:
                          " أمين هذه الأمة، أبو عبيدة بن الجرّاح".
                          ان أمانة أبي عبيدة على مسؤولياته، لهي أبرز خصاله.. ففي غزوة أحد أحسّ من سير المعركة حرص المشركين، لا على إحراز النصر في الحرب، بل قبل ذلك ودون ذلك، على اغتيال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاتفق مع نفسه على أن يظل مكانه في المعركة قريبا من مكان الرسول..
                          ومضى يضرب بسيفه الأمين مثله، في جيش الوثنية الذي جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله..
                          وكلما استدرجته ضرورات القتال وظروف المعركة بعيدا عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته.. بل هما متجهتان دوما الى حيث يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويقاتل، ترقباته في حرص وقلق..
                          وكلما تراءى لأبي عبيدة خطر يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، انخلع من موقفه البعيد وقطع الأرض وثبا حيث يدحض أعداء الله ويردّهم على أعقابهم قبل أن ينالوا من الرسول منالا..!!
                          وفي احدى جولاته تلك، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين، وكانت عيناه كعادتهما تحدّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه اذ رأى سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف، حتى فرّقهم عنه، وطار صواب رسول الله فرأى الدم الزكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه وهو يقول:
                          " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعهم الى ربهم"..؟
                          ورأى حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول فوق رأسه قد دخانا في وجنتي النبي، فلم يطق صبرا.. واقترب يقبض بثناياه على حلقة منهما حتى نزعها من وجنة الرسول، فسقطت ثنيّة، ثم نزع الحلقة الأخرى، فسقطت ثنيّة الثانية..
                          وما أجمل أن نترك الحديث لأبي بكر الصديق يصف لنا هذا المشهد بكلماته:
                          " لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى اذا توافينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم..
                          فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيّة احدى حلقتي المغفر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه..
                          ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت.. فكان أبو عبيدة في الناس أثرم."!!
                          وأيام اتسعت مسؤوليات الصحابة وعظمت، كان أبو عبيدة في مستواها دوما بصدقه وبأمانته..
                          فاذا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين وليس معهم زاد سوى جراب تمر.. والمهمة صعبة، والسفر بعيد، استقبل ابو عبيدة واجبه في تفان وغبطة، وراح هو وجنوده يقطعون الأرض، وزاد كل واحد منهم طوال اليوم حفنة تملا، حتى اذا أوشك التمر أن ينتهي، يهبط نصيب كل واحد الى تمرة في اليوم.. حتى اذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيّدون الخبط، أي ورق الشجر بقسيّهم، فيسحقونه ويشربون عليه الماء.. ومن اجل هذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط..
                          لقد مضوا لا يبالون بجوع ولا حرمان، ولا يعنيهم إلا أن ينجزوا مع أميرهم القوي الأمين المهمة الجليلة التي اختارهم رسول الله لها..!!
                          لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا.. وآثره كثيرا...
                          ويوم جاء وفد نجران من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والإسلام، قال لهم رسول الله:
                          " لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين.. حق أمين"..!!
                          وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه..
                          يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
                          " ما أحببت الإمارة قط، حبّي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت الى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني..
                          فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟..!!
                          ان هذه الواقعة لا تعني طبعا أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره..
                          انما تعني أنه كان واحدا من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية، وهذا التقدير الكريم..
                          ثم كان الواحد أو الوحيد الذي تسمح ظروف العمل والدعوة يومئذ بغيابه عن المدينة، وخروجه في تلك المهمة التي تهيئه مزاياه لانجازها..
                          وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أمينا، عاش بعد وفاة الرسول أمينا.. بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا..
                          ولقد سار تحت راية الإسلام أنى سارت، جنديّا، كأنه بفضله وبإقدامه الأمير.. وأميرا، كأن بتواضعه وبإخلاصه واحدا من عامة المقاتلين..
                          وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الإسلام في إحدى المعارك الفاصلة الكبرى.. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد..
                          لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم..
                          وآنئذ، تقدّم اليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!!
                          ويسأله خالد:
                          " يرحمك الله يا أبا عبيدة وما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب"..؟؟
                          فيجيبه أمين الأمة:
                          " اني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله اخوة".!!!
                          ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت إمرته أكثر جيوش الإسلام طولا وعرضا.. عتادا وعددا..
                          فما كنت تحسبه حين تراه الا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين..
                          وحين ترامى الى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا..
                          فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، وأنته..
                          " يا أيها الناس..
                          اني مسلم من قريش..
                          وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه.ّّ"
                          حيّاك الله يا أبا عبيدة..
                          وحيّا الله دينا أنجبك ورسولا علمك..
                          مسلم من قريش، لا أقل ولا أكثر.
                          الدين: الإسلام..
                          والقبيلة: قريش.
                          هذه لا غير هويته..
                          أما هو كأمير الأمراء، وقائد لأكثر جيوش الإسلام عددا، وأشدّها بأسا، وأعظمها فوزا..
                          أما هو كحاكم لبلاد الشام،أمره مطاع ومشيئته نافذة..
                          كل ذلك ومثله معه، لا ينال من انتباهه لفتة، وليس له في تقديره حساب.. أي حساب..!!
                          ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام، ويسأل مستقبليه:
                          أين أخي..؟
                          فيقولون من..؟
                          فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح.
                          ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه الى داره، فلا يجد فيها من الأثاث شيئا.. لا يجد الا سيفه، وترسه ورحله..
                          ويسأله عمر وهو يبتسم:
                          " ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس"..؟
                          فيجيبه أبو عبيدة:
                          " يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل"..!!
                          وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤون عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة..
                          وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع..
                          وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام..
                          ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه رضي الله عنه في حنان صابر..
                          وأعاد مقالته عنه:
                          " لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت الا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة"..
                          ومات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس، واضطهاد الرومان..
                          وهناك اليوم تحت ثرى الأردن يثوي رفات نبيل، كان مستقرا لروح خير، ونفس مطمئنة..
                          وسواء عليه، وعليك، أن يكون قبره اليوم معروف أو غير معروف..
                          فانك اذا أردت أن تبلغه لن تكون بحاجة الى من يقودك اليه..
                          ذلك أن عبير رفاته، سيدلك عليه..!!

