رحلة السامبان ..
تصف نورما بداية نشاط جيم تومسون فتقول ( في كل صباح ، وحوالى الثامنة ، كان يتقافز فوق الدرج المفكك المهتز الهابط إلى القناة حتى يصل إلى قارب سامبان)
Sampan Boot
وهو قارب صغير بشراع من القش على الطريقة الصينية ، وبهذا القارب كان جيم يمضي في القناة الموحلة بأطراف المدينة ، ليختفي في متاهة من العشش السيامية التي تتكوم على شاطئ النهر .. لم يكن بإمكان أحد أن يخمن أنه من ذلك المكان الكئيب ، تخرج أجمل قطع النسيج النادرة المبهرة ، ذات السمعة العالمية الواسعة ، والذي كان يباع في ذلك الحين بعشرين دولارا للياردة .. حرير تايلاند الذي أصبح يتسابق إلى دفع أعلى سعر له عارضات الأزياء في أمريكا ، وممثلات برودواي وهوليود ، وشخصيات المجتمع الراقي وكل من يطيق أن يدفع ثمنه المرتفع .. ).
( فمنذ أن عرضت مسرحية ( أنا والملك )
The King and I 1956
شاع فى برودواي استعمال الحرير السيامي لعدة سنوات .. وكان المسؤول عن هذا الشيوع والانتشار ، رجلأ أمريكيأ أعزب يعيش فى بانجوك .. الضابط السابق في الجيش الأمريكي والذي كان حينذاك لا يعرف الفرق بين دودة القز والبالون المطاط . عندما قابلنا جيم تومسون كانت تجارته حتى ذلك الوقت تدو رائجة ، لكنها كانت مجرد البداية . أمضينا معه بعض الوقت في متجره ، وفي بيته الفاخر ، واصطحبنا معه في جولاته الصباحية على النساجين )..
((في ذلك الوقت لم تكن في بانجوك مصانع للنسيج . كانت النساء السياميات ينسجن الحرير على أنوال صغيرة في بيوتهن . وفي القرية التي تكومت عششها على شاطىء القناة ، والتى كان يتجمع فيها الحرفيون العاملون في النسيج الحريري . لم يكن بها في بداية الأمر سوى نولين للنسيج . وعندما زرنا هذه القرية عام 1955 كان بها أكثر من مائتي نول ، بالاضافة إلى المئات الأخرى التي لا يمكن حصرها فى المقاطعات المختلفة لتايلاند . وفي بانجوك كان هناك أكثر من عشرة محلات لبيع الحرير التايلاندي ، تزود أربع شركات للتوزيع في أمريكا بالحرير الفخم الملون .. ومع هذا ، كانت هذه التجارة في طفولتها الأولى ) .
مفاجأة فى مجلة فوج !
بعد انتهاء الحرب كان تومسون ينوي العودة إلى أمريكا ، ليواصل عمله كمهندس معمارى فى نيويورك . وعندما كان يتأهب لرحلة العودة إلى بلده ، اقترح عليه صديق حميم أن يأخذ معه مجموعة هداياه من النسيج السيامي ليعرضها على محرري مجلة فوج الباريسية والمتخصصة في الازياء .
Fog Magazine
لم تكن الأزياء النسائية من المسائل التي تشغل بال تومسون ، ولكن إرضاء لذلك الصديق ، قام بالمهمة متوجها إلى مكاتب مجلة فوج . هناك . . فوجئ بصيحات الاعجاب المتصاعدة ، وبعشرات الأسئلة المتلاحقة التي تدفقت عليه .. كيف نحصل على مثل هذا النسيج ؟ .. ما هي الكميات التي يمكن أن نحصل عليها ؟ .. ما هو أقصى معدل إنتاج في السنة ؟
بعدها ، وجد تومسون نفسه غارقا في تجارة الحرير ، دون أن يكون لديه متر واحد من الحرير !!
