إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #61

    أبو سفيان بن الحارث

    من الظلمات إلى النور

    انه أبو سفيان آخر، غير أبو سفيان بن حرب..
    وان قصته، هي قصة الهدى بعد الضلال.. والحب بعد الكراهية..
    والسعادة بعد الشقوة..
    هي قصة رحمة الله الواسعة حين تفتح أبوابها اللاجئ ألقى نفسه بين يدي الله بعد أن أضناه طول اللغوب..!!
    تصوّروا بعد عشرين عاما قضاها ابن الحارث في عداوة موصولة للإسلام..!!
    عشرون عاما منذ بعث النبي عليه السلام، حتى اقترب يوم الفتح العظيم، وأبو سفيان بن الحارث يشدّ أزر قريش وحلفائها، ويهجو الرسول بشعره، ولا يكاد يتخلف عن حشد تحشده قريش لقتال..!!
    وكان إخوته الثلاثة: نوفل، وربيعة، وعبدالله قد سبقوه إلى الاسلام..
    وأبو سفيان هذا، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، اذ هو ابن الحارث بن عبدالمطلب..
    ثم هو أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، اذ أرضعته حليمة السعدية مرضعة الرسول بضعة أيام..
    وذات يوم نادته الأقدار لمصيره السعيد، فنادى ولده جعفرا، وقال لأهله: انا مسافران..
    الى أين يا بن الحارث..
    الى رسول الله لنسلم معه لله رب العالمين..
    ومضى يقطع الأرض بفرسه ويطويها طيّ التائبين..
    وعند الأبواء أبصر مقدمة جيش لجب. وأدرك أنه الرسول قاصدا مكة لفتحها.
    وفكّر ماذا يصنع..؟
    ان الرسول قد أهدر دمه من طول ما حمل سيفه ولسانه ضد الاسلام، مقاتلا وهاجيا..
    فاذا رآه أحد من الجيش، فسيسارع الى القصاص منه..
    وان عليه أن يحتال للأمر حتى يلقي نفسه بين يدي رسول الله أولا، وقبل أن تقع عليه عين أحد من المسلمين..
    وتنكّر أبو سفيان بن الحارث حتى أخفى معالمه، وأخذ بيد ابنه جعفر، وسار مشيا على الأقدام شوطا طويلا، حتى أبصر رسول الله قادما في كوكبة من أصحابه، فتنحّى حتى نزل الركب..
    وفجأة ألقى بنفسه أمام رسول الله مزيحا قناعه فعرفه الرسول، وحول وجهه عنه، فأتاه أبو سفيان من الناحية أخرى، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم.
    وصاح أبو سفيان وولده جعفر:
    " نشهد أن لا اله إلا الله
    ونشهد أن محمدا رسول الله".
    واقترب من النبي صلى الله عليه وسلم قائلا:
    " لا تثريب يا رسول الله"..
    وأجابه الرسول:
    " لا تثريب يا أبا سفيان.
    ثم أسلمه الى علي بن أبي طالب وقال له:
    " علم ابن عمّك الوضوء والسنة ورح به اليّ"..
    وذهب به علي ثم رجع فقال له الرسول:
    " ناد في الناس أن رسول الله قد رضي عن أبي سفيان فارضوا عنه"..
    لحظة زمن، يقول الله لها: كوني مباركة، فتطوي آمادا وأبعادا من الشقوة والضلال، وتفتح أبواب رحمة ما لها حدود..!!
    لقد كاد أبو سفيان يسلم، بعد أن رأى في بدر وهو يقاتل مع قريش ما حيّر لبّه..
    ففي تلك الغزوة تخلّف أبو لهب وأرسل مكانه العاص بن هشام..
    وانتظر أبو لهب أخبار المعركة بفارغ الصبر وبدأت الأنباء تأتي حاملة هزيمة قريش المنكرة..
    وذات يوم، أبو لهب مع نفر من القرشيين يجلسون عند زمزم، إذ أبصروا فارسا مقبلا فلما دنا منهم إذا هو: أبو سفيان بن الحارث.. ولم يمهله أبو لهب، فناداه:" هلمّ اليّ يا بن أخي. فعندك لعمري الخبر.. حدثنا كيف كان أمر الناس"؟؟
    قال أبو سفيان بن الحارث:
    " والله أنا هو إلا أن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا..
    وأيم الله ما لمت قريشا.. فلقد لقينا رجالا بيضا على خيل بلق، بين السماء والأرض، ما يشبهها شيء، ولا يقف أمامها شيء"..!!
    وأبو سفيان يريد بهذا أن الملائكة كانت تقاتل مع الرسول والمسلمين..
    فما باله لم يسلم يومئذ وقد رأى ما رأى..؟؟
    ان الشك طريق اليقين، وبقدر ما كانت شكوك أبي الحارث عنيدة وقوية، فان يقينه يوم يجيء سيكون صلبا قويا..
    ولقد جاء يوم يقينه وهداه.. وأسلم لله رب العالمين..
    ومن أولى لحظات إسلامه، راح يسابق الزمان عابدا، ومجاهدا، ليمحو آثار ماضيه، وليعوّض خسائره فيه..
    خرج مع الرسول فيما تلا فتح مكة من غزوات..
    ويوم حنين، حيث نصب المشركون للمسلمين كمينا خطيرا، وانقضوا عليهم فجأة من حيث لا يحتسبون انقضاضا وبيلا أطار صواب الجيش المسلم، فولّى أكثر أجناده الأدبار وثبت الرسول مكانه ينادي:
    " إليّ أيها الناس..
    أنا النبي لا كذب..
    أنا ابن عبدالمطلب.."
    في تلك اللحظة الرهيبة، كانت هناك قلة لم تذهب بصوابها المفاجأة
    وكان منهم أبو سفيان بن الحارث وولده جعفر..
    ولقد كان أبو سفيان يأخذ بلجام فرس الرسول، وحين رأى ما رأى أدرك أن فرصته التي بحث عنها قد أهلت.. تلك أن يقضي نحبه شهيدا في سبيل الله، وبين يدي الرسول..
    وراح يتشبث بمقود الفرس بيسراه، ويرسل السيف في نحور المشركين بيمناه.
    وعاد المسلمون الى مكان المعركة حتى انتهت، وتملاه الرسول ثم قال:
    " أخي أبو سفيان بن الحارث..؟؟"
    ما كاد أبو سفيان يسمع قو الرسول " أخي"..
    حتى طار فؤاده من الفرح والشرف. فأكبّ على قدمي الرسول يقبلهما، ويغسلهما بدموعه.
    وتحرّكت شاعريته فراح يغبط نفسه على ما أنعم الله عليه من شجاعة وتوفيق:

    لقد علمت أفناء كعب وعامر
    غداة حنين حين عمّ التضعضع

    بأني أخو الهيجاء، أركب حدّها
    أمام رسول الله لا أتتعتع

    رجاء ثواب الله والله راحم
    إليه تعالى كل أمر سيرجع

    وأقبل لأبو سفيان بن الحارث على العبادة إقابلا عظيما، وبعد رحيل الرسول عن الدنيا، تعلقت روحه بالموت ليلحق برسول الله في الدار الآخرة، وعاش ما عاش والموت أمنية حياته..
    وذات يوم شاهده الناس في البقيع يحفر لحدا، ويسويّه ويهيّئه.. فلما أبدوا دهشتهم مما يصنع قال لهم:
    " اني أعدّ قبري"..
    وبعد ثلاثة أيام لا غير، كان راقدا في بيته، وأهله من حوله يبكون..
    وفتح عينيه عليهم في طمأنينة سابغة وقال لهم:
    " لا تبكوا عليّ، فاني لم أتنظف بخطيئة منذ أسلمت"..!!
    وقبل أن يحني رأسه على صدره، لوّح به الى أعلى، ملقيا على الدنيا تحيّة الوداع..!!

    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

    تعليق


    • #62
      عمران بن حصين

      شبيه الملائكة

      عام خيبر، أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعا..
      ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول أصبحت يده اليمنى موضع تكريم كبير، فآلى على نفسه ألا يستخدمها الا في كل عمل طيّب، وكريم..
      هذه الظاهرة تنبئ عما يتمتع به صاحبها من حسّ دقيق.
      وعمران بن حصين رضي الله عنه صورة رضيّة من صور الصدق، والزهد، والورع، والتفاني وحب الله وطاعته...
      وان معه من توفيق الله ونعمة الهدى لشيئا كثيرا، ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي، ويبكي، ويقول:
      " يا ليتني كنت رمادا، تذروه الرياح"..!!
      ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا يخافون الله بسبب ما يدركون من ذنب، فقلما كانت لهم بعد اسلامهم ذنوب..
      انما كانوا يخافونه ويخشونه بقدر إدراكهم لعظمته وجلاله،وبقدر إدراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته، فمهما يضرعوا، ويركعوا، ومهما يسجدوا، ويعبدوا..
      ولقد سأل أصحاب الرسول يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
      " يا رسول الله، مالنا اذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا دنيانا، وكأننا نرى الآخرة رأي العين.. حتى اذا خرجنا من عندك، ولقينا أهلنا، وأولادنا، ودنيانا، أنكرنا أنفسنا..؟؟"
      فأجابهم عليه السلام:
      " والذي نفسي بيده، لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة عيانا، ولكن ساعة.. وساعة.
      وسمع عمران بن حصين هذا الحديث. فاشتعلت أشواقه.. وكأنما آلى على نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته، وكأنما لم تقنع همّته بأن يحيا حياته ساعة.. وساعة.. فأراد أن تكون كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لله رب العالمين..!!
      وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليفقه أهلها ويعلمهم.. وفي البصرة حطّ رحاله، وأقبل عليه أهلها مذ عرفوه يتبركون به، ويستضيؤن بتقواه.
      قال الحسن البصري، وابن سيرين:
      " ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد بفضل عمران بن حصين"
      كان عمران يرفض أن يشغله عن الله وعبادته شاغل، استغرق في العبادة، واستوعبته العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا التي يعيش فوق أرضها وبين ناسها..
      أجل..
      صار كأنه ملك يحيا بين الملائكة، يحادثونه ويحادثهم.. ويصافحونه ويصافحهم..
      ولما وقع النزاع الكبير بين المسلمين، بين فريق علي وفريق معاوية، لم يقف عمران موقف الحيدة وحسب، بل راح يرفع صوته بين الناس داعيا ايّاهم أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب، حاضنا قضية الاسلام خير محتضن.. وراح يقول للناس:
      " لأن أرعى أعنزا حضنيات في رأس جبل حتى يدركني الموت، أحبّ اليّ من أن أرمي في أحد الفريقين بسهم، أخطأ أم أصاب"..
      وكان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا:
      " الزم مسجدك..
      فان دخل عليك، فالزم بيتك..
      فان دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتله"..
      وحقق إيمان عمران بن حصين أعظم نجاح، حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما، ما ضجر منه ولا قال: أفّ..
      بل كان مثابرا على عبادته قائما، وقاعدا وراقدا..
      وكان إذا هوّن عليه إخوانه وعوّاده أمر علته بكلمات مشجعة، ابتسم لها وقال:
      " إن أحبّ الأشياء إلى نفسي، أحبها إلى الله"..!!
      وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت:
      " إذا رجعتم من دفني، فانحروا وأطعموا"..

      أجل لينحروا ويطعموا، فموت مؤمن مثل عمران بن حصين ليس موتا، إنما هو حف زفاف عظيم، ومجيد، تزف فيه روح عالية راضية الى جنّة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين...

      تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

      قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
      "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
      وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

      تعليق


      • #63
        سلمة بن الأكوع

        بطل المشاة



        أراد ابنه أيّاس أن يلخص فضائله في عبارة واحدة.
        فقال:
        " ماكذب أبي قط"..!!
        وحسب انسان أن يحرز هذه الفضيلة، ليأخذ مكانه العالي بين الأبرار والصالحين.
        ولقد أحرزها سلمة بن الأكوع وهو جدير بها..
        كان سلمة من رماة العرب المعدودين، وكان كذلك من المبرزين في الشجاعة والكرم وفعل الخيرات.
        وحين أسلم نفسه للاسلام، أسلمها صادقا منيبا، فصاغها الاسلام على نسقه العظيم.
        وسلمة بن الأكوع من أصحاب بيعة الرضوان.
        حين خرج الرسول وأصحابه عام ست من الهجرة، قاصدين زيارة البيت الحرام، وتصدّت لهم قلريش تمنعهم.
        أرسل النبي اليهم عثمان بن عفان ليخبرهم أن النبي جاء زائرا لا مقاتلا..
        وفي انتظار عودة عثمان، سرت اشاعة بأن قريشا قد قتلته،وجلس الرسول في ظل الشجرة يتلقى بيهة أصحابه واحدا واحدا على الموت..
        يقول سلمة:
        " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت تحت الشجرة،. ثم تنحيّت، فلما خف الناس قال يا سلمة مالك لا تبايع..؟
        قلت: قد بايعت رسول الله، قال: وأيضا.. فبايعته".
        ولقد وفى بالبيعة خير وفاء.
        بل وفى بها قبل أن يعطيها، منذ شهد أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله..
        يقول:
        " غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع زيد بن حارثة تسع غزوات".
        كان سلمة من أمهر الذين يقاتلون مشاة، ويرمون بالنبال والرماح
        وكانت طريقته تشبه طريقة بعض حروب العصابات الكبيرة التي تتبع اليوم.. فكان اذا هاجمه عدوه تقهقر دونه، فاذا أدبر العدو أو وقف يستريح هاجمه في غير هوادة..
        وبهذه الطريقة استطاع أن يطارد وحده، القوة التي أغارت على مشارف المدينة بقيادة عيينة بن حصن الفزاري في الغزوة المعروفة بغزو ذي قرد..
        حين خرج في أثرهم وحده، وظل يقاتلهم ويراوغهم، ويبعدهم عن المدينة حتى أدركه الرسول في قوة وافرة من أصحابه..
        وفي هذا اليوم قال الرسول لأصحابه:
        " خير رجّالتنا ، أي مشاتنا، سلمة بن الأكوع"!!
        ولم يعرف سلمة الأسى والجزع الا عند مصرع أخيه عامر بن الأكوع في حرب خيبر..
        وكان عامر يرتجز أمام جيش المسلمين هاتفا:
        لا همّ لولا أنت ما اهتدينا
        ولا تصدّقنا ولا صلّينا
        فأنزلن سكينة علينا
        وثبت الأقدام إن لاقينا
        في تلك المعركة ذهب عامر يضرب بسيفه أحد المشركين فانثنى السيف في يده وأصابت ذوّابته منه مقتلا.. فقال بعض المسلمين:
        " مسكين عامر حرم الشهادة"
        عندئذ لا غير جزع سلمة جزعا شديدا، حين ظنّ كما ظن غيره أن أخاه وقد قتل نفسه خطأ قد حرم أجر الجهاد، وثواب الشهادة.
        لكن الرسول الرحيم سرعان ما وضع الأمر في نصابها حين ذهب إليه سلمة وقال له:
        أصحيح يا رسول الله أن عامرا حبط عمله..؟
        فأجابه الرسول عليه السلام:
        " انه قتل مجاهدا
        وأن له لأجرين
        وانه الآن ليسبح
        في أنهار الجنة"..!!
        وكان سلمة على جوده المفيض أكثر ما يكون جوادا إذا سئل بوجه الله..
        فلو أن إنسانا سأله بوجه الله أن يمنحه حياته، لما تردد في بذلها.
        ولقد عرف الناس منه ذلك، فكان أحدهم إذا أراد أن يظفر منه بشيء قال له:
        " من لم يعط بوجه الله، فبم يعطي"..؟؟
        ويوم قتل عثمان، رضي الله عنه، أدرك المجاهد الشجاع أن أبواب الفتنة قد فتحت على المسلمين
        وما كان له وهو الذي قضى عمره يقاتل بين إخوانه أن يتحول إلى مقاتل ضد إخوانه..
        أجل إن الرجل الذي حيّا الرسول مهارته في قتال المشركين، ليس من حقه أن يقاتل بهذه المهارة مسلما..
        ومن ثمّ، فقد حمل متاعه وغادر المدينة إلى الربدة.. نفس المكان الذي اختاره أبو ذر من قبل مهاجرا له ومصيرا.
        وفي الرّبدة عاش سلمة بقية حياته، حتى كان يوم عام أربعة وسبعين من الهجرة، فأخذه السوق إلى المدينة فسافر إليها زائرا، وقضى بها يوما، وثانيا..
        وفي اليوم الثالث مات.
        وهكذا ناداه ثراها الحبيب الرطيب ليضمّه تحت جوانحه ويؤويه مع من آوى قبله من الرفاق المباركين، والشهداء الصالحين.

        تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

        قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
        "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
        وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

        تعليق


        • #64


          عبدالله بن الزبير

          أي رجل وأي شهيد



          كان جنينا مباركا في بطن أمه، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكة إلى المدينة على طريق الهجرة العظيم.
          هكذا قدّر لعبدالله بن الزبير أن يهاجر مع المهاجرين وهو لم يخرج إلى الدنيا بعد، ولم تشقق عنه الأرحام..!!
          وما كادت أمه أسماء رضي الله عنها وأرضاها، تبلغ قباء عند مشارف المدينة، حتى جاءها المخاض ونزل المهاجر الجنين الى أرض المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها المهاجرون من أصحاب رسول الله..!!
          وحمل أول مولود في الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره بالمدينة مقبّله وحنّكه، وكان أول شيء دخل جوف عبدالله بن الزبير ريق النبي الكريم.
          واحتشد المسلمون في المدينة، وحملوا الوليد في مهده، ثم طوّفوا به في شوارع المدينة كلها مهللين مكبّرين.
          ذلك أن اليهود حين نزل الرسول وأصحابه المدينة كبتوا واشتعلت أحقادهم، وبدؤا حرب الأعصاب ضد المسلمين، فأشاعوا أن كهنتهم قد سحروا المسلمين وسلطوا عليهم العقم، فلن تشهد المدينة منهم وليدا جديدا..
          فلما أهلّ عبدالله بن الزبير عليهم من عالم الغيب، كان وثيقة دمغ بها القدر إفك يهود المدينة وأبطل كيدهم وما يفترون..!!
          ان عبدالله لم يبلغ مبلغ الرجال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكنه تلقى من ذلك العهد، ومن الرسول نفسه بحكم اتصاله الوثيق به، كل خامات رجولته ومبادئ حياته التي سنراها فيما بعد ملء الدنيا وحديث الناس..
          لقد راح الطفل ينمو نموّا سريعا، وكان خارقا في حيويته، وفطنته وصلابته..
          وارتدى مرحلة الشباب، فكان شبابه طهرا، وعفة ونسكا، وبطولة تفوق الخيال..
          ومضى مع أيامه وقدره، لا تتغيّر خلائقه ولا تنبوبه رغائبه.. إنما هو رجل يعرف طريقه، ويقطعه بعزيمة جبارة، وإيمان وثيق وعجيب..
          وفي فتح افريقية والأندلس، والقسطنطينية. كان وهو لم يجاوز السابعة والعشرين بطلا من أبطال الفتوح الخالدين..
          وفي معركة افريقية بالذات وقف المسلمون في عشرين ألف جندي أمام عدو قوام جيشه مائة وعشرون ألفا..
          ودار القتال، وغشي المسلمين خطر عظيم..
          وألقى عبد الله بن الزبير نظرة على قوات العدو فعرف مصدر قوتهم وما كان هذا المصدر سوى ملك البربر وقائد الجيش، يصيح في جنوده ويحرضهم بطريقة تدفعهم إلى الموت دفعا عجيبا..
          وأدرك عبدالله أن المعركة الضارية لن يحسمها سوى سقوط هذا القائد العنيد..
          ولكن أين السبيل إليه، ودون بلوغه جيش لجب، يقاتل كالإعصار..؟؟
          بيد أن جسارة ابن الزبير وإقدامه لم يكونا موضع تساؤل قط..!!
          هنالك نادى بعض إخوانه، وقال لهم:
          " احموا ظهري، واهجموا معي"...
          وشق الصفوف المتلاحمة كالسهم صامدا نحو القائد، حتى إذا بلغه، هو عليه في كرّة واحدة فهوى، ثم استدار بمن معه إلى الجنود الذين كانوا يحيطون بملكهم وقائدهم فصرعوهم.. ثم صاحوا الله أكبر..
          ورأى المسلمون رايتهم ترتفع، حيث كان يقف قائد البربر يصدر أوامره ويحرّض جيشه، فأدركوا أنه النصر، فشدّوا شدّة رجل واحدة، وانتهى كل شيء لصالح المسلمين..
          وعلم قائد الجيش المسلم عبدالله بن أبي سرح بالدور العظيم الذي قام به ابن الزبير فجعل مكافأته أن يحمل بنفسه بشرة النصر إلى المدينة والى خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه..
          على أن بطولته في القتال كانت برغم تفوقها وإعجازها تتوارى أمام بطولته في العبادة.
          فهذا الذي يمكن أن يبتعث فيه الزهو، وثني الأعطاف، أكثر من سبب، يذهلنا بمكانه الدائم والعالي بين الناسكين العابدين..
          فلا حسبه، ولا شبابه، ولا مكانته ورفعته، ولا أمواله ولا قوته..
          لا شيء من ذلك كله، استطاع أن يحول بين عبدالله بن الزبير وبين أن يكون العابد الذي يصوم يومه، ويقوم ليله، ويخشع لله خشوعا يبهر الألباب.
          قال عمر بن عبدالعزيز يوما لابن أبي مليكة: صف لنا عبدالله بن الزبير..فقال:
          " والله ما رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه..
          ولقد كان يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء إليها..
          وكان يركع أو يسجد، فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله،
          لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده إلا جدارا، أو ثوبا مطروحا..
          ولقد مرّت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي، فوالله ما أحسّ بها ولا اهتز لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا تعجل ركوعه"..!!

          إن الأنباء الصادقة التي يرويها التاريخ عن عبادة ابن الزبير لشيء يشبه الأساطير..
          فهو في صيامه، وفي صلاته، وفي حجه، وفي علوّ همّته، وشرف نفسه..
          في سهره طوال العمر قانتا وعبدا..
          وفي ظمأ الهواجر طوال عمره صائما مجاهدا..
          وفي إيمانه الوثيق بالله، وفي خشيته الدائمة له..
          هو في كل هذا نسيج وحده..!
          سئل عنه ابن عباس فقال على الرغم مما كان بينهما من خلاف:
          " كان قارئا لكتاب الله، متبعا سنة رسوله.. قانتا لله، صائما في الهواجر من مخافة الله.. ابن حواريّ رسول الله.. وأمه أسماء بنت الصديق.. وخالته عائشة زوجة رسول الله.. فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله"..!!
          وهو في قوة خلقه وثبات سجاياه، يزري بثبات الجبال..
          واضح شريف قوي، على استعداد دائم لأن يدفع حياته ثمنا لصراحته واستقامة نهجه..
          أثناء نزاعه مع الأمويين زاره الحصين بن نمير قائد الجيش الذي أرسله يزيد لإخماد ثورة بن الزبير..
          زاره اثر وصول الأنباء إلى مكة بموت يزيد..
          وعرض عليه أن يذهب معه إلى الشام، ويستخدم الحصين نفوذه العظيم هناك في أخذ البيعة لابن الزبير..
          فرفض عبدالله هذه الفرصة الذهبية،لأنه كان مقتنعا بضرورة القصاص من جيش الشام جزاء الجرائم البشعة التي ارتكبها رجاله من خلال غزوهم الفاجر للمدينة، خدمة لأطماع الأمويين..
          قد نختلف مع عبدالله في موقفه هذا، وقد نتمنى لو أنه آثر السلام والصفح، واستجاب للفرصة النادرة التي عرضها عليه الحصين قائد يزيد..
          ولكنّ وقفة الرجل أي رجل، إلى جانب اقتناعه واعتقاده.. ونبذه الخداع والكذب، أمر يستحق الإعجاب والاحترام..

          وعندما هاجمه الحجاج بجيشه، وفرض عليه ومن معه حصارا رهيبا، كان من بين جنده فرقة كبيرة من الأحباش، كانوا من أمهر الرماة والمقاتلين..
          ولقد سمعهم يتحدثون عن الخليفة الراحل عثمان رضي الله عنه، حديثا لا ورع فيه ولا إنصاف، فعنّفهم
          وقال لهم:" والله ما أحبّ أن أستظهر على عدوي بمن يبغض عثمان"..!!
          ثم صرفهم عنه في محنة هو فيها محتاج للعون، حاجة الغريق إلى أمل..!!
          إن وضوحه مع نفسه، وصدقه مع عقيدته ومبادئه، جعلاه لا يبالي بأن يخسر مائتين من أكفأ الرماة، لم يعد دينهم موضع ثقته واطمئنانه، مع أنه في معركة مصير طاحنة، وكان من المحتمل كثيرا أن يغير اتجاهها بقاء هؤلاء الرماة الأكفاء الى جانبه..!!
          ولقد كان صموده في وجه معاوية وابنه يزيد بطولة خارقة حقا..
          فقد كان يرى أن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان آخر رجل يصلح لخلافة المسلمين، ان كان يصلح على الاطلاق.. هو محق في رأيه، ؟؟
          لقد قال كلمة الرفض قوية صادعة لمعاوية وهو حي..
          وها هو ذا يقولها ليزيد بعد أن صار خليفة، وأرسل الى ابن الزبير يتوعده بشرّ مصير..
          هناك قال ابن الزبر:
          " لا أبايع السكّير أبدا".
          ثم أنشد:
          ولا ألين لغير الحق أساله حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

          وظل ابن الزبير أميرا للمؤمنين، متخذا من مكة المكرّمة عاصمة خلافته، باسطا حكمه على الحجاز، واليمن والبصرة الكوفة وخراسان والشام كلها ما عدا دمشق بعد أن بايعه أهل الأمصار جميعا..
          ولكن الأمويين لا يقرّ قرارهم، ولا يهدأ بالهم، فيشنون عليه حروبا موصولة، يبوءون في أكثرها بالهزيمة والخذلان..
          حتى جاء عهد عبدالملك بن مروان حين ندب لمهاجمة عبدالله في مكة واحدا من أشقى بني آدم وأكثرهم إيغالا في القسوة والإجرام..
          ذلكم هو الحجاج الثقفي الذي قال عنه الإمام العادل عمر بن عبدالعزيز:
          " لو جاءت كل أمة بخطاياها، وجئنا نحن بالحجاج وحده، لرجحناهم جميعا"..!!
          ذهب الحجاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزو مكة عاصمة ابن الزبير، وحاصرها وأهلها قرابة ستة أشهر مانعا عن الناس الماء والطعام، كي يحملهم على ترك عبدالله بن الزبير وحيدا، بلا جيش ولا أعوان.
          وتحت وطأة الجوع القاتل استسلم الأكثرون، ووجد عبدالله نفسه، وحيدا أو يكاد، وعلى الرغم من أن فرص النجاة بنفسه وبحياته كانت لا تزال مهيأة له، فقد قرر أن يحمل مسؤوليته الى النهاية، وراح يقاتل جيش الحجاج في شجاعة أسطورية، وهو يومئذ في السبعين من عمره..!!
          ولن نبصر صورة أمينة لذلك الموقف الفذ إلا إذا أصغينا للحوار الذي دار بين عبدالله وأمه العظيمة المجيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها ، في تلك الساعات الأخيرة من حياته.
          لقد ذهب إليها، ووضع أمامها صورة دقيقة لموقفه، وللمصير الذي بدأ واضحا أنه ينتظره..
          قالت له أسماء:
          " يا بنيّ: أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق، وتدعو إلى حق، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أميّة..
          وان كنت تعلم أنك أردت الدنيا، فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك.
          قل عبد الله:
          " والله يا أمّاه ما أردت الدنيا، ولا ركنت إليها يوماً.
          وما جرت في حكم الله أبدا، ولا ظلمت ولا غدرت"..
          قالت أمه أسماء:
          " إني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا إن سبقتني إلى الله أو سبقتك.
          اللهم ارحم طول قيامه في الليل، وظمأه في الهواجر، وبرّه بأبيه وبي..
          اللهم إني أسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبدالله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين.!"
          وتبادلا معا عناق الوداع وتحيته .
          وبعد ساعة من الزمان انقضت في قتال مرير غير متكافئ، تلقى الشهيد العظيم ضربة الموت، في وقت استأثر الحجاج فيه بكل ما في الأرض من حقارة ولؤم، فأبى إلا أن يصلب الجثمان الهامد، تشفيا وخسّة..!!

          وقامت أمه، وعمره يومئذ سبع وتسعون سنة، قامت لترى ولدها المصلوب.
          وكالطود الشامخ وقفت تجاهه لا تريم.. واقترب الحجاج منها في هوان وذلة قائلا لها:
          يا أماه، ان أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا، فهل لك من حاجة..؟
          فصاحت به قائلة:
          " لست لك بأم..
          إنما أنا أم هذا المصلوب على الثنيّة..
          وما بي إليكم حاجة..
          ولكني أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يخرج من ثقيف كذاب ومبير"..
          فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير، فلا أراه إلا أنت"!! (1)
          وأقدم منها عبد الله بن عمر رضي الله عنه معزيا، وداعيا إياها إلى الصبر، فأجابته قائلة:
          " وماذا يمنعني من الصبر، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل"..!!
          يا لعظمتك يا ابنة الصدّيق..!!
          أهناك كلمات أروع من هذه تقال للذين فصلوا رأس عبدالله بن الزبير عن رأسه قبل أن يصلبوه..؟؟
          أجل.. إن يكن رأس ابن الزبير قد قدّم هديّة للحجاج وعبدالملك..
          فان رأس نبي كريم هو يحيى عليه السلام قد قدم من قبل هدية لـ سالومي.. بغيّ حقيرة من بني إسرائيل!!
          ما أروع التشبيه، وما أصدق الكلمات.
          وبعد، فهل كان يمكن لعبدالله بن الزبير أن يحيا حياته دون هذا المستوى البعيد من التفوّق، والبطولة والصلاح، وقد رضع لبان أم من هذا الطراز..؟؟
          سلام من الله على عبدالله.. والى جده الصديق
          وسلام من الله على أسماء.. والى أبيها الصديق
          سلام عليهما في الشهداء الخالدين..
          وسلام عليهما في الأبرار المتقين.


          دخل الحجاج بن يوسف على أسماء بنت أبي بكر بعدما قتل ابنها عبد الله بن الزبير فقال لها : إن ابنك ألحد في هذا البيت وإن الله عز وجل أذاقه من عذاب أليم وفعل به ما فعل .
          فقالت : كذبت كان برا بالوالدين صواما قواما والله لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول وهو مبير
          الراوي: أسماء بنت أبي بكر المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 7/1490
          خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

          تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

          قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
          "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
          وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

          تعليق


          • #65





            عبدالله بن عباس


            حبر هذه الأمة



            يشبه ابن عباس، عبدالله بن الزبير في أنه أدرك الرسول وعاصره وهو غلام، ومات الرسول قبل أن يبلغ ابن عباس سنّ الرجولة.
            لكنه هو الآخر تلقى في حداثته كل خامات الرجولة، ومبادئ حياته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يؤثره، ويزكيه، ويعلّمه الحكمة الخالصة.
            وبقوة ايمانه، وقوة خلقه، وغزارة علمه، اقتعد ابن عباس رضي الله عنه مكانا عاليا بين الرجال حول الرسول.
            هو ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم الرسول صلى الله عليه وسلم.
            ولقبه الحبر.. حبر هذه الأمة، هيأه لهذا اللقب، ولهذه المنزلة استنارة عقله وذكاء قلبه، واتساع معارفه.
            لقد عرف ابن عباس طريق حياته في أوليات أيامه وازداد بها معرفة عندما رأى الرسول عليه الصلاة والسلام يدنيه منه وهو طفل ويربّت على كتفه وهو يقول:
            " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
            ثم توالت المناسبات والفرص التي يكرر فيها الرسول هذا الدعاء ذاته لابن عمه عبدالله بن عباس.. وآنئذ أدرك ابن عباس أنه خلق للعلم، والمعرفة.
            وكان استعداده العقلي يدفعه في هذا الطريق دفعا قويا.