                          تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                          قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                          "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                          وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                          تعليق


                          • #28
                            زيد بن حارثة

                            لم يحبّ حبّه أحد

                            وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يودع جيش الاسلام الذاهب لملاقاة الروم في غزوة مؤتة ويعلن أسماء أمراء الجيش الثلاثة، قائلا:
                            " عليكم زيد بن حارئة.. فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طاب.. فان أصيب جعفر، فعبدالله بن رواحة".
                            فمن هو زيد بن حارثة"..؟؟
                            من هذا الذي حمل دون سواه لقب الحبّ.. حبّ رسول الله..؟
                            أما مظهره وشكله، فكان كما وصفه المؤرخون والرواة:
                            " قصير، آدم، أي أسمر، شديد الأدمة، في أنفه فطس"..
                            أمّا نبؤه، فعظيم جدّ عظيم..!!

                            أعدّ حارثة أبو زيد الراحلة والمتاع لزوجته سعدى التي كانت تزمع زيارة أهلها في بني معن.
                            وخرج يودع زوجته التي كانت تحمل بين يديها طفلهما الصغير زيد بن حارثة، وكلما همّ أن يستودعهما القافلة التي خرجت الزوجة في صحبتها ويعود هو الى داره وعمله، ودفعه حنان خفيّ وعجيب لمواصلة السير مع زوجته وولده..
                            لكنّ الشقّة بعدت، والقافلة أغذّت سيرها، وآن لحارثة أن يودّع الوليد وأمّه، ويعود..
                            وكذا ودّعهما ودموعه تسيل.. ووقف طويلا مسمرا في مكانه حتى غابا عن بصره، وأحسّ كأن قلبه لم يعد في مكانه.. كأنه رحل مع الراحلين..!!
                            ومكثت سعدى في قومها ما شاء الله لها أن تمكث..
                            وذات يوم فوجئ الحيّ، حي بني معن، باحدى القبائل المناوئة له تغير عليه، وتنزل الهزيمة ببني معن، ثم تحمل فيما حملت من الأسرى ذلك الطفل اليفع، زيد بن حارثة..
                            وعادت الأم الى زوجها وحيدة.
                            ولم يكد حارثة يعرف النبأ حتى خرّ صعقا، وحمل عصاه على كاهله، ومضى يجوب الديار، ويقطع الصحارى، ويسائل القبائل والقوافل عن ولده وحبّة قلبه زيد، مسايّا نفسه، وحاديا ناقته بهذا الشعر الذي راح ينشده من بديهته ومن مآقيه:
                            بكيت على زيد ولم ادر ما فعل
                            أحيّ فثرجى؟ أم أتى دونه الأجل

                            فوالله ما أدري، واني لسائل
                            أغالك بعدي السهل؟ أم غالك الجبل

                            تذكرينه الشمس عنج طلوعها
                            وتعرض ذكراه اذا غربع\ها أفل

                            وان هبّت الأرواح هيّجن ذكره
                            فيا طول حزني عليه، ويا وجل