عاد ثانية الى بانجوك ، وبدأ يحصر عدد النساجين الموجودين . فى ذلك الوقت ، عام 1948 ، كان أهل سيام يصنعون هذا النسيج لاحتياجاتهم الشخصية فقط . وكان اقناعهم بإنتاج النسيج على أساس تجاري أمرا شاقا . مرت سنتان لم بحقق فيهما تومسون أي أرباح أو نتائج مادية ، بل خسر ما كان معه .. لكنه تعلم الكثير في هاتين السنتين . .
تعلم كل شي عن سداة النسيج ولحمته . . عن الصباغة ، عن دودة القز التي كان يتم توالدها في منطقة بشمال سيام . لقد أصبح باختصار خبيرا في كل ما يتصل بالحرير التايلاندي . إلى حد أن حكومة بورما تعاقدت معه لمدة عام كمستشار في شؤون الصباغة للنساجين في بورما ، في محاولة لرفع معدل صادرات بورما من الحرير ..
كان تومسون يمضي يوميا في جولاته على النساجين ، محاولا حثهم على مواصلة الإنتاج ، ذلك أنهم ما كانوا يقتربون من أنوالهم إلا إذا لم يجدوا ما هو أمتع لهم من ذلك .. وكان هذا هو السر في ارتفاع سعر الحرير التايلاندي . كان تومسون يساعدهم ، يمدهم بالألوان والصبغات ، ثم يلتقط ما انتهوا من نسجه ، طالبا منهم المزيد.
أما فترة ما بعد الظهر ، فقد كان تومسون يقضيها في متجره بشارع سورونجز ، مستقبلا زبائنه ، أو عاقدا الاجتماعات مع حائكة الملكة ، ليساعدها في تصميم الرداء الملكي الجديد . وفي أثناء ذلك كان يلتقط كل ما يمر عليه من معلومات عن الموضة ، حتى يستطيع أن يواجه استفسارات ومطالب السياح من زبائنه ، والذين بدأوا يعرفون طريقهم إلى متجره.
وفي عام 1955، لم يكن تومسون قد أصبح بعد في عداد الأثرياء ، لكن ما لبثت الشركة التي أسسها أن أصبحت تتعامل فيما يزيد على مليون ونصف مليون دولار سنويا ، كما أن 150 شركة أخرى للنسيج بدأت عملها في تايلاند . وبهذا أصبح الحرير من أهم صادرات تايلاند . وفي عام 1967 كان تومسون قد حقق ثروة هائلة ، وسمعة عالمية واسعة باعتباره ملك الحرير التايلاندي ، فكيف ولماذا اختفى هكذا ، دون أن يترك خلفه أي أثر ؟؟ ..
سوكارنو نام هنا !!
كانت شقيقة تومسون Katherine Thompson Wood تتعلق بقشة أمل واهية ، عندما ألحت على زوجها أن يتصل ببيتر هوركوس . وفي 14 ابريل1967 وصل إلى بيتر خطاب من زوج أخت تومسون يطلب فيه المشاركة في البحث عن الرجل المفقود ، ويتضمن العرض المالي المطروح ، بالإضافة إلى بعض المعلومات الضرورية . وخطابات التوصية المطلوبة إلى رجال سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بانجوك لتسهيل مهمته فى البحث عن الرجل المفقود .
متسلحا بهذه الخطابات ، وبأشرطة التسجيل ، و آلات التصوير ، سافر بيتر مع مساعدته وسكرتيرته ستيفانى Stephany Farb في 19إبريل 1976 إلى بانجوك . وكما فعل صديقه جيم كرين معه أثناء عمله في قضية سفاح بوستون ، قامت ستيفاني بتسجيل كل ما فعله أو قاله في هذه القضية.
عندما وصل بيتر إلى بيت تومسون في بانجوك ، تجول في أنحائه حتى وصل إلى الحجرة التي ينام فيها الضيوف ، فقال ( أرى أن سوكارنو نام هنا .. والجنرال بلاك أيضا ثم استطرد بعد لحظة (كان تومسون يلعب بالنار ، يرتبط في بعض الأحيان بأشخاص غير لائقين .. لا أعتقد أنه يدرك كم هو محبوب جدأ .. ) .