            فعلى الرغم من أنه لم يكن قد جاوز الثالثة عشرة من عمره يوم مات رسول الله، فانه لم يصنع من طفولته الواعية يوما دون أن يشهد مجالس الرسول ويحفظ عنه ما يقول..
            وبعد ذهاب الرسول إلى الرفيق الأعلى حرص ابن عباس على أن يتعلم من أصحاب الرسول السابقين ما فاته سماعه وتعلمه من الرسول نفسه..
            هنالك، جعل من نفسه علامة استفهام دائمة.. فلا يسمع أن فلانا يعرف حكمة، أو يحفظ حديثا، إلا سارع إليه وتعلم منه..
            وكان عقله المضيء الطموح يدفعه لفحص كل ما يسمع.. فهو لا يغنى بجمع المعرفة فحسب، بل ويغنى مع جمعها بفحصها وفحص مصادرها..
            يقول عن نفسه:
            " إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد، ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
            ويعطينا صورة لحرصه على إدراكه الحقيقة والمعرفة فيقول:
            " لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لفتى من الأنصار:
            هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله، فإنهم اليوم كثير.
            فقال: يا عجبا لك يا بن عباس!! أترى الناس يفتقرون إليك، وفيهم من أصحاب رسول الله من ترى..؟؟
            فترك ذلك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله.. فان كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فأتي إليه وهو قائل في الظهيرة، فأتوسّد ردائي على بابه، يسفي الريح عليّ من التراب، حتى ينتهي من مقيله، ويخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك..؟؟ هلا أرسلت اليّ فآتيك..؟؟ فأقول لا، أنت أحق بأن أسعى إليك، فأسأله عنه الحديث وأتعلم منه"..!!
            هكذا راح فتانا العظيم يسأل، ويسأل، ويسأل.. ثم يفحص الإجابة مع نفسه، ويناقشها بعقل جريء.
            وهو في كل يوم، تنمو معارفه، وتنمو حكمته، حتى توفرت له في شبابه الغضّ حكمة الشيوخ وأناتهم، وحصافتهم، وحتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يحرص على مشورته في كل أمر كبير.. وكان يلقبه بفتى الكهول..!!
            سئل ابن عباس يوما:" أنّى أصبت هذا العلم"..؟
            فأجاب:
            " بلسان سئول..
            وقلب عقول"..
            فبلسانه المتسائل دوما، وبعقله الفاحص أبدا، ثم بتواضعه ودماثة خلقه، صار ابن عباس" حبر هذه الأمة..
            ويصفه سعد بن أبي وقاص بهذه الكلمات:
            " ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا أكبر لبّا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس..
            ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وحوله أهل بدر من المهاجرين والأنصار فيتحدث ابن عباس، ولا يجاوز عمر قوله"..
            وتحدث عنه عبيد بن عتبة فقال:
            " ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن عباس..
            ولا رأيت أحدا، أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه..
            ولا أفقه في رأي منه..
            ولا أعلم بشعر ولا عربية، ولا تفسير للقرآن، ولا بحساب وفريضة منه..
            ولقد كان يجلس يوما للفقه.. ويوما للتأويل.. يوما للمغازي.. ويوما للشعر.. ويوم لأيام العرب وأخبارها..
            وما رأيت عالما جلس إليه إلا خضع له، ولا سائلا إلا وجد عنده علما"..!!
            ووصفه مسلم من أهل البصرة، وكان ابن عباس قد عمل واليا عليها للخليفة عليّ ابن أبي طالب، فقال:
            " انه آخذ بثلاث، تارك لثلاث..
            آخذ بقلوب الرجال إذا حدّث..
            وبحسن الاستماع إذا حدّث..
            وبأيسر الأمرين إذا خولف..
            وتارك المراء..
            ومصادقة اللئام..
            وما يعتذر منه"..!!
            وكان تنوّع ثقافته، وشمول معرفته ما يبهر الألباب.. فهو الحبر الحاذق الفطن في كل علم.. في تفسير القرآن وتأويله وفي الفقه.. وفي التاريخ.. وفي لغة العرب وآدابهم، ومن ثمّ فقد كان مقصد الباحثين عن المعرفة، يأتيه الناس أفواجا من أقطار الاسلام، ليسمعوا منه، وليتفقهوا عليه..
            حدّث أحد أصحابه ومعاصريه فقال:
            " لقد رأيت من ابن عباس مجلسا، لو أن جميع قريش فخرت به، لكان لها به الفخر..
            رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب..
            فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءا، فتوضأ وجلس وقال: أخرج إليهم، فادع من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله..فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سالوا عن شيء إلا اخبرهم وزاد..
            ثم قال لهم: إخوانكم.. فخرجوا ليفسحوا لغيرهم.
            ثم قال لي: أخرج فادع من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام..
            فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوا عن شيء إلا أخبرهم وزادهم..
            ثم قال: إخوانكم.. فخرجوا..
            ثم قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن الفرائض، فآذنتهم، فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم..
            ثم قال لي: ادع من يريد أن يسال عن العربية، والشعر..
            فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم وزادهم"!!
            وكان ابن عباس يمتلك إلى جانب ذاكرته القوية، بل الخارقة، ذكاء نافذا، وفطنة بالغة..
            كانت حجته كضوء الشمس تألقا، ووضوحا، وبهجة.. وهو في حواره ومنطقه، لا يترك خصمه مفعما بالاقتناع وحسب، بل ومفعما بالغبطة من روعة المنطق وفطنة الحوار..
            ومع غزارة علمه، ونفاذ حجته، لم يكن يرى في الحوار والمناقشة معركة ذكاء، يزهو فيها بعلمه، ثم بانتصاره على خصمه.. بل كان يراها سبيلا قويما لرؤية الصواب ومعرفته..
            ولطالما روّع الخوارج بمنطقه الصارم العادل..
            بعث به عليّ كرّم الله وجهه ذات يوم إلى طائفة كبيرة منهم فدار بينه وبينهم حوار رائع وجّه فيه الحديث وساق الحجة بشكل يبهر الألباب..
            ومن ذلك الحوار الطويل نكتفي بهذه الفقرة..
            سألهم ابن عباس:
            " ماذا تنقمون من عليّ..؟"
            قالوا:
            " ننتقم منه ثلاثا:
            أولاهنّ: أنه حكّم الرجال في دين الله، والله يقول إن الحكم إلا لله..
            والثانية: أنه قاتل، ثم لم يأخذ من مقاتليه سبيا ولا غنائم، فلئن كانوا كفارا، فقد حلّت أموالهم، وان كانوا مؤمنين فقد حرّمت عليه دماؤهم..!!
            والثالثة: رضي عند التحكيم أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، استجابة لأعدائه، فان لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين.."
            وأخذ ابن عباس يفنّد أهواءهم فقال:
            " أما قولكم: انه حكّم الرجال في دين الله، فأيّ بأس..؟
            أن الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم..
            فنبؤني بالله: أتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أحق وأولى، أم تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم..؟؟!!
            وتلعثم زعماؤهم تحت وطأة هذا المنطق الساخر والحاسم.. واستأنف حبر الأمة حديثه:
            " وأما قولكم: انه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فهل كنتم تريدون أن يأخذ عائشة زوج الرسول وأم المؤمنين سبيا، ويأخذ أسلابها غنائم..؟؟
            وهنا كست وجوههم صفرة الخجل، وأخذوا يوارون وجوههم بأيديهم..
            وانتقل ابن عباس إلى الثالثة:
            " وأما قولكم: انه رضي أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، حتى يتم التحكيم، فاسمعوا ما فعله الرسول يوم الحديبية، إذ راح يملي الكتاب الذي يقوم بينه وبين قريش
            فقال للكاتب: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله
            فقال مبعوث قريش: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك..
            فاكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله..
            فقال لهم الرسول: والله إني لرسول الله وان كذبتم..
            ثم قال لكاتب الصحيفة: أكتب ما يشاءون:
            اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله"..!!
            واستمرّ الحوار بين ابن عباس والخوارج على هذا النسق الباهر المعجز.. وما كاد ينتهي النقاش بينهم حتى نهض منهم عشرون ألفا، معلنين اقتناعهم، ومعلنين خروجهم من خصومة عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه..!!

            ولم يكن ابن عباس يمتلك هذه الثروة الكبرى من العلم فحسب. بل كان يمتلك معها ثروة أكبر، من أخلاق العلم وأخلاق العلماء.
            فهو في جوده وسخائه إمام وعلم..
            انه ليفيض على الناس من ماله.. بنفس السماح الذي يفيض به عليهم من علمه..!!
            ولقد كان معاصروه يتحدثون فيقولون:
            " ما رأينا بيتا أكثر طعاما، ولا شرابا، ولا فاكهة، ولا علما من بيت ابن عباس"..!!
            وهو طاهر القلب، نقيّ النفس، لا يحمل لأحد ضغنا ولا غلا.
            وهوايته التي لا يشبع منها، هي تمنّيه الخير لكل من يعرف ومن لا يعرف من الناس..
            يقول عن نفسه:
            " إني لآتي على الآية من كتاب الله فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل الذي أعلم..
            واني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل، ويحكم بالقسط، فأفرح به وأدعو له.. ومالي عنده قضيّة..!!
            واني لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضا فأفرح به، ومالي بتلك الأرض سائمة..!!"
            وهو عابد قانت أوّاب.. يقوم من الليل، ويصوم من الأيام، ولا تخطئ العين مجرى الدموع تحت خديّه، اذ كان كثير البكاء كلما صلى.. وكلما قرأ القرآن..
            فإذا بلغ في قراءته بعض آيات الزجر والوعيد، وذكر الموت، والبعث علا نشيجه ونحيبه.
            وهو إلى جانب هذا شجاع، أمين، حصيف.. ولقد كان له في الخلاف بين عليّ ومعاوية آراء تدلّ على امتداد فطنته، وسعة حيلته.
            وهو يؤثر السلام على الحرب.. والرفق على العنف.. والمنطق على القسر..
            عندما همّ الحسين رضي الله عنه بالخروج إلى العراق ليقاتل زيادا، ويزيد، تعلق ابن عباس به واستمات في محاولة منعه.. فلما بلغه فيما بعد نبأ استشهاده، أقضّه الحزن عليه، ولزم داره.
            وفي كل خلاف ينشب بين مسلم ومسلم، لم تكن تجد ابن عباس إلا حاملا راية السلم، والتفاهم واللين..
            صحيح أنه خاض المعركة مع عليّ رضي الله عنه ضد معاوية، ولكنه فعل ذلك لأن المعركة في بدايتها كانت تمثل ردعا لازما لحركة انشقاق رهيبة، تهدد وحدة الدين ووحدة المسلمين.
            وعاش ابن عباس يمأ دنباه علما وحكمة، وينشر بين الناس عبيره وتقواه..
            وفي عامه الحادي والسبعين، دعي للقاء ربه العظيم وشهدت مدينة الطائف مشهدا حافلا لمؤمن يزف الى الجنان.
            وبينما كان جثمانه يأخذ مستقره الآمن في قبره، كانت جنبات الأفق تهتز بأصداء وعد الله الحق:
            ( يا أيتها النفس المطمئنة
            ارجعي الى ربك راضية مرضية
            فادخلي في عبادي
            وادخلي جنتي)
            عباد بن بشر

            تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

            قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
            "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
            وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

            تعليق


            • #66



              عباد بن بشر

              معه من الله نور

              عندما نزل مصعب بن عمير المدينة موفدا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعلم الأنصار الذين بايعوا الرسول على الاسلام، وليقيم بهم الصلاة، كان عباد بن بشر رضي الله عنه واحدا من الأبرار الذين فتح الله قلوبهم للخير، فأقبل على مجلس مصعب وأصغى اليه ثم بسط يمينه يبايعه على الاسلام، ومن يومئذ أخذ مكانه بين الأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه..
              وانتقل النبي الى المدينة مهاجرا، بعد أن سبقه اليها المؤمنون بمكة.
              وبدأت الغزوات التي اصطدمت فيها قوى الخير والنور مع قوى الظلام والشر.
              وفي تلك المغازي كان عباد بن بشر في الصفوف الأولى يجاهد في سبيل الله متفانيا بشكل يبهر الألباب.
              ولعل هذه الواقعة التي نرويها الآن تكشف عن شيء من بطولة هذا المؤمن العظيم..
              بعد أن فرغ رسول الله والمسلمين من غزوة ذات الرقاع نزلوا مكانا يبيتون فيه، واختار الرسول للحراسة نفرا من الصحابة يتناوبونها وكان منهم عمار بن ياسر وعباد بن بشر في نوبة واحدة.
              ورأى عباد صاحبه عمار مجهدا، فطلب منه أن ينام أول الليل على أن يقوم هو بالحراسة حتى يأخذ صاحبه من الراحة حظا يمكنه من استئناف الحراسة بعد أن يصحو.
              ورأى عباد أن المكان من حوله آمن، فلم لا يملأ وقته إذن بالصلاة، فيذهب بمثوبتها مع مثوبة الحراسة..؟!
              وقام يصلي..
              وإذ هو قائم يقرأ بعد فاتحة الكتاب سور من القرآن، احترم عضده سهم فنزعه واستمر في صلاته..!
              ثم رماه المهاجم في ظلام الليل بسهم ثان نزعه وأنهى تلاوته..
              ثم ركع، وسجد.. وكانت قواه قد بددها الإعياء والألم، فمدّ يمينه وهو ساجد إلى صاحبه النائم جواره، وظل يهزه حتى استيقظ..
              ثم قام من سجوده وتلا التشهد.. وأتم صلاته.
              وصحا عمار على كلماته المتهدجة المتعبة تقول له:
              " قم للحراسة مكاني فقد أصبت".
              ووثب عمار محدثا ضجة وهرولة أخافت المتسللين، ففرّوا ثم التفت إلى عباد وقال له:
              " سبحان الله..
              هلا أيقظتني أوّل ما رميت"؟؟
              فأجابه عباد:
              " كنت أتلو في صلاتي آيات من القرآن ملأت نفسي روعة فلم أحب أن أقطعها.
              ووالله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني الرسول بحفظه، لآثرت الموت على أن أقطع تلك الآيات التي كنت أتلوها"..!!
              كان عباد شديد الولاء والحب لله، ولرسوله ولدينه..
              وكان هذا الولاء يستغرق حياته كلها وحسه كله.
              ومنذ سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول مخاطبا الأنصار الذين هو منهم:
              " يا معشر الأنصار..
              أنتم الشعار، والناس الدثار..
              فلا أوتيّن من قبلكم".

              نقول منذ سمع عباد هذه الكلمات من رسوله، ومعلمه، وهاديه إلى الله، وهو يبذل روحه وماله وحياته في سبيل الله وفي سبيل رسوله..
              في مواطن التضحية والموت، يجيء دوما أولا..
              وفي مواطن الغنيمة والأخذ، يبحث عنه أصحابه في جهد ومشقة حتى يجدوه..!
              وهو دائما: عابد، تستغرقه العبادة..
              بطل، تستغرقه البطولة..
              جواد، يستغرقه الجود..
              مؤمن قوي نذر حياته لقضية الإيمان..!!
              وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
              " ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد:
              " سعد بن معاذ..
              وأسيد بن خضير..
              وعبّاد بن بشر...
              وعرف المسلمون الأوائل عبادا بأنه الرجل الذي معه نور من الله..
              فقد كانت بصيرته المجلوّة المضاءة تهتدي إلى مواطن الخير واليقين في غير بحث أو عناء..
              بل ذهب إيمان إخوانه بنوره إلى الحد الذي أسبغوا عليه في صورة الحس والمادة، فأجمعوا على أن عبادا كان إذا مشى في الظلام انبعثت منه أطياف نور وضوء، تضيء له الطريق..
              وفي حروب الردة، بعد وفاة الرسول عليه السلام، حمل عباد مسؤولياته في استبسال منقطع النظير..
              وفي موقعة اليمامة التي واجه المسلمون فيها جيشا من أقسى وأمهر الجيوش تحت قيادة مسيلمة الكذاب أحسّ عبّاد بالخطر الذي يتهدد الاسلام..
              وكانت تضحيته وعنفوانه يتشكلان وفق المهام التي يلقيها عليه إيمانه، ويرتفعان إلى مستوى إحساسه بالخطر ارتفاعا يجعل منه فدائيا لا يحرص على غير الموت والشهادة..
              وقبل أن تبدأ معركة اليمامة بيوم، رأى في منامه رؤيا لم تلبث أن فسرت مع شمس النهار، وفوق أرض المعركة الهائلة الضارية التي خاضها المسلمون..
              ولندع صحابيا جليلا هو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقص علينا الرؤيا التي رآها عبّاد وتفسيره لها، ثم موقفه الباهر في القتال الذي انتهى باستشهاده..
              يقول أبو سعيد:
              " قال لي عباد بن بشر يا أبا سعيد رأيت الليلة، كأن السماء قد فرجت لي، ثم أطبقت عليّ..
              واني لأراها إن شاء الله الشهادة..!!
              فقلت له: خيرا والله رأيت..
              واني لأنظر إليه يوم اليمامة، وانه ليصيح بالأنصار:
              أحطموا جفون السيوف، وتميزوا من الناس..
              فسارع إليه أربعمائة رجل، كلهم من الأنصار، حتى انتهوا إلى باب الحديقة، فقاتلوا أشد القتال..
              واستشهد عباد بن بشر رحمه الله..
              ورأيت في وجهه ضربا كثيرا، وما عرفته إلا بعلامة كانت في جسده..
              هكذا ارتفع عباد إلى مستوى واجباته كمؤمن من الأنصار، بايع رسول الله على الحياة لله، والموت في سبيله..
              وعندما رأى المعركة الضارية تتجه في بدايتها لصالح الأعداء، تذكر كلمات رسول الله لقومه الأنصار:
              " أنتم الشعار..
              فلا أوتيّن من قبلكم"..
              وملأ الصوت روعه وضميره..
              حتى لكأن الرسول عليه الصلاة والسلام قائم الآن يردده كلماته هذه..
              وأحس عباد أن مسؤولية المعركة كلها إنما تقع على كاهل الأنصار وحدهم.. أو على كاهلهم قبل سواهم..
              هنالك اعتلى ربوة وراح يصيح:
              " يا معشر الأنصار..
              أحطموا جفون السيوف..
              وتميزوا من الناس..
              وحين لبّى نداءه أربعمائة منهم قادهم هو وأبو دجانة والبراء ابن مالك إلى حديقة الموت حيث كان جيش مسيلمة يتحصّن.. وقاتل البطل القتال اللائق به كرجل.. وكمؤمن.. وكأنصاري..
              وفي ذلك اليوم المجيد استشهد عباد..
              لقد صدقت رؤياه التي رآها في منامه بالأمس..
              ألم يكن قد رأى السماء تفتح، حتى اذا دخل من تلك الفرجة المفتوحة، عادت السماء فطويت عليه، وأغلقت؟؟
              وفسرّها هو بأن روحه ستصعد في المعركة المنتظرة الى بارئها وخالقها..؟؟
              لقد صدقت الرؤيا، وصدق تعبيره لها.
              ولقد تفتحت أبواب السماء لتستقبل في حبور، روح عبّاد بن بشر..
              الرجل الذي كان معه من الله نور..!!

              تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

              قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
              "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
              وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

              تعليق


              • #67
                سهيل بن عمرو

                من الطلقاء الى الشهداء

                عندما وقع أسيرا بأيدي المسلمين في غزوة بدر اقترب عمر بن الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
                " يا رسول الله.. دعني أنزع ثنيّتي سهيل بن عمرو حتى لا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم"..
                فأجابه الرسول العظيم:
                " كلا يا عمر..
                لا أمثل بأحد، فيمثل الله بي، وان كنت نبيا"..!
                ثم أدنى عمر منه وقال عليه السلام:
                " يا عمر..
                لعل سهيلا غدا يقف موقفا يسرّك"..!!
                ودارت نبوءة الرسول..
                وتحوّل أعظم خطباء قريش سهيل بن عمرو إلى خطيب باهر من خطباء الاسلام..
                وتحوّل المشرك اللدود.. إلى مؤمن أوّاب، لا تكف عيناه من البكاء من خشية الله..!!
                وتحوّل واحد من كبار زعماء قريش وقادة جيوشها إلى مقاتل صلب في سبيل الاسلام.. مقاتل عاهد نفسه أن يظل في رباط وجهاد حتى يدركه الموت على ذلك، عسى الله أن يغفر ما تقدم من ذنبه..!!
                فمن كان ذلك المشرك العنيد، والمؤمن التقي الشهيد..؟؟
                انه سهيل بن عمرو..
                واحد من زعماء قريش المبرّرين، ومن حكمائها وذوي الفطنة والرأي فيها..
                وهو الذي انتدبته قريش ليقنع الرسول بالعدول عن دخول مكة عام الحديبية..
                ففي أخريات العام الهجري السادس خرج الرسول وأصحابه إلى مكة ليزوروا البيت الحرام، وينشؤا عمرة، لا يريدون حربا، وليسوا مستعدين لقتال..
                وعلمت قريش بمسيرهم إلى مكة، فخرجت لتقطع عليهم الطريق، وتصدّهم عن وجهتهم..
                وتأزم الموقف، وتوترت الأنفس..
                وقال الرسول لأصحابه:
                " لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"..
                وراحت قريش ترسل رسلها ومندوبيها الى النبي عليه الصلاة والسلام، فيخبرهم جميعا أنه لم يأت لقتال، انما جاء يزور البيت الحرام، ويعظم حرماته:
                وكلما عاد الى قريش أحد مندوبيها، أرسلوا من بعده آخر أقوى شكيمة، وأشد اقناعا حتى اختاروا عروة بن مسعود الثقفي وكان من أقواهم وأفطنهم.. وظنت قريش أن عروة قادر على اقناع الرسول بالعودة.
                ولكنه سرعان ما رجع اليهم يقول لهم:
                " يا معشر قريش..
                اني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه..
                واني والله ما رأيت ملكا قط يعظمه قومه، كما يعظم أصحاب محمد محمدا..!!
                ولقد رأيت حوله قوما لن يسلموه لسوء أبدا..
                فانظروا رأيكم"..!!
                عندئذ آمنت قريش أنه لا جدوى من محاولاتها وقررت أن تلجأ الى المفاوضة والصلح.. واختارت لهذه المهمة أصلح زعمائها لها.. وكان سهيل بن عمرو..
                رأى المسلمون سهيلا وهو مقبل عليهم فعرفوه، وأدركوا أن قريشا آثرت طريق التفاهم والمصالحة، ما دامت قد بعثت آخر الأمر سهيلا..
                وجلس سهيل بين يدي الرسول، ودار حوار طويل انتهى بالصلح..
                وحاول سهيل أن يكسب لقريش الكثير.. وساعده على ذلك، التسامح النبيل والمجيد الذي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يديره في التفاوض والصلح..
                ومضت الأيام، ينادي بعضها بعضا، حتى جاءت السنة الثامنة من الهجرة.. وخرج الرسول والمسلمون لفتح مكة بعد أن نفضت قريش عهدها وميثاقها مع رسول الله.
                وعاد المهاجرون إلى وطنهم الذين أخرجهم بالأمس كارهين..
                عادوا، ومعهم الأنصار الذين آووهم في مينتهم وآثروهم على أنفسهم..
                وعاد الاسلام كله، تخفق في جو السماء راياته الظافرة..
                وفتحت مكة جميع أبوابها..
                ووقف المشركون في ذهول.. ترى ماذا سيكون اليوم مصيرهم، وهم الذين أعملوا بأسهم في المسلمين من قبل قتلا، وحرقا، وتعذيبا، وتجويعا..؟!
                ولم يشأ الرسول الرحيم أن يتركهم طويلا تحت وطأة هذه المشاعر المذلة المنهكة.
                فاستقبل وجوههم في تسامح وأناة، وقال لهم ونبرات صوته الرحيم تقطر حنانا ورفقا:
                " يا معشر قريش..
                ما تظنون أني فاعل بكم"..؟؟
                هنالك تقدم خصم الاسلام بالأمس سهيل بن عمرو وقال مجيبا:
                " نظن خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم".
                وتألقت ابتسامة من نور على شفتي حبيب الله وناداهم:
                " اذهبوا...
                فأنتم الطلقاء"..!!
                لم تكن هذه الكلمات من الرسول المنتصر لتدع إنسانا حيّ المشاعر إلا أحالته ذوبا من طاعة وخجل، بل وندم..
                وفي نفس اللحظة استجاش هذا الموقف الممتلئ نبلا وعظمة، كل مشاعر سهيل بن عمرو فأسلم لله رب العالمين.
                ولم يكن إسلامه ساعتئذ، إسلام رجل منهزم مستسلم للمقادير.
                بل كان كما سيكشف عنه مستقبله فيما بعد إسلام رجل بهرته وأسرته عظمة محمد وعظمة الدين الذي يتصرّف محمد وفق تعاليمه، ويحمل في ولاء هائل رايته ولواءه..!!
                أطلق على الذين أسلموا يوم الفتح اسم الطلقاء.. أي الذين نقلهم عفو الرسول من الشرك إلى الاسلام حين قال لهم:
                " اذهبوا فأنتم الطلقاء"
                بيد أن نفرا من أولئك الطلقاء جاوزوا هذا الخط بإخلاصهم الوثيق، وسموا إلى آفاق بعيدة من التضحية والعبادة والطهر، وضعتهم في الصفوف الأولى بين أصحاب النبي الأبرار ومن هؤلاء سهيل بن عمرو.
                لقد صاغه الاسلام من جديد.
                وصقل كل مواهبه الأولى، وأضاف إليها، ثم وضعها جميعا في خدمة الحق، والخير، والإيمان..
                ولقد نعتوه في كلمات فقالوا:
                " السّمح، الجواد..
                كثير الصلاة، والصوم، والصدقة، وقراءة القرآن، والبكاء من خشية الله"..!!
                وتلك هي عظمة سهيل.
                فعلى الرغم من أنه أسلم يوم الفتح، لا قبله، نراه يصدق في إسلامه وفي يقينه، إلى مدى الذي يتفوّق فيه على كل نفسه، ويتحوّل إلى عابد، زاهد والى فدائي مجاهد في سبيل الله والإسلام.
                ولما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى، لم يكد النبأ يبلغ مكة، وكان سهيل يومئذ مقيما بها، حتى غشي المسلمين هناك من الهرج والذهول ما غشي المسلمين بالمدينة.
                واذا كان ذهول المدينة، قد بدّده أبو بكر رضي الله عنه ساعتئذ بكلماته الحاسمة:
                " من كان يعبد محمد، فان محمدا قد مات..
                ومن كان يعبد الله، فان الله حيّ لا يموت"..

                فسيأخذنا العجب حين نرى سهيلا رضي الله عنه هو الذي وقف بمكة، نفس موقف أبي بكر بالمدينة.
                فقد جمع المسلمين كلهم هناك، ووقف يبهرهم بكلماته الناجعة، يخبرهم أن محمدا كان رسول الله حقا.. وأنه لم يمت حتى أدّى الأمانة، وبلّغ الرسالة. وأنه واجب المؤمنين به أن يمعنوا من بعده السير على منهجه.
                وبموقف سهيل هذا، وبكلماته الرشيدة وإيمانه الوثيق، درأ الفتنة التي كادت تقلع إيمان بعض الناس بمكة حين بلغهم نبأ وفاة الرسول..!!
                وفي هذا اليوم أكثر من سواه تألقت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
                ألم يكن لعمر يوم استأذنه في نزع ثنيتي سهيل أثناء أسره ببدر:
                " دعها فلعلها تسرك يوما"..؟!
                ففي هذا اليوم.. وحين بلغ المسلمين بالمدينة موقف سهيل بمكة وخطابه الباهر الذي ثبت الإيمان في الأفئدة، تذكر عمر بن الخطاب نبوءة الرسول.. وضحك طويلا، إذ جاء اليوم الذي انتفع فيه الاسلام بثنيتي سهيل اللتين كان عمر يريد تهشيمهما واقتلاعهما..!!
                عندما أسلم سهيل يوم الفتح.
                وبعد أن ذاق حلاوة الإيمان، أخذ على نفسه عهدا لخصه في هذه الكلمات:
                " والله لا أدع موقفا من المشركين، إلا وقفت مع المسلمين مثله... ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت مع المسلمين مثلها، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضا"..!!
                ولقد وقف مع المشركين طويلا أمام أصنامهم..
                فليقف الآن طويلا وطويلا مع المؤمنين بين يدي الله الواحد الأحد.
                وهكذا راح يصلي.. ويصلي..
                ويصوم.. ويصوم..
                ولا يدع عبادة تجلو روحه، وتقربه من ربه الأعلى الا أخذ منها حظا وافيا..
                وكذلك كان في أمسه يقف مع المشركين في مواطن العدوان والحرب ضد الاسلام.
                فليأخذ الآن مكانه في جيش الاسلام، مقاتلا شجاعا، يطفئ مع كتائب الحق نار فارس التي يعبدونها من دون الله، ويحرقون فيها مصاير الشعوب التي يستعبدونها. ويدمدم مع كتائب الحق أيضا على ظلمات الرومان وظلمهم..
                وينشر كلمة التوحيد والتقوى في كل مكان.
                وهكذا خرج إلى الشام مع جيوش المسلمين، مشاركا في حروبها.
                ويوم اليرموك حيث خاض المسلمون موقعة تناهت في الضراوة والعنف والمخاطرة..
                كان سهيل بن عمرو يكاد يطير من الفرح، اذ وجد هذه الفرصة الدسمة لكي يبذل من ذات نفسه في هذا اليوم العصيب ما يمحق به خطايا جاهليته وشركه..
                وكان يحب وطنه مكة حبا ينسيه نفسه..
                ومع ذلك، فقد أبى أن يرجع إليها بعد انتصار المسلمين بالشام وقال:
                " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة، خير له من عمله طوال عمره..
                واني لمرابط في سبيل الله حتى أموت، ولن أرجع إلى مكة"..!!

                ووفى سهيل عهده..
                وظل بقيّة حياته مرابطا، حتى جاء موعد رحيله، فطارت روحه مسرعة إلى رحمة من الله ورضوان..

                تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                تعليق


                • #68




                  أبو موسى الأشعري

                  الإخلاص.. وليكن ما يكون

                  عندما بعثه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الى البصرة، ليكون أميرها وواليها، جمع أهلها وقام فيهم خطيبا فقال:
                  " ان أمير المؤمنين عمر بعثني اليكم، أعلمكم كتار بكم، وسنة نبيكم، وأنظف لكم طرقكم"..!!
                  وغشي الإنس من الدهش والعجب ما غشيهم، فإنهم ليفهمون كيف يكون تثقيف الناس وتفقيههم في دينهم من واجبات الحاكم والأمير، أما أن يكون من واجباته تنظيف طرقاتهم، فذاك شيء جديد عليهم بل مثير وعجيب..
                  فمن هذا الوالي الذي قال عنه الحسن رضي الله عنه:
                  " ما أتى البصرة راكب خير لأهلها منه"..؟
                  انه عبدالله بن قيس المكنّى بـ أبي موسى الأشعري..
                  غادر اليمن بلده ووطنه إلى مكة فور سماعه برسول ظهر هناك يهتف بالتوحيد ويدعو الى الله على بصيرة، ويأمر بمكارم الأخلاق..
                  وفي مكة، جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقى منه الهدى واليقين..
                  وعاد الى بلاده يحمل كلمة الله، ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقى منه الهدى واليقين..
                  وعاد الى بلاده يحمل كلمة الله، ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثر فراغه من فتح خيبر..
                  ووافق قدومه قدوم جعفر بن أبي طالب مقبلا مع أصحابه من الحبشة فأسهم الرسول لهم جميعا..
                  وفي هذه المرّة لم يأت أبو موسى الأشعري وحده، بل جاء معه بضعة وخمسون رجلا من أهل اليمن الذين لقنهم الاسلام، وأخوان شقيقان له، هم، أبو رهم، وأبو بردة..
                  وسمّى الرسول هذا الوفد.. بل سمّى قومهم جميعا بالأشعريين..
                  ونعتهم الرسول بأنهم أرق الناس أفئدة..
                  وكثيرا ما كان يضرب المثل الأعلى لأصحابه، فيقول فيهم وعنهم:
                  " ان الأشعريين اذا أرملوا في غزو، أو قلّ في أيديهم الطعام، جمعوا ما عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموا بالسويّة.
                  " فهم مني.. وانا منهم"..!!
                  ومن ذلك اليوم أخذ أبو موسى مكانه الدائم والعالي بين المسلمين والمؤمنين، الذين قدّر لهم أن يكونوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلامذته، وأن يكونوا حملة الاسلام الى الدنيا في كل عصورها ودهورها..
                  أبو موسى مزيج عجيب من صفات عظيمة..
                  فهو مقاتل جسور، ومناضل صلب اذا اضطر لقتال..
                  وهو مسالم طيب، وديع الى أقصى غايات الطيبة والوداعة..!!
                  وهو فقيه، حصيف، ذكي يجيد تصويب فهمه الى مغاليق الأمور، ويتألق في الإفتاء والقضاء، حتى قيل:
                  " قضاة هذه الأمة أربعة:
                  " عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت"..!!
                  ثم هو مع هذا، صاحب فطرة بريئة، من خدعه في الله، انخدع له..!!
                  وهو عظيم الولاء والمسؤولية..
                  وكبير الثقة بالناس..
                  لو أردنا أن نختار من واقع حياته شعارا، لكانت هذه العبارة:
                  " الإخلاص وليكن ما يكون"..
                  في مواطن الجهاد، كان الأشعري يحمل مسؤولياته في استبسال مجيد مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلمي يقول عنه:
                  " سيّد الفوارس، أبو موسى"..!!
                  وانه ليرينا صورة من حياته كمقاتل فيقول:
                  " خرجنا مع رسول الله في غزاة، نقبت فيها أقدامنا، ونقّبت قدماي، وتساقطت أظفاري، حتى لففنا أقدامنا بالخرق"..!!
                  وما كانت طيبته وسلامة طويته ليغريا به عدوّا في قتال..
                  فهو في موطن كهذا يرى الأمور في وضوح كامل، ويحسمها في عزم أكيد..
                  ولقد حدث والمسلمون يفتحون بلاد فارس أن هبط الأشعري بجيشه على أهل أصبهان الذين صالحوه على الجزية فصالحهم..
                  بيد أنهم في صلحهم ذاك لم يكونوا صادقين.. إنما أرادوا أن يهيئوا لأنفسهم الإعداد لضربة غادرة..
                  ولكن فطنة أبي موسى التي لا تغيب في مواطن الحاجة اليها كانت تستشف أمر أولئك وما يبيّتون.. فلما همّوا بضربتهم لم يؤخذ القائد على غرّة، وهنالك بارزهم القتال فلم ينتصف النهار حتى كان قد انتصر انتصارا باهرا..!!
                  وفي المعارك التي خاضها المسلمون ضدّ إمبراطورية الفرس، كان لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، بلاؤه العظيم وجهاده الكريم..
                  وفي موقعة تستر بالذات، حيث انسحب الهرزمان بجيشه اليها وتحصّن بها، وجمع فيها جيوشا هائلة، كان أبو موسى بطل هذه الموقعة..
                  ولقد أمدّه أمير المؤمنين عمر يومئذ بأعداد هائلة من المسلمين، على رأسهم عمار بن ياسر، والبراء بن مالك، وأنس بن مالك، ومجزأة البكري وسلمة بن رجاء..
                  واتقى الجيشان..
                  جيش المسلمين بقيادة أبو موسى.. وجيش الفرس بقيادة الهرزمان في معركة من أشد المعارك ضراوة وبأسا..
                  وانسحب الفرس الى داخل مدينة تستر المحصنة..
                  وحاصرها المسلمون أياما طويلة، حتى أعمل أبو موسى عقله وحيلته..
                  وأرسل مائتي فارس مع عميل فارسي، أغراه أبو موسى بأن يحتال حتى يفتح باب المدينة، أمام الطليعة التي اختارها لهذه المهمة.
                  ولم تكد الأبواب تفتح، وجنود الطليعة يقتحمون الحصن حتى انقض أبو موسى بجيشه انقضاضا مدمدما.
                  واستولى على المعقل الخطير في ساعات. واستسلم قادة الفرس، حيث بعث بهم أبو موسى الى المدينة ليرى أمير المؤمنين فيهم رأيه..
                  على أن هذا المقاتل ذا المراس الشديد، لم يكن يغادر أرض المعركة حتى يتحوّل الى أوّاب، بكّاء وديع كالعصفور...
                  يقرأ القرآن بصوت يهز أعماق من سمعه.. حتى لقد قال عنه الرسول:
                  " لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود"..!
                  كان عمر رضي الله عنه كلما رآه دعاه ليتلو عليه من كتاب الله.. قائلا له:
                  " شوّقنا الى ربنا يا أبا موسى"..
                  كذلك لم يكن يشترك في قتال الا أن يكون ضد جيوش مشركة، جيوش تقاوم الدين وتريد أن تطفئ نور الله..
                  أما حين يكون القتال بين مسلم ومسلم، فانه يهرب منه ولا يكون له دور أبدا.
                  ولقد كان موقفه هذا واضحا في نزاع عليّ ومعاوية، وفي الحرب التي استعر بين المسلمين يومئذ أوراها.
                  ولعل هذه النقطة من الحديث تصلنا بأكثر مواقف حياته شهرة، وهو موقفه من التحكيم بين الامام علي ومعاوية.
                  هذا الموقف الذي كثيرا ما يؤخذ آية وشاهدا على افراط أبي موسى في الطيبة الى حد يسهل خداعه.
                  بيد أن الموقف كما سنراه، وبرغم ما عسى أن يكون فيه تسرّع أو خطأ، انما يكشف عن عظمة هذا الصحابي الجليل، عظمة نفسه، وعظمة ايمانه بالحق، وبالناس، ان راي أبي موسى في قضية التحكيم يتلخص في أنه وقد رأى المسلمين يقتل بعضهم بعضا، كل فريق يتعصب لإمام وحاكم.. كما رأى الموقف بين المقاتلين قد بلغ في تأزمه واستحالة تصفيته المدى الذي يضع مصير الأمة المسلمة كلها على حافة الهاوية.
                  نقول: ان رأيه وقد بلغت الحال من السوء هذا المبلغ، كان يتلخص في تغيير الموقف كله والبدء من جديد.
                  ان الحرب الأهلية القائمة يوم ذاك انما تدور بين طائفتين من المسلمين تتنازعان حول شخص الحاكم، فليتنازل الخليفة علي عن الخلافة مؤقتا، وليتنازل عنها معاوية، على أن يرد الأمر كله من جديد الى المسلمين يختارون بطريق الشورى الخليفة الذي يريدون.
                  هكذا ناقش أبو موسى القضية، وهكذا كان حله.
                  صحيح أن عليّا بويع بالخلافة بيعة صحيحة.
                  وصحيح أن كل تمرد غير مشروع لا ينبغي أن يمكّن من غرضه في إسقاط الحق المشروع بيد أن الأمور في النزاع بين الخليفة ومعاوية وبين أهل العراق وأهل الشام، في رأي أبي موسى، قد بلغت المدى الذي يفرض نوعا جديدا من التفكير والحلول.. فعصيان معاوية، لم يعد مجرّد عصيان.. وتمرّد أهل الشام لم يعد مجرد تمرد.. والخلاف كله يعود مجرد خلاف في الرأي ولا في الاختيار..
                  بل ان ذلك كله تطوّر الى حرب أهلية ضارية ذهب ضحيتها آلاف القتلى من الفريقين.. ولا تزال تهدد الاسلام والمسلمين بأسوأ العواقب.
                  فإزاحة أسباب النزاع والحرب، وتنحية أطرافه، مثّلا في تفكير أبي موسى نقطة البدء في طريق الخلاص..
                  ولقد كان من رأي الخليفة علي حينما قبل مبدأ التحكيم، أن يمثل جبهته في التحكيم عبدالله بن عباس، أو غيره من الصحابة لكن فريقا كبيرا من ذوي البأس في جماعته وجيشه فرضا عليه أبا موسى الأشعري فرضا.
                  وكانت حجتهم في اختيار أبا موسى أنه لم يشترك قط في النزاع بين علي ومعاوية، بل اعتزل كلا الفريقين بعد أن يئس من حملهما على التفاهم والصلح ونبذ القتال فهو بهذه المثابة أحق الناس بالتحكيم..
                  ولم يكن في دين أبي موسى، ولا في إخلاصه وصدقه ما يريب الخليفة.. لكنه كان يدرك نوايا الجانب الآخر ويعرف مدى اعتمادهم على المناورة والخدعة وأبو موسى برغم فقهه وعلمه يكره الخداع والمناورة، ويحب أن يتعامل مع الناس بصدقه لا بذكائه ومن ثم خشي الخليفة علي أن ينخدع أبو موسى للآخرين، ويتحول التحكيم الى مناورة من جانب واحد، تزيد الأمور سوءا...
                  بدأ التحكيم بين الفريقين..
                  أبو موسى الأشعري يمثل جبهة الخليفة علي..
                  وعمرو بن العاص، يمثل جانب معاوية.
                  والحق أن عمرو بن العاص اعتمد على ذكائه الحاد وحيلته الواسعة في أخذ الراية لمعاوية.
                  ولقد بدأ الاجتماع بين الرجلين، الأشعري، وعمرو باقتراح طرحه أبو موسى وهو أن يتفق الحكمان على ترشيح عبدالله بن عمر بل وعلى إعلانه خليفة للمسلمين، وذلك لما كان ينعم به عبدالله بن عمر من إجماع رائع على حبه وتوقيره وإجلاله.
                  ورأى عمرو بن العاص في هذا الاتجاه من أبي موسى فرصة هائلة فانتهزها..
                  ان مغزى اقتراح أبي موسى، أنه لم يعد مرتبطا بالطرف الذي يمثله وهو الخليفة علي..
                  ومعناه أيضا أنه مستعد لإسناد الخلافة إلى آخرين من أصحاب الرسول بدليل أنه اقترح عبدالله بن عمر..
                  وهكذا عثر عمرو بدهائه على مدخل فسيح الى غايته، فراح يقترح معاوية.. ثم اقترح ابنه عبدالله بن عمرو وكان ذا مكانة عظيمة بين أصحاب رسول الله.
                  ولكن يغب ذكاء أبي موسى أمام دهاء عمرو.. فانه لم يكد يرى عمرا يتخذ مبدأ الترشيح قاعدة الترشيح للحديث والتحكيم حتى لوى الزمام الى وجهة أسلم، فجابه عمرا بأن اختيار الخليفة حق للمسلمين جميعا، وقد جعل الله أمرهم شورى بينهم، فيجب أن يترك الأمر لهم وحدهم وجميعهم لهم الحق في هذا الاختيار..
                  وسوف نرى كيف استغل عمرو هذا المبدأ الجلي لصالح معاوية..
                  ولكن قبل ذلك لنقرأ نص الحوار التاريخي الذي دار بين أبي موسى وعمرو بن العاص في بدء اجتماعهما:
                  أبو موسى: يا عمرو، هل لك في صلاح الأمة ورضا الله..؟
                  عمرو: وما هو..؟
                  أبو موسى: نولي عبدالله بن عمر، فانه لم يدخل نفسه في شيء من هذه الحرب.
                  عمرو: وأين أنت من معاوية..؟
                  أبو موسى: ما معاوية بموضع لها ولا يستحقها.
                  عمرو: ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما..؟
                  أبو موسى: بلى..
                  عمرو: فان معاوية وليّ دم عثمان، وبيته في قريش ما قد علمت فان قال الناس لم أولي الأمر ولست سابقة؟ فان لك في ذلك عذرا تقول: إني وجدته ولي عثمان، والله تعالى يقول: ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا).. وهو مع هذا، اخو أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحد أصحابه..
                  أبو موسى: اتق الله يا عمرو..
                  أمّا ما ذكرت من شرف معاوية، فلو كانت الخلافة تستحق بالشرف لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصبّاح فانه من أبناء ملوك اليمن التباعية الذين ملكوا شرق الأرض ومغربها.. ثم أي شرف لمعاوية مع علي بن أبي طالب..؟؟
                  وأما قولك: ان معاوية ولي عثمان، فأولى منه عمرو بن عثمان..
                  ولكن ان طاوعتني أحيينا سنة عمر بن الخطاب وذكره، بتوليتنا ابنه عبدالله الحبر..
                  عمرو: فما يمنعك من ابني عبدالله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته..؟
                  أبو موسى: ان ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمسا، فهلم نجعلها للطيّب بن الطيّب.. عبدالله بن عمر..
                  عمرو: يا أبا موسى، انه لا يصلح لهذا الأمر الا رجل له ضرسان يأكل بأحدهما، ويطعم بالآخر..!!
                  أبو موسى: ويحك يا عمرو.. ان المسلمين قد أسندوا الينا الأمر بعد أن تقارعوا السيوف، وتشاكوا بالرماح، فلا نردهم في فتنة.
                  عمرو: فماذا ترى..؟أبو موسى: أرى أن نخلع الرجلين، عليّا ومعاوية، ثم نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من يحبوا..
                  عمرو: رضيت بهذا الرأي فان صلاح النفوس فيه..
                  ان هذا الحوار يغير تماما وجه الصورة التي تعوّدنا أن نرى بها أبا موسى الأشعري كلما ذكرنا واقعة التحكيم هذه..
                  ان أبا موسى كان أبعد ما يكون عن الغفلة..
                  بل انه في حواره هذا كان ذكاؤه أكثر حركة من ذكاء عمرو بن العاص المشهور بالذكاء والدهاء..
                  فعندما أراد عمرو أن يجرّع أبا موسى خلافة معاوية بحجة حسبه في قريش، وولايته لدم عثمان، جاء رد أبي موسى حاسما لامعا كحد السيف..
                  اذا كانت الخلافة بالشرف، فأبرهة بن الصباح سليل الملوك أولى بها من معاوية..
                  واذا كانت بدم عثمان والدفاع عن حقه، فابن عثمان رضي الله عنه، أولى بهذه الولاية من معاوية..
                  لقد سارت قضية التحكيم بعد هذا الحوار في طريق يتحمّل مسؤليتها عمرو بن العاص وحده..
                  فقد أبرأ أبوموسى ذمته بردّ الأمر إلى الأمة، تقول كلمتها وتخنار خليفتها..
                  ووافق عمرو والتزم بهذا الرأي..
                  ولم يكن يخطر ببال أبي موسى أن عمرو في هذا الموقف الذي يهدد الاسلام والمسلمين بشر بكارثة، سيلجأ الى المناورة، هما يكن اقتناعه بمعاوية..
                  ولقد حذره ابن عباس حين رجع اليهم يخبرهم بما تم الاتفاق عليه..
                  حذره من مناورات عمرو وقال له:
                  " أخشى والله أن يكون عمرو قد خدعك، فان كنتما قد اتفقتما على شيء فقدمه قبلك ليتكلم، ثم تكلم أنت بعده"..!
                  لكن أبا موسى كان يرى الموقف أكبر وأجل من أن يناور فيه عمرو، ومن ثم لم يخالجه أي ريب أوشك في التزام عمرو بما اتفقنا عليه..
                  واجتمعا في اليوم التالي.. أبو موسى ممثلا لجبهة الخليفة علي، وعمرو بن العاص ممثلا لجبهة معاوية..
                  ودعا أبو موسى عمرا ليتحدث.. فأبى عمرو وقال له:

                  " ما كنت لأتقدمك وأنت أكثر مني فضلا.. وأقدم هجرة.. وأكبر سنا"..!!
                  وتقدم أبو موسى واستقبل الحشود الرابضة من كلا الفريقين.
                  وقال:
                  " أيها الناس.. إنا قد ظننا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة، ويصلح أمرها، فلم نر شيئا أبلغ من خلع الرجلين علي ومعاوية، وجعلها شورى يختار الناس لأنفسهم من يرونه لها..
                  واني قد خلعت عليا ومعاوية..
                  فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من أحببتم"...
                  وجاء دور عمرو بن العاص ليعلن خلع معاوية، كما خلع أبو موسى عليا، تنفيذا للاتفاق المبرم بالأمس...
                  وصعد عمرو المنبر، وقال:
                  " أيها الناس، ان أبا موسى قد قال كما سمعتم وخلع صاحبه
                  ألا واني قد خلعت صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فانه ولي أمير المؤمنين عثمان والمطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه.."!!
                  ولم يحتمل أبو موسى وقع المفاجأة، فلفح عمرا بكلمات غاضبة ثائرة..
                  وعاد من جديد الى عزلته، وأغذّ خطاه الى مكة.. الى جوار البيت الحرام، يقضي هناك ما بقي له من عمر وأيام..
                  كان أبو موسى رضي الله عنه موضع ثقة الرسول وحبه، وموضع ثقة خلفائه وأصحابه وحبهم...
                  فبحياته عليه الصلاة والسلام ولاه مع معاذ بن جبل أمر اليمن..
                  وبعد وفاة الرسول عاد الى المدينة ليجمل مسؤولياته في الجهاد الكبير الذي خاضته جيوش الاسلام ضد فارس والروم..
                  وفي عهد عمر ولاه أمير المؤمنين البصرة..
                  وولاه الخليفة عثمان الكوفة..