                            كان الرّق في ذلك الزمان البعيد يفرض نفسه كظرف اجتماعي يحاول أن يكون ضرورة..
                            كان ذلك في أثينا، حتى في أزهى عصور حريّتها ورقيّها..
                            وكذلك كان في روما..
                            وفي العالم القديم كله.. وبالتالي في جزيرة العرب أيضا..
                            وعندما اختطفت القبيلة المغيرة على بني معن نصرها، وعادت حاملة أسراها، ذهبت الى سوق عكاظ التي كانت منعقدة أنئذ، وباعوا الأسرى..
                            ووقع الطفل زيد في يد حكيم بن حزام الذي وهبه بعد أن اشتراه لعمته خديجة.
                            وكانت خديجة رضي الله عنها، قد صارت زوجة لمحمد بن عبدالله، الذي لم يكن الوحي قد جاءه بعد. بيد أنه كان يحمل كل الصفات العظيمة التي أهلته بها الأقدار ليكون غدا من المرسلين..
                            ووهبت خديجة بدورها خادمها زيد لزوجها رسول اله فتقبله مسرورا وأعتقه من فوره،وراح يمنحه من نفسه العظيمة ومن قلبه الكبير كل عطف ورعاية..
                            وفي أحد مواسم الحج. التقى تفر من حيّ حارثة بزيد في مكة، ونقلوا اليه لوعة والديه، وحمّلهم زيد سلامه وحنانه وشوقه لأمه وأبيه، وقال للحجّاج من قومه"
                            " أخبوا أبي أني هنا مع أكرم والد"..
                            ولم يكن والد زيد يعلم مستقر ولده حتى أغذّ السير اليه، ومعه أخوه..
                            وفي مكة مضيا يسألان عن محمد الأمين.. ولما لقياه قالا له:
                            "يا بن عبدالمطلب..
                            يا لن سيّد قومه، أنتم أهل حرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير.. جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه"..
                            كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم تعلق زيد به، وكان في نفس الوقت يقدّر حق ابيه فيه..
                            هنالك قال حارثة:
                            "ادعوا زيدا، وخيّروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء.. وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء"..!!
                            وتهلل وجه حارثة الذي لك يكن يتوقع كل هذا السماح وقال:
                            " لقد أنصفتنا، وزدتنا عن النصف"..
                            ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم الى زيد، ولما جاء سأله:
                            " هل تعرف هؤلاء"..؟
                            قال زيد: نعم.. هذا أبي.. وهذا عمّي.
                            وأعاد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله لحارثة.. وهنا قال زيد:
                            " ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب والعم"..!!
                            ونديت عينا رسول الله بدموع شاكرة وحانية، ثم أمسك بيد زيد، وخرج به الى فناء الكعبة، حيث قريش مجتمعة هناك، ونادى الرسول:
                            " اشهدوا أن زيدا ابني.. يرثني وأرثه"..!!
                            وكاد قلب حارثة يطير من الفرح.. فابنه لم يعد حرّا فحسب، بل وابنا للرجل الذي تسمّيه قريش الصادق الأمين سليل بني هاشم وموضع حفاوة مكة كلها..
                            وعاد الأب والعم الى قومهما، مطمئنين على ولدهما والذي تركاه سيّدا في مكة، آمنا معافى، بعد أن كان أبوه لا يدري: أغاله السهل، أم غاله الجبل..!!
                            تبنّى الرسول زيدا.. وصار لا يعرف في مكة كلها الا باسمه هذا زيد بن محمد..
                            وفي يوم باهر الشروق، نادى الوحي محمدا:
                            ( اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علّم الانسان ما لك يعلم)...
                            ثم تتابعت نجاءاته وكلماته:
                            ( يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربّك فكبّر)...
                            (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك، وان لم تفعل فما بلّغت رسالته، والله يعصمك من الناس، ان الله لايهدي القوم الكافرين)...
                            وما ان حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين.. بل قيل انه كان أول المسلمين...!!
                            أحبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما، وكان بهذا الحب خليقا وجديرا.. فوفاؤه الذي لا نظير له، وعظمة روحه، وعفّة ضميره ولسانه ويده...
                            كل ذلك وأكثر من ذلك كان يزين خصال زيد بن حارثة أو زيد الحبّ كما كان يلقبه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام..
                            تقول السيّدة عائشة رضي الله عنها:
                            " ما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في جيش قط الا أمّره عليهم، ولو بقي حيّا بعد رسول الله لاستخلفه...
                            الى هذا المدى كانت منزلة زيد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم..
                            فمن كان زيد هذا..؟؟
                            انه كما قلنا ذلك الطفل الذي سبي، ثم بيع، ثم حرره الرسول وأعتقه..
                            وانه ذلك الرجال القصير، الأسمر، الأفطس الأنف، بيد أنه أيضا ذلك الانسان الذي" قلبه جميع وروحه حر"..
                            ومن ثم وجد له في الاسلام، وفي قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى منزلة وأرفع مكان، فلا الاسلام ولا رسوله من يعبأ لحظه بجاه النسب، ولا بوجاهة المظهر.
                            ففي رحاب هذا الدين العظيم، يتألق بلال، ويتألق صهيب، ويتألق عمار وخبّاب وأسامة وزيد...
                            يتألقون جميعا كأبرا، وقادة..
                            لقد صحح الاسلام قيم الاسلام، قيم الحياة حين قال في كتابه الكريم:
                            ( انّ أكرمكم عند الله أتقاكم)...
                            وفتح الأبواب والرحاب للمواهب الخيّرة، وللكفايات النظيفة، الأمينة، المعطية..
                            وزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا من ابنة عمته زينب، ويبدو أن زينب رضي الله عنها قد قبلت هذا الزواج تحت وطأة حيائها أن ترفض شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ترغب بنفسها عن نفسه..
                            ولكن الحياة الزوجية أخذت تتعثر، وتستنفد عوامل بقائها، فانفصل زيد عن زينب.
                            وحمل الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤوليته تجاه هذا الزواج الذي كان مسؤولا عن امضائه، والذي انتهى بالانفصال، فضمّ ابنة عمته اليه واختارها زوجة له، ثم اختار لزيد زوجة جديدة هي أم كلثوم بنت عقبة..
                            وذهب الشنئون يرجفون المدينة: كيف يتزوّج محمد مطلقة ابنه زيد؟؟
                            فأجابهم القرآن مفرّقا بين الأدعياء والأبنياء.. بين التبني والبنّوة، ومقررا الغاء عادة التبني، ومعلنا:
                            ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبين).
                            وهكذا عاد لزيد اسمه الأول:" زيد بن حارثة".