في 24 ابريل ، وصل بيتر وستيفاني إلى كوخ ضوء القمر ، وهنا أيضا أخذ بيتر يتجول في المكان ، ثم راح يدور حول الكوخ حاملا في يده صورة فوتوغرافية لتومسون.. بعد ذلك أشار إلى مقعد بالشرفة وهو يقول ((هذا هو المقعد الذى جلس عليه تومسون اخر مرة ) . جلس بيتر على المقعد لبعض الوقت ، وأخذ يتحسسه وهو يتمتم ( نعم هذا هو المقعد ) . ثم قام بجولة أخرى حول الكوخ ، وعاد الى الشرفة وجلس وهو ما زال يمسك بصورة تومسون في إحدى يديه ، وممسكا ببعض الخرائط في يده الأخرى . ثم غرق في حالة من التركيز والتفكير العميق.
وفجأة .. بدأت الكلمات تتدفق من بين شفتيه (آه .. بريبي .. تومسون .. بريبي ، بريدي .. أربعة عشر شخصا قبضوا عليه .. بريب أو بيي .. إنه ليس في هذه الغابة .. أريد أن أتبع الطريق الذي سلكوه عندما وضعوا يدهم .. كان يجلس هنا بالضبط .. على هذا المقعد .. لم يكن يوجد أحد معه بالشرفة .. كان الجميع فى الدور العلوي .. كما أن أحدا لم يكن بحجرة المعيشة المجاورة للشرفة .. كان يجلس منفردا أربعة عشر شخصا .. وسيارة كسيارات الجيش . مثل اللوري .. نعم أرى اللورى .. من هنا سار مع شخص .. صديق له .. اسمه بيبي أو بريدي .. الأمر لا يتصل بعصابات .. لقد سار أكثر من نصف ميل مع بيبي هذا أو بريبي . . كان اللو ري في الطريق ينتظر .. أربعة عشر رجلا .. شخص واحد هو الذي استدرج تومسون وكان على معرفة سابقة به .. ثم سارا معا على امتداد هذا الطريق حتى اللورى .. الان ياتي دور المورفين .. إنه يرقد في اللورى .. الان يتحرك اللورى مبتعدا .. ) .
الخاطف رئيس الوزراء !!
عندما وصل بيتر إلى هذا ، أخذ استراحة ، وبعد أن تناول قدحا من القهوة ، عاد إلى التركيز في محاولة لاستقراء ما حدث .. وكان ملخص ما قاله هو أن ذلك الشخص بيبي أو بريبي أو بريدي صافح تومسون ثم سارا معا يهبطان الطريق .. ثم نهض بيتر وراح يقتفي اثار تومسون بينما تبعه الجميع فى صمت يشوبه التوتر و الاثارة . توقف فجاة فى بقعة معينة وهو يقول (( وقفا هنا . . ثم حمله إلى هنا .. وخلف هذا المنحنى كان اللوري ينتظر . ))
انتقل بيتر إلى الجانب الاخر من الطريق ، وجلس على الأرض ليرسم على التراب الطريق ألذي "رأى" اللوري يسلكه ، وهو يقول (( لقد سلك اللوري الطريق الطويل للهبوط من الجبل بدلا من أن يسلك الطريق القصير .. وذلك لخلوه من الناس . لا أدري بالضبط هل خدروه بالمورفين ، أم أنهم وضعوا شيئا على وجهه أفقده الوعي سريعا .. )) كما قال بيتر إن الرجل الذي استدرج تومسون كان فى حوالى الثانية والسبعين من عمره ..
وبعد استراحة ثانية ، قال بيتر ((كمبوديا .. هو هناك .. أراه في كمبوديا ، لم تختطفه عصابة .. بل إن الأمر يتصل بالسياسة .. لقد نقلوه من اللوري إلى الطائرة ، طارت إلى كمبوديا . . إنه ما زال على قيد الحياة )) .. !!