                  وكان من أهل القرآن، حفظا، وفقها، وعملا..
                  ومن كلماته المضيئة عن القرآن:
                  " اتبعوا القرآن..
                  ولا تطمعوا في أن يتبعكم القرآن"..!!
                  وكان من اهل العبادة المثابرين..
                  وفي الأيام القائظة التي يكاد حرّها يزهق الأنفاس، كنت تجد أبا موسى يلقاها لقاء مشتاق ليصومها ويقول:
                  " لعل ظمأ الهواجر يكون لنا ريّا يوم القيامة"..
                  وذات يوم رطيب جاءه أجله..
                  وكست محيّاه إشراقة من يرجو رحمة الله وحسن ثوابه.ز
                  والكلمات التي كان يرددها دائما طوال حياته المؤمنة، راح لسانه الآن وهو في لحظات الرحيل يرددها.ز
                  تلك هي:
                  " اللهم أنت السلام..ومنك السلام"...

                  تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                  قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                  "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                  وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                  تعليق


                  • #69






                    الطفيل بن عمرو الدوسري

                    الفطرة الراشدة

                    في أرض دوس نشأ بين أسرة شريفة كريمة..
                    وأوتي موهبة الشعر، فطار بين القبائل صيته ونبوغه..
                    وفي مواسم عكاظ حيث يأتي الشعراء العرب من كل فج ويحتشدون ويتباهون بشعرائهم، كان الطفيل يأخذ مكانه في المقدمة..

                    كما كان يتردد على مكة كثيرا في غير مواسم عكاظ..
                    وذات مرة كان يزورها، وقد شرع الرسول يجهر بدعوته..
                    وخشيت قريش أن يلقاه الطفيل ويسلم، ثم يضع موهبته الشعرية في خدمة الاسلام، فتكون الطامة على قريش وأصنامها..
                    من أجل ذلك أحاطوا به.. وهيئوا له من الضيافة كل أسباب الترف والبهجة والنعيم، ثم راحوا يحذرونه لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون له:
                    " ان له قولا كالسحر، يفرّق بين الرجل وابيه.. والرجل وأخيه.. والرجل وزوجته.. ونا نخشى عليك وعلى قومك منه، فلا تكلمه ولا تسمع منه حديثا"..!!
                    ولنصغ للطفيل ذاته يروي لنا بقية النبأ فيقول:
                    " فوالله ما زالوا بي حتى عزمت ألا أسمع منه شيئا ولا ألقاه..
                    وحين غدوت الى الكعبة حشوت أذنيّ كرسفا كي لا أسمع شيئا من قوله اذا هو تحدث..
                    وهناك وجدته قائما يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبي الله الا أن يسمعني بعض ما يقرأ، فسمعت كلاما حسنا..
                    وقلت لنفسي: واثكل أمي.. والله اني لرجل لبيب شاعر، لا يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من الرجل ما يقول، فان كان الذي يأتي به حسن قبلته، وان كان قبيحا رفضته.
                    ومكثت حتى انصرف الى بيته، فاتبعته حتى دخل بيته، فدخلت وراءه، وقلت له: يا محمد، ان قومك قد حدثوني عنك كذا وكذا.. فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك حتى سددت أذنيّ بكرسف لئلا أسمع قولك..
                    ولكن الله شاء أن أسمع، فسمعت قولا حسنا، فاعرض عليّ أمرك..
                    فعرض الرسول عليّ الاسلام، وتلا عليّ من القرآن..
                    فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله: اني امرؤ مطاع في قومي واني راجع اليهم، وداعيهم الى الاسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون عونا لي فيما أدعهوهم اليه، فقال عليه السلام: اللهم اجعل له آية"..
                    لقد أثنى الله تعالى في كتابه على " الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه"..
                    وها نحن أولاء نلتقي بواحد من هؤلاء..
                    انه صورة صادقة من صور الفطرة الرشيدة..
                    فما كاد سمعه يلتقط بعض آيات الرشد والخير التي أنزلها الله على فؤاد رسوله، حتى تفتح كل سمعه، وكل قلبه. وحتى بسط يمينه مبايعا.. ليس ذلك فحسب.. بل حمّل نفسه من فوره مسؤولية دعوة قومه وأهله الى هذا الدين الحق، والصراط المستقيم..!

                    من أجل هذا، نراه لا يكاد يبلغ بلده وداره في أرض دوس حتى يواجه أباه بالذي من قلبه من عقيدة واصرار، ويدعو أباه الى الاسلام بعد أن حدّثه عن الرسول الذي يدعو الى الله.. حدثه عن عظمته.. وعن طهره وأمانته.. عن اخلاصه واخباته لله رب العالمين..
                    وأسلم أبوه في الحال..
                    ثم انتقل الى أمه، فأسلمت
                    ثم الى زوجه، فأسلمت..
                    ولما اطمأن الى أن الاسلام قد غمر بيته، انتقل الى عشيرته، والى أهل دوس جميعا.. فلم يسلم منهم أحد سوى أبي هريرة رضي الله عنه..
                    ولقد راحوا يخذلونه، وينأون عنه، حتى نفذ صبره معهم وعليهم. فركب راحلته، وقطع الفيافي عائدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو اليه ويتزوّد منه بتعاليمه..
                    وحين نزل مكة، سارع إلى دار الرسول تحدوه أشواقه..
                    وقال للنبي:
                    " يا رسول الله..
                    انه قلبي غلبني على دوس الزنى، والربا، فادع الله أن يهلك دوسا"..!!
                    وكانت مفاجأة أذهلت الطفيل حين رأى الرسول يرفع كفيه الى السماء وهو يقول:
                    " اللهم اهد دوسا وأت بهم مسلمين"..!!
                    ثم التفت الى الطفيل وقال له:
                    " ارجع الى قومك فادعهم وارفق بهم".

                    ملأ هذا المشهد نفس الطفيل روعة، وملأ روحه سلاما، وحمد اله أبلغ الحمد أن جعل هذا الرسول الانسان الرحيم معلمه وأستاذه وأن جعل الاسلام دينه وملاذه.
                    ونهض عائدا الى أرضه وقومه وهناك راح يدعوهم الى الاسلام في أناة ورفق، كما أوصاه الرسول عليه السلام.
                    وخلال الفترة التي قضاها بين قومه، كان الرسول قد هاجر الى المدينة وكانت قد وقعت غزوة بدر، أحد والخندق.
                    وبينما رسول الله في خيبر بعد أن فتحها الله على المسلمين اذا موكب حافل ينتظم ثمانين اسرة من دوس أقبلوا على الرسول مهللين مكبّرين ..
                    وبينما جلسوا يبايعون تباعا..
                    ولما فرغوا من مشهدهم الحافل، وبيعتهم المباركة جلس الطفيل بن عمرو مع نفسه يسترجع ذكرياته ويتأمل خطاه على الطريق..!!
                    تذكر يوم قدوم الرسول يسأله أن يرفع كفيه الى السماء ويقول:
                    اللهم اهلك دوسا، فإذا هو يبتهل بدعاء آخر أثار يومئذ عجبه..
                    ذلك هو:
                    " اللهم اهد دوسا وأت بهم مسلمين"..!!
                    ولقد هدى الله دوسا..
                    وجاء بهم مسلمين..
                    وها هم أولاء.. ثمانون بيتا، وعائلة منهم، يشكلون أكثرية أهلها، يأخذون مكانهم في الصفوف الطاهرة خلف رسول الله الأمين.
                    ويواصل الطفيل عمله مع الجماعة المؤمنة..
                    ويوم فتح مكة، كان يدخلها مع عشرة آلاف مسلم لا يثنون أعطافهم زهوا وصلفا، بل يحنون جباههم في خشوع واذلال، شكرا لله الذي أثابهم فتحا قريبا، ونصرا مبينا..
                    ورأى الطفيل رسول الله وهو يهدم أصنام الكعبة، ويطهرها بيده من ذلك الرجس الذي طال مداه..
                    وتذكر الدوسي من فوره صنما كان لعمرو بن حممة. طالما كان عمرو هذا يصطحبه اليه حين ينزل ضيافته، فيتخشّع بين يديه، ويتضرّع اليه..!!
                    الآن حانت الفرصة ليمحو الطفيل عن نفسه اثم تلك الأيام.. هنالك تقدم من الرسول عليه الصلاة والسلام يستأذنه في أن يذهب ليحرق صنم عمرو بن حممة وكان هذا الصنم يدعى، ذا الكفين، وأذن له النبي عليه السلام..
                    ويذهب الطفيل ويوقد عليه النار.. وكلما خبت زادها ضراما وهو ينشد ويقول:
                    يا ذا الكفين لست من عبّادكا
                    ميلادنا أقدم من ميلادكا!!
                    اني حشوت النار في فؤادكا

                    وهكذا عاش مع النبي يصلي وراءه، ويتعلم منه، ويغزو معه.
                    وينتقل الرسول الى الرفيق الأعلى، فيرى الطفيل أن مسؤوليته كمسلم لم تنته بموت الرسول، بل انها لتكاد تبدأ..
                    وهكذا لم تكد حروب الردة تنشب حتى كان الطفيل يشمّر لها عن ساعد وساق، وحتى كان يخوض غمراتها وأهوالها في حنان مشتاق الى الشهادة..
                    اشترك في حروب الردة حربا.. حربا..
                    وفي موقعة اليمامة خرج مع المسلمين مصطحبا معه ابنه عمرو بن الطفيل".
                    ومع بدء المعركة راح يوضي ابنه أن يقاتل جيش مسيلمة الكذاب قتال من يريد الموت والشهادة..
                    وأنبأه أنه يحس أنه سيموت في هذه المعركة.
                    وهكذا حمل سيفه وخاض القتال في تفان مجيد..
                    لم يكن يدافع بسيفه عن حياته.
                    بل كان يدافع بحياته عن سيفه.
                    حتى اذا مات وسقط جسده، بقي السيف سليما مرهفا لتضرب به يد أخرى لم يسقط صاحبها بعد..!!
                    وفي تلك الموقعة استشهد الطفيل الدوسي رضي الله عنه..
                    وهو جسده تحت وقع الطعان، وهو يلوّح لابنه الذي لم يكن يراه وسط الزحام..!!
                    يلوّح له وكأنه يهيب به ليتبعه ويلحق به..
                    ولقد لحق به فعلا.. ولكن بعد حين..
                    ففي موقعة اليرموك بالشام خرج عمرو بن الطفيل مجاهدا وقضى نحبه شهيدا..
                    وكان وهو يجود بأنفاسه، يبسط ذراعه اليمنى ويفتح كفه، كما لو كان سيصافح بها أحدا.. ومن يدري..؟؟
                    لعله ساعتئذ كان يصافح روح أبيه..!!

                    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                    تعليق


                    • #70



                      عمرو بن العاص
                      محرّر مصر من الرومان

                      كانوا ثلاثة في قريش، اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعنف مقاومتهم دعوته وإيذائهم أصحابه..
                      وراح الرسول يدعو عليهم، ويبتهل الى ربه الكريم أن ينزل بهم عقابه..
                      واذ هو يدعو ويدعو، تنزل الوحي على قلبه بهذه الآية الكريمة..
                      ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم، فإنهم ظالمون)..
                      وفهم الرسول من الآية أنها أمر له بالكف عن الدعاء عليهم، وترك أمرهم إلى الله وحده..
                      فأمّا أن يظلوا على ظلمهم، فيحلّ بهم عذابه..
                      أو يتوب عليهم فيتوبوا، وتدركهم رحمته..
                      كان عمرو بن العاص أحد هؤلاء الثلاثة..
                      ولقد اختار الله لهم طريق التوبة والرحمة وهداهم الى الاسلام..
                      وتحول عمرو بن العاص الى مسلم مناضل. والى قائد من قادة الاسلام البواسل..
                      وعلى الرغم من بعض مواقف عمرو التي لا نستطيع أن نقتنع بوجهة نظره فيها، فان دوره كصحابيّ جليل بذل وأعطى، ونافح وكافح، سيظل يفتح على محيّاه أعيننا وقلوبنا..
                      وهنا في مصر بالذات، سيظل الذين يرون الاسلام دينا قيما مجيدا..
                      ويرون في رسوله رحمة مهداة، ونعمة موجاة، ورسول صدق عظيم، دعا الى الله على بصيرة، وألهم الحياة كثيرا من رشدها وتقاها..
                      سيظل الذين يحملون هذا الإيمان مشحوذي الولاء للرجل الذي جعلته الأقدار سببا، وأي سبب، لإهداء الاسلام إلى مصر، وإهداء مصر إلى الاسلام.. فنعمت الهداية ونعم مهديها..
                      ذلكم هو: عمرو بن العاص رضي الله عنه..
                      ولقد تعوّد المؤرخون أن ينعتوا عمرا بـ فاتح مصر..
                      بيد أنا نرى في هذا الوصف تجوزا وتجاوزا، ولعل أحق النعوت بعمرو أن ندعوه بـ محرر مصر..
                      فالإسلام لم يكن يفتح البلاد بالمفهوم الحديث للفتح، إنما كان يحررها من تسلط إمبراطوريتين سامتا العباد والبلاد سوء العذاب، تانك هما:
                      إمبراطورية الفرس ، وإمبراطورية الروم..
                      ومصر بالذات، يوم أهلت عليها طلائع الاسلام كانت نهبا للرومان وكان أهلها يقاومون دون جدوى..
                      ولما دوّت فوق مشارف بلادهم صيحات الكتائب المؤمنة أن:
                      " الله أكبر..
                      الله أكبر"..
                      سارعوا جميعا في زحام مجيد صوب الفجر الوافد وعانقوه، واجدين فيه خلاصهم من قيصر ومن الرومان..
                      فعمرو بن العاص ورجاله، لم يفتحوا مصر اذن.. انما فتحوا الطريق أمام مصر لتصل بالحق مصايرها.. وتربط بالعدل مقاديرها.. وتجد نفسها وحقيقتها في ضوء كلمات الله، ومبادئ الاسلام..
                      ولقد كان رضي الله عنه حريصا على أن يباعد أهل مصر وأقباطها عن المعركة، ليظل القتال محصورا بينه وبين جنود الرومان الين يحتلون البلاد ويسرقون أرزاق أهلها..
                      من أجل ذلك نجده يتحدث الى زعماء النصارى يومئذ وكبار أشاقفتهم، فيقول:
                      "... ان الله بعث محمدا بالحق وأمره به..
                      وانه عليه الصلاة والسلام، قد أدّى رسالته، ومضى بعد أن تركنا على الواضحة أي الطريق الواضح المستقيم..
                      وكان مما أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الاسلام..
                      فمن أجابنا، فهو منا، له ما لنا وعليه ما علينا..
                      ومن لم يجبنا الى الاسلام، عرضنا عليه الجزية أي الضرائب وبذلنا له الحماية والمنعة..
                      ولقد أخبرنا نبينا أن مصر ستفتح علينا، وأوصانا بأهلها خيرا فقال:" ستفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فان لهم ذمّة ورحما"..
                      فان أجبتمونا الى ما ندعوكم اليه كانت لكم ذمة الى ذمة"...
                      وفرغ عمرو من كلماته، فصاح بعض الأساقفة والرهبان قائلا:
                      " ان الرحم التي أوصاكم بها نبيّكم، لهي قرابة بعيدة، لا يصل مثلها الا الأنبياء"..!!
                      وكانت هذه بداية طيبة للتفاهم المرجو بين عمرو أقباط مصر.. وان يكن قادة الرومان قد حاولوا العمل لإحباطها..
                      وعمرو بن العاص لم يكن من السابقين الى الاسلام، فقد أسلم مع خالد بن الوليد قبيل فتح مكة بقليل.. ومن عجب أن إسلامه بدأ على يد النجاشي بالحبشة وذلك أن النجاشي يعرف عمرا ويحترمه بسبب تردده الكثير على الحبشة والهدايا الجزيلة التي كان يحملها للنجاشي، وفي زيارته الأخيرة لتلك البلاد جاء ذكر لرسول الذي يهتف بالتوحيد وبمكارم الأخلاق في جزيرة العرب..
                      وسأل عاهل الحبشة عمرا، كيف لم يؤمن به ويتبعه، وهو رسول من الله حقا..؟؟
                      وسأل عمرو النجاشي قائلا:
                      " أهو كذلك؟؟"
                      وأجابه النجاشي:
                      " نعم، فأطعني يا عمرو واتبعه، فانه والله لعلى الحق، وليظهرنّ على من خالفه"..؟!
                      وركب عمرو البحر من فوره، عائدا إلى بلاده، وميمّما وجهه شطر المدينة ليسلم لله رب العالمين..
                      وفي الطريق المقضية الى المدينة التقى بخالد بن الوليد قادما من مكة ساعيا الى الرسول ليبايعه على الاسلام..
                      ولك يكد الرسول يراهما قادمين حتى تهلل وجهه وقال لأصحابه:
                      " لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها"..
                      وتقدم خالد فبايع..
                      ثم تقدم عمرو فقال:
                      " اني أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذنبي"..
                      فأجابه الرسول عليه السلام قائلا:
                      " يا عمرو..
                      بايع، فان الاسلام يجُبّ ما كان قبله"..
                      وبايع عمرو ووضع دهاءه وشجاعته في خدمة الدين الجديد.
                      وعندما انتقل الرسول الى الرفيق الأعلى، كان عمرو واليا على عمان..
                      وفي خلافة عمر أبلى بلاءه المشهود في حروب الشام، ثم في تحرير مصر من حكم الرومان.
                      وياليت عمرو بن العاص كان قد قاوم نفسه في حب الإمارة..
                      اذن لكان قد تفوّق كثيرا على بعض المواقف التي ورّطه فيها الحب.
                      على أن حب عمرو الإمارة، كان الى حد ما، تعبيرا تلقائيا عن طبيعته الجياشة بالمواهب..
                      بل ان شكله الخارجي، وطريقته في المشي وفي الحديث، كانت تومي الى أنه خلق للإمارة..!! حتى لقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رآه ذات يوم مقبلا، فابتسم لمشيته وقال:
                      " ما ينبغي لأبي عبدالله أن يمشي على الأرض الا أميرا"..!
                      والحق أن أبا عبدالله لم يبخس نفسه هذا الحق..
                      وحتى حين كانت الأحداث الخطيرة تجتاح المسلمين.. كان عمرو يتعامل مع هذه الأحداث بأسلوب أمير، أمير معه من الذكاء والدهاء، والمقدرة ما يجعله واثقا بنفسه معتزا بتفوقه..!!
                      ولكن معه كذلك من الأمانة ما جعل عمر بن الخطاب وهو الصارم في اختيار ولاته، واليا على فلسطين والأردن، ثم على مصر طوال حياة أمير المؤمنين عمر...
                      حين علم أمير المؤمنين عمر أن عمرا قد جاوز في رخاء معيشته الحد الذي كان أمير المؤمنين يطلب من ولاته أن يقفوا عنده، ليظلوا دائما في مستوى، أو على الأقل قريبين من مستوى عامة الناس..
                      نقول: لو علم الخليفة عن عمرو كثرة رخائه، لم يعزله، انما أرسل اليه محمد بن مسلمة وأمره أن يقاسم عمرا جميع أمواله وأشيائه، فيبقي له نصفها ويحمل معه الى بيت المال بالمدينة نصفها الآخر.
                      ولو قد علم أمير المؤمنين أن حب عمرو للامارة، يحمله على التفريط في مسؤولياته، لما احتمل ضميره الرشيد ابقاءه في الولاية لحظة.
                      وكان عمرو رضي الله عنه حادّ الذكاء، قوي البديهة عميق الرؤية..
                      حتى لقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، كلما رأى إنسانا عاجز الحيلة، صكّ كفيّه عجبا وقال:
                      " سبحان الله..!!
                      ان خالق هذا، وخالق عمرو بن العاص اله واحد!!
                      كما كان بالغ الجرأة مقداما
                      ولقد كان يمزج جرأته بدهائه في بعض المواطن، فيظن به الجبن أو الهلع.. بيد أنها سعة الحيلة، كان عمرو يجيد استعمالها في حذق هائل ليخرج نفسه من المآزق المهلكة..!!
                      ولقد كام أمير المؤمنين عمر يعرف مواهبه هذه ويقدرها قدرها، من أجل ذلك عندما أرسله الى الشام قبل مجيئه الى مصر، قيل لأمير المؤمنين: ان على رأس جيوش الروم بالشام أرطبونا أي قائدا وأميرا من الشجعان الدهاة، فكان جواب عمر:
                      " لقد رمينا أرطبون الروم، بأرطبون العرب، فلننظر عمّ تنفرج الأمور"..!!
                      ولقد انفرجت عن غلبة ساحقة لأرطبون العرب، وداهيتهم الخطير عمرو ابن العاص، على أرطبون الروم الذي ترك جيشه للهزيمة وولى هاربا الى مصر، التي سيلحقه بها عمرو بعد قليل، ليرفع فوق ربوعها الآمنة راية الاسلام.

                      وما أكثر المواقف التي تألق فيها ذكاء عمرو ودهاؤه.
                      وان كنا لا نحسب منها بحال موقفه من أبي موسى الأشعري في واقعة التحكيم حين اتفقا على أن يخلع كل منهما عليا ومعاوية، ليرجع الأمر شورى بين المسلمين، فأنفذ أبو موسى الاتفاق، وقعد عن انفاذه عمرو.
                      واذا اردنا أن نشهد صورة لدهائه، وحذق بديهته، ففي موقفه من قائد حصن بابليون أثناء حربه مع الرومان في مصر وفي رواية تاريخية أخرى أنها الواقعة التي سنذكرها وقعت في اليرموك مع أرطبون الروم..
                      اذ دعاه الأرطبون والقائد ليحادثه، وكان قد أعطى أمرا لبعض رجاله بالقاء صخرة فوقه اثر انصرافه من الحصن، وأعدّ كل شيء ليكون قتل عمرو أمرا محتوما..
                      ودخل عمرو على القائد، لا يريبه شيء، وانفض لقاؤهما، وبينما هو في الطريق الى خارج الحصن، لمح فوق أسواره حركة مريبة حركت فيه حاسة الحذر بشدّة.
                      وعلى الفور تصرّف بشكل باهر.
                      لقد عاد الى قائد الحصن في خطوات آمنة مطمئنة وئيدة ومشاعر متهللة واثقة، كأن لم يفرّعه شيء قط، ولم يثر شكوكه أمر!!
                      ودخل على القائد وقال له:
                      لقد بادرني خاطر أردت أن أطلعك عليه.. ان معي حيث يقيم أصحابي جماعة من أصحاب الرسول السابقين الى الاسلام، لا يقطع أمير المؤمنين أمرا دون مشورتهم، ولا يرسل جيشا من جيوش الاسلام الا جعلهم على رأس مقاتلته وجنوده، وقد رأيت أن آتيك بهم، حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، ويكونوا من الأمر على مثل ما أنا عليه من بيّنة..
                      وأدرك قائد الروم أن عمرا بسذاجة قد منحه فرصة العمر..!!
                      فليوافقه اذن على رأيه، حتى اذا عاد ومعه هذا العدد من زعماء المسلمين وخيرة رجالهم وقوادهم، أجهز عليهم جميعا، بدلا من أن يجهز على عمرو وحده..
                      وبطريقة غير منظورة أعطى أمره بإرجاء الخطة التي كانت معدّة لاغتيال عمرو..
                      ودّع عمرو بحفاوة، وصافحه بحرارة،
                      وابتسم داهية العرب، وهو يغادر الحصن..

                      وفي الصباح عاد عمرو على رأس جيشه الى الحصن، ممتطيا صهوة فرسه، التي راحت تقهقه في صهيل شامت وساخر.
                      أجل فهي الأخرى كانت تعرف من دهاء صاحبها الشيء الكثير..!!

                      وفي السنة الثالثة والأربعين من الهجرة أدركت الوفاة عمرو بن العاص بمصر، حيث كان واليا عليها..
                      وراح يستعرض حياته في لحظات الرحيل فقال:
                      ".. كنت أول أمري كافرا.. وكنت أشد الناس على رسول الله، فلو مت يومئذ لوجبت لي النار..
                      ثم بايعت رسول الله، فما كان في الناس أحد أحب اليّ منه، ولا أجلّ في عيني منه.. ولو سئلت أن أنعته ما استطعت، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه اجلالا له.. فلو متّ يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة..
                      ثم بليت بعد ذلك بالسلطان، وبأشياء لاأدري أهي لي أم عليّ"..

                      ثم رفع بصره الى السماء في ضراعة، مناجيا ربه الرحيم العظيم قائلا:
                      " اللهم لا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، والا تدركني رحمتك أكن من الهالكين"!!
                      وظل في ضراعاته، وابتهالاته حتى صعدت الى الله روحه. وكانت آخر كلماته لا اله الا الله..

                      وتحت ثرى مصر، التي عرّفها عمرو طريق الاسلام، ثوى رفاته..
                      وفوق أرضها الصلبة، لا يزال مجلسه حيث كان يعلم، ويقضي ويحكم.. قائما عبر القرون تحت سقف مسجده العتيق جامع عمرو، أول ميجد في مصر يذكر فيه اسم الله الواحد الأحد، وأعلنت بين أرجائه ومن فوق منبره كلمات الله، ومبادئ الاسلام.

                      تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                      قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                      "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                      وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                      تعليق


                      • #71
                        سالم مولى أبي حذيفة

                        بل نعم حامل القرآن



                        أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما، فقال:
                        " خذوا القرآن من أربعة:
                        عبدالله بن مسعود..
                        وسالم مولى أبي حذيفة..
                        وأبيّ بن كعب..
                        ومعاذ بن جبل.."
                        ولقد التقينا من قبل بابن مسعود، وأبيّ،ومعاذ..
                        فمن هذا الصحابي الرابع الذي جعله الرسول حجّة في تعليم القرآن ومرجعا..؟؟
                        انه سالم، مولى أبي حذيفة..
                        كان عبدا رقيقا، رفع الاسلام من شأنه حتى جعل منه ابنا لواحد من كبار المسلمين كان قبل اسلامه شريفا من أشراف قريش، وزعيما من زعمائها..
                        ولما أبطل الاسلام عادة التبني، صار أخا ورفيقا، ومولى للذي كان يتبناه وهو الصحابي الجليل: أبو حذيفة بن عتبة..
                        وبفضل من الله ونعمة على سالم بلغ بين المسلمين شأوا رفيعا وعاليا، أهّلته له فضائل روحه، وسلوكه وتقواه.. وعرف الصحابي الجليل بهذه التسمية: سالم مولى أبي حذيفة.
                        ذلك أنه كان رقيقا وأعتق..
                        وآمن باله ايمانا مبكرا..
                        وأخذ مكانه بين السابقين الأولين..
                        وكان حذيفة بن عتبة، قد باكر هو الآخر وسارع الى الاسلام تاركا أباه عتبة بن ربيعة يجتر مغايظه وهموهه التي عكّرت صفو حياته، بسبب اسلام ابنه الذي كان وجيها في قومه، وكان أبوه يعدّه للزعامة في قريش..
                        وتبنى أبو حذيفة سالما بعد عتقه، وصار يدعى بسالم بن أبي حذيفة..
                        وراح الاثنان يعبدان ربهما في اخبات، وخشوع.. ويصبران أعظم الصبر على أذى قريش وكيدها..
                        وذات يوم نزلت آية القرآن التي تبطل عادة التبني..
                        وعاد كل متبني ليحمل اسم أبيه الحقيقي الذي ولده وأنجبه..

                        فـزيد بن حارثة مثل، الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام قد تبناه، وعرف بين المسلمين بزيد بن محمد، عاد يحمل اسم أبيه حارثة فصار زيد بن جارثة ولكنّ سالما لم يكن يعرف له أب، فوالى أبا حذيفة، وصار يدعى سالم مولى أبي حذيفة..
                        ولعل الاسلام حين أبطل عادة التبني، انما أراد أن يقول للمسلمين لا تلتمسوا رحما، ولا قربى، ولا صلة توكدون بها اخاءكم، أكبر ولا أقوى من الاسلام نفسه.. والعقيدة التي يجعلكم بها اخوانا..!!
                        ولقد فهم المسلمون الأوائل هذا جيدا..
                        فلم يكن شيء أحب الى أحدهم بعد الله ورسوله، من إخوانهم في الله وفي الاسلام..
                        ولقد رأينا كيف استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين، فشاطروهم أموالهم، ومساكنهم، وكل ما يملكون..!!
                        وهذا هو الذي رأينا يحدث بين أبي حذيفة الشريف في قريش، مع سالم الذي كان عبدا رقيقا، لا يعرف أبوه..
                        لقد ظلا الى آخر لحظة من حياتهما أكثر من اخوين شقيقين حتى عند الموت ماتا معا.. الروح مع الروح.. والجسد الى جوار الجسد..!!
                        تلك عظمة الاسلام الفريدة..
                        بل تلك واحدة من عظائمه ومزاياه..!!

                        لقد آمن سالم إيمان الصادقين..
                        وسلك طريقه الى الله سلوك الأبرار المتقين..
                        فلم يعد لحسبه، ولا لموضعه من المجتمع أي اعتبار..
                        لقد ارتفع بتقواه وإخلاصه الى أعلى مراتب المجتمع الجديد الذي جاء الاسلام يقيمه وينهضه على أساس جديد عادل عظيم...
                        أساس تلخصه الآية الجليلة:
                        " ان أكرمكم عند الله أتقاكم"..!!
                        والحديث الشريف:
                        " ليس لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى"..
                        و" ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى"..

                        في هذا المجتمع الجديد الراشد، وجد أبو حذيفة شرفا لنفسه أن يوالي من كان بالأمس عبدا..
                        بل ووجد شرفا لأسرته، أن يزوج سالما ابنه أخيه فاطمة بنت الوليد بنت عتبة..!!
                        وفي هذا المجتمع الجديد، والرشيد، الذي هدّم الطبقية الظالمة، وأبطل التمايز الكاذب، وجد سالم بسبب صدقه، وإيمانه، وبلائه، وجد نفسه في الصف الأول دائما..!!
                        أجل.. لقد كان امام للمهاجرين من مكة الى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء..
                        وكان حجة في كتاب الله، حتى أمر النبي المسلمين أن يتعلموا منه..!!
                        وكان معه من الخير والتفوق ما جعل الرسول عليه السلام يقول له:
                        " الحمد لله، الذي جعل في أمتي مثلك"..!!
                        وحتى كان اخوانه المؤمنين يسمونه:
                        " سالم من الصالحين"..!!
                        ان قصة سالم كقصة بلال وكقصة عشرات العبيد، والفقراء الذين نفض عنهم عوادي الرق والضعف، وجعلهم في مجتمع الهدى والرشاد أئمة، وزعماء وقادة..
                        كان سالم ملتقى لكل فضائل الاسلام الرشيد..
                        كانت الفضائل تزدحم فيه وحوله.. وكان إيمانه العميق الصادق ينسقها أجمل تنسيق.
                        وكان من أبرز مزاياه الجهر بما يراه حقا..
                        انه لا يعرف الصمت تجاه كلمة يرى من واجبه أن يقولها..
                        ولا يخون الحياة بالسكوت عن خطأ يؤدها..
                        بعد أن فتحت مكة للمسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض السرايا الى ما حول مكة من قرى وقبائل، وأخبرهم أنه عليه السلام، انما يبعث بهم دعاة لا مقاتلين..
                        وكان على رأس أحدى هذه السرايا خالد بن الوليد..
                        وحين بلغ خالد وجهته، حدث ما جعله يستعمل السيوف، ويرق الدماء..
                        هذه الواقعة التي عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم نبأها، اعتذر إلى ربه طويلا، وهو يقول:
                        " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"..!!
                        والتي ظل أمير المؤمنين عمر يذكرها له ويأخذها عليه، ويقول:
                        " إن في سيف خالد رهقا"..
                        وكان يصحب خالد في هذه السرية سالم مولى أبي حذيفة مع غيره من الأصحاب..
                        ولم يكد سالم يرى صنيع خالد حتى واجهه بمناقشة حامية، وراح يعدّد له الأخطاء التي ارتكبت..

                        وخالد البطل القائد، والبطل العظيم في الجاهلية، والإسلام، ينصت مرة ويدافع عن نفسه مرة ثانية ويشتد في القول مرة ثالثة وسالم مستمسك برأيه يعلنه في غير تهيّب أو مداراة..
                        لم يكن سالم آنئذ ينظر إلى خالد كشريف من أشراف مكة.. بينما هو من كان بالأمس القريب رقيقا.
                        لا.. فقد سوّى الاسلام بينهما..!!
                        ولم يكن ينظر إليه كقائد تقدّس أخطاؤه.. بل كشريك في المسؤولية والواجب..
                        ولم يكن يصدر في معارضته خالدا عن غرض، أو سهوه، بل هي النصيحة التي قدّس الاسلام حقها، والتي طالما سمع نبيه عليه الصلاة والسلام يجعلها قوام الدين كله حين يقول:
                        " الدين النصيحة..
                        الدين النصيحة..
                        الدين النصيحة".
                        ولقد سأل الرسول عليه السلام، عندما بلغه صنيع خالد بن الوليد..
                        سأل عليه السلام قائلا:
                        " هل أنكر عليه أحد"..؟؟
                        ما أجله سؤالا، وما أروعه..؟؟!!
                        وسكن غضبه عليه السلام حين قالوا له:
                        " نعم.. راجعه سالم وعارضه"..
                        وعاش سالم مع رسوله والمؤمنين..
                        لا يتخلف عن غزوة ولا يقعد عن عبادة..
                        وكان إخاؤه مع أبي حذيفة يزداد مع الأيام تفانيا وتماسكا..
                        وانتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى..
                        وواجهت خلافة أبي كبر رضي الله عنه مؤامرات المرتدّين..
                        وجاء يوم اليمامة..
                        وكانت حربا رهيبة، لم يبتل الاسلام بمثلها..
                        وخرج المسلمون للقتال..
                        وخرج سالم وأخوه في الله أبو حذيفة..
                        وفي بدء المعركة لم يصمد المسلمون للهجوم.. وأحسّ كل مؤمن أن المعركة معركته، والمسؤولية مسؤوليته..
                        وجمعهم خالد بن الوليد من جديد..
                        وأعاد تنسيق الجيش بعبقرية مذهلة..
                        وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم وتعاهدا على الشهادة في سبيل الدين الحق الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة..
                        وقذفا نفسيهما في الخضمّ الرّهيب..!!
                        كان أبو حذيفة ينادي:
                        " يا أهل القرآن..
                        زينوا القرآن بأعمالكم".
                        وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب.
                        وكان سالم يصيح:
                        " بئس حامل القرآن أنا..
                        لو هوجم المسلمون من قبلي"..!!
                        حاشاك يا سالم.. بل نعم حامل القرآن أنت..!!
                        وكان سيفه صوّال جوّال في أعناق المرتدين، الذين هبوا ليعيدوا جاهلية قريش.. ويطفؤا نور الاسلام..
                        وهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها.. وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب...
                        ولما رأى يمناه تبتر، التقط الراية بيسراه وراح يلوّح بها الى أعلى وهو يصيح تاليا الآية الكريمة:

                        ( وكأيّ من نبي قاتل معه ربيّون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)...
                        ألا أعظم به من شعار.. ذلك الذي اختاره يوم الموت شعارا له..!!

                        وأحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل.. ولكن روحه ظلت تتردد في جسده الطاهر، حتى انتهت المعركة بقتل مسلمة الكذاب واندحار جيش مسيلمة وانتصار المسلمين..
                        وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالما في النزع الأخير..
                        وسألهم:
                        ما فعل أبو حذيفة..؟؟
                        قالوا: استشهد..
                        قال: فأضجعوني إلى جواره..
                        قالوا: انه إلى جوارك يا سالم.. لقد استشهد في نفس المكان..!!
                        وابتسم ابتسامته الأخيرة..
                        ولم يعد يتكلم..!!
                        لقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان..!!
                        معا أسلما..
                        ومعا عاشا..
                        ومعا استشهدا..
                        يا لروعة الحظوظ، وجمال المقادير..!!
                        وذهب إلى الله، المؤمن الكبير الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يموت:
                        " لو كان سالم حيّا، لوليته الأمر من بعدي"..!!

                        تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                        قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                        "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                        وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                        تعليق


                        • #72

                          طلحة بن عبيد الله




                          يكفيه وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) له بقوله "من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وروي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال لما كان يوم أحد سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) طلحة الخير وفي غزوة ذي العشيرة طلحة الفياض ويوم خيبر طلحة الجود.

                          هو طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي التيمي المكي أبو محمد.

                          قال أبو عبد الله بن منده كان رجلا آدم كثير الشعر ليس بالجعد القطط ولا بالسبط حسن الوجه إذا مشى أسرع ولا يغير شعره. وعن موسى بن طلحة قال كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة مربوعا إلى القصر هو أقرب رحب الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم القدمين إذا التفت التفت جميعا



                          كان طلحة رضي الله عنه ممن سبق إلى الإسلام وأوذي في الله ثم هاجر فاتفق أنه غاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام وتألم لغيبته فضرب له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بسهمه وأجره قال أبو القاسم بن عساكر الحافظ في ترجمته كان مع عمر لما قدم الجابية وجعله على المهاجرين وقال غيره كانت يده شلاء مما وقى بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد.

                          عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله"

                          وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله إهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.

                          قال ابن أبي خالد عن قيس قال رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد شلاء (أخرجه البخاري)

                          له عدة أحاديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وله في مسند بقي بن مخلد بالمكرر ثمانية وثلاثون حديثا، له حديثان متفق عليهما وانفرد له البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة أحاديث حدث عنه بنوه يحيى وموسى وعيسى والسائب بن يزيد ومالك بن أوس بن الحدثان وأبو عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم ومالك بن أبي عامر الأصبحي والأحنف بن قيس التميمي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون

                          قال الترمذي حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو عبد الرحمن نضر بن منصور حدثنا عقبة بن علقمة اليشكري سمعت عليا يوم الجمل يقول سمعت من في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول طلحة والزبير جاراي في الجنة

                          وروي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال لما كان يوم أحد سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) طلحة الخير وفي غزوة ذي العشيرة طلحة الفياض ويوم خيبر طلحة الجود.

                          قال مجالد عن الشعبي عن قبيصة بن جابر قال صحبت طلحة فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه.

                          وروي عن موسى بن طلحة أن معاوية سأله كم ترك أبو محمد من العين قال ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم ومن الذهب مائتي ألف دينار فقال معاوية عاش حميدا سخيا شريفا وقتل فقيدا رحمه الله.

                          وأنشد الرياشي لرجل من قريش:

                          أيا سائلي عن خيار العباد صادفت ذا العلم والخبرة

                          خيار العباد جميعا قريش وخير قريش ذوو الهجرة

                          وخـير ذوي الهجرة السابقون ثمانية وحدهم نصرة

                          عـلي وعثمان ثم الزبير وطلـحة واثنان من زهرة

                          وبـران قد جـاورا أحمدا وجاور قبرهـهما قبـره

                          فمن كان بعـدهم فاخرا فلا يذكـرن بعـدهم فخـره



                          أخرج النسائي عن جابر قال لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ناحية في اثني عشر رجلا منهم طلحة فأدركهم المشركون فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) من للقوم قال طلحة: أنا قال كما أنت فقال رجل أنا قال أنت فقاتل حتى قتل ثم التفت فإذا المشركون فقال من لهم قال طلحة أنا قال كما أنت فقال رجل من الأنصار أنا قال أنت فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة فقال من للقوم قال طلحة أنا فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه فقال فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لو قلت باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون ثم رد الله المشركين.

                          روي عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالوا لأعرابي جاء يسأله عمن قضى نحبه من هو وكانوا لا يجترئون على مسألته (صلى الله عليه وسلم) يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أين السائل عمن قضى نحبه قال الأعرابي أنا قال: هذا ممن قضى نحبه.

                          وروي عن سلمة ابن الأكوع قال ابتاع طلحة بئرا بناحية الجبل ونحر جزورا فأطعم الناس فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "أنت طلحة الفياض"

                          عن موسى بن طلحة عن أبيه أنه أتاه مال من حضرموت سبع مائة ألف فبات ليلته يتململ فقالت له زوجته مالك قال تفكرت منذ الليلة فقلت ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته قالت فأين أنت عن بعض أخلائك فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسمه فقال لها رحمك الله إنك موفقة بنت موفق وهي أم كلثوم بنت الصديق فلما أصبح دعا بجفان فقسمها بين المهاجرين والأنصار فبعث إلى علي منها بجفنة فقالت له زوجته أبا محمد أما كان لنا في هذا المال من نصيب قال فأين كنت منذ اليوم فشأنك بما بقي قالت فكانت صرة فيها نحو ألف درهم.

                          جاء أعرابي إلى طلحة يسأله فتقرب إليه برحم فقال إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلاث مائة ألف فاقبضها وإن شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فقال الثمن فأعطاه.

                          قال الأصمعي حدثنا ابن عمران قاضي المدينة أن طلحة فدى عشرة من أساري بدر بماله وسئل مرة برحم فقال قد بعت لي حائطا بسبع مائة ألف وأنا فيه بالخيار فإن شئت خذه وإن شئت ثمنه.

                          وروي عن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة وقع منها في رأسه شجة مربعة وقطع نساه يعني العرق وشلت إصبعه وكان سائر الجراح في جسده وغلبه الغشي (الإغماء) ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكسورة رباعيته مشجوج في وجهه قد علاه الغشي وطلحة محتمله يرجع به القهقرى كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب.

                          عن مالك بن أبي عامر قال جاء رجل إلى طلحة فقال رأيتك هذا اليماني هو أعلم بحديث رسول الله منكم (يعني أبا هريرة) نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم قال أما أنه قد سمع من رسول الله ما لم نسمع فلا أشك، وسأخبرك إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله غدوة وعشية، وكان مسكينا لا مال له إنما هو على باب رسول الله فلا أشك أنه قد سمع ما لم نسمع وهل تجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما لم يقل.

                          وروى مجالد عن الشعبي عن جابر أنه سمع عمر يقول لطلحة ما لي أراك شعثت واغبررت مذ توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعله أن ما بك إمارة ابن عمك يعني أبا بكر قال معاذ الله إني سمعته يقول إني لأعلم كلمة لا يقولها رجل يحضره الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده وكانت له نورا يوم القيامة فلم أسأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عنها ولم يخبرني بها فذاك الذي دخلني قال عمر فأنا أعلمها قال فلله الحمد فما هي قال الكلمة التي قالها لعمه قال صدقت.


                          روي عن علقمة بن وقاص الليثي قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان عرجوا عن منصرفهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما قال ورأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته على زوره فقلت يا أبا محمد إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها إن كنت تكره هذا الأمر فدعه فقال يا علقمة لا تلمني كنا أمس يدا واحدة على من سوانا فأصبحنا اليوم جبلين من حديد يزحف أحدنا إلى صاحبه ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي وطلب دمه. قلت الذي كان منه في حق عثمان تأليب فعله باجتهاد ثم تغير عندما شاهد مصرع عثمان فندم على ترك نصرته رضي الله عنهما، وكان طلحة أول من بايع عليا أرهقه قتلة عثمان وأحضروه حتى بايع، قال البخاري حدثنا موسى بن أعين حدثنا أبو عوانة عن حصين في حديث عمرو بن جاوان قال التقى القوم يوم الجمل فقام كعب بن سور معه المصحف فنشره بين الفريقين وناشدهم الله والإسلام في دمائهم فما زال حتى قتل وكان طلحة أول قتيل وذهب الزبير ليلحق ببنيه فقتل.

                          وروي عن يحيى القطان عن عوف حدثني أبو رجاء قال رأيت طلحة على دابته وهو يقول أيها الناس أنصتوا فجعلوا يركبونه ولا ينصتون فقال أف فراش النار وذباب طمع.

                          قال ابن سعد أخبرني من سمع إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر قال: قال طلحة إنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى.

                          وروي عن وكيع حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في ركبته فما زال ينسح حتى مات.

                          وروي عن عبد الله بن إدريس عن ليث عن طلحة بن مصرف أن عليا انتهى إلى طلحة وقد مات فنزل عن دابته وأجلسه ومسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه وقال ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

                          وروى زيد بن أبي أنيسة عن محمد بن عبد الله من الأنصار عن أبيه أن عليا قال بشروا قاتل طلحة بالنار.

                          وروي عن عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعد وقعة الجمل فرحب به وأدناه ثم قال إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك ممن قال فيهم ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (الحجر:15) فقال رجلان جالسان أحدهما الحارث الأعور الله أعدل من ذلك أن يقبلهم ويكونوا إخواننا في الجنة قال قوما أبعد أرض وأسحقها فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فائتنا.

                          وروي عن اسحاق بن يحيى عن جدته سعدى بنت عوف قالت قتل طلحة وفي يد خازنه ألف ألف درهم ومائتا ألف درهم وقومت أصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم.

                          وكان قتله في سنة ست وثلاثين في جمادي الآخرة وقيل في رجب وهو ابن ثنتين وستين سنة أو نحوها وقبره بظاهر البصرة.

                          قال يحيى بن بكير وخليفة بن خياط وأبو نصر الكلاباذي إن الذي قتل طلحة مروان بن الحكم ولطلحة أولاد نجباء أفضلهم محمد السجاد كان شابا خيرا عابدا قانتا لله ولد في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) قتل يوم الجمل أيضا فحزن عليه علي وقال صرعه بره بأبيه .

                          تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                          قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                          "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                          وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                          تعليق


                          • #73
                            بارك الله فيك اخى صباحو سلمة يمناك اخى الفاضل
                            مشاء الله تبارك الله
                            لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الضالمين

                            تعليق


                            • #74
                              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                              اخي الحبيب بارك الله فيك اكيد مااحلها من سيرة رجال ونعم الرجال
                              بارك الله فيك والحقك بهم اميين
                              اخوك نادر الوجود

                              تعليق


                              • #75
                                المشاركة الأصلية بواسطة بلاعو مشاهدة المشاركة
                                بارك الله فيك اخى صباحو سلمة يمناك اخى الفاضل
                                مشاء الله تبارك الله
                                المشاركة الأصلية بواسطة نادر الوجود مشاهدة المشاركة
                                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                                اخي الحبيب بارك الله فيك اكيد مااحلها من سيرة رجال ونعم الرجال
                                بارك الله فيك والحقك بهم اميين
                                اخوك نادر الوجود



                                حياكم الله اخواني واشكر لكم مروركم

                                أسأل الله لنا ولكم حُسن الخاتمة

                                تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                                قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                                "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                                وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                                تعليق

                                يعمل...
                                X