                            والآن..
                            هل ترون هذه اقوات المسلمة الخارجة الى معارك، الطرف، أو العيص، وحسمي، وغيرها..
                            ان أميرها جميعا، هو زيد بن حارثة..
                            فهو كما سمعنا السيدة عائشة رضي الله عنها تقول:" لم يبعثه النبي صلى الله عليه وسلم في جيش قط، الا جعله أميرا هلى هذا الجيش"..
                            حتى جاءت غزوة مؤتة..
                            كان الروم بأمبراطوريتهم الهرمة، قد بدأوا يوجسون من الاسلام خيفة..بل صاروا يرون فيها خطرا يهدد وجودهم، ولا سيما في بلاد الشام التي يستعمرونها، والتي تتاخم بلاد هذا الدين الجديد، المنطلق في عنفوان واكتساح..
                            وهكذا راحوا يتخذون من الشام نقطة وثوب على الجزيرة العربية، وبلاد الاسلام...
                            وأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدف المناوشات التي بدأها الروم ليعجموا بها عود الاسلام، فقرر أن يبادرهم، ويقنعهم بتصميم الاسلام الى أرض البلقاء بالشام، حتى اذا بلغوا تخومها لقيتهم جيوش هرقل من الروم ومن القبائل المستعربة التي كانت تقطن الحدود..
                            ونزل جيش الروم في مكان يسمّى مشارف..
                            في حين نزل جيش الاسلام يجوار بلدة تسمّى مؤتة، حيث سمّيت الغزوة باسمها...
                            كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أهمية هذه الغزوة وخطرها فاختار لها ثلاثة من الرهبان في الليل، والفرسان في النهار..
                            ثلاثة من الذين باعوا أنفسهم لله فلم يعد لهم مطمع ولا أمنية الا في استشهاد عظيم يصافحون اثره رضوان الله تعالى، ويطالعون وجهه الكريم..
                            وكان هؤلاء الثلاثة وفق ترتيبهم في امارة الجيش هم:
                            زيد بن حارثة،
                            جعفر بن أبي طالب،
                            عبدالله بن رواحة.
                            رضي الله عنهم وأرضاهم، ورضي الله عن الصحابوة أجمعين...
                            وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف يودّع الجيش يلقي أمره السالف:
                            " عليكم زيد بن حارثة..
                            فان أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب،...
                            فان أصيب جعفر، فعبدالله بن رواحة"...
                            وعلى الرغم من أن جعفر بن أبي طالب كان من أقرب الناس الى قلب ابن عمّه رسول الله صلى الله عليه وسلم..
                            وعلى الرغم من شجاعته، وجسارته، وحسبه ونسبه، فقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمير التالي لزيد، وجعل زيدا الأمير الأول للجيش...
                            وبمثل هذا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر دوما حقيقة أن الاسلام دين جديد جاء يلغي العلاقات الانسانية الفاسدة، والقائمة على أسس من التمايز الفارغ الباطل، لينشئ مكانها علاقات جديدة، رشيدة، قوامها انسانية الانسان...!!
                            ولكأنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ غيب المعركة المقبلة حين وضع امراء الجيش على هذا الترتيب: زيد فجعفر، فابن رواحة.. فقد لقوا ربّهم جميعا وفق هذا الترتيب أيضا..!!
                            ولم يكد المسلمون يطالعون جيش الروم الذي حزروه بمائتي ألف مقاتل حتى أذهلهم العدد الذي لم يكن لهم في حساب..
                            ولكن متى كانت معارك الايمان معارك كثرة..؟؟
                            هنالك أقدموا ولم يبالوا.. وأمامهم قائدهم زيد حاملا راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقتحما رماح العدو زنباله وسيوفه، لا يبحث عن النصر، بقدر ما يبحث عن المضجع الذي ترسو عنده صفقته مع الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.
                            لم يكن زيد يرى حواليه رمال البلقاء، ولا جيوش الروم بل كانت روابي الجنة، ورفرفها الأخضر، تخفق أمام عينيه كالأعلام، تنبئه أن اليوم يوم زفافه..
                            وكان هو يضرب، ويقاتل، لا يطوّح رؤوس مقاتليه، انما يفتح الأبواب، ويفضّ الأغلاق التي تحول بينه وبين الباب الكبير الواسع، الي سيدلف منه الى دار السلام، وجنات الخلد، وجوار الله..

                            وعانق زيد مصيره...
                            وكانت روحه وهي في طريقها الى الجنة تبتسم محبورة وهي تبصر جثمان صاحبها، لا يلفه الحرير الناعم، بل يضخّمه دم طهور سال في سبيل الله..
                            ثم تتسع ابتساماتها المطمئنة الهانئة، وهي تبصر ثاني الأمراء جعفرا يندفع كالسهم صوب الراية ليتسلمها، وليحملها قبل أن تغيب في التراب....
                            التعديل الأخير تم بواسطة ابو سلمى; الساعة 2010-02-12, 02:21 AM.

                            تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                            قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                            "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                            وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                            تعليق