أثارت أقوال بيتر ضجة سياسية ، فقد تبين أن جيم تومسون كان له صديق يدعى بريدي ، واحد من أصدقائه السياسيين القدماء . اسمه بالكامل بريدي فانا مايونج Pridi Banomyong
، تولى أكثر من مرة رئاسة وزراء تايلاند .. وكان بريدي هذا قد شارك فى الانقلاب الذى أطاح بالملكية ، وقد بدأت صلة تومسون به ، عندما كان تومسون يعمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية بالجيش.
من سيام إلى هوليود
أراد بيتر أن يسافر إلى كمبوديا لمواصلة البحث عن تومسون . في
أول الأمر ، بدأ الاعداد لسفره إلى كمبوديا كسائح ، فلم يكن من الممكن أن يصطحبه أحد من المسؤولين الأمريكيين ، ذلك لتوتر العلاقات بين كمبوديا وأمريكا . لكن هذا السفر لم يتم ، وجرى تبادل البرقيات بين بانجوك وواشنطن . . ثم توقف هذا كله فجأة لسبب لم يجر الافصاح عنه حتى اليوم . وهكذا اضطر بيتر إلى العودة إلى أمريكا . ولعل آخر ما نشر هو ما ظهر في احدى الصحف من أن جيم تومسون ما زال حيا ، وقد شوهد في مكان ما بآسيا ، وان لم تحدد الجريدة ذلك المكان .
و لكن حاليا يعتبر جيم تومسون ميتا بسبب طول فترة اختفائه.
وقد رأى بعض القريبين من القضية ، أن خطف تومسون جرى كحلقة من مؤامرة شيوعية لوقف قصف أمريكا لفيتنام الشمالية بالقنابل . وأن الخطف تم للضغط على تايلاند التي لتومسون نفوذ فيها ، حتى لا تسمح للطائرات الأمريكية بالإقلاع من تايلاند لقصف فيتنام الشمالية بالقنابل. لكن مغامرات بيتر هوركوس لم تقتصر على جرائم السفاحين ، والبحث عن المختطفين في أدغال تايلاند ، ففي هوليود مدينة السينما كانت له أكثر من قصة .
فما الذى فعلة بيتر هوركوس فى هوليود؟
هذا ما سنعرفة فى الاجزاء القادمة باذن الله
تصف نورما بداية نشاط جيم تومسون فتقول ( في كل صباح ، وحوالى الثامنة ، كان يتقافز فوق الدرج المفكك المهتز الهابط إلى القناة حتى يصل إلى قارب سامبان)
Sampan Boot
وهو قارب صغير بشراع من القش على الطريقة الصينية ، وبهذا القارب كان جيم يمضي في القناة الموحلة بأطراف المدينة ، ليختفي في متاهة من العشش السيامية التي تتكوم على شاطئ النهر .. لم يكن بإمكان أحد أن يخمن أنه من ذلك المكان الكئيب ، تخرج أجمل قطع النسيج النادرة المبهرة ، ذات السمعة العالمية الواسعة ، والذي كان يباع في ذلك الحين بعشرين دولارا للياردة .. حرير تايلاند الذي أصبح يتسابق إلى دفع أعلى سعر له عارضات الأزياء في أمريكا ، وممثلات برودواي وهوليود ، وشخصيات المجتمع الراقي وكل من يطيق أن يدفع ثمنه المرتفع .. ).
( فمنذ أن عرضت مسرحية ( أنا والملك )
The King and I 1956
شاع فى برودواي استعمال الحرير السيامي لعدة سنوات .. وكان المسؤول عن هذا الشيوع والانتشار ، رجلأ أمريكيأ أعزب يعيش فى بانجوك .. الضابط السابق في الجيش الأمريكي والذي كان حينذاك لا يعرف الفرق بين دودة القز والبالون المطاط . عندما قابلنا جيم تومسون كانت تجارته حتى ذلك الوقت تدو رائجة ، لكنها كانت مجرد البداية . أمضينا معه بعض الوقت في متجره ، وفي بيته الفاخر ، واصطحبنا معه في جولاته الصباحية على النساجين )..