                            • #29
                              جعفر بن أبي طالب

                              أشبهت خلقي، وخلقي

                              انظروا جلال شبابه..
                              انظروا نضارة اهابه..
                              انظروا حلمه، حدبه، وبرّه، تواضعه وتقاه..
                              انظروا شجاعته التي لا تعرف الخوف.. وجوده الذي لايخاف الفقر..
                              انظروا طهره وعفته..
                              انظروا صدقه وأمانته...
                              انظروا فيه كل رائعة من روائع الحسن، والفضيلة، والعظمة، ثم لا تعجبوا، فأنتم أمام أشبه الناس بالرسول خلقا، وخلقا..
                              أنتم أمام من كنّاه الرسول بـ أبي المساكين..
                              أنت تجاه من لقبه الرسول بـ ذي الجناحين..
                              أنتم تلقاء طائر الجنة الغريد، جعفر بن أبي طالب..!! عظيم من عظماء الرعيل الأول الذين أسهموا أعظم اسهام في صوغ ضمير الحياة..!!
                              أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم مسلما، آخذا مكانه العالي بين المؤمنين المبكرين..
                              وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عميس..
                              وحملا نصيبهما من الأذى ومن الاضطهاد في شجاعة وغبطة..
                              فلما اختار الرسول لأصحابه الهجرة الى الحبشة، خرج جعفر وزوجه حيث بقيا بها سنين عددا، رزقا خلالها بأولادهما الثلاثة محمد، وعبد الله، وعوف...
                              وفي الحبشة كان جعفر بن أبي طالب المتحدث اللبق، الموفق باسم الاسلام ورسوله..
                              ذلك أن الله أنعم عليه فيما أنعم، بذكاء القلب، واشراق العقل، وفطنة النفس، وفصاحة اللسان..
                              ولئن كان يوم مؤتة الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتى يستشهد.. أروع أيامه وأمجاده وأخلدها..
                              فان يوم المحاورة التي أجراها أمام النجاشي بالحيشة، لن يقلّ روعة ولا بهاء، ولا مجدا..
                              لقد كان يوما فذّا، ومشهدا عجبا...
                              وذلك أن قريشا لم يهدئ من ثورتها، ولم يذهب من غيظها، ولم يطامن كم أحقادها، هجرة المسلمين الى الحبشة، بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم، ويتكاثر طمعهم.. وحتى اذا لم تواتهم فرصة التكاثر والقوّة، فقد عز على كبريائها أن ينجو هؤلاء من نقمتها، ويفلتوا من قبضتها.. يظلوا هناك في مهاجرهم أملا رحبا تهتز له نفس الرسول، وينشرح له صدر الاسلام..
                              هنالك قرر ساداتها ارسال مبعوثين الى النجاشي يحملان هدايا قريش النفيسة، ويحملان رجاءهما في أن يخرج هؤلاء الذين جاؤوا اليها لائذين ومستجيرين...
                              وكان هذان المبعوثان: عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وكانا لم يسلما بعد...
                              كان النجاشي الذي كان يجلس أيامئذ على عرش الحبشة، رجلا يحمل ايمانا مستنيرا.. وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية صافية واعية، بعيدة عن الانحراف، نائية عن التعصب والانغلاق...
                              وكان ذكره يسبقه.. وسيرته العادلة، تنشر غبيرها في كل مكان تبلغه..
                              من أجل هذا، اختار الرسول صلى الله عليه وسلم بلاده دار هجرة لأصحابه..
                              ومن أجل هذا، خافت قريش ألا تبلغ لديه ما تريد فحمّلت مبعوثيها هدايا ضخمة للأساقفة، وكبار رجال الكنيسة هناك، وأوصى زعماء قريش مبعوثيها ألا يقابلا النجاشي حتى يعطيا الهدايا للبطارقة أولا، وحتى يقنعاهم بوجهة نظرهما، ليكونوا لهم عونا عند النجاشي.
                              وحطّ الرسولان رحالهما بالحبشة، وقابلا بها الزعماء الروحانيين كافة، ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها اليهم.. ثم أرسلا للنجاشي هداياه..
                              ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين، ويستنجدان بهم لحمل النجاشي، ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها.
                              وفي وقار مهيب، وتواضع جليل، جلس النجاشي على كرسيه العالي، تحفّ به الأساقفة ورجال الحاشية، وجلس أمامه في البهو الفسيح، المسلمون المهاجرون، تغشاهم سكينة الله، وتظلهم رحمته.. ووقف مبعوثا قريش يكرران الاتهام الذي سبق أن ردّداه أمام النجاشي حين أذن لهم بمقابلة خاصة قبل هذ الاجتماع الحاشد الكبير:
                              " أيها الملك.. انه قد ضوى لك الى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، بل جاؤوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، أعمامهم، وعشائرهم، لتردّهم اليهم"...
                              وولّى النجاشي وجهه شطر المسلمين، ملقيا عليهم سؤاله:
                              " ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا"..؟؟
                              ونهض جعفر قائما.. ليؤدي المهمة التي كان المسلمون المهاجرون قد اختاروه لها ابّان تشاورهم، وقبل مجيئهم الى هذا الاجتماع..
                              نهض جعفر في تؤدة وجلال، وألقى نظرات محبّة على الملك الذي أحسن جوارهم وقال:
                              " يا أيها الملك..
                              كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله الينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا الى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان..
                              وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء..
                              ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات.. فصدّقناه وآمنّا به، واتبعناه على ما جاءه من ربه، فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فغدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردّونا الى عبادة الأوثان، والى ما كنّا عليه من الخبائث..
                              فلما قهرونا، وظلمونا، وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا الى بلادك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك"..
                              ألقى جعفر بهذه الكلمات المسفرة كضوء الفجر، فملأت نفس النجاشي احساسا وروعة، والتفت الى جعفر وساله:
                              " هل معك مما أنزل على رسولكم شيء"..؟
                              قال جعفر: نعم..
                              قال النجاشي: فاقرأه علي..
                              ومضى حعفر يتلو لآيات من سورة مريم، في أداء عذب، وخشوع فبكى النجاشي، وبكى معه أساقفته جميعا..
                              ولما كفكف دموعه الهاطلة الغزيرة، التفت الى مبعوثي قريش، وقال:
                              " ان هذا، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة..
                              انطلقا فلا والله، لا أسلمهم اليكما"..!!
                              انفضّ الجميع، وقد نصر الله عباده وآرهم، في حين رزئ مندوبا قريش بهزيمة منكرة..
                              لكن عمرو بن العاص كان داهية واسع الحيلة، لا يتجرّع الهزيمة، ولا يذعن لليأس..
                              وهكذا لم يكد يعود مع صاحبه الى نزلهما، حتى ذهب يفكّر ويدبّر، وقال لزميله:
                              " والله لأرجعنّ للنجاشي غدا، ولآتينّه عنهم بما يستأصل خضراءهم"..
                              وأجابه صاحبه: " لا تفعل، فان لهم أرحاما، وان كانوا قد خالفونا"..
                              قال عمرو: " والله لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، كبقية العباد"..
                              هذه اذن هي المكيدة الجديدة الجديدة التي دبّرها مبعوث قريش للمسلمين كي يلجئهم الى الزاوية الحادة، ويضعهم بين شقّي الرحى، فان هم قالوا عيسى عبد من عباد الله، حرّكوا ضدهم أضان الملك والأساقفة.. وان هم نفوا عنه البشرية خرجوا عن دينهم...!!
                              وفي الغداة أغذا السير الى مقابلة الملك، وقال له عمرو:
                              " أيها الملك: انهم ليقولون في عيسى قولا عظيما".
                              واضطرب الأساقفة..
                              واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة..
                              ونادوا بدعوة المسلمين لسؤالهم عن موقف دينهم من المسيح..
                              وعلم المسلمون بالمؤامرة الجديدة، فجلسوا يتشاورون..
                              ثم تفقوا على أن يقولوا الحق الذي سمعون من نبيهم عليه الصلاة والسلام، لايحيدون عنه قيد شعرة، وليكن ما يكن..!!
                              وانعقد الاجتماع من جديد، وبدأ النجاشي الحديث سائلا جعفر:
                              "ماذا تقولون في عيسى"..؟؟
                              ونهض جعفر مرة أخرى كالمنار المضيء وقال:
                              " نقول فيه ما جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: هو عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه"..
                              فهتف النجاشي مصدّقا ومعلنا أن هذا هو ما قاله المسيح عن نفسه..
                              لكنّ صفوف الأساقفة ضجّت بما يسبه النكير..
                              ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلا للمسلمين:
                              " اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبّكم أو آذاكم، فعليه غرم ما يفعل"..
                              ثم التفت صوب حاشيته، وقال وسبّابته تشير الى مبعوثي قريش:
                              " ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها...
                              فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه"...!!
                              وخرج مبعوثا قريش مخذولين، حيث وليّا وجهيهما من فورهما شطر مكة عائين اليها...
                              وخرج المسلمون بزعامة جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة، لابثين فيها كما قالوا:" بخير دار.. مع خير جار.." حتى يأذن الله لهم بالعودة الى رسولهم واخوانهم وديارهم...
                              كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفل مع المسلمين بفتح خيبر حين طلع عليهم قادما من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه من كانوا لا يزالون في الحبشة من المهاجرين..
                              وأفعم قلب الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمة غبطة، وسعادة وبشرا..
                              وعانقه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
                              " لا أدري بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر.. أم بقدوم جعفر..".
                              وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الى مكة، حيث اعتمروا عمرة القضاء، وعادوا الى المدينة، وقد اكتلأت نفس جعفر روعة بما سمع من انباء اخوانه المؤمنين الذين خاضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر، وأحد.. وغيرهما من المشاهد والمغازي.. وفاضت عيناه بالدمع على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقضوا نحبهم شهداء أبرار..
                              وطار فؤداه شوقا الى الجنة، وأخذ يتحيّن فرصة الشهادة ويترقب لحظتها المجيدة..!!
                              وكانت غزوة مؤتة التي أسلفنا الحديث عنها، تتحرّك راياتها في الأفق متأهبة للزحف، وللمسير..
                              ورأى جعفر في هذه الغزوة فرصة العمر، فامّا أن يحقق فيها نصرا كبيرا لدين الله، واما أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله..
                              وتقدّم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه أن يجعل له في هذه الغزوة مكانا..
                              كان جعفر يعلم علم اليقين أنها ليست نزهة.. بل ولا حربا صغيرة، انما هي حرب لم يخض الاسلام منها من قبل.. حرب مع جيوش امبراطورية عريضة باذخة، تملك من العتاد والأعداد، والخبرة والأموال ما لا قبل للعرب ولا للمسلمين به، ومع هذا طار شوقا اليها، وكان ثالث ثلاثة جعلهم رسول الله قواد الجيش وأمراءه..
                              وخرج الجيش وخرج جعفر معه..
                              والتقى الجمعان في يوم رهيب..
                              وبينما كان من حق جعفر أن تأخذ الرهبة عنده عندما بصر جيش الروم ينتظم مائتي ألف مقاتل، فانه على العكس، أخذته نشوة عارمة اذا احسّ في أنفه المؤمن العزيز، واعتداد البطل المقتدر أنه سيقاتل أكفاء له وأندادا..!!
                              وما كادت الراية توشك على السقوط من يمين زيد بن حارثة، حتى تلقاها جعفر باليمين ومضى يقاتل بها في اقدام خارق.. اقدام رجل لا يبحث عن النصر، بل عن الشهادة...
                              وتكاثر عليه وحوله مقاتلي الروم، و{اى فرسه تعوق حركته فاقتحم عنها فنزل.. وراح يصوب سيفه ويسدده الى نحور أعدائه كنقمة القدر.. ولمح واحدا من األأعداء يقترب من فرسه ليعلو ظهرها، فعز عليه أن يمتطي صهوتها هذا الرجس، فبسط نحوها سيفه، وعقرها..!!
                              وانطلق وسط الصفوف المتكالبة عليه يدمدم كالاعثار، وصوته يتعالى بهذا الزجر المتوهج:
                              يا حبّذا الجنة واقترابها
                              طيّبة، وبارد شرابها