((في ذلك الوقت لم تكن في بانجوك مصانع للنسيج . كانت النساء السياميات ينسجن الحرير على أنوال صغيرة في بيوتهن . وفي القرية التي تكومت عششها على شاطىء القناة ، والتى كان يتجمع فيها الحرفيون العاملون في النسيج الحريري . لم يكن بها في بداية الأمر سوى نولين للنسيج . وعندما زرنا هذه القرية عام 1955 كان بها أكثر من مائتي نول ، بالاضافة إلى المئات الأخرى التي لا يمكن حصرها فى المقاطعات المختلفة لتايلاند . وفي بانجوك كان هناك أكثر من عشرة محلات لبيع الحرير التايلاندي ، تزود أربع شركات للتوزيع في أمريكا بالحرير الفخم الملون .. ومع هذا ، كانت هذه التجارة في طفولتها الأولى ) .
مفاجأة فى مجلة فوج !
بعد انتهاء الحرب كان تومسون ينوي العودة إلى أمريكا ، ليواصل عمله كمهندس معمارى فى نيويورك . وعندما كان يتأهب لرحلة العودة إلى بلده ، اقترح عليه صديق حميم أن يأخذ معه مجموعة هداياه من النسيج السيامي ليعرضها على محرري مجلة فوج الباريسية والمتخصصة في الازياء .
Fog Magazine
لم تكن الأزياء النسائية من المسائل التي تشغل بال تومسون ، ولكن إرضاء لذلك الصديق ، قام بالمهمة متوجها إلى مكاتب مجلة فوج . هناك . . فوجئ بصيحات الاعجاب المتصاعدة ، وبعشرات الأسئلة المتلاحقة التي تدفقت عليه .. كيف نحصل على مثل هذا النسيج ؟ .. ما هي الكميات التي يمكن أن نحصل عليها ؟ .. ما هو أقصى معدل إنتاج في السنة ؟
بعدها ، وجد تومسون نفسه غارقا في تجارة الحرير ، دون أن يكون لديه متر واحد من الحرير !!
عاد ثانية الى بانجوك ، وبدأ يحصر عدد النساجين الموجودين . فى ذلك الوقت ، عام 1948 ، كان أهل سيام يصنعون هذا النسيج لاحتياجاتهم الشخصية فقط . وكان اقناعهم بإنتاج النسيج على أساس تجاري أمرا شاقا . مرت سنتان لم بحقق فيهما تومسون أي أرباح أو نتائج مادية ، بل خسر ما كان معه .. لكنه تعلم الكثير في هاتين السنتين . .
تعلم كل شي عن سداة النسيج ولحمته . . عن الصباغة ، عن دودة القز التي كان يتم توالدها في منطقة بشمال سيام . لقد أصبح باختصار خبيرا في كل ما يتصل بالحرير التايلاندي . إلى حد أن حكومة بورما تعاقدت معه لمدة عام كمستشار في شؤون الصباغة للنساجين في بورما ، في محاولة لرفع معدل صادرات بورما من الحرير ..
كان تومسون يمضي يوميا في جولاته على النساجين ، محاولا حثهم على مواصلة الإنتاج ، ذلك أنهم ما كانوا يقتربون من أنوالهم إلا إذا لم يجدوا ما هو أمتع لهم من ذلك .. وكان هذا هو السر في ارتفاع سعر الحرير التايلاندي . كان تومسون يساعدهم ، يمدهم بالألوان والصبغات ، ثم يلتقط ما انتهوا من نسجه ، طالبا منهم المزيد.
أما فترة ما بعد الظهر ، فقد كان تومسون يقضيها في متجره بشارع سورونجز ، مستقبلا زبائنه ، أو عاقدا الاجتماعات مع حائكة الملكة ، ليساعدها في تصميم الرداء الملكي الجديد . وفي أثناء ذلك كان يلتقط كل ما يمر عليه من معلومات عن الموضة ، حتى يستطيع أن يواجه استفسارات ومطالب السياح من زبائنه ، والذين بدأوا يعرفون طريقهم إلى متجره.