                              والروم روم، قد دنا عذابها
                              كافرة بعيدة أنسابها

                              عليّ اذا لاقيتها ضرابها

                              وأدرك مقاتلو الروم مقدرة هذا الرجل الذي يقاتل، وكانه جيش لجب..
                              وأحاطوا به في اصرار مجنون على قتله.. وحوصر بهم حصارا لا منفذ فيه لنجاة..
                              وضربوا بالسيوف يمينه، وقبل أن تسقط الراية منها على الأرض تلقاها بشماله.. وضربوها هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه..
                              في هذه اللحظة تركّزت كل مسؤوليته في ألا يدع راية رسول الله صلى الله عليه وسلم تلامس التراب وهو حيّ..
                              وحين تكّومت جثته الطاهرة، كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه، ونادت خفقاتها عبدالله بن رواحة فشق الصفوف كالسهم نحوها، واخذها في قوة، ومضى بها الى مصير عظيم..!!
                              وهكذا صنع جعفر لنفسه موتة من أعظم موتات البشر..!!
                              وهكذا لقي الكبير المتعال، مضمّخا بفدائيته، مدثرا ببطولاته..
                              وأنبأ العليم الخبير رسوله بمصير المعركة، وبمصير جعفر، فاستودعه الله، وبكى..
                              وقام الى بيت ابن عمّه، ودعا بأطفاله وبنيه، فشمّمهم، وقبّلهم، وذرفت عيناه..
                              ثم عاد الى مجلسه، وأصحابه حافون به. ووقف شاعرالاسلام حسّان بن ثابت يرثي جعفر ورفاقه:
                              غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم
                              الى الموت ميمون النقيبة أزهر