وفي عام 1955، لم يكن تومسون قد أصبح بعد في عداد الأثرياء ، لكن ما لبثت الشركة التي أسسها أن أصبحت تتعامل فيما يزيد على مليون ونصف مليون دولار سنويا ، كما أن 150 شركة أخرى للنسيج بدأت عملها في تايلاند . وبهذا أصبح الحرير من أهم صادرات تايلاند . وفي عام 1967 كان تومسون قد حقق ثروة هائلة ، وسمعة عالمية واسعة باعتباره ملك الحرير التايلاندي ، فكيف ولماذا اختفى هكذا ، دون أن يترك خلفه أي أثر ؟؟ ..
سوكارنو نام هنا !!
كانت شقيقة تومسون Katherine Thompson Wood تتعلق بقشة أمل واهية ، عندما ألحت على زوجها أن يتصل ببيتر هوركوس . وفي 14 ابريل1967 وصل إلى بيتر خطاب من زوج أخت تومسون يطلب فيه المشاركة في البحث عن الرجل المفقود ، ويتضمن العرض المالي المطروح ، بالإضافة إلى بعض المعلومات الضرورية . وخطابات التوصية المطلوبة إلى رجال سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بانجوك لتسهيل مهمته فى البحث عن الرجل المفقود .
متسلحا بهذه الخطابات ، وبأشرطة التسجيل ، و آلات التصوير ، سافر بيتر مع مساعدته وسكرتيرته ستيفانى Stephany Farb في 19إبريل 1976 إلى بانجوك . وكما فعل صديقه جيم كرين معه أثناء عمله في قضية سفاح بوستون ، قامت ستيفاني بتسجيل كل ما فعله أو قاله في هذه القضية.
عندما وصل بيتر إلى بيت تومسون في بانجوك ، تجول في أنحائه حتى وصل إلى الحجرة التي ينام فيها الضيوف ، فقال ( أرى أن سوكارنو نام هنا .. والجنرال بلاك أيضا ثم استطرد بعد لحظة (كان تومسون يلعب بالنار ، يرتبط في بعض الأحيان بأشخاص غير لائقين .. لا أعتقد أنه يدرك كم هو محبوب جدأ .. ) .
في 24 ابريل ، وصل بيتر وستيفاني إلى كوخ ضوء القمر ، وهنا أيضا أخذ بيتر يتجول في المكان ، ثم راح يدور حول الكوخ حاملا في يده صورة فوتوغرافية لتومسون.. بعد ذلك أشار إلى مقعد بالشرفة وهو يقول ((هذا هو المقعد الذى جلس عليه تومسون اخر مرة ) . جلس بيتر على المقعد لبعض الوقت ، وأخذ يتحسسه وهو يتمتم ( نعم هذا هو المقعد ) . ثم قام بجولة أخرى حول الكوخ ، وعاد الى الشرفة وجلس وهو ما زال يمسك بصورة تومسون في إحدى يديه ، وممسكا ببعض الخرائط في يده الأخرى . ثم غرق في حالة من التركيز والتفكير العميق.
وفجأة .. بدأت الكلمات تتدفق من بين شفتيه (آه .. بريبي .. تومسون .. بريبي ، بريدي .. أربعة عشر شخصا قبضوا عليه .. بريب أو بيي .. إنه ليس في هذه الغابة .. أريد أن أتبع الطريق الذي سلكوه عندما وضعوا يدهم .. كان يجلس هنا بالضبط .. على هذا المقعد .. لم يكن يوجد أحد معه بالشرفة .. كان الجميع فى الدور العلوي .. كما أن أحدا لم يكن بحجرة المعيشة المجاورة للشرفة .. كان يجلس منفردا أربعة عشر شخصا .. وسيارة كسيارات الجيش . مثل اللوري .. نعم أرى اللورى .. من هنا سار مع شخص .. صديق له .. اسمه بيبي أو بريدي .. الأمر لا يتصل بعصابات .. لقد سار أكثر من نصف ميل مع بيبي هذا أو بريبي . . كان اللو ري في الطريق ينتظر .. أربعة عشر رجلا .. شخص واحد هو الذي استدرج تومسون وكان على معرفة سابقة به .. ثم سارا معا على امتداد هذا الطريق حتى اللورى .. الان ياتي دور المورفين .. إنه يرقد في اللورى .. الان يتحرك اللورى مبتعدا .. ) .