                              أغرّ كضوء البدر من آل هاشم
                              أبيّ اذا سيم الظلامة مجسر

                              فطاعن حتى مال غير موسد
                              لمعترك فيه القنا يتكسّر
                              فصار مع المستشهدين ثوابه
                              جنان، ومتلف الحدائق أخضر

                              وكنّا نرى في جعفر من محمد
                              وفاء وأمرا حازما حين يأمر

                              فما زال في الاسلام من آل هاشم
                              دعائم عز لا يزلن ومفخر

                              وينهض بعد حسّان، كعب بن مالك، فيرسل شعره الجزل :

                              وجدا على النفر الذين تتابعوا
                              يوما بمؤتة، أسندوا لم ينقلوا

                              صلى الاله عليهم من فتية
                              وسقى عظامهم الغمام المسبل

                              صبروا بمؤتة للاله نفوسهم
                              حذر الردى، ومخافة أن ينكلوا
                              اذ يهتدون بجعفر ولواؤه
                              قدّام أولهم، فنعم الأول

                              حتى تفرّجت الصفوف وجعفر
                              حيث التقى وعث الصفوف مجدّل

                              فتغير القمر المنير لفقده
                              والشمس قد كسفت، وكادت تأفل

                              وذهب المساكين جميعهم يبكون أباهم، فقد كان جعفر رضي الله عنه أبا المساكين..
                              يقول أبو هريرة:
                              " كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب"...
                              أجل كان أجود الناس بماله وهو حيّ.. فلما جاء أجله أبى الا أن يكون من أجود الشهداء وأكثرهم بذلا لروحه وحيته..
                              يقول عبدالله بن عمر:
                              " كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه، فوجدناه وبه بضع وتسعون ما بين رمية وطعنة"..!!
                              بضع وتسعون طعنة سيف ورمية رمح..؟؟!!
                              ومع هذا، فهل نال القتلة من روحه ومن مصيره منالا..؟؟
                              أبدا.. وما كانت سيوفهم ورماحهم سوى جسر عبر عليه الشهيد المجيد الى جوار الله الأعلى الرحيم، حيث نزل في رحابه مكانا عليّا..
                              انه هنالك في جنان الخلد، يحمل أوسمة المعركة على كل مكان من جسد أنهكته السيوف والرماح..
                              وان شئتم، فاسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
                              " لقد رأيته في الجنّة.. له جناحان مضرّجان بالدماء.. مصبوغ القوادم"...!!!

                              تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                              قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                              "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                              وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                              تعليق


                              • #30
                                عبدالله بن رواحة

                                يا نفس، إلا تقتلي تموتي

                                عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مستخفيا من كفار قريش مع الوفد القادم من المدينة هناك عند مشارف مكة، يبايع اثني عشر نقيبا من الأنصار بيعة العقبة الأولى، كان هناك عبدالله بن رواحة واحدا من هؤلاء النقباء، حملة الاسلام الى المدينة، والذين مهدّت بيعتهم هذه للهجرة التي كانت بدورها منطلقا رائعا لدين الله، والإسلام..
                                وعندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبايع في العام التالي ثلاثة وسبعين من الأنصار أهل المدينة بيعة العقبة الثانية، كان ابن رواحة العظيم واحدا من النقباء المبايعين...
                                وبعد هجرة الرسول وأصحابه الى المدينة واستقرارهم بها، كان عبدالله بن رواحة من أكثر الأنصار عملا لنصرة الدين ودعم بنائه، وكان من أكثرهم يقظة لمكايد عبد الله بن أبيّ الذي كان أهل المدينة يتهيئون لتتويجه ملكا عليها قبل أن يهاجر الاسلام اليها، والذي لم تبارح حلقومه مرارة الفرصة الضائعة، فمضى يستعمل دهاءه في الكيد للاسلام. في حين مضى عبدالله بن رواحة يتعقب هذا الدهاء ببصيرة منيرة، أفسدت على ابن أبيّ أكثر مناوراته، وشلّت حركة دهائه..!!
                                وكان ابن رواحة رضي الله عنه، كاتبا في بيئة لا عهد لها بالكتابة الا يسيرا..
                                وكان شاعرا، ينطلق الشعر من بين ثناياه عذبا قويا..
                                ومنذ أسلم، وضع مقدرته الشعرية في خدمة الاسلام..
                                وكان الرسول يحب شعره ويستزيده منه..
                                جلس عليه السلام يوما مع أصحابه، وأقبل عبدالله بن رواحة، فسأله النبي:
                                " كيف تقول الشعر اذا أردت أن نقول"..؟؟
                                فأجاب عبدالله:" أنظر في ذاك ثم أقول"..
                                ومضى على البديهة ينشد:
                                يا هاشم الخير ان الله فضّلكم
                                على البريّة فضلا ما له غير
                                اني تفرّست فيك الخير أعرفه
                                فراسة خالفتهم في الذي نظروا
                                ولو سألت أو استنصرت بعضهمو
                                في حلّ أمرك ما ردّوا ولا نصروا
                                فثّبت الله ما آتاك من حسن
                                تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

                                فسرّ الرسول ورضي وقال له:
                                " واياك، فثّبت الله"..
                                وحين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يطوف بالبيت في عمرة القضاء
                                كان ابن رواحة بين يديه ينشد من رجزه:
                                يا ربّ لولا أنت ما اهتدينا
                                ولا تصدّقنا ولا صلينا
                                فأنزلن سكينة علينا
                                وثبّت الأقدام ان لاقينا
                                ان الذين قد بغوا علينا
                                اذا أرادوا فتنة ألبنا
                                وكان المسلمون يرددون أنشودته الجميلة..
                                وحزن الشار المكثر، حين تنزل الآية الكريمة:
                                ( والشعراء يتبعهم الغاوون)..
                                ولكنه يستردّ غبطة نفسه حين تنزل آية أخرى:
                                ( الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا..)
                                وحين يضطر الاسلام لخوض القتال دفاعا عن نفسه، يحمل ابن رواحة سيفه في مشاهد بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر جاعلا شعاره دوما هذه الكلمات من شعره وقصيده:
                                " يا نفس الا تقتلي تموتي"..
                                وصائحاً في المشركين في كل معركة وغزاة:

                                خلوا بني الكفار عن سبيله
                                خلوا، فكل الخير في رسوله

                                وجاءت غزوة مؤتة..
                                وكان عبدالله بن رواحة ثالث الأمراء، كما أسلفنا في الحديث عن زيد وجفعر..
                                ووقف ابن رواحة رضي الله عنه والجيش يتأهب لمغادرة المدينة..
                                وقف ينشد ويقول:
                                لكنني أسأل الرحمن مغفرة
                                وضربة ذات فرع وتقذف الزبدا
                                أو طعنة بيدي حرّان مجهرة
                                بحربة تنفد الأحشاء والكبدا
                                حتى يقال اذا مرّوا على جدثي
                                يا أرشد الله من غاز، وقد رشدا
                                أجل تلك كانت أمنيته ولا شيء سواها.. ضربة سيف أ، طعنة رمح، تنقله الى عالم الشهداء والظافرين..!!
                                وتحرّك الجيش الى مؤتة، وحين استشرف المسلمون عدوّهم كان عدد جيش الروم مائتي ألف مقاتل، اذ رأوا صفوفا لا آخر لها، وأعداد نفوق الحصر والحساب..!!
                                ونظر المسلمون الى عددهم القليل، فوجموا.. وقال بعضهم:
                                " فلنبعث الى رسول الله، نخبره بعدد عدوّنا، فامّا أن يمدّنا بالرجال، وأمّا أن يأمرنا بالزحف فنطيع"..
                                بيد أن ابن رواحة نهض وسط صفوفهم كالنهار، وقال لهم:
                                " يا قوم..
                                انّا والله، ما نقاتل إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به..
                                فانطلقوا.. فإنما هي إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة"...
                                وهتف المسلمون الأقلون عددا، الأكثرون ايمانا،..
                                هتفوا قائلين:
                                "قد والله صدق ابن رواحة"..
                                ومضى الجيش الى غايته، يلاقي بعدده القليل مائتي ألف، حشدهم الروم للقتال الضاري الرهيب...
                                والتقى الجيشان كما ذكرنا من قبل..
                                وسقط الأمير الأول زيد بن حارثة شهيدا مجيدا..
                                وتلاه الأمير الثاني جعفر بن عبد المطلب حتى أدرك الشهادة في غبطة وعظمة..
                                وتلاه ثالث الأمراء عبدالله بن رواحة فحمل الراية من يمين جعفر.. وكان القتال قد بلغ ضراوته، وكادت القلة المسلمة تتوه في زحام العرمرم اللجب، الذي حشده هرقل..
                                وحين كان ابن رواحة يقاتل كجندي، كان يصول ويجول في غير تردد ولا مبالاة..
                                أما الآن، وقد صار أميرا للجيش ومسؤولا عن حياته، فقد بدا أمام ضراوة الروم، وكأنما مرّت به لمسة تردد وتهيّب، لكنه ما لبث أن استجاش كل قوى المخاطرة في نفسه وصاح..
                                أقسمت يا نفس لتنزلنّه
                                مالي أراك تكرهين الجنّة؟؟
                                يا نفس الا تقتلي تموتي
                                هذا حمام الموت قد صليت
                                وما تمنّت فقد أعطيت
                                ان تفعلي فعلهما هديت
                                يعني بهذا صاحبيه الذين سبقاه إلى الشهادة: زيدا وجعفر..
                                "ان تفعلي فعلهما هديت.
                                ة انطلق يعصف بالروم عصفا..
                                ولا كتاب سبق بأن يكون موعده مع الجنة، لظلّ يضرب بسيفه حتى يفني الجموع المقاتلة.. لكن ساعة الرحيل قد دقّت معلنة بدء المسيرة الى الله، فصعد شهيدا..
                                هوى جسده، فصعدت الى الرفيق الأعلى روحه المستبسلة الطاهرة..
                                وتحققت أغلى أمانيه:
                                حتى يقال اذا مرّوا على جدثي
                                يا أرشد الله من غار، وقد رشدا
                                نعم يا ابن رواحة..
                                يا أرشد الله من غاز وقد رشدا..!!
                                وبينما كان القتال يدور فوق أرض البلقاء بالشام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه في المدينة، يحادثهم ويحادثونه..
                                وفجأة والحديث ماض في تهلل وطمأنينة، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسدل جفنيه قليلا.. ثم رفعهما لينطلق من عينيه بريق ساطع يبلله أسى وحنان..!!
                                وطوفّت نظراته الآسية وجوه أصحابه وقال:
                                "أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا.
                                ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدا"..
                                وصمت قليلا ثم استأنف كلماته قائلا:
                                " ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها، حتى قتل شهيدا"..
                                ثم صمت قليلا وتألقت عيناه بومض متهلل، مطمئن، مشتاق. ثم قال:
                                " لقد رفعوا الى الجنة"..!!
                                أيّة رحلة مجيدة كانت..
                                وأي اتفاق سعيد كان..
                                لقد خرجوا الى الغزو معا..
                                وكانت خير تحيّة توجّه لذكراهم الخالدة، كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم:
                                " لقد رفعوا الى الجنة"..!!

                                تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                                قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                                "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                                وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                                تعليق

                                يعمل...
                                X