الخاطف رئيس الوزراء !!
عندما وصل بيتر إلى هذا ، أخذ استراحة ، وبعد أن تناول قدحا من القهوة ، عاد إلى التركيز في محاولة لاستقراء ما حدث .. وكان ملخص ما قاله هو أن ذلك الشخص بيبي أو بريبي أو بريدي صافح تومسون ثم سارا معا يهبطان الطريق .. ثم نهض بيتر وراح يقتفي اثار تومسون بينما تبعه الجميع فى صمت يشوبه التوتر و الاثارة . توقف فجاة فى بقعة معينة وهو يقول (( وقفا هنا . . ثم حمله إلى هنا .. وخلف هذا المنحنى كان اللوري ينتظر . ))
انتقل بيتر إلى الجانب الاخر من الطريق ، وجلس على الأرض ليرسم على التراب الطريق ألذي "رأى" اللوري يسلكه ، وهو يقول (( لقد سلك اللوري الطريق الطويل للهبوط من الجبل بدلا من أن يسلك الطريق القصير .. وذلك لخلوه من الناس . لا أدري بالضبط هل خدروه بالمورفين ، أم أنهم وضعوا شيئا على وجهه أفقده الوعي سريعا .. )) كما قال بيتر إن الرجل الذي استدرج تومسون كان فى حوالى الثانية والسبعين من عمره ..
وبعد استراحة ثانية ، قال بيتر ((كمبوديا .. هو هناك .. أراه في كمبوديا ، لم تختطفه عصابة .. بل إن الأمر يتصل بالسياسة .. لقد نقلوه من اللوري إلى الطائرة ، طارت إلى كمبوديا . . إنه ما زال على قيد الحياة )) .. !!
أثارت أقوال بيتر ضجة سياسية ، فقد تبين أن جيم تومسون كان له صديق يدعى بريدي ، واحد من أصدقائه السياسيين القدماء . اسمه بالكامل بريدي فانا مايونج Pridi Banomyong
، تولى أكثر من مرة رئاسة وزراء تايلاند .. وكان بريدي هذا قد شارك فى الانقلاب الذى أطاح بالملكية ، وقد بدأت صلة تومسون به ، عندما كان تومسون يعمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية بالجيش.
من سيام إلى هوليود
أراد بيتر أن يسافر إلى كمبوديا لمواصلة البحث عن تومسون . في
أول الأمر ، بدأ الاعداد لسفره إلى كمبوديا كسائح ، فلم يكن من الممكن أن يصطحبه أحد من المسؤولين الأمريكيين ، ذلك لتوتر العلاقات بين كمبوديا وأمريكا . لكن هذا السفر لم يتم ، وجرى تبادل البرقيات بين بانجوك وواشنطن . . ثم توقف هذا كله فجأة لسبب لم يجر الافصاح عنه حتى اليوم . وهكذا اضطر بيتر إلى العودة إلى أمريكا . ولعل آخر ما نشر هو ما ظهر في احدى الصحف من أن جيم تومسون ما زال حيا ، وقد شوهد في مكان ما بآسيا ، وان لم تحدد الجريدة ذلك المكان .
و لكن حاليا يعتبر جيم تومسون ميتا بسبب طول فترة اختفائه.
وقد رأى بعض القريبين من القضية ، أن خطف تومسون جرى كحلقة من مؤامرة شيوعية لوقف قصف أمريكا لفيتنام الشمالية بالقنابل . وأن الخطف تم للضغط على تايلاند التي لتومسون نفوذ فيها ، حتى لا تسمح للطائرات الأمريكية بالإقلاع من تايلاند لقصف فيتنام الشمالية بالقنابل. لكن مغامرات بيتر هوركوس لم تقتصر على جرائم السفاحين ، والبحث عن المختطفين في أدغال تايلاند ، ففي هوليود مدينة السينما كانت له أكثر من قصة .
فما الذى فعلة بيتر هوركوس فى هوليود؟
هذا ما سنعرفة فى الاجزاء القادمة باذن الله



اترك تعليق: