إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الدولة العثمانية مالها وما عليها بحيادية وموضوعية

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الدولة العثمانية مالها وما عليها بحيادية وموضوعية

    بكر باشا صوباشي بين الطموح والخيانة والغدر


    تعتبر حركة بكر باشا صوباشي من اكثر الحركات التي جلبت الويلات والخراب على أهل العراق وبغداد خاصة، فقد طمع الباشا بالسلطة ودخل في لعبه نصفه فيها انه كان عبارة عن لاعب صغير بين لاعبين كبار وهما الدولة العثمانية السُنية والدولة الصفوية الشيعية. بكر باشا كان رئيس شرطة بغداد وأحد قادة الإنكشارية وكان تحت قيادته 1200 من العزاب. وتبدأ قصة هذا الباشا المتمرد عندما أقدم على قتل يوسف باشا والي بغداد، وعلينا ان نشرح بإيجاز كيفية وثوبه على السلطة، فقد خرج بكر باشا على رأس مجموعة من اتباعه عام 1621م غلى منطقة الفرات الأوسط بعد أن أناب ابنه محمد آغا بدلا عنه في بغداد.وتضاربت اراء المؤرخين حول سبب توجه بكر صوباشي الى منطقة الفرات الأوسط، فاسكندر بك يقول إنه توجه الى الحلة لجباية الضرائب من الفلاحين الذين امتنعوا عن دفعها الى السباهية، ويوافقه في الرأي مرتضى نظمي زاده، أما مصطفى نعيما فيذكر أن صراعا عنيفا خاضه بكر صوباشي مع الجورجية وبعض كبار الإنكشارية الذين لجؤوا الى السماوة فأخذوا يحرضون الفلاحين للتمرد على السباهية. لقد وجد المعارضون لبكر صوباشي ان غياب خصمهم خير فرصة لهم للإطاحة به وابعاده عن بغداد، كان على رأس هؤلاء محمد آغا قمبر الذي اجتمع مع بعض كبار الإنكشارية وأشراف المدينة وأوضح لهم نوايا صوباشي وانفراده بالسلطة. ثم أعلن عن عزمه على التخلص منه.
    توجه محمد آغا قمبر مع اتباعه نحو دار صوباشي فنهبها غير إنه جوبه بمقاومة عنيفة من قبل ابن صوباشي والكهية الذين استطاعا ان يجبراه على اللجوء الى القلعة الداخلية حيث كان يقيم والي بغداد يوسف باشا الذي كان متواطئاً معه. وعندما تلقى بكرا صوباشي خبر تمرد محمد آغا قمبر أسرع في العودة الى بغداد، وأول عمل قام بع ان فرض حصارا شديدا على القلعة وأمر بقصفها من الجوانب كلها، وقد قتل في أثناء الحصار والي بغداد يوسف باشا إذ اصابته رصاصة عندما كان يصدر أوامره العسكرية إلى المدافعين عن القلعة التي أخذت تعاني نقصا في الذخيرة والعتاد. ولم يبق آغا قمبر ازاء هذه الحال الا طلب الأمان والإستسلام لبكر صوباشي فسلم نفسه لخصمه الذي عامله بمنتهى القسوة والكراهية، إذ وضعه واتباعه في قارب وأمر ان يصب الكبريت والقار عليهم فأحرقوا جميعا.
    أصبح بكر صوباشي بعد القضاء على التمرد الأخير سيد بغداد بلا منازع، وكتب إلى الباب العالي في الأستانة يطلب ان ينعم عليه السلطان بباشوية بغداد لقاء قضائه على التمرد الأخير، وقبل أن يتلقى جوابا وزع منشوراً مزوراً أعلن فيه انه اصبح واليا على بغداد، ورفض السلطان العثماني آنذاك السلطان مصطفى الأول طلب صوباشي وعين سليمان باشا واليا على بغداد وكان هذا واليا لديار بكر. فأرسل متسلمه علي آغا بتسليم الباشوية. ورفض بكر صوباشي مقابلة المتسلم وأعلن تمرده على أوامر الباب العالي فأصدر السلطان أوامره لوالي ديار بكر حافظ باشا لتوجيه حملة عسكرية تتولى الإطاحة بالصوباشي واستعادة بغداد.
    توجه حافظ باشا علي زاده على رأس حملة عسكرية الى بغداد لتأديب الثائر صوباشي ووصلت قواته مشارف بغداد وفرض حصاراً عليها. أراد صوباشي منذ اليوم الأول من الحصار ان يباغت الجيش العثماني ليلا ويلحق به خسائر فادحة حتى استطاع مرة ان يفرق شمل الجيش العثماني الذي تراجعت قطاعاته الى ديالا. وجمع حافظ باشا جيشه المشتت وقرر القيام بهجوم شامل على المدينة بعد قطع جميع الطرق الموصله اليها بهدف فرض حصار اقتصادي على المدينة.
    وعلى الرغم من هذا الهجوم فقد بدت أثار الحصار واضحة في المدينة التي بدأت تعاني المجاعة القاتلة وأصبح هلاك المحاصرين في بغداد قاب قوسين أو أدنى وهو ما حدا ببكر صوباشي ان يبعث إلى الزعيم الصفوي الشاه عباس الكبير بواسطة حاكم لرستان حسين خان مفاتيح بغداد مقابل ان ينقذ الشاه مدينة بغداد من حافظ باشا وجيشه، وفي الواقع كان الشاه عباس يراقب التطورات العسكرية عن كثب، اذ كانت الإستعدادت قد اتخذت قبل مدة فالحدود الشرقية كانت تشهد كل يوم حشد فريد من القوات الصفوية، فجاء طلب صوباشي بمثابة فرصة ذهبية لشاه عباس الكبير.
    عقد حافظ باشا اجتماعا مع قادته بعد ان تأكد له اتصال صوباشي مع الشاه عباس واحتمال قيام بكر صوباشي بصك النقود باسم الشاه. وعندما كانت المنافسات مستمرة حول كيفية حل هذه المشكلة جاء رسول من القائد الصفوي (قرقجي خان) الى حافظ باشا يطلب منه الإنسحاب من حول بغداد لأنها اصبحت فارسية واستعمل القائد الصفوي سياسة الوعيد لإرهاب حافظ باشا واجباره على الإنسحاب بينما اصبح الهم الأول لحافظ باشا بعد رجوع الرسول الفارسي هو اقناع بكر صوباشي بالعدول عن رأيه بالتعاون مع الشاه عباس الصفوي فعرض عليه باشوية الرقة وعلى ابنه حكم سنجق الحلة إلا أن هذا العرض رفضه صوباشي بشدة فاستمر الحصار على بغداد. غير ان حافظ باشا قرر في النهاية الخوع للأمر الواقع حقنا للدماء من جهة وحفظا لكرامة الدولة العثمانية من جهة أخرى وذلك بمنح حكم ولاية بغداد لبكر صوباشي واسناد مهمة الدفاع عنها إليه.
    كتب بكر صوباشي الى الشاه عباس يخبره ويرجوه سحب جنوده وكان الجيش الصفوي قد وصل أطراف خانقين. فلما تسلم الشاه الكتاب المذكور تملكه الغضب الشديد فقرر دخول بغداد بنفسه عقابا لصوباشي. وألقى الحصار عليه لمدة ثلاثة أشهر وكان محافظ قلعة بغداد محمد اغا ابن بكر صوباشي قد شعر بأن لا قبل لأبيه بالإستمرار على المقاومة بعد ان تملك اليأس النفوس بسبب المجاعة التي اودت بحياة الوف البشر. اكل الناس فيها لحوم الكلاب والدواب وبلغت قيمة الحمار 1000 أقجة فضغط الحصار بشدة على الأهالي وامتلأ الجو بدوي الألغام المتفجرة، ولم يكن من المستغرب ازاء هذا الوضع المزري ان ينسال الى معسكر الشاه كل ليلة اتباع لينجوا بأنفسهم من الموت المحتوم.
    استطاع الشاه استمالة ابن بكر صوباشي المسى محمد الى جانبه بعد ان اغراه بمنصب الولاية حال فتح ابواب سور بغداد للجيش الصفوي وبالفعل قام محمد هذا بفتح ابواب سور بغداد للغزاة فدخلت جيوش الشاه واستولت عليها في 21 تشرين الثاني 1623.
    أمر الشاه عباس بالقبض على بكر باشا صوباشي وتلقى تعذيباً شديداً، وأمر الشاه بإيقاد النار، وخلعت ملابس بكر باشا وعرض على النار حتى بدأت شحوم جسمه تذوب كي يعترف بمكان أمواله، حتى اعترف بها جميعا، ثم وضعوه في قفص حديدي، وعذبوه 7 أيام بلياليها، وكل هذا تحت نظر ابنه الخائن محمد، ثم أمر الشاه بوضع بكر باشا في قارب مملوء بالزفت والكبريت واضرموا النار وألقوه في نهر دجله، فاحترق داخل القارب أمام أعين الناس. أما ولده الذي كان يطمح بحكم بغداد فقد خُذل ونكب ولقي جزاءه، وأعطى الشاه حكم بغداد لصاري خان.

    وبهذه النهاية المأساوية طويت صفحة بكر باشا صوباشي وابنه محمد وخرجت بغداد من السيطرة العثمانية لتصبح بيد الصفويين، وفي عام 1638 قاد السلطان مراد الرابع الحملة العسكرية لإسترداد بغداد وبعد حصار دام أكثر من أربعين يوماً دخل مراد الرابع بغداد، لتعود العراق مرة أخرى تحت السيطرة العثمانية.



    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية


  • #2
    أعمال السلطان عبدالحميد تتكلم في سطور

    لو تأخرت وفاة السلطان العثماني “عبد الحميد” الثاني؛ ورحل في موعد غير 10 شباط/فبراير 1918؛ ربما كان حزنه سيتضاعف، وأنا شخصياً مسرور لأنه لم يشهد بأم عينيه سياسات الاتحاد والترقي التي أذابت الامبراطورية العثمانية وأزالتها في نهاية المطاف.

    لقد قال الخاقان العظيم (السلطان): ” إذا سقطت سلانيك تسقط الامبراطورية ” – في أثناء مغادرته المدينة التي نفي إليها – حيث جرى إخراجه وأسرته من سلانيك أولاً؛ بسبب احتمال سقوطها في حرب البلقان.
    سقطت سلانيك ومن ثم البلقان؛ تم اقتطاعها قطعةً قطعةً من الامبراطورية التي سقطت في النهاية مثلما قال السلطان.
    لقد خضع عبد الحميد للإقامة الجبرية في قصر “بَيلر بَيي” باسطنبول، ليواصل حياة المنفى ويستكمل أيامه الأخيرة، حيث شعر بألم عميق؛ جسّده في قطع الأثاث التي صنعها بيديه كالطاولة والخزانة وغيرها، إذ أخذ ينطوي على ذاته بشكل أكبر وانقطع عن العالم.
    عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، ربما لم يكن حتى لديه علم باقتطاع الأراضي البالغة 5 مليون متر مربع؛ والتي كان يحميها مثل عينيه.
    وعندما جاء موعد 10 شباط من عام 1918 انتهى منفاه في هذه الدنيا وانتقل إلى العالم الأبدي. حمداً لله أنه لم يشاهد ذلك الانهيار المخزي، فلو شاهد سقوط الحجاز وسمع صرخة فخر الدين باشا في المدينة المنورة “لا أستطيع التخلي عن سيدنا الرسول”؛ بم سيشعر يا ترى؟
    كيف كان سيتحمل مشاهدة سقوط القدس؟ وتضحيات طلاب كليات الطب والسياسة التي أنشأها إبان حرب “تشاناق قلعة” إذ ضحوا بأرواحهم؟ ونبأ زوال كافة الكوادر المؤهلة في الإمبراطورية؟.
    بالتأكيد لما كان تحمل على الإطلاق العلم بأيٍّ من تلك الأحداث، وخاصة رؤية احتلال السفن البريطانية لمضيق البوسفور الرائع في اسطنبول؛ تلك المدينة التي اتخذها أجداده عاصمة لدولتهم طيلة 400 عام.
    لقد كان لدى عبد الحميد همّ يشغل باله مما دفعه للقيام بخطوات عديدة؛ بيد أن أحداً لم يرد فهمه، فبينما كان الأعداء يتربصون بالإمبراطورية العظيمة – لافتراسها وتقسيمها – كان منتقدو طريقة إدراته للدولة لا يَعُون العالم حولهم.
    أما الآن فنفهم جيداً لماذا قاوم أعواماً من أجل الأراضي الفلسطينية التي لم يتخلى عن شبر منها، أليس كذلك؟
    وعلى الصعيد التقني فقد خلّف السلطان فترة حكم رائعة؛ حيث قام بتحديث الإمبراطورية طوال 32 عاماً، كما حقق الوحدة في العالم الإسلامي. لقد أجرى إصلاحات في عشرات المجالات بدءاً من الفن والعمارة وانتهاءً بالجيش والتعليم.
    كما أنجز السلطان ثورة في عالم المواصلات؛ وربط بين طرفي الإمبراطورية عبر خط الحجاز الحديدي، وأسس مؤسسة التلغراف والبريد، ونشر استخدام الهاتف، وتمت صناعة أول غواصة بحرية – بنجاح – على مستوى العالم.
    وفي عهده جرت أكبر حملة تعليمية في تاريخ الدولة العثمانية، وأُنشئت مؤسسات التلغراف، فضلاً عن استخدام “الترام”، وبناء مستشفيات في دمشق وطرابلس الغرب، ومشاريع أخرى لا يتسع المقال لذكرها.
    وعند النظر إلى ناحية أخرى من التاريخ، نرى أنه تم الصاق صفة “السلطان الأحمر” به، ووُصف عهده “بالاستبداد”، وتعرض لسيل من الإهانات غير المسبوقة في مقالات الهجاء ورسوم الكاريكاتور بالصحف الصادرة في تلك الحقبة.
    لقد ألصق كاتب فرنسي – يدعى “ألبرت فاندال” – صفة “السلطان الأحمر” بالسلطان عبد الحميد؛ لكنَّ كُتاباً في الداخل استخدموا هذا الوصف بحماس أكبر.
    أثناء زيارتي لقصر “بَيلر بَيي” وتجولي في الغرفة التي أرغم السطان على البقاء فيها، حاولت أن أفهمه وأنا أتمعن في قطع الأثاث الرائعة التي صنعها بيديه.
    لنتصور بأنكم حققتم نجاحات باهرة في إمبراطورية وتركتم أثاراً رائعة، ومن ثم تتعرضون للإهانة عبر إطلاق صفة “السلطان الأحمر” عليكم، كما ولم تخسروا أي قطعة أرض طوال 32 عام من حكمكم للإمبراطورية؛ في حين سيتم خسارة كل أراضيكم خلال 10 أعوام فقط من قبل الذين أطاحوا بكم بانقلاب عسكري، ستتعرضون للافتراءات من قبل الأقلام الخائنة التي تكتب التاريخ.
    أعتقد أن رئيس الوزراء أردوغان – في هذه الآونة – يعي أكثر من أي شخص آخر؛ المأساة والحالة الروحية التي عاشها الخاقان العظيم السلطان عبد الحميد.
    _________
    المصدر صحيفة يني شفق



    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

    تعليق


    • #3
      تصورات سلبية عن المجتمع العثماني الكراهية الدينية

      هل كان المجتمع الإسلامي في طوره العثماني الحديث”مقسماً إلى طوائف دينية أو ملل منعزلة بعضها عن بعض ودون أي تواصل اجتماعي ويعيشون في جو من الكراهية المتبادلة حيث كان المسلمون يكرهون النصارى والنصارى يكرهون اليهود واليهود يكرهون النصارى الذين كانوا بدورهم يكرهون المسلمين” ؟



      وهل كانت الصراعات القومية الدموية التي اندلعت في آخر سنوات الدولة العثمانية “وليدة أحقاد تاريخية قديمة” بين الأتراك والأرمن والأكراد والعرب واليونانيين[1]؟

      وهل عاش هذا المجتمع داخل أسوار عالية تفصل بعضه عن بعض كما توحي بذلك التطورات التي أسفرت عنها الهيمنة الاستعمارية الغربية التي تصر على رؤية “الهويات المتعددة في الشرق الأوسط” بواسطة عدسات مكبرة تكبيراً لا حدود له مما يجعل هذا الشرق “لا يمتلك هوية جمعية خلافا للهند أو الصين أو أوروبا”[2]؟ ولماذا يصر الغرب على إدامة هذه الحواجز الشرقية في الوقت الذي ألغى هو كل الانقسامات الفرعية داخله سلماً أو بالعنف ولم يبق إلا الهويات الكبرى الجامعة؟

      لقطات من التواصل الديني داخل المجتمع العثماني

      يكذّب المؤرخ دونالد كواترت التصور المشوه السابق ويقول إن هذه الصورة تجافي الحقيقة تماماً وإنه بالرغم من الكثير من الأفكار المغلوطة عن التعايش بين الأقوام والطوائف المختلفة في الدولة العثمانية فقد كانت العلاقات بينها جيدة نسبياً وإن هذه الأقليات كانت متمتعة بحقوق عثمانية وحماية أكثر من مثيلاتها في الممالك الأوروبية الأخرى كفرنسا وإمبراطورية الهابسبيرغ[3] وقد كانت الدولة العثمانية تعترف باستقلال ذاتي للطوائف غير الإسلامية داخل أراضيها فكانت تتعامل مع هذه الطوائف بواسطة زعمائها وممثليها كما كانت لكل طائفة محاكمها الخاصة التي تفصل بين المتخاصمين وفق قوانينها الدينية الداخلية ولم تكن الخدمة العسكرية مطلوبة من غير المسلمين ولكن كل ذلك لا يعني وجود أسوار عالية فصلت بين الطوائف كما حدث في الزمن الأمريكي وكان الكثير من الناس يعيشون في أحياء سكنية مختلطة وكانت الطوائف “تعيش في وئام وتتعاون في شتى الأمور”[4] بل إن العثمانيين غير المسلمين كانوا يلجئون أحياناً إلى الشرع الإسلامي لإنصافهم بدلاً من قوانينهم الخاصة وذلك بسبب أحكامه التي توزع الإرث على جميع أفراد الأسرة وتحريمه تزويج الفتاة دون موافقتها[5] ومن الطريف ما نشرته صحيفة القبس سنة 2003 تحت عنوان “صك بيع عقار عمره 329عاماً” وتاريخه هو سنة 1674 كان الطرفان المتعاقدان فيه مسيحيين والمشتري دير للراهبات ومع ذلك يبدأ العقد بسم الله الرحمن الرحيم ويتساءل الكاتب:أين كانت الطائفية آنذاك؟

      وتتجاوز حقائق الحياة اليومية هذه البساطة السابقة والمعبرة في نفس الوقت ويمكننا الاطلاع على بعض التفاصيل التي تنفي وجود التشنج الطائفي الذي عرفناه فيما بعد ومن ذلك ما قاله السياسي البريطاني لورانس أوليفانت الذي قام برحلة إلى الشرق لتسويق المشروع الصهيوني سنة 1880 وذلك في كتابه “أرض جلعاد”



      حيث أشار في الباب السابع عشر(الموارنة وجبل لبنان)إلى أنه لا توجد في العالم دولة تمارس التسامح الديني مثل الدولة العثمانية إلا إنجلترا(وطن الكاتب)[6] وقال أيضاً إن “قوة النصارى في تركيا وبخاصة في استانبول هي قوة هائلة”[7] ومما يؤكد ذلك أن اللبناني المسيحي سليم باشا ملحمة كان ناظر( وزير) السلطان عبد الحميد للغابات والمعادن والزراعة حيث أشرك المسلمين والأرمن واليونانيين معاً في طاقم وزارته الحديثة وكان الإشراف على الزراعة قبل تأسيس النظارة (1893) من اختصاص الأرمني أماسيان أفندي المدير النشط لإدارة الزراعة في نظارة التجارة والأشغال العمومية حيث كان يوفد كثيراً من الشباب العثماني الأرمني للتدرب في أوروبا كما كان أخو سليم ملحمة نجيب يحتل وظيفة متقدمة في الشرطة السرية للدولة[8]أي أنه كان مؤتمناً على أمنها وأسرارها وهو ما يجب أن يؤخذ في الحسبان وكان السلطان عبد الحميد يأتمن مصرفيين من الأرمن على أملاكه الشخصية[9] ولما صدرت مجلة الأحكام العدلية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لتكون أول قانون مدني إسلامي مبوب قام اللبناني المسيحي سليم رستم باز عضو مجلس شورى الدولة بوضع واحد من أفضل الشروح الفقهية للمجلة مبارياً علماء المسلمين في ذلك حائزاً على ثقة رجال الدولة وبخاصة واضع المجلة ناظر العدلية أحمد جودت باشا الذي دعا للشارح “بدوام التوفيق لخدمة الشرع القويم”[10] وقد لخص البطريرك إلياس الحويك أبو الاستقلال اللبناني أوضاع الموارنة في زمن السلطان عبد الحميد في آخر العهد العثماني قائلاً:”لقد عاش لبنان وعاشت طائفتنا المارونية بألف خير وطمأنينة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ولا نعرف ماذا تخبئ لنا الأيام من بعده”[11] وهذه الحقائق لم تكن فريدة أو مجرد صدقات أنعمت بها الدولة على رعاياها بل كانت جزءاً من الحياة اليومية التي لم يكن الانتماء الطائفي للفرد فيها عاملاً فاعلاً في تحديد وضعه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أيضاً كما يقول المؤرخ دونالد كواترت[12]الذي أورد أمثلة “تدحض الوهم الشائع بأن الأنشطة الاقتصادية غلب عليها الطابع الطائفي المحض”[13] ويلاحظ في هذا السياق أنه في حقل الزراعة وخلافاً لكثير من الدول التي عاصرت العثمانيين والتي منعت استخدام الأرض على جماعات عرقية أو دينية بعينها سمح العثمانيون لجميع رعاياهم بحيازة الأرض وقد نتج هذا المبدأ القانوني عن الممارسة “ونجد مزارعين من الألبان والعرب والشراكسة والأرمن والسلاف والأتراك واليهود” كما اختلفت انتماءات كبار الملاك اختلافاً بيناً[14].

      ومن ذلك ما نراه في تفاصيل يومية مثل الحضور المسيحي واليهودي في المناصب السياسية التي وصلت مجلس النظار (الوزراء) كما مر إضافة لمناصب الولاية ومجالس إدارات الولايات هذا إذا لم نذكر نظارة الخارجية حيث كوّن العثمانيون اليونانيون والأرمن ثلث طاقمها تقريباً[15] ومن ذلك أيضا أهمية التجار المسيحيين العثمانيين وبخاصة من اليونانيين والأرمن في مجموع التجارة العثمانية[16]وسيطرتهم على القطاع الصناعي في غرب الأناضول قبل الحرب الكبرى الأولى(1914)[17] ولو تجاوزنا هذه المظاهر الاجتماعية العادية ودققنا في مشروع حيوي كسكة حديد الحجاز لرأينا التمازج الاجتماعي واضحاً رغم أن المشروع كان واجهة لسياسة الجامعة الإسلامية ومع ذلك استخدمت الدولة فيه سكانها بلا تفرقة فكان رؤساء المحطات في مدن عديدة من المسيحيين[18] ولما قامت الحرب الكبرى الأولى (1914) عهدت الدولة بالإشراف على مقطعين من مقاطع السكة الثلاثة إلى مهندسيْن يهوديين[19] كما عهدت إلى مستثمرين من اليهود والمسيحيين العثمانيين بإنشاء سكك حديدية أخرى وموانئ[20] ولم يكن السلطان يجد حرجاً في ذلك انطلاقا من قناعته بكونهم مواطنين عثمانيين[21] كما كان لليونانيين والأرمن العثمانيين حضوراً ملحوظاً في مقاطعة تجارة النمسا عندما ألحقت ولاية البوسنة والهرسك العثمانية بها عقب الانقلاب الاتحادي سنة 1908 [22].
      وفي الوقت الذي كانت فيه إسبانيا تضطهد المسلمين وتلاحقهم وتعذبهم وتهجرهم بغية القضاء على الإسلام كلياً في شبه جزية إيبيريا كان الموارنة يعيشون حياة طبيعية بل عهد ازدهار وتوسع كما وصف كريستيان الحلو القرن السابع عشر تحت الحكم العثماني وكانوا ويتواصلون بالبعثات مع روما التي تمكنت من وضع أسس منظمة لجذبهم للإيمان اللاتيني وتأسست مدرسة مارونية في روما سنة 1584 وعقد المجمع اللبناني الذي أعطى الكنيسة المارونية شرعتها الدستورية سنة 1736 وكان ما لحقهم من اضطهاد إما نتيجة حملات المسيحيين الأرثوذكس الذي ساءهم الدور الماروني في انضمام بعض الكنائس الشرقية للكنيسة الكاثوليكية فحرضوا الولاة العثمانيين على الموارنة أو نتيجة “التدخلات الخارجية وأطماع الدول بأراضي الدولة العثمانية” والتي أدت إلى حوادث 1840 و1860 كما يقول الحلو في موسوعة الأديان الميسرة [23]وفي الوقت الذي اندثر فيه الإسلام في إسبانيا الكاثوليكية ظلت الطائفة المارونية قائمة في وطنها لبنان وكما اندثر الإسلام هناك فقد اندثرت اليهودية أيضا وفي حديثه عن هجرة اليهود وأماكن رحيلهم بعد قرار طردهم من إسبانيا في 31 مارس 1492 يقول المؤرخ ستانفورد شو:”ولكن أكثرهم تبعوا معظم إخوانهم اليهود من بقية أوروبا باتجاه الشرق خلال الأراضي المحاذية للبحر الأبيض المتوسط إلى داخل أراضي أعظم القوى الإسلامية في ذلك الوقت:إمبراطورية السلاطين العثمانيين آملين استعادة النفوذ والرخاء اللذين تحققا لهم في إسبانيا المسلمة”[24] وفي هذا المجال يقول مؤرخ الفكر السياسي أنتوني بلاك:”حين نقارن الإمبراطورية العثمانية بالدول الأوروبية قبل القرن الثامن عشر نجد ديمقراطية أقل ولكن تسامحاً أكبر”[25].
      بل إن المؤرخ الأمريكي جستن مكارثي يعزو مصائب القتل والترحيل التي حلت بالعثمانيين في القوقاز والبلقان وأماكن أخرى في القرن التاسع عشر ونتج عنها مقتل أكثر من خمسة ملايين مسلم وتهجير خمسة ملايين أيضاً إلى تسامح العثمانيين الأوائل مع الأقليات وسكان البلاد التي فتحوها:”كانت إحدى أفضل ميزات التقليد العثماني في الحكم التسامح مع التنوع العرقي والديني ولكن كان يمكن أمة مطبّعة بطابع تركي أن تكون أكثر أماناً وأن تعطي الأمم الأوروبية ذرائع أقل للتدخل” “إذ لو كان الأتراك في أيام قوتهم قوميين من النوع اليوناني لكان المسيحيون هم الذين طُردوا تاركين وراءهم أراضي كانت تركية مسلمة بكل معنى الكلمة بدلاً من ذلك عانى العثمانيون وبقي المسيحيون كثيراً ما كانوا يعاملون المسيحيين معاملة حسنة وفي أحيان كثيرة على نحو رديء لكنهم سمحوا لهم بأن يستمروا بالبقاء وأن يحافظوا على لغاتهم وتقاليدهم ودياناتهم كانوا على حق حين فعلوا ذلك لكن لو أن أتراك القرن الخامس عشر لم يكونوا متسامحين لبقي أتراك القرن التاسع عشر على قيد الحياة في بيوتهم”[26].
      بداية التغريب الاجتماعي
      عندما عقدت معاهدات الامتيازات الأجنبية التي كانت صدقة في البداية تفضلت بها الدولة العثمانية القوية في القرن السادس عشر وما تلاه على الدول الأوروبية منحت هذه الدول الناشئة حق حماية الأقليات المسيحية وهو حق أدى عندما تغير ميزان القوى إلى تدخل هذه الدول الغربية التي أصبحت دولاً كبرى في شئون الدولة العثمانية التي كانت تتجه نحو الضعف وتتراجع قوتها على الساحة العالمية وتنتقل إلى دولة من الدرجة الثانية وقد منح الخلاف الذي نشب بين السلطنة العثمانية وواليها المصري محمد علي باشا فرصة للتدخل الأجنبي الذي كان حريصاً على إنهاك الطرفين وعدم السماح بعودة الروح إلى هذا المجال الموحد الضخم ومن ضمن السباق الذي انطلق بين الفريقين العثماني والمصري لنيل التأييد الأوروبي قام السلطان عبد المجيد سنة 1839 فور اعتلائه العرش بافتتاح عصر الإصلاحات الرسمية التي سميت “التنظيمات الخيرية” بإصدار خط شريف كلخانة الذي استهدف إرضاء الدول الأوروبية لكف يدها عن التدخل في الشئون الداخلية العثمانية بجعل الدولة العثمانية جديرة بثقة الغرب وكان الفرمان المذكور من وحي رجال الإصلاح التغريبي الذين تزعمهم مصطفى رشيد باشا الذي تولى الصدارة العظمى ست مرات وتوفي بعد حرب القرم (1858)[27] ويقول الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى إن رشيد باشا كان يمتلك دافعاً إضافياً داخلياً لهذه الإصلاحات وهو إرضاء القوميات الثائرة[28] ثم أصدر السلطان نفسه الفرمان الهمايوني بعد حرب القرم (1856) بوحي من بقية رجال الإصلاح كعالي باشا (ت1871) وفؤاد باشا (ت1869) ليصبح التزاماً عثمانياً أمام الدول الكبرى التي أيدت العثمانيين في الحرب ضد روسيا بفكرة المساواة المطلقة بين أفراد الرعية العثمانية ومنح الأقليات نفس الحقوق التي يتمتع بها المسلمون في الدولة الإسلامية وقد أكدت معاهدة باريس ما سبقت الإشارة إليه من رغبة في كف الأيدي الغربية عن التدخل بأن شددت على أن الفرمان الهمايوني لا يعطيها حق التدخل في الشئون العثمانية الداخلية[29] وهذا أمر يعد من المفارقات لأن جميع الأفكار والتصريحات الرسمية التي كانت تستهدف وقف التدخلات كانت تمارس استرضاء المتدخلين أي تمنحهم حق التدخل في أية حالة كان الاسترضاء غير كاف وهذا ما حدث بالفعل إذ أدت السياسة الاسترضائية إلى زيادة التوحش الغربي.
      نتائج التغريب الاجتماعي
      1- نتائج الاستنساخ السلبية: أدت فكرة المساواة المطلقة إلى نتائج سلبية لأسباب عديدة منها أنها استنسخت تجربة خارجية قد تكون ناجحة في بيئات أخرى ولكنها عند إسقاطها على الواقع العثماني لم تكن كذلك وفي هذا تقول دائرة المعارف الإسلامية التي وضعها مجموعة من المستشرقين إن “منح الرعايا من النصارى واليهود ما للمسلمين من حقوق كان معناه تجريد النصارى من القسط الكبير من الحكم الذاتي الذي تمتعوا به منذ عهد محمد الفاتح…وقامت مشكلات حول تجنيد غير المسلمين في الجيش وسرعان ما تبين من ذلك أن هؤلاء لم يروا في مساواتهم بالمسلمين نفعاً كبيراً بل زاد هذا في العداوات والخلافات التي كانت قائمة بين طوائفهم المختلفة وكانت هذه الخلافات في الغالب أشد مما كان بينهم وبين المسلمين” وتؤكد الدكتورة سلوى علي ميلاد ذلك في دراستها الوثائقية للقضاء في مصر في العهد العثماني بالقول إن الطوائف غير الإسلامية فقدت ما كان لها من حقوق طبقاً للشريعة الإسلامية بسبب تدخل الدول الأجنبية لحمايتها وتأييد امتيازاتها[30].

      ويقول المؤرخ كواترت إن الآلاف من المسيحيين فضلوا الهرب إلى خارج الدولة على الخدمة في الجيش عندما ألغى القانون سنة 1859 ميزة البدل النقدي الذي عليهم دفعه مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية التي فرضت بالفرمان الهمايوني سنة 1856 وأن أغلبية المهاجرين بعد سنة 1859 كانت من المسيحيين عندما شملهم قانون التجنيد الإلزامي[31] ومن المفارقات أن عدد المهاجرين المسيحيين إلى الخارج “قفز بشكل حاد” في عهد جمعية الاتحاد والترقي ذات التوجه التغريبي والتي حاولت نقل تجنيد المسيحيين من الإطار القانوني إلى الواقع العملي بقانون صدر سنة 1909 لتحقيق الرؤية التغريبية في المساواة المطلقة بين أفراد الرعية[32] كما يصف المؤرخ جستن مكارثي كثيراً من الاضطرابات التي تسبب فيها قانون التجنيد بين الطوائف المسيحية كاليونانيين والأرمن[33].
      2- نتائج النفاق الأوروبي النفعي: كما أن الدول الأوروبية التي تبنت هذه الإصلاحات لم تكن جادة في نشر نموذجها الاجتماعي بإخلاص بقدر ما استخدمته وسيلة لتحقيق المصالح في البيئة العثمانية التي تعدها أوروبا بيئة معادية يجب ألا تنهض على قدميها لمنافسة أوروبا ومن ثم يجب ألا تدخل الجنة الغربية ولذا فإن أوروبا التي تبنت فكرة المساواة للتدخل في الشئون العثمانية وحملت الدولة عليها هي نفسها أوروبا التي تبنت الإبقاء على الامتيازات التي تمتعت بها الأقليات وناهضت جميع الإصلاحات العثمانية التي استهدفت تطبيق القانون على الجميع بلا تمييز لاسيما في مجالات القضاء والمال والخدمة العسكرية وأصبحت الدول الأوروبية “حامية للرعايا غير المسلمين في سبيل المحافظة على امتيازاتهم”[34]ودعمت وباركت رفض غير المسلمين الخدمة في الجيش العثماني والتي كانت من مطالب هذه الدول فيما سبق[35] مما جعل “تحقيق جل هذه الإصلاحات ضرباً من الوهم” كما تقول دائرة المعارف الإسلامية وذلك لأن تركيز سلطة الحكومة الذي هو غاية الإصلاح كان متعارضاً مع الامتيازات التي منحت للأجانب ودافعت عنها دول الغرب الأوروبي التي نتج عن تدخلاتها المستمرة في الفتن داخل الدولة العثمانية نشوء “حزب كبير ينادي بأن التنظيمات خطر على الدولة”[36].
      أوروبا تجهض تكرار نموذجها
      يقول المؤرخ دونالد كواترت معلقاً على مسيرة الإصلاحات العثمانية:”لا نستطيع التكهن بما كان سيحدث لو كتب لمسيرة الإصلاح أن تمضي قدماً في تحقيق مجتمع المساواة وما ستؤول إليه الأوضاع لو كتب للدولة البقاء.لكن الحقيقة الثابتة هي أن النظام العثماني كان قد أخذ بالتفكك ممهداً السبيل لولادة نظام جديد أجهضته الأحداث التي تلت.خلاصة القول أن المجتمع العثماني خلال القرن التاسع عشر كان يعيش فترة تطور لم تكتمل نتيجة لزوال الدولة سنة 1922″[37] وقد سبق شرح الدور الأوروبي في زوال الدولة العثمانية في دراسة: آثار التغريب السياسي على المجتمع العثماني (الجزء الأول).

      أوروبا تثير الفتن بأدوات التغريب
      ليس هنا مجال البحث في تاريخ القضايا القومية في الدولة العثمانية سواء في البلقان أم اليونان أم أرمينيا فما أريد التأكيد عليه بعد طبيعة الانسجام التعددي الذي ساد المجتمع العثماني قروناً كما سبق هو أن اتجاه العلاقات بين الطوائف نحو الأسوأ في هذا المجتمع في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وظهور صراعات مريرة فيما بعد “لم تكن وليدة أحقاد تاريخية قديمة وإنما هي حديثة العهد ويمكن تعليلها بالرجوع إلى أحداث جرت إبان القرنين التاسع عشر والعشرين وليس بالحديث عن كراهية عرقية متأصلة منذ القدم كما يفترض البعض” وسبب ذلك يعود إلى “تسلط الرأسمالية الغربية من جهة وتدخل الدول الكبرى في الشئون الداخلية للدولة العثمانية” كما يقول المؤرخ دونالد كواترت[38].

      وإذا كنت لا أريد الخوض بعمق في هذه الصراعات المعقدة فإنني أؤكد على دور الغرب الأوروبي في إشعالها والتغطية على جوانبها المنسية التي وقعت فيها المظالم الكبرى على المسلمين وفقاً لكثير من المؤرخين الغربيين الذين لاحظوا ما لاحظه كواترت الذي أكد أن بريطانيا وفرنسا أذكتا نار كراهية الحكم العثماني



      بين شعوب الدولة العثمانية ثم اتخذتا من هذه الكراهية التي زرعتاها ذريعة أخلاقية لتفكيك هذه الدولة[39] فجستن مكارثي يشرك الاستعمار الروسي والتطفل الأوروبي والعصبية الثورية الأرمنية بالإضافة إلى الضعف العثماني في مسئولية ما حاق بالمنطقة من خراب ودمار زمن الحرب الكبرى الأولى (1914 وما بعدها) ويرى أن الحوادث الأرمنية كانت جزءاً من صراع كبير وعملية تاريخية واسعة قُتل فيها من المسلمين خمسة ملايين ونصف وهُجر خمسة ملايين من البلقان والقوقاز وجنوب روسيا في القرن الواقع بين سنتي 1821-1922 وفي الوقت الذي عرف العالم كله معاناة الأرمن فإن معاناة المسلمين التي لا تقل عنها ظلت طي الكتمان وبحاجة إلى مراجعة تاريخية وكما قُتل الكثير من الأرمن فقد قتل الأرمن كثيراً من المسلمين ويوزع مسئولية الوفيات الأرمنية في قوافل الترحيل بين العثمانيين(الإتحاديين) والروس والثوريين الأرمن وأنصارهم[40] وجيرمي سولت يوثق دور التبشير الأمريكي والإنسانية البريطانية في خلق المسألة الأرمنية وينقل عن أحد المبشرين قوله إنه لو تركت أوروبا الأرمن مع الأتراك لكان أفضل من إثارتهم ثم إحباطهم كما ينقل عن المستشرق والعميل البريطاني إيفن فامبري قوله إن دور بريطانيا في إثارة الخلافات والأحقاد بين عناصر الدولة العثمانية لا ينكره إلا الأعمى[41] ويقول في كتابه “تفتيت الشرق الأوسط: تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي” بعد أن يورد تقديرات المؤرخين لعدد الضحايا الأرمن في الحرب الكبرى الأولى 1914-1918 (حوالي 800 ألف على الأكثر) بعيداً عن المبالغات التي وصلت إلى مليون ونصف:”ويجب أن توضع هذه الأرقام في إطار مجموع المدنيين العثمانيين الذين قضوا وهو من ثلاثة إلى أربعة ملايين وعادت الجيوش العثمانية (بعد الحرب) إلى الهياكل الفارغة للمدن والبلدات والقرى المدمرة والأنقاض والجثث المبعثرة بينها وإلى كل إشارة أو رمز للوجود المسلم العثماني فيها كالمساجد والمدارس والمقابر وتكايا الصوفيين والأسواق وبنايات الحكومة دُمرت كلها وفي منطقة كانت فيها مثلاً غالبية السكان من المسلمين كان ضحايا الحرب المسلمون تبعاً لذلك من الأكراد في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية وهذه النقطة ترسم خطاً عريضاً يبرز المظهر الكردي المهمَل بالنسبة للمسألة الأرمنية”(ص89) أما المؤرخان شو فيوضحان دور الدعاية الروسية التي طورت واستعملت القضية الأرمنية”بمهارة كبيرة” في الوقت الذي لم تكن فيه روسيا سعيدة بالاستقلال الأرمني في الدولة العثمانية لأنه سيثير الأرمن وبقية القوميات عندها وكانت تفضل إثارة الاضطرابات فقط للعثمانيين وفي هذا الصراع الطويل استغل الروس والأوروبيون الأرمن-الذين لقبهم التاريخ العثماني بالأمة الصادقة- لإثارة المشاكل للدولة العثمانية والمطالبة بوطن مستقل على رقعة واسعة لا يؤلفون فيها أغلبية ولم تتورط الأغلبية منهم في تأييد هذا المشروع وأحجمت عن مناصرة الثوريين [42] رد أقطاب الإتحاد والترقي على التمرد الأرمني بعصبية قومية مقابلة كما يصف المؤرخ كواترت الوضع ويفند وجود دافع يتعلق بتردي الأحوال الاقتصادية في الولايات البلقانية العثمانية لدى الحركات الانفصالية والتي كانت تحركها عوامل خارجية روسية وأوروبية يهمها إثارة الاضطرابات للعثمانيين كما في الحالة الأرمنية ويؤكد هذا المؤرخ أن بلاد البلقان كانت تنعم بازدهار اقتصادي عشية انفصالها عن الدولة العثمانية وما لبثت بعد استقلالها أن ساءت أوضاعها المعيشية بطريقة أصبحت معها في حالة أسوأ مما قبل استقلالها[43].

      أثر الفتن الغربية على المجتمع الإسلامي العثماني
      يلاحظ المؤرخ نيكولاس دومانيس ملاحظة مهمة وهي أنه وسط الفتن التي عصفت بالمجتمع الإسلامي في القرن التاسع عشر وأدت إلى تهجير 5-7 ملايين مسلم من روسيا واضطرابات دموية في لبنان سنة 1860 وحوادث أرمنية بلغت ذروتها في مجازر 1915 وصراعات عنيفة في جزيرة كريت بين 1841-1908 ظلت الغالبية العظمى من العثمانيين المسلمين والمسيحيين واليهود تتعايش في سلام بل إننا نجد أرمن استانبول وإزمير يعيشون في سلام في نفس الفترة التي قُتل فيها إخوانهم على يد حكومة الاتحاد والترقي في مجازر 1915-1916 في مسرح العمليات العسكرية أثناء الحرب الكبرى الأولى[44]وهو ما يشير إلى عدم تأصل العداوات العرقية حتى في زمن الأزمات ولهذا نجد الدولة العثمانية وقد أصبحت ملجأ لمسيحيي البلقان وشرق أوروبا الباحثين عن ملاذ ديني أو سياسي في ظاهرة يصفها كواترت بالمدهشة كما كانت ملجأ للمسلمين المضطهدين [45] ومن خصائص هذا العصر أيضا المدن الساحلية النابضة بالحياة في شرق المتوسط والتي احتوت عناصر من جميع أنحاء العالم ومن مختلف الأديان تفاعلت وازدهرت كما أن معظم اليونانيين والأرمن في الأناضول كانوا في وضع سيؤدي إلى خسارة كبرى لو تدهورت العلاقات الاجتماعية بين الطوائف ولهذا لم يكن هؤلاء مرحبين بالأفكار القومية الانفصالية[46] وظلت غالبية الأرمن الساحقة مستمرة في رغبتها في البقاء داخل الدولة العثمانية حتى اندلاع الحرب الكبرى[47] وقد أدى القضاء على الدولة العثمانية إلى زوال واحدة من أكثر الدول التعددية استمراراً واستقراراً في التاريخ[48].

      شهادة مسيحية بعد سقوط الدولة العثمانية
      في دراسته عن المسيحيين في العصر العثماني الثاني (القرن السابع عشر) يقتبس الأب الإيطالي فينسنزو بودجي من كتاب حبيب أبي شهلا بمناسبة إلغاء الامتيازات الأجنبية في البلاد العربية العثمانية سابقاً الذي طبع سنة 1924 والذي جاء فيه العرض التاريخي المختصر الآتي:”عندما وصل الأجانب إلى المشرق حصلوا على الوضع القانوني عينه الذي كان يتمتع به المسيحيون من أبناء البلاد ما نريد أن نلفت النظر إليه هو أن أحوال مسيحيي الشرق القانونية (في ظل الدولة الإسلامية) لم تكن أبداً ثمرة التدخل الأجنبي كما يعتقد هؤلاء المسيحيون. إذ لا يعود الفضل في تمتعهم بحرية الدين والعبادة إلى طيبة القوى العظمى ونفوذها في الشرق كما توهمنا هذه الأخيرة خلافاً للأحداث التاريخية. إذ لا يسع الأجانب وصف أنفسهم كأبطال لقضية نبيلة ما أحسنوا الدفاع عنها وحسب لا بل استغلوها…وينبغي الاعتراف بأن الحماية الأجنبية ليست إلا كذبة فهي لم تسفر يوماً عن نتائج حميدة فهل استطاعت تفادي المجازر الفظيعة؟…بالعكس حصد المسيحيون المجازر والاعتداءات والكراهية التي زرعتها وأرادتها القوى العظمى وكانت النتيجة عكس ما كنا نتوقع فقد اتسع الشرخ بين المسلمين والمسيحيين وكان من مصلحة هؤلاء أن يتحدوا ويتعاضدوا للدفاع عن إرثهم المشترك” هذا ما جاء في كتاب “المسيحية عبر تاريخها في المشرق” الذي أصدره مجلس كنائس الشرق الأوسط في بيروت سنة 2002 من تحرير حبيب بدر وسعاد سليم وجوزيف أبو نهرا ص 660.

      ويؤكد المؤرخ البريطاني المعروف أرنولد توينبي ذلك بالقول إن رجال الدولة العثمانية قاموا أثناء “عهدها المجيد بمنح شعوب الشرق الأدنى والأوسط شكلاً من الوحدة السياسية والسلام يتناقض بصورة ملحوظة عن الفوضى التي ألمّت بهذه الشعوب نفسها أكان ذلك قبل الامبراطورية العثمانية أم بعد تفككها” (نفس المرجع ص667).
      أنصار التغريب ينقدونه
      لأن ساسة التغريب العثمانيين كانوا ينتمون لدولة كبرى رغم ضعفها ويحتم عليها وضعها أن تسعى للتكافؤ مع أقرانها العظام فإن منطق الاستقلالية فرض نفسه عليهم “ولم يكونوا مجرد أدوات للنفوذ الغربي بل طبقوا جدولهم الخاص وسعوا لدعم برنامجهم السياسي الذاتي”[49] وكانوا يتبعون نهج التغريب آملين به دعم دولتهم العثمانية لتتمكن من مواجهة التحديات الأوروبية وهو أمر لم يخطر ببال أنصار التغريب في دول الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية التي قامت فيما بعد وكان أقصى ما تسعى إليه هو الازدهار في كنف قوة غربية عظمى مهما بلغت درجة التبعية والاستغلال وهذا المنطق بالطبع لم يناسب دولة كبرى وإن كانت ضعيفة كالدولة العثمانية ولهذا فإن النتائج التي أسفر عنها التغريب أدت إلى استياء أتباعه وعدم موافقتهم على فقدان الاستقلال العثماني في مواجهة الأطماع الغربية وكان من أوائل منتقدي هذه النتائج التغريبية الوزير مصطفى رشيد باشا الذي استنكر إلحاق الفرمان الهمايوني سنة 1856 بمعاهدة باريس التي أنهت حرب القرم وجعله التزاماً دولياً على السلطنة لأن ذلك كان خطراً على شرف السلطان واستقلال الدولة ومن المنتقدين أيضا الأديب الشهير نامق كمال (ت1888)الذي اتهم الإداريين العثمانيين بإفساح المجال للتوغل الاقتصادي الغربي وعدم إدراك أهمية التقاليد الإسلامية الإيجابية[50].

      مواجهة السياسة الأوروبية تكشف حقيقة شعارات الإصلاح الاجتماعي والطريق الممكن للتطور
      أدت المواجهة بين أوروبا والمجتمع الإسلامي العثماني إلى أن تظهر حقيقة شعارات الإصلاح التي لوح بها الغرب في وجه ساسة العثمانيين وأن تُمكن هؤلاء الساسة من اكتشاف الطريق الأفضل للتطور بعيداً عن اللهاث خلف سراب التغريب وفي هذا الموضوع يقول السلطان عبد الحميد في مذكراته السياسية:”غاية همهم من هذه الإصلاحات هي الحط من شأننا أمام أمتنا…خير لنا أن يتركونا وشأننا…لو أننا تصرفنا بإرادتنا الخاصة لأصبحنا في تقدم مستمر وإن كان هذا التقدم بطيئاً”[51].
      “إن التطور لا يمكن أن يحدث تحت تأثيرات وضغوط خارجية فلا بد أن يكون تطوراً نابعاً من صميم الواقع بشكل طبيعي وباتجاه صحيح….والتجديد الذي يطالبون به تحت اسم الإصلاح سيكون سببا في اضمحلالنا ترى لماذا يوصي أعداؤنا الذين عاهدوا الشيطان بهذه الوصية بالذات؟لاشك أنهم يعلمون علم اليقين أن الإصلاح هو الداء وليس الدواء وأنه كفيل بالقضاء على هذه الإمبراطورية يتظاهرون بالحزن والأسى على حالتنا المتأخرة ويسعون عن خبث إلى القيام بأي عمل كان لما يسمونه برفع مستوانا إن الدول الأوروبية تحتاج إلى إصلاحات لا حصر لها إنني معجب بالتطور الصناعي في أوروبا وأمريكا وأعترف بأننا متأخرون عن هذا الركب أكثر من قرن…إننا نستطيع أن نقول بأننا في صدد تطور طبيعي أو الأصح في صدد تطور سريع”[52].

      “إني على يقين من صحة تصرفاتي في تلمس الظروف المؤاتية قبل اتخاذ أية خطوة في تنفيذ الإصلاحات والتقدم البطيء في هذا المجال وستأتي الأجيال القادمة بعدنا فتأخذ الجانب الحسن من الحضارة الغربية فتصقله بمفاهيم شرقية وتصنع منهما حضارة متكاملة”.
      “الأوروبيون يتوهمون أن السبيل الوحيد في الخلاص هو الأخذ بحضارتهم جملة وتفصيلا….لا شك أن طراز التطور عندنا هو غير ما عند الأوروبيين.علينا أن نتطور تحت ظروف طبيعية ومن تلقاء أنفسنا وأن نستفيد من الظروف الخارجية في حالات خاصة”[53].
      وقال في مذكراته بعد خلعه:”رأيت أثناء مؤتمر الدول الكبرى الذي عقد في استانبول ما عزمت عليه هذه الدول وهو ليس كما يقولون تأمين حقوق الرعايا المسيحيين بل تأمين الاستقلال الذاتي لهؤلاء الرعايا ثم العمل على استقلالهم التام وبذلك يتم تقسيم الدولة العثمانية.
      “كانوا يعملون في سبيل هذا الهدف على صورتين:الأولى:إثارة الأهالي المسيحيين وتعكير صفاء الجو وبهذا تتصدى هذه الدول لحمايتهم.الثانية:القول بالمشروطية (الديمقراطية الدستورية) لإحداث الفرقة بيننا أنفسنا واستطاعوا أن يجدوا من بيننا أنصاراً يستخدمونهم في كلا الغايتين”[54].
      وقال أيضا إن إنجلترا بذلت ما في وسعها لإثارة المسألة الأرمنية لكي تبعد عن الأذهان تدخلها في مصر وإنها كانت تعمل جاهدة على تركيز انتباه العالم على الدولة العثمانية[55] وسطر من حوادث هذه القضية ما كان لا يصدقه فيها أحد من دول الغرب وكلامه يطابق ما قاله مراقب معاصر للأحداث ومجمع على وطنيته ونزاهته وهو الزعيم المصري الكبير مصطفى كامل باشا الذي سطر من حقائق هذه القضية وتداخلات الأوروبيين ومقاصدهم في كتابه المسألة الشرقية ما ظل مقصوراً على الدائرة الإسلامية الداخلية وبعض من شهدوا شهادات متفرقة في ذلك الزمن حتى جاء في عصرنا أي بعد قرن من الزمان تقريباً من فتح هذه الملفات من مؤرخي الغرب وأماطوا اللثام عن بعض الحقائق كما سبق.
      وتبعاً لهذه الرؤية العثمانية لحقيقة التدخل البريطاني رفض السلطان عبد الحميد رفضاً قاطعاً إقامة محمية بريطانية في بلاد الأرمن منذ ما بعد مؤتمر برلين (1878) رغم استمرار الإنجليز في محاولاتهم بعد ذلك زمناً طويلاً وهي جهود يلقي عليها المؤرخ سولت مسئولية الوصول بالقضية الأرمنية إلى طريق مسدود بطريقة مدمرة[56].
      الآثار الاجتماعية للتغريب السياسي والاقتصادي على المجتمع العثماني
      ساهمت عمليات التغريب السياسي والاقتصادي المفصلة في دراسات سابقة (الأثر الاقتصادي للتغريب الرأسمالي على المجتمع العثماني) و(آثار التغريب السياسي على المجتمع العثماني 1 و2 و3) في عمليات التفتيت الاجتماعي آنف الذكر فقد كان لعملية تركيز السلطة والسعي للسيطرة الحكومية على الفلاح والأرض بشكل مباشر يتجاوز الأعيان آثار اجتماعية أدت إلى اضطرابات سرعت معدل التدمير العثماني بشكل يدعو للعجب كما يقول كواترت وذلك لأن هذه العملية التغريبية مزقت روابط الولاء بين الرعايا المسلمين الذين تمتعوا بالامتيازات زمنا طويلا ووترت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين “واندلعت موجات هائلة من القلاقل الريفية والمدينية بحيث هزت الدولة من أساسها وجعلت ولايات بأكملها دولاً مستقلة…وتدخلت القوى العظمى وانتهت حركات التمرد باستئصال السلطة العثمانية”وذلك كما حدث في البوسنة والهرسك وبلغاريا[57].

      ومن الآثار الاجتماعية للتغريب الاقتصادي أيضا ما يتعلق بالاستهلاك الذي نتج عن غزو البضائع الغربية وفي هذا يقول هرشلاغ إن انتشار محاكاة أنماط الاستهلاك الغربية في الدولة العثمانية كما حدث في معظم العالم المتخلف آنذاك دون الوصول إلى قدرة موازية على الإنتاج أدى إلى تعطيل قيام الأساس الاقتصادي الحديث والصلب للنمو والتطور[58] ومع ذلك فقد تميز المجتمع العثماني بالتمسك بخيارات استهلاكية محلية حدت من اكتساح البضائع الغربية خلافاً لمجتمعات الاستقلال والتجزئة التي فقدت كل أشكال المقاومة تجاه هذه البضائع[59].
      لقد سادت ملكيات الأرض الصغيرة المجتمع العثماني زمناً طويلاً ولهذا لم يعرف هذا المجتمع الانقسام الطبقي الحاد الذي ظهر فيما بعد بين كبار الملاك الإقطاعيين والفلاحين الأقنان الذين لا يملكون وقد أدى قانون الأراضي الصادر سنة 1858 إلى ظهور فئة كبار الملاك هؤلاء الذين امتلكوا الضياع الكبيرة وإن ظلت الملكية الصغيرة والمتوسطة هي السائدة إلى نهاية الدولة العثمانية فقد “أعاق عدم رغبة الحكومة المركزية بالتعاون في استرقاق المزارعين الميول إلى تشكيل الضياع الكبيرة وبفضل تصرف الدولة فإن مزيج العمالة النادرة والأراضي الوفيرة لم يؤد عادة إلى السخرة أو عبودية الأرض” كما يقول كواترت ولكن هذا المنحى نحو تعاظم الملكية ساد فيما بعد في البلاد العربية في ظل الانتدابات الأجنبية وقسم الطبقات الاجتماعية إلى ملاك وفلاحين حتى سحب البعض هذه الصورة على العهد العثماني كله وارتبطت صورة التركي بالباشا الإقطاعي الثري مقابل الفلاح المحلي المعدم وهو أمر مجاف للحقيقة[60].
      حقيقة الحملة الغربية على الرق : لماذا منع الغرب الدورات الاجتماعية للمجتمعات الأخرى من السير في مجاريها والوصول إلى نهاياتها المنطقية؟
      ليس هذا مجال تقويم التجربة الإسلامية التاريخية فيما يتعلق بالرق الذي لم يكن ممارسة إسلامية خاصة وعمت جميع المجتمعات في العصر الحديث بما فيها المجتمعات الغربية “المتحضرة” التي وصفت أنفسها بالديمقراطية والإنسانية والتنوير بل والمساواة والإخاء والحرية أيضاً مع أنها شهدت أقسى أنواع العبودية ولا يمكننا اليوم توجيه الإدانة الخاصة لمجتمع شرقي في هذا المجال لأنه ليس هناك مجتمع خال من الأخطاء التي تنحرف عن مثله الأعلى لاسيما في نظر الأجيال اللاحقة التي تنزع أحياناً للنظر للحوادث الماضية خارج إطارها التاريخي أو ضمن فهم مغلوط لا يفهم حقيقة الظاهرة المدروسة أو يختزلها بعملية إسقاط ظواهر أخرى عليها لمجرد الاشتراك في الاسم رغم التباعد الجذري بينها ولكن ما يهم في بحث عملية التغريب التطرق إلى الحملة الغربية لاسيما البريطانية لإلغاء الرق وتجارته في العالم والتي اتخذ منها البعض دليلاً على الإنسانية الغربية التي عملت على وضع حد لهذه الممارسة البشعة التي استمرت منذ فجر التاريخ.

      وفي هذا الموضوع لابد من التذكير ببعض الحقائق كي لا يجرفنا الاجتزاء إلى الانبهار بالممارسات الغربية التي عم أذاها الاستعماري العالم كله في نفس فترة الحملة على الرق وتجارته والتي كانت جزءاً من الحملة الاستعمارية على العالم كله ولهذا فإننا يجب أن ننظر في سياسات الغرب عموما في ضوء-أو ظلمة-فلسفة المنفعة التي اتخذت مقياساً لأفعال الإنسان منذ عصر النهضة الأوروبية وأن لا نكترث كثيراً بدعاوى المبادئ والقيم التي يحملها وبخاصة أننا كنا أكثر المتضررين من سياساته العدوانية.
      1- هناك بحث ونقاش طويل عن القيمة الاقتصادية للرق مقابل العمل الحر وأدلة على سبب استنفاد الرق أهميته وكيف حدث ذلك وكم من الوقت كان سيحتاج للاختفاء كلياً[61] ورغم أن المؤرخ إريك هوبزباوم ينفي حصرية الأسباب الاقتصادية في عملية إلغاء الرق فإنه يقول :”هل كان الضغط لإلغاء السخرة اقتصادي الطابع؟ والإجابة هي: إلى حد ما بالتأكيد” ويسرد الرأي القائل بأن الرق كان أقل إنتاجية من الأيدي العاملة الحرة وأعلى نفقة مما يعتقده الناس بسبب كلفة الشراء والتربية والرعاية ويقول إنه بغض النظر عن مدى صواب هذا الرأي فإنه كان شائعاً ويؤكد أن الرق كان على وشك الانهيار “ولكن ليس لأسباب إنسانية” ويوضح أيضاً أن هذا النظام كان في طريقه إلى الزوال حتى قبل إلغائه وأن السخرة كذلك كانت تقف حائلاً دون التنمية الصناعية التي تتطلب عمالاً أحراراً ولهذا كان إلغاء تلك السخرة شرطاً لحراك العمل الحر ويجمل القول بأن العمل المقيد انتهى لا لأسباب اقتصادية حصرية ولا أيضاً لأسباب أخلاقية بل لعدم مواءمته مجتمع السوق القائم على تحقيق المصلحة الفردية بالعمل الحر[62] ولهذا يمكن القول إن الغرب قضى على الرق بعدما استنفد أغراضه منه أو على الأقل بعدما تيسر له البديل الأفضل وهو العمل الحر الذي لم تكن ظروف عماله في البداية أفضل من أوضاع الرقيق وبعدما تاجر الغرب بأعداد كبيرة من الأفارقة في غضون أربعة قرون من النهضة والأنوار والإنسانية الغربية ما يفوق عدد من تاجر به المسلمون في أكثر من اثني عشر قرناً[63]خرج على العالم بعدها بفكرة القضاء على الرق وكما هجرت بريطانيا السياسة الحمائية في تجارتها الخارجية وتبنت مبادئ التجارة الحرة بعدما وصلت صناعاتها إلى مستوى تنافسي قوي وأصبحت في حاجة للتجارة الحرة مع مستعمراتها وبقية العالم للحصول على المواد الأولية التي لا يوجد لها منافس بريطاني مما جعل الرسوم الجمركية عبئاً عليها فألغت الحماية وفرضت حرية التجارة على العالم دون الأخذ في الحسبان درجات تطور المجتمعات الأخرى التي خسرت بالطبع من هذه الممارسة حتى أن بعضها فرضت عليه التجارة الحرة بالأفيون بالقوة المسلحة كما حدث في الصين سنة 1839 وسنة 1856 أقول كما فعلت بريطانيا ذلك في ميدان التجارة حيث انتفت الدوافع الأخلاقية فعلته في ميدان الرق وتجارته بعد استنفاد مبرراته الاقتصادية لديها دون مراعاة لأحوال بقية المجتمعات ومدى استعدادها واتخذت من إسقاطها التجربة الغربية المخيفة في هذا المجال على تجارب الآخرين مبرراً أخلاقياً لفرض توجهاتها على بقية العالم مع أن الرق في العالم غير الغربي لم يكن يشترك مع الرق في العالم الغربي إلا بالاسم فقط وقد اتضح هذا الضرر المتأتي من بقاء الرق في الولايات المتحدة على الولايات الشمالية غير الخصبة والتي لم تكن تستفيد من مؤسسة العبودية اقتصادياً وكانت تفضل حماية منتجاتها الصناعية وهو ما يرفضه الجنوب الخصيب المعتمد على تصدير المنتجات الزراعية من عمل الرقيق ومن ثم فهو المتضرر من فرض الحماية الجمركية لصناعات الشمال وتم القضاء على الرق فيه بالحرب الأهلية (1861-1865) ليحافظ الشماليون على بقاء الاتحاد منسجماً بنظام واحد.
      2- اتخذت محاربة الرق كما تتخذ في يومنا هذا شعارات عامة كمحاربة الإرهاب وسيلة في صراع النفوذ بين القوى الكبرى وللتدخل في الشئون الداخلية للآخرين وهناك ظواهر عديدة لهذا منها مثلاً أن بريطانيا اتخذت من موقف البرتغال المؤيد لتجارة الرقيق “مبرراً أخلاقياً للتدخل في الشئون الاستعمارية البرتغالية” كما تقول المؤرخة جيل دياس في كتاب The Age of Empires (ص 84) ومنها أيضاً أن بعض الدول الكبرى (بريطانيا والولايات المتحدة) استخدمت العبيد المحررين لإقامة كيانات استيطانية-على غرار الكيان الصهيوني فيما بعد-في غرب إفريقيا (سيراليون وليبيريا على التوالي) لفرض نفوذها ومحاربة بعضها البعض ومحاربة النفوذ الفرنسي هناك أيضاً وقد تسبب استيطان العبيد المحررين في اضطرابات اجتماعية كثيرة في تلك المنطقة بين المستوطنين “العائدين” إلى أوطانهم-كما حلا للغرب أن يصورهم -والسكان الأصليين الذين لم يتقبلوا فرض حكم الوافدين عليهم وما زالت آثار ذلك إلى اليوم منذ إنشاء تلك الكيانات في القرن التاسع عشر ويذكر الدكتور عبد المالك التميمي أن الوثائق البريطانية كانت تضخم ظاهرة التجارة بالرقيق في الخليج والجزيرة العربية لتبرر تدخلاتها على أسس إنسانية ويقدم أرقاماً موثقة لأعداد الرقيق المتاجر بهم في بداية القرن العشرين بما يجعل تدخل دولة عظمى لإنهاء هذه”الظاهرة” محل شكوك المراقب الذي يعجب من “التحذير من خطورتها وضرورة مواجهتها” في مسقط مثلا فتتحرك الأساطيل لأجل القضاء على تجارة لا يتعدى معدل ضحاياها عشرة أفراد في العام[64] ويذكر المؤرخ هوبزباوم أن الحملة البريطانية على تجارة الرقيق والتي لبت مطالب التوجهات الإنسانية داخل بريطانيا استُخدمت أيضا في تلبية متطلبات المصالح الاستيراتيجية للبحرية البريطانية “التي عززت احتكارها العالمي” مؤكدا على اقتران الدوافع الإنسانية الخيرية بالدوافع الاقتصادية “في الوقت نفسه”[65] وهو ما يجعلنا لا نتوقع الخير ما لم تتوفر دواعي المنفعة التي قد تقود إلى عمليات تدمير إذا دعت الحاجة وهذا ما حصل في تاريخ الحروب الغربية الكبرى والتي وصفها المؤرخ جيرمي سولت بالقول إن “أكثر الصراعات تدميراً في تاريخ العالم كانت الحروب القومية والإمبريالية-الاستعمارية-والعالمية التي بدأتها الحكومات الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين”[66].
      3- لم يؤد اختفاء الرق إلى اختفاء الاستغلال الغربي للعالم فقد استمرت معه وبعده عمليات الاستغلال الاستعماري واستعباد الشعوب سياسياً واقتصادياً بطرق جديدة أكدت أن الاستغلال اتخذ أشكالاً جديدة وعصرية بدلاً من أسلوب الرق البالي ومن ذلك مثلاً أن بريطانيا لجأت بعد إلغاء الرق إلى استبدال “استيراد العمال من دون عقود استخدام من آسيا” به وذلك للعمل في المزارع الضخمة الباقية[67] وتسمي المؤرخة كاثرين كوكري العمل التعاقدي في خليج بنين الذي عوض الرق بشكل كامل بالعبودية الخفية التي أدت إلى تفجير فضيحة دولية في مطلع القرن العشرين[68] ويشير المؤرخ إيليكيا مبوكولو إلى مركب المنفعة في إلغاء الرق بقوله إن “العمل القسري هو الوريث المباشر للعبودية التي كان إلغاؤها أحد المسوغات الرئيسة لوجود المستعمرين” ويسرد جانباً من فظاعات العمل الإجباري[69]التي لم تكن تقل عن الرق في الإجرام وذلك ما يؤكده المؤرخ مارك فرو بقوله إنه مع إلغاء تجارة الرق ثم الرق نفسه كان عصر استعماري جديد في إفريقيا نفسها يجد أحد مبادئ شرعيته في الكفاح ضد تجارة الرقيق حيث عوض الرق بنوع من العمل القسري وإن القوى الاستعمارية كانت تتقاسم إفريقيا “بحجة أنها جاءت إليها لوضع حد لتجارة الرقيق باسم الحضارة” وهو ما أكده الكاتب البريطاني كليفورد لونجلي بقوله إن الطريقة الوحيدة لضمان القضاء على تجارة الرقيق كانت هي جعلها تجارة غير قانونية وفرض القانون وكان هذا يعني الاستعمار [70] ويكفي أن ننظر نظرة سريعة على جرائم الاستعمار بأشكاله الاستيطانية والاقتصادية والسياسية لنعرف أن المجرم لم يتغير وإنما غير جلده فقط ومن الأمثلة المثيرة للسخرية أن يقوم الإنجليز باحتلال مصر واستعباد شعبها وإلحاق اقتصادها ثم يعملون على تحرير الأرقاء فيها[71] أي أنهم حرروا أفراداً واستعبدوا شعباً أو استخدموا حجة تحرير الأفراد ليستعبدوا بها شعباً كاملاً ومرة أخرى نجد النموذج الأمريكي أوضح مثل على ذلك حيث قام أبطال تحرير الرقيق في الحرب الأهلية بشن الحروب المتواصلة على وجود السكان الأصليين وحريتهم في الفترة التي أعقبت الحرب مما أدى إلى استئصال قبائلهم التي أصبحت على شفا الانقراض على أيدي أبطال الحرية أنفسهم.
      ليس المقصود من كشف الحساب هذا تبرئة الذات أو مدحها أو إلقاء التبعة الأخلاقية لأخطائها على الآخرين أو الدفاع عنها بالهجوم على الغير كما يظن البعض[72] المقصود بكل دقة هو عدم القبول بدروس أخلاقية من أطراف لا يدل سجلها التاريخي على أهليتها لفرض نموذج أدى إلى عذابات كبرى للآخرين وأن الأجدر بها أن تترك دورات الاجتماع تأخذ مجراها وألا تقطع الطريق على أي تطور حضاري أثبت في يوم ما قدرته على القيام بأعباء العدل بين البشر وفقاً لشهادات من خارج إطار أتباعه ولهذا فإن العثمانيين لم تبهرهم التجربة الغربية في هذا المجال وكانوا يؤمنون بتفوق نموذجهم الأخلاقي على النموذج الغربي رغم تفوق الغرب العلمي والاقتصادي والعسكري[73] وكثيراً ما حاولوا الفصل بين التجربة الغربية وتجربتهم في هذا السياق وحمل هذا العبء أحياناً عثمانيون من غير المسلمين ممن مثلوا الدولة في المحافل الدولية[74].
      لقد أخذ التطور التدريجي مداه في المجتمعات الغربية حتى في مسألة الرق الذي استمر قروناً طويلة ثم ظلت التفرقة العنصرية مستمرة بعد إلغائه قرناً من الزمن في الولايات المتحدة لتستوعب دورة المجتمع الداخلية التغيرات الجديدة وظلت أشكال أخرى من الاستغلال مسلطة على العبيد المحررين مما وضعه بعض المؤرخين على مستوى العبودية السابقة وسموه “عبودية باسم آخر”[75] كما تطلب الأمر كثيراً من الكفاح ليثبت ذو الأصل الإفريقي إنسانيته حتى في المجتمع الشمالي الذي حرره من الرق الجنوبي ولكنه مع ذلك أبقى على التمييز ضده واضطهاده[76]مما يؤكد طبيعة الدافع النفعي-وليس الإنساني-للتضحيات الجسيمة التي قدمها الشمال في حربه ضد الجنوب والتي استهدفت منع الانفصال عن الاتحاد وليس إلغاء العبودية التي أعلن الرئيس لنكولن استعداده لقبولها مع بقاء الاتحاد ولهذا سميت الحرب الأهلية بحرب الانفصال بعد إصرار الجنوب على الاستقلال ولهذا فإن من حق المجتمعات غير الغربية أن تأخذ فرصها في التقدم وفقاً لدوراتها الاجتماعية الخاصة كما أخذت المجتمعات الغربية فرصها كاملة للتطور التدريجي دون تدخلات فجة من الخارج تعطل مسيرتها لاسيما أن مسيرة التطور المستمر فتحت الأبواب لزوال أشكال عفى عليها الزمن من الرق في المجتمع العثماني بلا تدخل خارجي[77] كما نشأت حاجات مستقلة جديدة حتمت إلغاء تجارة الرقيق في مصر مثلاً دون ضغوط أو مشاعر مناوئة للرق[78] هذا بالإضافة إلى العنف الاجتماعي الذي هدد عملية الإلغاء الفوري[79]وهو عنف لم يؤد إلى النهاية السعيدة المرجوة-هذا لو كان تحرير الرقيق هو الهدف فعلاً- حتى بعد الدمار الذي سببته الحرب الأهلية في أمريكا مع إمكان الاستفادة من التجربة الغربية إن رغبت في ذلك المجتمعات الأخرى وجذبها نموذج ما مفيد فيها ولكن من مسافة بعيدة وليس بالتدخلات الفجة والاستعمار بالقوة ولكن يبدو أن هذه الأمنيات بعيدة عن صلب الفلسفة النفعية الغربية.
      لقد قامت في الدولة العثمانية حركة للقضاء على الرق بدعم حكومي يقدم الإعانة المالية لنظام المكاتبة الشرعي لتحرير العبيد[80] وتميزت قرارات الباب العالي بالتعاطف مع أوضاع الرقيق[81] والمهم أنه بعد الحملات البريطانية التي رفعت شعار إنهاء تجارة الرق الإفريقي وقبلتها الدولة العثمانية عندما كانت علاقاتها وثيقة بالغرب بعد حرب القرم (1853-1856) حين أيدت بريطانيا وفرنسا العثمانيين ضد روسيا ومن ثم كان الحفاظ على العلاقات الغربية من الأولويات العثمانية[82] نشأت لدى العثمانيين بعد ذلك مصلحة داخلية بإنهاء الرق بين اللاجئين الشركس الوافدين إليهم هربا من الاضطهاد الروسي[83] ورفضت الدولة العثمانية أي تدخل بريطاني في شئون إنهاء هذا الرق الذي حرص العثمانيون على أن يظل قضية داخلية وألا يطلعوا أي مسئول بريطاني على سير الأمور فيها[84] كما يسجل للعثمانيين أن بريطانيا لم تحاول أن تفرض عليهم تحرير الرقيق في بلادهم[85]رغم أن ذلك كان من ضمن وسائلها السياسية للتدخل في شئون الآخرين وفي النهاية تم القضاء على الرق بأشكاله المختلفة بشكل تدريجي داخل أراضي الدولة العثمانية[86].
      توطين العشائر البدوية في الدولة العثمانية يثبت أهمية التدرج في عملية التغير الاجتماعي
      هذا وقد طبعت صفة التغير التدريجي تجربة اجتماعية أخرى داخل المجتمع العثماني وأثبتت نجاحها المبدئي وفعاليتها أكثر من تجربة أمريكية مماثلة اتسمت بطابع العنف الدموي وهذه التجربة هي عملية توطين العشائر البدوية التي قامت بها الدولة العثمانية بشكل تدريجي لم يخل من العنف ولكن هدفه النهائي كان العمل على تحويل حياة هؤلاء البدو إلى الاستقرار وممارسة الزراعة بدل التنقل والغزو والنهب وهذه العملية تزامنت مع الحروب العنيفة التي شنتها الولايات المتحدة على العشائر الهندية متسترة بذريعة واهية هي تعليمهم الحضارة والاستقرار بدل التنقل مما تكشف كذبه من النتيجة النهائية لهذه العملية التي أسفرت عن إبادة السكان الأصليين وحشر بقاياهم في محميات قاحلة بعد الاستيلاء على أراضيهم وثرواتها بالعنف الدموي المسلح في الوقت الذي كانت عملية فرض الاستقرار التدريجي في محيط مدينة حلب مثلاً تتم “بقدر كبير من النجاح” في تراجع التهديدات القبلية على الأمن وفي انتشار الزراعة كما يقول المؤرخ نورمان لويس[87] ولم يكن هذا على حساب البدو بل بأيديهم التي أصبحت تزرع وتدفع الضرائب للدولة بانتظام.

      اهتمت الدولة العثمانية بتوطين العشائر البدوية ويقدر الأستاذ بشير موسى نافع تقديراً تقريبياً أن نسبة البدو من مجموع سكان ولاية بغداد انخفضت بين سنتي 1867-1890 من 23% إلى 11% وأن نسبة العشائر المستقرة ارتفعت بين سكان الولاية من 35% سنة 1867 إلى 55% سنة 1905 وأكد قيام الدولة بجهود حثيثة لتوطين العشائر منها مد العمران (بناء العمارة والناصرية مثلاً) ووسائل الاتصال والقوة العسكرية ونشر الأجهزة الإدارية وبناء وسائل الري وتسجيل الأراضي ونشر التعليم وإنشاء مدرسة العشائر في استانبول زمن السلطان عبد الحميد (1892) لاستيعاب أبناء الزعماء والوجهاء وتهيئتهم لتسلم المناصب[88] ويضع المؤرخ دونالد كواترت استقرار العشائر من أهم الأسباب لتوسع الزراعة في الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر وبما يفوق أهمية الطلب الخارجي على المنتجات العثمانية[89] أما في الأراضي غير الزراعية فقد كان مد السكك الحديدية وما رافقها من عمران وبنية تحتية داخل الصحراء حول المحطات من أهم دوافع اتجاه العشائر نحو السلوك السلمي ويورد الأستاذ مأمون بني يونس في كتاب قافلة الحج الشامي جدولاً يبين فيه تفاصيل استقرار 19 عشيرة أردنية وعملها بالزراعة وتربية الماشية نتيجة تنفيذ مشروع سكة الحجاز[90] كما بنت الدولة زمن السلطان عبد الحميد مدينة بئر السبع في فلسطين (1900) لتشجيع العشائر على الاستقرار وأمدتها بالخدمات الرئيسة[91]وكانت تخطط لمزيد من تنميتها[92]لولا النهاية المحتومة التي حلت بها بعد الحرب الكبرى الأولى.
      وعملية توطين العشائر هذه عملية طويلة وتدريجية استغرقت زمنا طويلا كما يقول نافع ويمكننا مقارنتها بالطريقة الوحشية التي عاملت بها الولايات المتحدة العشائر الهندية حين قامت بشن الحروب عليها وإفنائها والاستيلاء على أراضيها وحصر بقاياها في معازل قاحلة في نفس الفترة التي كان العثمانيون يوطنون عشائرهم في ظروف مؤاتية وبينما كان الخط الحديدي القاري الأمريكي(1869) وسيلة إبادة لمصدر رزق الهنود (ثور البيسون) تمهيدا لتجويعهم ودفعهم للاستسلام بالعنف للأمة الأمريكية “المتحضرة” كانت سكة حديد الحجاز عند العثمانيين “المتخلفين” مصدر ازدهار لعشائر الصحراء وكان”التحضر” البريطاني هو الذي عطل هذه العملية عندما قام لورنس وثواره العرب بتدمير هذه السكة اثناء الحرب الكبرى.
      تقليص آثار الامتيازات الأجنبية: الجنسية الأمريكية بين الأمس واليوم
      شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر ما وصفه المؤرخ إريك هوبزباوم بأنه بداية أضخم هجرة للشعوب في التاريخ[93] إذ غادر الملايين أوروبا بشكل خاص وتوجه معظمهم إلى الولايات المتحدة وكان للدولة العثمانية نصيب وإن لم يكن كبيراً من المهاجرين يبلغ عددهم في نصف قرن مليوناً ومائتي ألف أي 5% من مجموع السكان مقابل ستة ملايين من إيطاليا مثلا يمثلون 18% من سكانها[94] والذين غادروا إلى الولايات المتحدة باحثين عن الارتقاء الاجتماعي أو فارين من التجنيد الإجباري الذي حاولت التنظيمات الخيرية التغريبية تعميمه على المسيحيين من السكان العثمانيين وما يهمنا في هذا المجال تعامل الدولة العثمانية مع ظاهرة جديدة من التغريب الاجتماعي وهي الجنسية الأمريكية التي حملها أولئك المهاجرون وعاد قسم كبير منهم إلى بلادهم بها.

      وقد جاء في تقرير أمريكي كتب سنة 1904 أن الحكومة العثمانية لا تعترف رسمياً بالجنسية الأمريكية التي يحملها المهاجرون من أصل سوري ويشكو التقرير من أن “عدداً كبيراً من هؤلاء المواطنين الأمريكيين من أصل سوري يخلعون عباءة المواطنة الأمريكية عندما يبحرون من الولايات المتحدة لزيارة سوريا فيحصلون على جوازات سفر تركية من نيويورك أو مارسيليا ويفترض أن يكون مرجع ذلك إلى أن القناصل الأتراك الذين يتلقون تعليماتهم من بلادهم لا يعترفون بصلاحية شهادات الجنسية الأمريكية التي يحملها هؤلاء حسب جوازات سفرهم ويرفضون منحهم تأشيرات الدخول” [95] ونذكر بأن هذا حدث في زمن تسلط الامتيازات الأجنبية على قوانين الدولة العثمانية مما يؤكد الرفض العثماني لاستمرار هذا التسلط وسعي الدولة المستمر للخلاص من هذه القيود حين تلوح أية فرصة ونقارن هذا بالمكانة المتميزة التي اكتسبتها الجنسية الأمريكية خاصة وبقية الجنسيات الغربية عامة في عالم دول الاستقلال التجزئة إذ حصلت على تقدير مواز إن لم يزد على ما كانت تمنحه الامتيازات في السابق رغم أنها ألغيت رسمياً في العالم المعاصر فأصبح أي مواطن عربي يحلم بتغيير جنسيته للحصول على فرص الحياة والحماية من النوائب وأصبح حامل الجنسية الأمريكية يلقى في وطنه الأصلي من المعاملة الكريمة بل التفضيلية ما لم يكن يحلم به وهو يحمل جنسية وطنه ومن المضحكات المبكيات أن هذه المعاملة التفضيلية لا يحصل عليها أحياناً إلا الأمريكي”الأصلي” أي ليس العربي حامل الجنسية الأمريكية الذي إذا اكتشف أمره سحبت المزايا منه(!)
      أثر التغريب في الأحوال الشخصية وقوانين الأسرة
      من المشهور أن حقل الأحوال الشخصية ظل بمنأى عن عملية التغريب الاجتماعي ولكن التغريب في هذا الحقل حدث بصورة أخرى نتجت عن مركزية الدولة التي تم بحثها في دراسة سابقة فقد نتج عن هذه المركزية أن عملت الدولة على توحيد القوانين المعمول بها داخل أراضيها بشكل خرج عن التقليد العثماني بل الإسلامي التاريخي عموماً الذي كان يترك للقاضي المرونة في التعاطي مع القضايا وعدم التقيد بحكم مركزي لتحقيق العدل ومصالح التوافق الاجتماعي[96] وهو ما أثرى الثروة الفقهية الإسلامية وإن أصبح هذا التنوع إرباكاً لكثير من أصحاب التوجهات التغريبية الذين لا يفهمون طبيعة اتساع أي بناء قانوني في العالم أو يتصيدون الأخطاء في غير موضعها حين شنوا الهجوم على هذا الثراء التشريعي مدعين أن ليس هناك بناء إسلامي شرعي محدد وصاروا يناوئون الشريعة من هذا الباب الاختزالي غير المتخصص.

      صور سلبية أخرى عن المجتمع الإسلامي العثماني:
      وضمن الحملة الاستشراقية التي اقترحت في دراسة سابقة (فلسطين الهندية الحمراء) تسميتها بالاستئصال بدلاً من الاستشراق اشتقاقاً من شمولها جميع السكان “الأصليين” في البلاد خارج الغرب الأوروبي وليس”الشرقيين” وحدهم -أي أن مصدر الاشتقاق هو كلمة “أصل” وليس كلمة “شرق”- واشتقاقاً أيضاَ من هدفها العدواني –أي “الاستئصالي”- ضد هذه المجتمعات لصالح المشروع الغربي أقول ضمن هذه الحملة قام التغريب الاجتماعي بتشويه صورة المجتمع الإسلامي الذي مثله العثمانيون في مراحله الأخيرة تناسى فيها الغرب عوراته الذاتية الكثيرة ورفض رؤية الحقائق كما هي وكما وثقها مؤرخوه بعد فوات الأوان –كالعادة دائماً-زاعماً البدائية والتوحش والاستبداد في المسلمين وحدهم في المجالات التالية تمهيدا لاقتلاع هذا المجتمع والسيطرة عليه وتمرير المخططات الغربية ضده دون أن يعني ذلك بناء مجتمع متكامل آخر وفق المبادئ الغربية مكانه:
      1- التجنيد في المجتمع العثماني:وجهت التهم من الغربيين وأنصارهم إلى طريقة التجنيد القديمة التي اتبعها العثمانيون في بداية عهدهم وكانت تقضي بفرض ضريبة “الدوشرمة” على المجتمعات الأرثوذكسية البلقانية لتقدم نسبة من فتيانها ليجندوا في الجيش الإنكشاري العثماني وعن نظام الجيش الإنكشاري يقول المؤرخ ستانفورد شو في كتاب تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة إنه من السهل في زمننا أن ندين نظام ضريبة الدوشرمة الذي كان يفرض انتزاع نسبة من الفتيان الأرثوذكس من أسرهم وإلحاقهم بالجيش الإنكشاري العثماني بعد تغيير دينهم إلى الإسلام ولكن علينا أن نزن هذه الممارسة بموازين القرن السادس عشر وسنجد أنها كانت توفر مجالاً مرناً للحراك الاجتماعي يمكن فيه لأصحاب المواهب أن يصعدوا إلى أهم المناصب في الدولة ولهذا كان هناك آباء من المسيحيين والمسلمين أيضاً يقدمون الرشوة لإرسال أبنائهم ضمن الدوشرمة تبعا للإغراءات الشديدة التي يقدمها الصعود الاجتماعي[97]الذي يمكن لصاحبه أن يصل إلى درجة الصدر الأعظم خلف السلطان مباشرة وفي هذا يقول كواترت إن نظام الدوشرمة أتاح الفرصة “للآلاف من أبناء الفلاحين المسيحيين لشغل أرفع المناصب العسكرية والإدارية والشيء نفسه يمكن أن يقال عن أبناء العشائر التركية الفقيرة”[98] ويقول المؤرخ جودفري جودوين في كتابه عن الإنكشارية إن أفراد الإنكشارية لم يكونوا يفقدون صلاتهم بأسرهم وكانوا يقدمون الرعاية لها ويتصلون بها باستمرار في قراها الأصلية ولم يكن هذا النظام يلقى مقاومة تذكر في البلقان وهو نظام قديم وجد قبل العثمانيين بزمن طويل[99] وهذا مما يؤكد وجوب وضع الأحداث في سياقها الزمني وليس وفقاً لعصور لاحقة وإذا كان بإمكاننا الاعتراض على هذا النظام فإن ذلك سيكون وفقاً للمبادئ الإسلامية كما يقول المستشرقان جب وبوون في كتاب المجتمع الإسلامي والغرب[100] وليس هناك مجتمع مثالي خال من العيوب التي علينا التعلم منها قبل تبريرها أو تجريمها وقد توقفت ضريبة الدوشرمة في دورة الاجتماع الإسلامي في بداية القرن الثامن عشر(1704)[101]وعاشت الدولة العثمانية بعدها أكثر من قرنين دون ممارستها وهو ما يؤكد أن من حق الأمم أن تأخذ مجرى حياتها فتصحح أوضاعها دون تدخلات خارجية فجة كما حدث مع الغربيين داخل بلادهم أما الغرب فإنه لا يحق له إلقاء دروس أخلاقية في وقت قامت فيه نهضته الصناعية على استغلال عمل ملايين الأطفال في ظروف مزرية أصيب فيها أعداد هائلة منهم بالإعاقات بل الوفاة وأيضاً استغل الأطفال في الحروب الطاحنة ومازالت الصور ماثلة لكثير منهم ممن شاركوا في الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) التي يفخر الأمريكيون بإنجازاتها وبقائدها ويشبهونه بالمسيح إلى هذا اليوم دون أن تعيق هذه العيوب عملية الإعجاب هذا بالإضافة إلى استغلال أطفال العبيد الأفارقة في مزارع العالم الجديد مع ملاحظة أن هذه الجرائم تمت في عهد النور والحرية والإنسانية والديمقراطية الغربية وليس في عهود”الظلام” الذي يصفون به كل ما عدا الغرب ولكن من يبحثون في تاريخنا همهم تصيد الأخطاء خلافاً لباحثي التاريخ الغربي.

      أما التجنيد الحديث فقد وجه إليه أنصار التغريب من العرب الكثير من النقد لأن الدولة العثمانية كانت تنقل الجنود العرب بعيداً عن “بلادهم” إلى جبهات القوقاز والبلقان فيموتون في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل كما يقول أصحاب هذا الرأي الذين لم يثبتوا لنا انتصار العرب لما ظل جنودهم مرابطين في بلادهم في عهد الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية وظلت الهزائم تلاحقهم بعدما فقدوا المجال الموحد الذي كان يجمعهم مع إخوة لهم يدافعون عن بعضهم البعض في مواجهة عدوان الغرباء وكما مات العرب دفاعاً عن الدولة فقد مات الأتراك دفاعا عن العرب أيضاً في زمن كان الإسلام هو الوطن ويذكر المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي على سبيل المثال استشهاد عشرة آلاف تركي في الهجوم الفرنسي على الجزائر[102]مع أن المعركة كانت خاسرة وقد ظل الجيش العثماني بكل مكوناته يتمتع بسمعة رفيعة لشدة جنوده الذين كان لهم دور حاسم في التصدي للجيش الروسي أخطر أعدائهم بالإضافة إلى بقية الأوروبيين وفي الحيلولة دون تفكك دولتهم العثمانية أو إرجاء هذا التفكك على الأقل وذلك كما يقول المؤرخ هوبزباوم[103] ويؤكد المؤرخ البريطاني بيتر مانسفيلد إنه عندما اندلعت الحرب الكبرى الأولى (1914 عندما كانت الدولة العثمانية في آخر أيامها وأضعف حالاتها) لم يكن أعداء العثمانيين يشكّون في “بسالة وإقدام وشجاعة الجنود الأتراك في الحروب إلا أنهم فوجئوا بأدائهم المتطور وازدياد معارفهم في فنون القتال كما أن جاهزيتهم العالية في خوض الحروب الحديثة فاقت التوقعات” وهو ما يؤكده المؤرخ الأمريكي مايكل أورين بقوله إن الجيش العثماني ظل حتى لحظاته الأخيرة في الحرب الكبرى الأولى أبعد ما يكون عن الهزيمة[104]وهي صفات لا تنطبق على أي جيش عربي في عهد التجزئة.
      وإذا كانت الدولة العثمانية قد فرضت التجنيد على رعاياها المسلمين الذين تمثلهم بصفتها الإسلامية فقد كان الغرب الاستعماري الذي يعجب أنصار التغريب ولا ينقدونه في هذا المجال يعتمد اعتماداً كبيراً في جيوشه على تجنيد مئات الآلاف من سكان المستعمرات أصحاب الدرجة الدنيا في المواطنة داخل الإمبراطوريات الاستعمارية والتي كانت تسوق الهندي للقتال في فلسطين والعراق والسنغالي للقتال في فيتنام وسوريا والمغاربي لقتال الألمان فأي ناقة أو جمل لكل هؤلاء في تلك الأصقاع؟ولماذا انفصلت قيادات التغريب عن شعوبها وشجعتها على دعم قضية الحلفاء التي كانت الشعوب تتساءل فيما يخصها بكل بساطة:لمْ تعطنا فرنسا شيئاً فلماذا نموت في سبيلها[105]؟ولماذا يكون قتال العربي دفاعاً عن الدولة العثمانية التي يعيش فيها مواطناً من الدرجة الأولى قتالاً مرفوضاً عند دعاة التغريب أما قتال العربي دفاعا عن فرنسا التي تستعمر أرضه وتنهب خيراته وتقتل أبناءه فهو القتال المقبول بل المأمور به أملاً فيما عندها من سراب؟
      2- هل كانت الأمية علامة خاصة بالمجتمع العثماني الأخير؟
      عندما تتبدل الأنظمة فإن النظام اللاحق يشيطن من سبقه ويمحو كل حسناته ويضخم كل سيئاته هذا من طبيعة البشر ولم يكن مصير الدولة العثمانية استثناء من ذلك فقد صورت المدرسة التغريبية شيوع الأمية في آخر العهد العثماني وكأنه خروج عن سنن التاريخ وقد حبس الشعوب المقهورة بالنير العثماني في ظلام الجهل أربعة قرون أو يزيد خلف ستار حديدي وهو قول يصفه كواترت بمجانبة الحقيقة مستدلاً على ذلك بكثرة المبادلات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية بين العثمانيين ودول العالم ومؤكداً أن هذا الستار الحديدي المزعوم لم يكن له وجود[106] وليس من المعلوم كيف يمكن أن تكون دولة يسري الجهل في أوصالها منذ نشأتها مع أنها وصفت حسب المؤرخين بأنها “من أعظم الإمبراطوريات في التاريخ وأطولها عمراً”[107] وبأنها”أعظم إمبراطورية إسلامية وأقواها”[108] وبأنها ظلت طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر “دولة من أعظم دول الغرب وأقواها إن لم نقل أعظمها وأقواها على الإطلاق..فقد كانت مساحتها تبلغ بضعة ملايين من الكيلومترات المربعة وكانت مصادر ميزانيتها أعظم وأثبت من مصادر أية دولة أوروبية أخرى بما في ذلك إسبانيا ومعادن الذهب فيها وكانت إدارتها الحكومية منظمة تنظيما محكماً تهدف إلى توفير الخير العام وكانت تثق بولاء شعبها وإخلاصه لها…أما جيشها النظامي فقد كان أحسن الجيوش تدريباً وكانت مدفعيتها أحسن مدفعية تملكها أية دولة وكان أسطولها يسيطر على البحر الأبيض المتوسط كله فكان السلاطين يفرضون على الدول الأوروبية أن تحسب لدولة قوية كدولتهم حسابها..” كما وصفها المستشرق الفرنسي جان سوفاجيه في كتابه مقدمة تاريخ الشرق الإسلامي[109] هذا الوصف لا يناسب دولة أمية آنذاك ويدحض صورة نمطية وانطباعاً زائفاً عن القرون العثمانية ويجعل التفسير الأقرب إلى القبول هو أن المجتمع العثماني الذي وصل آنذاك درجة عالية من الاكتفاء الذاتي التي وصلت حد وصفه بأنه “اقتصاد عالمي” قائم بذاته وفقا للمؤرخ الفرنسي فرنان بروديل[110] هذا المجتمع لم يكن محتاجاً للتطلع خلف الحدود لتلبية حاجاته في زمن كانت التجارة فيه هي الدافع الأكبر للسفر بشكل عام ولكن المتفحص في تفاصيل صورة التاريخ العثماني فيما بعد أي في القرن التاسع عشر يجد انطباعاً آخر ولكنه ليس شاذاً أيضا عن مسيرة التاريخ العالمي فالأمية كانت هي الصفة الغالبة في معظم المجتمعات في العالم المتطورة منها فضلاً عن غيرها وفي هذا يقول المؤرخ هوبزباوم إن الغالبية العظمى من الأوروبيين وغيرهم كانت غير متعلمة في عام 1840 ولا يمكننا وصف أي من الشعوب بالعلم آنذاك ما عدا الألمان والهولنديين والاسكندينافيين والأمريكان ويمكن وصف بعض الشعوب بالأمية آنذاك كالروس والسلاف الجنوبيين وكانت هناك شعوب شبه أمية كالإسبان والبرتغاليين ووصلت نسبة الأمية في بريطانيا وفرنسا وبلجيكا في أربعينيات القرن التاسع عشر إلى ما بين 40-50%[111] وهذه الحقائق يفسرها غلبة الطابع الزراعي على معظم مجتمعات العالم في ذلك الزمن وكون غالبية سكانها من الريفيين[112]الذين لا يتطلب كسب عيشهم معرفة القراءة والكتابة ومحو الأمية ولم يكن بين سكان الأرياف غير قلة قليلة من المتعلمين خارج بعض أنحاء أوروبا الغربية والوسطى وأمريكا الشمالية[113].

      ويضيف هوبزباوم إن الزمن الممتد بين 1870-1914 كان عصر التعليم الابتدائي في أكثر الدول الأوروبية[114] وفي بلد مثل بريطانيا ظل يفتقر إلى نظام للتعليم الابتدائي العام إلى سنة 1870 ولم يصبح هذا التعليم إلزامياً إلا بعد عشرين عاما من ذلك[115] وفي هذه الفترة نهض التعليم العثماني كما سنرى.
      هذه الحقائق تبين لنا الصورة الكاملة لوضع الأمية في القرن التاسع عشر حين تقدمت مجتمعات لمحوها وتأخرت أخرى وتوسطت ثالثة ولم يكن الوضع العثماني شاذاً بين هذه الأوضاع فقد أفاقت الدولة العثمانية على ضرورة نشر التعليم وقامت في عهد السلطان عبد الحميد على وجه الخصوص نهضة تعليمية وثقافية لاحظها المؤرخون وعدوها من أهم إنجازات عصره إذ تضاعفت نسبة التعليم خمس مرات على الأقل بين بداية القرن التاسع عشر ونهايته وتشير المصادر إلى وجود خمسة آلاف مدرسة ابتدائية يدرس فيها أكثر من 650 ألف تلميذ وتلميذة في نهاية القرن التاسع عشر[116] ذلك الزمن الذي بدأ العمل فيه من الصفر تقريباً ومع ذلك حقق هذا الإنجاز في وقت قصير ويجب التأكيد على أن هذه الرقام هامة في زمنها ويجب ألا تقارن بأرقام زمن لاحق أصبحت أكبر مما مضى بكثير ولكنها متخلفة عن عصرها أكثر بكثير من تخلف العثمانيين عن عصرهم ومازالت الأمية تعشش في بلادنا بأرقام وبائية بعد قرن من تسلم دولة التجزئة زمام أمورنا.
      الاستنتاج
      لقد خدم تشويه صورة المجتمع الإسلامي في مرحلته العثمانية الأخيرة أهداف أطراف عديدة فالغرب الاستعماري الذي كان يخوض صراعاً مع آخر الكيانات الإسلامية الجامعة وهو الكيان العثماني الذي كان يتصدى للأطماع الاستعمارية الغربية ولهذا كان من المصلحة الغربية شيطنة هذا المجتمع لتسهيل تمرير المخططات الغربية عليه والتي ترفع شعارات الإصلاح والتقدم فلأن المجتمع الإسلامي تسكنه الكراهية فإنه بحاجة إلى المساواة التغريبية التي ستفتح الباب للتدخل الأجنبي تحت ستار حماية الأقليات المسحوقة ولكن حتى هذا الإصلاح الذي يبتغي صبغ المجتمع الإسلامي بالصبغة الغربية يتراجع الغربيون عنه عندما يصطدم بالمصالح الغربية الكثيرة التي لا يسعدها أن يتساوى العثماني مع الأجنبي المتسلح بالامتيازات الأجنبية ولأن المجتمع العثماني دموي ويسفح دماء الأقليات فإنه بحاجة لتدخل القوى الكبرى لحماية هذه الأقليات من القتل الذي لا سبب له سوى التوحش والتعصب الإسلامي وينسى الغربيون من سفكت دماؤهم في المجتمعات الغربية في عملية نشوء دولهم القومية كما يغضون النظر عن تسبب تدخلاتهم في سفك الدم العثماني سواء المسلم أم المسيحي كما يتميز هذا المجتمع الإسلامي في نظر الغرب باضطهاد المرأة والكسل والانعزالية وكل الصفات الاستشراقية-الاستئصالية التي جعلت من الدواء الغربي هو الحل الوحيد لمشاكله وهذا بالطبع هو هدف الغرب مع احتفاظه بحق انتقاء الجرعة التي لن تجعل المسلمين في وضع يكافئ الغربيين بل يظلون في وضع التابع الأمين والعالة المهين تماماً كما يحدث في عصرنا عندما يصر الغرب على تعليمنا الديمقراطية ولو بالغزو المسلح فإذا أتت هذه الديمقراطية بعكس هواه انقلب عليها بالغزو المسلح أيضا(!) ومع وجود عيون نابهة تنبهت لحقيقة الإصلاح التغريبي منذ ظهور نتائجه الابتدائية المدمرة فقاومته ورفضت الاستمرار في السير في طريقه الملغم وراهنت على التطور التدريجي وإعطاء الدورة الاجتماعية فرصتها الكاملة للتقدم بثبات بخطى راسخة فإنه ما يزال هناك إلى يومنا هذا من يراهن على خيار التغريب المستحيل فلا استنساخ التجربة الغربية ممكن سواء بالاتفاق مع الغرب إذ سيمنع الغربيون عنا أسباب القوة في حال إذعاننا لمصالحهم كما يثبت ذلك تاريخ المذعنين منذ نشوء الدولة القُطرية إلى اليوم ولا هو ممكن بمعاداة الغرب إذ سيدمر التجربة من أصولها كما حدث في الحالات القليلة من التمرد العربي الرسمي على الإمبريالية الغربية بعدما بدأ المتمردون مسيرتهم بالاتفاق مع الغربيين كما أن الاستنساخ في حد ذاته غير ممكن في الأصل أيضا كما أثبت استيراد الحلول الجاهزة منذ عهد التنظيمات الخيرية العثمانية التي أدت إلى عكس المراد من تطبيقها فنفرت المجتمع منها.

      أما الجهات الأخرى التي عملت على تشويه صورة المجتمع العثماني فهي دول الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية التي أقامها الاستعمار الغربي وكان من الطبيعي أن تسير وفق مصالحه التي تكوّن التجزئة حجرها الأساس ويقول المؤرخ كواترت في هذا المجال إن الموقف المعادي الذي عتم على ما يتصل بالعهد العثماني لم يكن رد فعل على سياسات انتهجتها الدولة العثمانية في الماضي بقدر ما هو تبرير لبناء الدولة الوطنية المستقلة ويلاحظ أن الدول المستقلة التي قامت على أنقاض العثمانيين لم تتوقف عن التنديد بالعهد العثماني في الفترة التي كانت فيها في طور التكون وأنه ليس من الغريب أن ترفع هذه الدول شعارات قومية في وجه العثمانيين بصفتهم مسئولين عن طمس الهويات القومية للشعوب التي حكموها[117].
      والدرس الأهم من الجرح الكبير الذي خلفه التغريب الاجتماعي بين المكونات الاجتماعية المختلفة في بلادنا أن على شعوبنا أن تتعلم التعايش من تاريخنا بعيداً عن تطفل الغربيين الأغراب الذين لا يأتي من جهتهم خير.
      الهوامش
      ________________________________________

      [1] -دونالد كواترت الدولة العثمانية 1700-1922 مكتبة العبيكان الرياض 2004 ترجمة:أيمن أرمنازي ص305-308.
      [2] -برنارد لويس الهويات المتعددة للشرق الأوسط دار الينابيع دمشق 2006 ترجمة: حسن بحري ص205.
      [3] -دونالد كواترت ص306.
      [4] -نفس المرجع ص305.
      [5] -نفس المرجع ص312.
      -زاكري كارابل أهل الكتاب:التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب دار الكتاب العربي بيروت 2010 ترجمة:د. أحمد إيبش ص220-221.
      [6] -لورنس أوليفانت أرض جلعاد: رحلات في لبنان وسورية والأردن وفلسطين(1880) دار مجدلاوي للنشر والتوزيع عمّان 2004 ترجمة: الدكتور أحمد عويدي العبادي ص452.
      [7] -نفس المرجع ص453.
      [8] -Stanford J. Shaw & Ezel Kural Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, Vol. II, Cambridge University Press, 2002, p. 230.
      [9] -Andrew Wheatcroft, The Ottomans: Dissolving Images, Penguin Books, London, 1995, p. 194.
      [10] -سليم رستم باز اللبناني شرح المجلة دار إحياء التراث العربي بيروت 1986 ص6.
      [11] -دكتور حسان حلاق موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909 دار النهضة العربية بيروت 1999 ص321.
      [12] -دونالد كواترت ص261.
      [13] -نفس المرجع ص320.
      [14] – خليل إينالجيك(تحرير) التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية دار المدار الإسلامي بيروت 2007 ترجمة: د. قاسم عبده قاسم ج2ص631.
      [15] -دونالد كواترت ص159.
      [16] -خليل إينالجيك ج2ص601.
      [17] -روجر أوين الشرق الأوسط في الاقتصاد العالمي 1800-1914 مؤسسة الأبحاث العربية بيروت 1990 ترجمة: سامي الرزاز ص291.
      [18] -James Nicholson, The Hejaz Railway, Stacey International, London,2005, p. 39.
      [19] -جوني منصور الخط الحديدي الحجازي: تاريخ وتطور قطار درعا-حيفا مؤسسة الدراسات المقدسية القدس 2008 ص116.
      [20] -نفس المرجع ص65.
      [21] -سوسن آغا قصاب وخالد عمر تدمري بيروت والسلطان: 200 صورة من محفوظات عبد الحميد الثاني 1876-1909 منشورات تراب لبنان بالتعاون مع بلدية بيروت 2002 ص99.
      [22] -Donald Quataert, Social Disintegration and Popular Resistance in the Ottoman Empire, 1881-1908, New York University Press, 1983, p. 125.
      [23] -موسوعة الأديان (الميسرة) دار النفائس بيروت 2002 ص468-469.
      [24] -Stanford J. Shaw, The Jews of the Ottoman Empire and the Turkish Republic, New York University Press, 1991, p. 15.
      [25]-أنتوني بلاك الغرب والإسلام: الدين والفكر السياسي في التاريخ العالمي سلسلة عالم المعرفة(394) المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت نوفمبر 2012 ترجمة: د. فؤاد عبد المطلب ص104.
      [26] -جستن مكارثي الطرد والإبادة مصير المسلمين العثمانيين(1821-1922) قدمس للنشر والتوزيع دمشق 2005 ترجمة: فريد غزي ص36-37و298-299.
      [27] -مجموعة من المستشرقين دائرة المعارف الإسلامية دار الشعب القاهرة 1969 ج10ص78-79.
      [28] -أحمد عبد الرحيم مصطفى في أصول التاريخ العثماني دار الشروق القاهرة 1982 ص202.
      [29] -دائرة المعارف الإسلامية ج10ص80.
      [30] -نفس المرجع ج10ص79.
      -الأستاذة الدكتورة سلوى علي ميلاد القضاء والتوثيق في العصر العثماني:دراسة وثائقية أرشيفية لسجلات محكمة الصالحية النجمية دار الثقافة العلمية القاهرة 2008 ص52.
      [31] -دونالد كواترت ص213و311.
      [32] -خليل إينالجيك ج2ص535.
      [33] -جستن مكارثي ص194و299و301و433.
      [34] -دائرة المعارف الإسلامية ج10ص80.
      [35] -دونالد كواترت ص135.
      [36] -دائرة المعارف الإسلامية ج10ص80.
      [37] -دونالد كواترت ص324.
      [38] -نفس المرجع ص307.
      [39] -نفس المرجع ص335.
      [40] -جستن مكارثي ص19-24 و191 و212 و 257.
      [41] -Jeremy Salt, Imperialism, Evangalism, and the Ottoman Armenians 1878-1896, Frank Cass, London, 1993, pp. 154-155.
      [42] -Shaw & Shaw, pp. 188, 200-205.
      [43]-دونالد كواترت ص142 و 327.
      [44] -نفس المرجع ص328.
      [45]-خليل إينالجيك ج2ص537.
      [46]-Robert Aldrich (ed), The Age of Empires, Thames & Hudson, London, 2007, pp.41-42.
      [47] -دونالد كواترت ص333.
      [48] -Robert Aldrich, p. 43.
      [49] – Ehud R. Toledano, Slavery and Abolition in the Ottoman Middle East, University of Washington Press, Seattle, 1998, p. 114.
      [50] -قيس جواد العزاوي الدولة العثمانية : قراءة جديدة لعوامل الانحطاط الدار العربية للعلوم بيروت ومركز دراسات الإسلام والعالم تامبا-فلوريدا 1994 ص66و75.
      [51] -السلطان عبد الحميد الثاني مذكراتي السياسية مؤسسة الرسالة بيروت 1979 ص89.
      [52] -نفس المرجع ص193-194.
      [53] -نفس المرجع ص194.
      [54] -مذكرات السلطان عبد الحميد دار القلم دمشق 1991 ترجمة: الدكتور محمد حرب ص144.
      [55] -نفس المرجع ص127.
      [56] -Jeremy Salt, p. 153.
      [57]-خليل إينالجيك ج2ص651-654.
      [58] -ز.ي. هرشلاغ مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط دار الحقيقة بيروت 1973 ترجمة: مصطفى الحسيني ص52.
      [59] – Sevket Pamuk, The Ottoman Empire and European capitalism, 1820-1913, Cambridge University Press, 1987, pp.124,197.
      [60] -خليل إينالجيك ج2ص629-648. وأيضا:
      -عادل مناع تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني 1700-1918 (قراءة جديدة) مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت 1999 ص223.
      [61]-Ehud R. Toledano, p. 156.
      [62] – إريك هوبزباوم عصر رأس المال 1848-1875 المنظمة العربية للترجمة بيروت 2008 ترجمة:د. فايز الصياغ ص325-328.
      [63] – Ronald Segal, Islam’s Black Slaves, FSG, New York, 2001, pp. 56-57.
      [64] -أ. د. عبد المالك التميمي الوثائق البريطانية الرسمية عن منطقة الخليج العربي: رؤية نقدية مجلة حديث الدار العدد 21 دار الآثار الإسلامية 2006 ص20.(محاضرة ألقيت في 23 ديسمبر 2002).
      [65]-إريك هوبزباوم عصر الثورة: أوروبا 1789-1848 المنظمة العربية للترجمة بيروت 2007 ترجمة: د. فايز الصياغ ص217-218.
      [66] -د. جيرمي سولت تفتيت الشرق الأوسط: تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي دار النفائس دمشق 2011 ترجمة: د. نبيل صبحي الطويل ص31.
      [67]-إريك هوبزباوم 2007 ص218.
      [68]- مارك فرو(تحرير) الاستعمار: الكتاب الأسود 1600-2000 شركة قدمس للنشر والتوزيع بيروت 2007 ترجمة: محمد صبح ص470.
      [69] -نفس المرجع ص456.
      [70] -نفس المرجع ص122و125.
      -كليفورد لونجلي الشعب المختار:الأسطورة التي شكلت إنجلترا وأمريكا مكتبة الشروق الدولية القاهرة 2003 ترجمة:دكتور قاسم عبده قاسم ص16.
      [71] -روجر أوين اللورد كرومر: الإمبريالي والحاكم الاستعماري المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 2005 ترجمة: رءوف عباس ص350.
      [72] -Ehud R. Toledano, p. 144.
      [73] -نفس المرجع ص11 و117.
      [74]-نفس المرجع ص113و125.
      [75]-Douglas A. Blackmon, Slavery by Another Name: The Re-Enslavement of Black Americans from the Civil War to World War II, Doubleday, New York, 2008.
      [76] -Thomas J. Sugrue, Sweet Land of Liberty: The Forgotten Struggle for Civil Rights in the North, Random House, New York, 2008.
      [77] -Y Hakan Erdem, Slavery in the Ottoman Empire and its Demise, 1800-1909, Palgrave, 2001, p.185.
      [78] -نفس المرجع ص185.
      [79]-Ehud R. Toledano, p. 110.
      [80] -نفس المرجع ص93 وما بعدها.
      [81] -نفس المرجع ص92و105و107.
      [82]-Y Hakan Erdem, pp. 186-187.
      [83]-Ehud R. Toledano, p. 82.
      [84] -Ehud R. Toledano, pp. 34, 82, 108.
      [85] -Y Hakan Erdem, p.186.
      [86] -Ehud R. Toledano, pp. 12, 162.
      [87] -Norman N. Lewis, Nomads and Settlers in Syria and Jordan, 1800-1980, Cambridge University Press, 2009, pp. 41-45.
      [88] -بشير موسى نافع العراق: سياقات الوحدة والانقسام دار الشروق القاهرة 2006 ص156-165.
      [89]-خليل إينالجيك ج2ص606 و611.
      [90] -مأمون عبد الله أصلان بني يونس قافلة الحاج الشامي في شرقي الأردن في العهد العثماني 1516-1918 مؤسسة حمادة للخدمات والدراسات الجامعية ودار الكندي للنشر والتوزيع إربد 2000 ص168-169.
      [91] -الموسوعة الفلسطينية (القسم العام) هيئة الموسوعة الفلسطينية دمشق 1984 ج1ص474-475.
      [92] -دكتور حسان حلاق موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909 دار النهضة العربية بيروت 1999 ص226-227.
      [93] -إريك هوبزباوم 2008 ص344.
      [94] -خليل إينالجيك ج2ص534.
      [95] -شارل عيساوي التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب1800-1914 مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1990 ص129-130.
      [96]-Judith E. Tucker, In the House of the Law: Gender and Islamic Law in Ottoman Syria and Palestine, The American University in Cairo Press, 1999, pp. 184-186.
      [97] – Stanford J. Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, Vol. I, Cambridge University Press, 2000, p. 114.
      [98] -دونالد كواترت ص262.
      [99]-Godfrey Goodwin, The Janissaries, Saqi Books, London, 1997, pp. 28, 41.
      [100]-هاملتون جب وهارولد بوون المجتمع الإسلامي والغرب دار المعارف بمصر القاهرة 1971 ترجمة: الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى ج1ص63.
      [101] -Robert Aldrich, p. 35.
      [102] -لوتسكي تاريخ الأقطار العربية الحديث دار الفارابي بيروت 2007 ص188.
      [103] -إريك هوبزباوم 2008 ص215.
      [104] –بيتر مانسفيلد تاريخ الشرق الأوسط النايا للدراسات والنشر والتوزيع دمشق 2011 ترجمة:أدهم مطر ص205.
      -مايكل أورين القوة والإيمان والخيال: أمريكا في الشرق الأوسط منذ عام 1776 حتى اليوم كلمة أبو ظبي وكلمات عربية القاهرة 2008 ترجمة: آسر حطيبة ص335.
      [105]-مارك فرو ص519.
      [106] -دونالد كواترت ص149-150.
      [107] -نفس المرجع ص33.
      [108] -زين نور الدين زين نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية دار النهار للنشر بيروت 1986 ص13.
      [109] -نفس المرجع ص175.
      [110]-ثريا فاروقي الدولة العثمانية والعالم المحيط بها دار المدار الإسلامي بيروت 2008 ترجمة: د. حاتم الطحاوي ص54-57.
      [111] -إريك هوبزباوم 2007 ص265.
      [112] -نفس المرجع ص318. وأيضا:
      -إريك هوبزباوم عصر الإمبراطورية1875-1914 المنظمة العربية للترجمة بيروت 2011 ترجمة: فايز الصياغ ص184.
      [113] -إريك هوبزباوم 2008 340.
      [114] -إريك هوبزباوم 2011 ص292.
      [115] -نفس المرجع ص344.
      [116] -دونالد كواترت ص300.
      [117]-نفس المرجع ص339.


      تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

      قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
      "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
      وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

      تعليق


      • #4

        النظام القضائي الجزائري في العهد العثماني



        كان النظام القضائي في الجزائر خلال الحكم العثماني متصلاً بالحاكم، إذ يعد مصدر السلطة السياسية والقضائية، ويمكن تفويض السلطات إلى البايات والقضاة، لكن إذا كانت الأحكام التي يصدرها القضاة لا تحظى بالموافقة من قبل الحاكم فبإمكانه أن يسحب التفويض من القاضي أو الباي، وبما إن الحاكم العثماني كان من المعتنقين للمذهب الحنفي، وسكان الجزائر يتبعون المذهب المالكي، فقد جرت العادة على تعيين المفتي الحنفي من قبل السلطان العثماني، ويقوم حاكم الجزائر بتعيين المفتي المالكي، لذلك كانت هناك محكمة لكل مذهب ومن لا يقبل بحكم المفتي فبإمكانه مراجعة المجلس الكبير الذي يضم علماء المذهبين والمنسوبين إليهما وهم يجتمعون كل يوم خميس في الجامع الكبير لتدقيق كل الأحكام الصادرة قبيل تلاوتها، وأعضاء المجلس يستمعون إلى حكم الحاكم فإذا كان القرار غير مطابق للشريعة ينقض ولا يعمل به، أما إذا كان المتخاصمون من غير المسلمين فان القضاة يخرجون إلى ساحة الجامع لكي يستمعوا للخصومة، ولم يكن القضاة يحصلون على المرتبات، إنما كانوا يستحصلونها من الرسوم والمبالغ المالية عن كل عقد يسجلونه ويضعون عليه ختماً، كما إن هناك محاكم خاصة بالأسرى النصارى ومحاكم خاصة باليهود وفي حالة حدوث خصومة بين النصارى والمسلمين فإن الحاكم هو الذي يفصل فيها توخياً لعدم حصول مشاكل اجتماعية داخل المجتمع الجزائري.
        أما بشأن الجرائم الجنائية مثل (القتل والسرقة والخيانة والتآمر) فقد كانت من اختصاص الحاكم في دار السلطان أو عاصمة داي الجزائر ويقوم رجال الأمن بتنفيذ إحكام الإعدام في المسلمين غير الأتراك، وكذلك العبيد والنصارى الموقفين في السجن، أما إعدام اليهود فكان يتم حرقاً، أما عن ارتكاب جريمة قطع الطرق أو السطو المسلح، فقد كان الحكم على الفاعل بالصلب على كلاليب من حديد.


        تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

        قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
        "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
        وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

        تعليق


        • #5

          حرب الإبادة الفرنسية في الجزائر

          سطرت فرنسا في الجزائر صفحة سوداء في تاريخها الحديث فقد قرر (الجنرال بيجو) القائد العام لجيش الاحتلال تطبيق سياسة الأرض المحروقة والعمل على إبادة الشعب الجزائري وكانت حملات الإبادة قد بدأت فعلا منذ دخول الجيش الفرنسي الى الجزائر تحت قيادة الجنرال (روميجو) حاكم الجزائر العسكري قبل مجيء (بيجو) الى الحكم عام ١٨٤١م، ففي عام ١٨٣٢ أعطى القائد (روميجو) أوامره للجند بمداهمة قبيلة العوفية ليلا وإبادتها عن آخرها وتحت شعار الأرض المحروقة نجح (بيجو) في إضعاف المقاومة التي كان يقودها الأمير عبد القادر مما جعل الأمير يستسلم عام ١٨٤٧م بعد حرب وطنية قومية دامت سبعة عشر سنة وفي عهد حكم (بيجو) كتب أحد قادة حملة الإبادة قائلا: كنا نكتسح ونهدم ونحرق وننهب وندمر كل شيء… “كنت أحرق كل شيء أصادفه في طريقي، ونزلت في البليدة وأفنيت هذه القرية الجميلة… عن بكرة أبيها” ثم يضيف قائلا: “ان النساء اللواتي نأسرهن كنا نحتفظ ببعضهن بمثابة رهائن ونبيع الباقي لقاء الجياد أو نبيعه بالمزاد كما نفعل بالمواشي، وكنت أحيانًا أفرج همومي بقطع… رؤوس الرجال” ثم يقول أحدهم: “لقد كان الزوج من أذان الوطنيين الجزائريين يساوي عشرة فرنكات وكانت نساؤهم طرائد فاخرة في نظرنا، والواقع أننا عدنا وعندنا برميل مليء من الأذان التي جمعناها زوجًا فزوجًا من الأسرى”.
          واستمرت حملة إبادة الشعب الجزائري من يوم دخول الجيوش الفرنسية للجزائر ولغاية الاستقلال عام ١٩٦٢ وكانت هذه الحملات تتزامن وتشتد باشتداد الثورات والانتفاضات الشعبية ومن أشهر حملات الإبادة نذكر الحملة التي صاحبت وأعقبت ثورة (لا لا فاطمة) بجبال القبائل عام ١٨٥٧ فلم يسلم من هذه الإبادة في هذه الحملة إلا الأطفال ثم كانت ثورة الفلاحين التي تزعمها المقراني عام ١٨٧١ فازدادت حملة الإبادة شراسة وانتشارا في أغلب جهات الوطن، ثم كانت انتفاضة ١٩٤٥ التي جاءت لتؤكد للمستعمر أن الشعوب مهما سكتت على الظلم والقتل والتنكيل فهي لا تلبث أن تثور لدحر الاستعمار بمختلف أشكاله وأنواعه. وقد أباد الاستعمار الفرنسي خلال هذه الحملة خمسة وأربعين ألفًا من الجزائريين الأبرياء خلال أسبوع واحد وهو مدة الانتفاضة بمناطق الشرق الجزائري.
          أسهمت هذه الانتفاضة الشعبية في بلورة الرؤى السياسية للحركة الوطنية، ووضعتها وجهًا لوجه أمام محك التجربة السياسية القاسية مع الاستعمار فخلقت لدى رجال الحركة الوطنية بجميع اتجاهاتهم السياسية، الشعور بضرورة الوحدة الوطنية والوطن المستقل. وترجم هذا الشعور في ثورة الفاتح من (نوفمبر) تشرين الثاني ١٩٥٤ وخلال سبع سنوات ونصف، مدة سنوات الثورة التحريرية عرف الشعب الجزائري أبشع أنواع التعذيب والتنكيل والقتل الجماعي في تاريخ الثورات التحريرية في العالم حيث استشهد مليون ونصف مليون شهيد وقد جاء في مقال الصحفي الانجليزي جون جبتل أن متوسط عدد القتلى من الجزائريين في الأشهر الأربعة الأولى من سنة ١٩٥٧ زاد على ستمائة وألفي قتيل في الشهر الواحد وازداد هذا العدد ارتفاعًا بشكل رهيب بعد سنة ١٩٥٧ م حيث ازداد اشتعال الثورة شمولية وانتشارًا في كل أنحاء الجزائر بل في كل شبر منها، وقد زاوج الاستعمار في إبادته للشعب الجزائري بين الإعدام الجماعي، والتعذيب الجهنمي، والتفنن في هتك أعراض النساء.
          ومن صور التعذيب والتنكيل وهتك العرض والقتل الجماعي، التي كانت تحدث يوميا في كل أنحاء الجزائر على يد جنود الاستعمار الفرنسي وسيما رجال المضلات الذين كانوا يحاولون انتزاع الاعترافات من أفواه المعتقلين والمعتقلات بتطبيق وسائل التعذيب الجهنمية التالية كان زبانية التعذيب يأتون بالمعتقلة بعدما يتمتع بها حثالات جندهم فيجردونها من ثيابها ويربطون أطرافها بالحبال على أخشاب أعدت لهذا الغرض ثم يلصقون الملاقط الموصلة بالتيار الكهربائي في الأماكن الحساسة من الجسم بدءا من الأذان والأصابع مرورا بحلمات الثديين وانتهاء بالأعضاء الجنسية، ويطلقون التيار الكهربائي على جرعات متتالية ثم يطلقونه باستمرار حتى تتيبس الأعضاء، ويتم الإغماء ويكررون العملية عدة مرات، يتوقفون ريثما يزايل المعذبة الإغماء ثم يعاودون العملية، الى أن تفقد المعذبة القدرة على الحركة أو تموت، ومثلما كانوا يفعلون بالنساء كانوا يفعلون بالرجال.
          وهناك أنواع أخرى من التعذيب، وكانت شائعة وقت الثورة مثل مأسورة الماء، والماء والصابون، ثم دفن الأشخاص أحياء، في حفرة أعدت لهذا الغرض مع إبقاء رؤوس المعذبين معرضة لوهج الشمس، وبالقرب منهم صفائح الماء، ويتركونهم على هذه الحال حتى الموت وغالبا ما يعدمونهم بعد اليوم الثالث من التعذيب في أحيان أخرى توزع بنات الوطنيين ونساؤهم على حثالة الجنود الفرنسيين للاستمتاع بهن بحضور أقربائهن، وكل ذلك من اجل انتزاع الاعترافات من الوطنيين والثوريين التي تفيدهم في القضاء على الثورة، حسب زعمهم والعمل على خلق جو من الإرهاب، في أوساط الشعب الجزائري، قصد القضاء على الثورة ولكن خاب ظنهم وحبطت أعمالهم.
          كل هذه الأفعال والأعمال الوحشية التي ابتدعها رجال جيش الاستعمار الفرنسي جعلت من النازيين أقزامًا إذا ما قيسوا بأسيادهم الفرنسيين في ميدان التعذيب والقتل الجماعي وهتك العرض وإتيان كل المحرمات الإنسانية.
          ______________
          المصدر: عبد الأمير هويدي الحيدري – اتحاد المؤرخين العرب



          تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

          قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
          "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
          وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

          تعليق


          • #6
            مدرسة الطب في دمشق

            أنشأ الوالي حسين ناظم باشا، أيام ولايته الأولى، أول مدرسة للطب تؤسس في دمشق، في العهد العثماني. فقد صدرت أوامر الإرادة السلطانية (عبد الحميد الثاني) ١٩٠١ م، بإنشائها باسم مدرسة الحياة. وعهد إلى اللواء الطبيب فيضي باشا بتنظيمها، وعين لها أساتذة من الأستانة يدرسون فيها باللغة التركية. وكان أول مقر لها مبنى (زيوار باشا) الكائن بين ساحة عرنوس والمستشفى الايطالي، سنة ١٩٠٩ م (هدم هذا البناء نهاية عام ١٩٨٥ م). واستمرت فيه حتى نهاية عام ١٩١٣ م أيام الوالي عارف بك المارديني، حيث نقلت إلى المبنى الجديد المشيد خلف مستشفى الغربا (الوطني) ضمن حديقته، وتم تنظيمها منذ ذلك الوقت، وصارت تسميتها (مكتب الطب).
            وفي عام ١٩١٥ م إبان الحرب العالمية الأولى، نقل مكتب الطب هذا إلى بيروت، وبقي فيها حتى نهاية الحرب التي كانت تعرف في أيام السفربرلك ب(النفير العام).

            تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

            قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
            "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
            وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

            تعليق


            • #7
              مستشفى الغرباء ( الوطني) في دمشق


              تم تشييد هذا المبنى في ١٨ آذار ١٨٩٩، ضمن الأراضي التي تشغلها (مقابر الصوفية)، وبملاصقة بستان الأعجام من جهة الغرب، وفي منطقة (الشرف الأدنى). وقد بني بديلاً عن البيمارستان، لمعالجة الفقراء والأغراب. ومن هنا كانت تسميته ب (مستشفى الغربا). وبلغت تكاليف البناء ما ينوف عن ( ٨٠٠ ألف درهم)، كما بنيت عند مدخله، بركة ماء (تبرع بنفقتها رئيس المجلس الطبي العسكري الفريق عثمان باشا، من ماله الخاص، صدقةً عن روح ابنته. ولقد درست قبور كثيرة في موضع إقامة المستشفى، عدا قبر الشيخ ابن تيمية، وقبر تلميذه ابن كثير الدمشقي، القائمين في وسط مبنى كلية طب الأسنان.
              عرف هذا المستشفى في أوائل عهده، باسم المستشفى السلطاني أو الحميدي، ثم مستشفى الغربا، ثم صار اسمه في عهد الحكومة العربية ١٩١٨م – ١٩٢٠م المستشفى الوطني.


              تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

              قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
              "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
              وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

              تعليق


              • #8
                محمود الثاني مؤسس الحكومة الحديثة في الدولة العثمانية



                يمتاز عهد السلطان محمود الثاني على العهود السابقة بحرية السلاطين في العمل، لا سيما بعد أن تهدّم الحاجز القوي المتمثل بالإنكشارية في يونيو 1826م. وكان السلطان محمود الثاني قد بدأ يعمل على استعادة سلطة الحكومة المركزية في الولايات منذ حربه مع روسيا 1812م، فقد كان مصمماً على أن تكون سلطته فعلية في جميع الولايات كما هي الحال في العاصمة. فأعلن الحرب على اصحاب العصبيات، وأصحاب الحقوق المكتسبة من المتنفذين، وصمم على إخضاع العناصر المتمردة من الولاة وأرباب الإقطاعات، فأخذ بسياسة تقوية قبضة الدولة على الولايات وإصلاح الحكم المركزي في العاصمة والولايات.
                وبالرغم من الهزائم المتلاحقة التي حلّت بالدولة في عهده سواء في حربه مع اليونان أم في حروبه الخاسره مع تابعه في مصر الوالي محمد علي باشا الذي تمكن من احتلال بلاد الشام وفكر بالزحف على الأستانة وخلعه. فقد استطاع السلطان محمود إنهاء عهد المغامرين من أصحاب العصبيات وإنشاء الحكومة القوية في الولايات العربية التي تهيمن عليها العاصمة تماماً، كولايات بلاد الشام بعد جلاء قوات محمد علي باشا عنها سنة 1840م، وبغداد بعد عزل آخر الباشوات المماليك داوود باشا سنة 1830م، وطرابلس الغرب بعد عزل الأسرة القرامنلية سنة 1834م. فمحمود الثاني هو واضع اساس الحكومة الحديثة في الدولة العثمانية، الحكومة التي تزعم لنفسها حق السلطان الكامل، وهي في نفس الوقت تتكفل بأداء واجبات، وتتحمل مسؤوليات مما لم يكن للرعية عهد بها قبل ذلك.
                ومهما يكن من أمر، فقد أقبلت الدولة العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني على عهد اصلاحي جديد تميز بالإقبال على حضارة الغرب، ومما لا شك فيه أن الدولة كانت عند موته أقوى منها عند ارتقائه العرش حيث اشتدت قبضتها على ولاياتها، إذ لم يترك محمود الثاني مجالاً لظهور مغامرين وأصحاب عصبيات مسلحة وولاة خارجين على السلطنة والدولة.

                تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                تعليق


                • #9
                  علم الجغرافية والدولة العثمانية








                  كان العثمانيون بحاجة إلى المعارف الجغرافية لكي يعينوا حدود أراضيهم التي تتوسع باستمرار، ولفرض الرقابة على النشاطات العسكرية والتجارية في البحرين الأبيض المتوسط والأسود. ولقد انتفعوا من الأعمال الجغرافية الموضوعة في عهد الإسلام الكلاسيّ، ومن الأعمال ذات الأصول الغربية في تأمين هذه المعارف. ومن ناحية ثانية، استطاع الجغرافيون العثمانيون، بما أضافوه من ملاحظات، أن ينتجوا مؤلفات ذات أصالة كذلك. ثم تضاءلت أهمية الطرق التجارية في البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما بسبب التفاف الأوربيين حول رأس الرجاء الصالح. وأدى هذا الوضع إلى التأثير سلباً في الاقتصاد العثماني، وإلى تحويل سياسة الفتح العثمانية نحو البحر الأبيض المتوسط. ونتيجة لذلك، أخذ العثمانيون يولون الأولوية للملاحة البحرية والجغرافيا.
                  وأول مصدر للمعارف العثمانية في ذلك المجال هو تقاليد سمرقند بالنسبة لعلم الفلك وللجغرافيا. لقد كانت الأعمال الفلكية والجغرافية التي ظهرت هنا في العصر الإسلامي ذات تأثير أساسي على الجغرافيا العثمانية. وخلال عهد السلطان محمد الفاتح ترجم كتاب “الجغرافيا” لبطليموس.
                  إن فحص خرائط القرن الخامس عشر التي وضعها رسامو الخرائط المسلمون، كخريطة البحر المتوسط التي وضعها إبراهيم كاتبي سنة 1416 م، وخريطة جنوب غربي أوربا التي وضعها الطبيب إبراهيم المرسيه سنة 1461 وهما بين النماذج الأولى للخرائط ذات الأصول الغربية، يدل على أن الرسامين استفادا من المعارف الغربية في رسم الخرائط. ويشير استعمال هاتين الخريطتين من قبل العثمانيين في الوقت ذاته إلى أن المعلومات الجغرافية الجديدة كانت تنقل إلى العثمانيين كذلك، بصورة غير مباشرة.
                  ومن القرن السادس عشر فصاعداً، بدأ علم الجغرافيا العثماني ينتج أعظم أعماله على يدي الأميرال بيري رئيس. وقد نشأ بيري رئيس بجوار عمه كمال رئيس، أحد مشاهير البحارة الأتراك، واشترك في عدد من الحملات البحرية معه. وحين توفي كمال رئيس سنة 1511 م، عاد بيري رئيس إلى مسقط رأسه، غاليبولي، حيث أعد أول خرائط له للعالم..
                  إن خريطة بيري رئيس التي قدمت للسلطان سليم في العام 1517 م في مصر، قد رسمت على أساس الخرائط التي أعدها الأوربيون، بما فيها خريطة كولومبوس لأميركا. وجاءت هذه الخريطة الأولى في العالم العثماني، بما فيها من معلومات تمهيدية عن العالم الجديد لتضم جنوب غربي أوربا، وشمال غربي أفريقيا، وجنوب شرقي أميركا ووسطها. وهي جزء من خريطة العالم وضعت بمقياس كبير. وهي كذلك خريطة تشير إلى المسارات البحرية وتصف الموانئ، بلا خطوط طول وخطوط عرض، مبينة السواحل والجزر، بقصد إظهار خطوط التقسيم إلى مناطق. ويعتقد – بوجه عام – أن الخرائط من هذا النوع ليست ذات أساس رياضي. ويبين البحث أن على خريطة بيري رئيس خمسة مراكز إسقاط مرسومة في المحيط الأطلسي. زد على ذلك أن رسم خطوط الطول والعرض على هذه الخريطة ممكن بسهولة كبيرة.
                  وقال بيري رئيس في الشروحات المختصرة التي كتبها على خريطته الأولى هذه، إنه استخدم لوضعها 34 خريطة سابقة، منها 20 خريطة تعود إلى عهد الإسكندر الكبير، حيث يقول إن »ربع العالم المغطى بالقارات ظاهر فيها«، وثمان منها خرائط إسلامية يدعوها الجغرافيون المسلمون بـ »الجغرافية« وخريطة عربية هندية واحدة وأربع خرائط جديدة من وضع البرتغاليين، ثم الخريطة التي وضعها كولومبوس.
                  وكان كولومبوس قد قام بأربع رحلات إلى أميركا بين 1489 و1504 م، ورسم الخرائط أثناء هذه الرحلات. ووفقاً لما قاله بيري رئيس، هنالك بحار انضم إلى كولومبوس في ثلاث رحلات، وقع أسيراً في يدي كمال رئيس، وأخذ منه بيري رئيس الخريطة، ثم استمع إليه يحدثه عن رحلاته إلى العالم الجديد. ومثل هذا الموقف يدل بوضوح على ما لدى بيري رئيس من اهتمام بالعلم. فقد بحث الأدبيات القديمة من ناحية، ثم تابع التطورات الجديدة من ناحية ثانية، وقام – بالإضافة إلى ذلك – بتدوين ملاحظاته الخاصة. وبما أن خريطة كولومبوس الأصلية لم تصلنا حتى الوقت الحاضر، فإن لخريطة بيري رئيس المبنية على تلك الخريطة قيمتها العلمية والتاريخية معاً. كذلك وضع بيري رئيس كتاباً عنوانه “كتاب بحرية” (1512 م) يشمل الملاحظات التي جمعها عبر سنوات طويلة، ومعلومات من كتب الجغرافيا في ذلك الزمن، وخرائطه. وفي هذا الكتاب يعرض بيري رئيس صوراً وخرائط لمدن على البحر الأبيض المتوسط ولسواحل بحر إيجه، ثم يعطي معلومات واسعة عن الملاحة البحرية. يضاف إلى ذلك أن عمله هذا يشمل ملاحظاته وأفكاره عن علم الفلك البحري. وفي هذه الفترة رسم بيري رئيس خريطته الثانية للعالم، وقد قدمت للسلطان سليمان القانوني في العام 1528 م.
                  إن القسم الباقي حتى الوقت الحاضر من خريطة بيري رئيس الثانية هو ذلك الذي يضم شمالي المحيط الأطلسي، والمناطق المكتشفة حديثاً من شمالي أميركا ووسطها. وبالمقارنة مع الخريطة الأولى، نجد أن الخطوط الساحلية ظاهرة بنقاء أفضل، وأن المناطق الفارغة قد ملئت، فيما تركت المناطق المجهولة فارغة. ومن الناحية التقنية لرسم الخرائط، فإن بيري رئيس يعد واضعاً لإحدى أفضل خرائط ذلك العصر؛ وإن متابعته للتطورات العلمية والاكتشافات الجديدة وترك الأماكن المجهولة فارغة، دليلان إضافيان على توجهه العلمي.
                  والعمل الآخر الموضوع في القرن السادس عشر، محتوياً على معلومات عن الكشوف الجغرافية والعالم الجديد، هو كتاب عنوانه “تاريخ الهند الغربية” ((Tarih-i Hind-i Garbi الذي لا يعرف مؤلفه على وجه الدقة؛ وقد قدم للسلطان مراد الثالث في العام 1583 م. ويعد هذا الكتاب المبني على مصادر جغرافية إسبانية وإيطالية مهمّاً، لدلالته على أن العثمانيين تابعوا الكشوف الجغرافية في الغرب. ويقع في ثلاثة أقسام، آخرها هو الأهم، إذ يبلغ ثلثي الكتاب بكامله، ويروي رحلات كولومبوس، وباليووا، وماجيلان، وكريتس، وبيزارو أثناء السنوات التي تلت اكتشاف أميركا، من 1492 حتى 1552.
                  يتناول القسمان الأول والثاني من الكتاب العالم القديم والمحيط الهندي. ومصادره مبنية على أعمال وخرائط جغرافيين مسلمين، ينقل عنهم الكاتب بكثرة. وغالباً ما ينقل عن المسعودي، أو يشير إلى ابن الوردي، والطوسي، والقزويني، والسيوطي، والإمام الرازي. أما في القسم الثالث الذي يتناول العالم الجديد، فإن المؤلف يروي معلومات من كتب الجغرافيا الأوربية من غير أن يذكر اسم الكتاب أو المؤلف.
                  وفي الثمانينيات من القرن السادس عشر يتوافر عدد لا بأس به من المصادر التي تذكر اكتشاف أميركا بالتفصيل. وهنا يمكن أن نذكر بعض العناوين العامة التي شكلت أساس ترجمته: 1 – Hystoria General de las Ludias، لفرنسيسكو لوبيز دي غومورا، وقد طبع لأول مرة بالإسبانية في العام 1522 م؛ 2 – De la Natural Historia de las Ludias، لغونزاليس فرنانديز دي أوفيدو إي فالدز، وقد طبع بالإسبانية، لأول مرة، في العام 1526؛ 3 – De Orbe Novo، لبيتر مارتير دنغيرا (بدرو مارتيير دنغييرا)، وقد طبع لأول مرة باللاتينية في العام 1516؛ 4 – Historia del Descubrimicento Y Conquesta del Peru، لأوغستين دي زاراتيه، وقد طبع لأول مرة بالإسبانية في العام 1555 م. وهنالك دليل واضح على أن مؤلف “تاريخ الهند الغربية” استخدم هذه المصادر الغربية الأربعة، إذ تتفق محتويات كتابه كلياً مع الكتب الجغرافية المطبوعة في القرن السادس عشر..
                  إن اسم المؤلف لا يظهر في أي مكان من الكتاب؛ كما لا توجد معلومات في المخطوطات العثمانية المعاصرة له أو اللاحقة، عن هذا العمل ومؤلفه. ويذكر تي. غودريتش الذي قام بأوسع الأبحاث حول هذا الموضوع أن المؤلف ربما كان عالماً جغرافياً، أو فلكياً، ولعله كذلك عمل في مرصد تقي الدين في إستانبول، إذ كان يعمل بين 1575 و1580 م؛ ولعله أنجز عمله هناك، على الرغم من انعدام الدليل الذي يثبت هذه النقطة.
                  ويعتقد غودريتش أن المؤلف حظي بمساعدة من ترجم له هذا العمل. وفي نظره أن هذا الشخص الذي ساعد المؤلف ربما كان يهودياً أو مسلماً استقر في إستانبول بعد طرده من إسبانيا.
                  وبما أن هذا العمل يروي لنا الكشوف الجغرافية التي حدثت في العام 1552 م، فإن ذلك يعطينا فكرة عن مدى قدرة العثمانيين على متابعة التطورات في الغرب.
                  ولهذا العمل نسخة يبدو أنها كتبت في النصف الأول من القرن السابع عشر، تحتوي كتابة على الهامش توفر لنا معلومات عن مصادر الكتاب. وعلى أساس المعلومات المنقولة عن كتاب بلغة أوربية، هنالك احتمال بأن يكون مصدر “تاريخ الهند الغربية” عملاً اسمه “العالم الجديد” (De Orbe Novo) لبدرو مارتير الذي كان أول من كتب عن رحلة كريستوفر كولومبوس وبما أن “تاريخ الهند الغربية” يروي أحداثاً وقعت حتى العام 1552 م، فالظاهر أن المؤلف استعان، بالإضافة إلى هذا الكتاب، بكتب أخرى تغطي فترات تالية.
                  لقد حصل الجغرافيون العثمانيون على معلومات عن الغرب والشرق معاً. وفي هذه الفترة نفسها حين لم تكن خرائط العالم الشرقي متوافرة في الغرب، كان العثمانيون – على ما يبدو – على مستوى أكثر تقدماً مما هو متوقع.
                  إن الخرائط التي رسمها الجغرافيون العثمانيون يمكن أن تقسم إلى ثلاث مجموعات. أولاً: خرائط تجمع ين المعلومات القديمة والجديدة؛ ثانياً: نسخ خرائط من أصل أوربي (لم تعد أصولها موجودة في الوقت الحاضر)؛ ثالثاً: أعمال جديدة أصيلة من وضع الجغرافيين العثمانيين. فخرائط بيري رئيس للبحر الأبيض المتوسط، على سبيل المثال، وبعض الخرائط في أطلس علي مجار رئيس، على أساس ملاحظاته، هي أعمال أصيلة جديدة. ولقد اكتشفت حتى الوقت الحاضر ثلاثة »أطالس همايونية« (أي سلطانية) يبدو أنها قدمت للسلطان؛ وقد أوردناها جميعاً تحت اسم واحد، نظراً لما بينها من تشابه..
                  وأول أطلس همايوني هو »أطلس ولتر البحري« الذي أعد – على ما يبدو – بين 1550 و1560 م؛ وهو يضم ثماني خرائط. وتضم هذه الأطالس الثلاثة خرائط البحر الأسود، والبحر الأبيض المتوسط، وشمالي أفريقيا، وجنوبي أوربا، وساحل أنجلترا، والمحيط الأطلسي؛ وخريطة العالم، بما يبلغ مجموعه ما بين سبع وتسع خرائط. ثم إن لهذه الأطالس الثلاثة خصائص واحدة تقريباً، بحيث يمكن للمرء أن يقول إن بعضها من إعداد الشخص نفسه. ومع أن بعض هذه الخرائط جديد أصلي، فإن هنالك منها نسخاً لأعمال رسامي خرائط أوربيين.
                  وهنالك اثنتان منها هما نسختان كاملتان لخريطتين أوربيتين لا وجود لهما حالياً، ولا يتغير عليها غير أسماء المواقع فقط. ولا شك في أن خريطة العالم القديمة منقولة عن خريطة لسيدي علي رئيس، باسم »المحيط« عن المحيط الهندي.
                  لقد أعدت هذه الخرائط البحرية على أساس يجمع بين المعلومات القديمة والجديدة معاً. ثم إن هذه الأطالس المرسومة على وجه التقريب في 1550 و1567 م تقوم إلى درجة بعيدة على خرائط إيطالية. كما تضم خرائط أصلية جديدة تمثل أقساماً من إستانبول وسلانيك وغليبولي.
                  والظاهر أن رسم الخرائط كان وظيفة ذات أهمية في الإمبراطورية العثمانية. ففي القرن السابع عشر كان هنالك 15 شخصاً يعملون في إعداد الخرائط في ثمانية مشاغل في إستانبول والمناطق المجاورة. ويذكر الرحالة أوليا جلبي أن هؤلاء الرسامين كانوا يعرفون لغات عديدة، كاللغة اللاتينية بصورة خاصة، كما أنهم رسموا خرائط بحرية مستخدمين أعمالاً جغرافية أوربية، ثم راحوا يبيعونها إلى البحارة. ويقول إن هنالك أعمالاً جغرافية معروفة بين العلماء السابقين في ميدان علم الفلك، مثل الأطالس الصغيرة و»بابا مونتيه« التي كانت تستخدم بصورة خاصة.
                  وفي هذا الإطار يذكر الكونت دي مارسيغلي، حين يتناول الخرائط العثمانية في القرن السابع عشر، أن خرائط تركيا، وشبه الجزيرة العربية، وإيران، وتركستان، لم تكن آنذاك موجودة في أوربا. وللحصول عليها، كان لابد من ترجمة الأعمال الجغرافية الموضوعة باللغة التركية.

                  _________________
                  الهوامش:
                  1. خليل إينالجيق، »محمد الثاني«، الموسوعة الإسلامية، المرجع السابق، 1972، ج 7
                  2. « Mursiyeli Ibrahim’in 1461 Tarihli Haritasi bir Arastirma », I. International Congress on the History of Turkish-Islamic Science and Technology, Proceedings, III, I, T.ـ ، 14 – 18 سبتمر، 1981
                  3. Piri Reis, Kitab-i Bahriye, Istanbul: Türk Tarihi Arastirma, Kurumu, 1935
                  4. The Earliest Ottoman Maritime Atlas-Walters Deniz Atlasi », Archivum Ottomanicum, XI, 1986-1988



                  تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                  قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                  "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                  وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                  تعليق


                  • #10
                    هل تعلم أن شق قناة السويس بمصر خطط له العثمانيين!!



                    كان السلطان سليم الثاني حكم (1566-1574) يخطط لشق مجرى مائي خلال “برزخ السويس” يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، وأصدر السلطان فرمانا الى والي مصر بإجراء الدراسات الهندسية والمعمارية اللازمة للمشروع، ورغم أن جده السلطان سليم الأول حكم (1512-1520) كان يرغب ايضا في تنفيذ هذه الخطة فإن ايا منهما لم يتمكن من تحقيق هذه الرغبة.
                    كما كلّف السلطان مصطفى الثالث الذي حكم (1757–1774) الرحالة الفرنسي البارون “دي توت” الذي كان بمثابة مستشار وخبير عسكري للجيش العثماني إعداد بحث لمشروع حفر قناة السويس، الا ان السلطان مات قبل تنفيذ هذه الفكرة. كان هدف العثمانيين الرئيسي من ربط البحر المتوسط والسويس من خلال قناة مائية هو حماية التجارة وطريق الحج. بالإضافة إلى حماية الأراضي المقدسة والمناطق المسلمة الأخرى من هجمات البرتغاليين، وكان شق القناة سيحيي طريق التوابل الذي ينتهي في البحر المتوسط، ويقدم طريقا مختصرا مهما إلى طريق المحيط الهندي، والذي اعتاد الأوروبيون الإبحار باتجاهه عبر رأس الرجاء الصالح.


                    يتبع لاحقاً





                    تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                    قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                    "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                    وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                    تعليق


                    • #11
                      " في زمن كان الإسلام هو الوطن "
                      كلمة استوقفتني كثيرا .
                      ان شاء الله تعود دولة الاسلام قريبا و تملا الدنيا عدلا
                      [CENTER][SIZE=4][COLOR=#000080] [B]"وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ "[/B][/COLOR][/SIZE]
                      [/CENTER]

                      تعليق


                      • #12
                        كيف ومتى وصلت انباء المأساة الأندلسية الى العثمانيين؟







                        أشار المؤرخ العربي المعاصر الدكتور عبدالجليل التميمي إلى أن أهالي غرناطة أرسلوا في سنة 1477م سفارة إلى السلطان العثماني محمد الفاتح طالبين تدخله لإنقاذهم.
                        وقد نقل ذلك عنه مجموعه من الباحثين في تاريخ الدولة العثمانية منهم د. عبدالعزيز الشناوي ود. نبيل عبد الحي رضوان. أما المصدر الذي استقى منه المؤرخ التميمي هذه الرواية هو كتاب عزيز سامح التر، وهو تركي معاصر لأواخر عهد الدولة العثمانية والعهد الجمهوري بعنوان “الأتراك العثمانيون في أفريقيا الشمالية”.
                        بينما يذكر د. عبد اللطيف الحميد في كتاب “موقف الدولة العثمانية تجاه مأساة المسلمين في الأندلس” غير ذلك بقوله: بالرجوع الى المصادر العثمانية التركية (القديمة والمتأخرة) لا نجد اي اشارة الى تلقي السلطان محمد الفاتح لرسالة او سفارة غرناطية اندلسية. ويشير بذلك الى المصادر التي ذكرت ذلك: أحمد جودت باشا – تاريخ جودت، ضيا باشا – أندلسي تاريخي، محمد شكري – أسفار بحرية عثماني.
                        ويضيف د. الحميد ” تجمع هذه المصادر على ان السلطان العثماني بايزيد الثاني ابن السلطان محمد الفاتح هو أول سلطان عثماني يتلقى نداء استغاثة ونجدة من الأندلس. وبالبحث ايضاً في أوراق الأرشيف العثماني في استانبول، وخاصة في تصنيف علي أميري الذي رتب وفهرس الوثائق العائدة لسلاطين الدولة العثمانية الأوائل، لا نجد بين هذه الأوراق ما يدل على وجود اتصال أندلسي بالسلطان محمد الفاتح.”
                        وعلى الرغم ان المصادر العثمانية تشير إلى ان الإتصال الأول كان في عهد بايزيد الثاني، فإن هناك تساؤلات تفرض نفسها. لماذا تأخر الأندلسيون في ارسال طلب النجدة الى ذلك التاريخ؟. وهل يمكن ان يكون لدى الدولة العثمانية معلومات في ارسال عن المأساة الأندلسية قبل سقوط غرناطة وبالتحديد قبل عهد بايزيد الثاني؟.
                        يجيب د. الحميد على ذلك بأن هناك اشارة يمكن ان تكون دليلا على إمكان وصول أنباء المأساة الى العثمانيين في فترة مبكرة. وهي عندما استقبلت دولة المماليك في مصر أول سفارة أندلسية في عهد السلطان المملوكي الظاهر جقمق 1440م وعندما وصل سفير غرناطة إلى بلاط المماليك، عُرضت القضية وفق النقاش التالي:
                        “يا مولانا نصركم الله، هذا كتاب من صاحب جزيرة الأندلس يشتكي لك ما أصابه من الإفرنج المجاورين له ويطلب منك نجدة تعينه بها…”.

                        وكان رد الظاهر جقمق:
                        “سأبعث إلى ابن عثمان يُعينكم إن شاء الله”

                        فقال السفير:
                        “يامولانا السلطان نصركم الله أنت هو كبير الملوك والسلاطين وخديم الحرمين الشريفين، ولم نجئ إلا الى حضرتكم وحاشاك أن تردنا خائبين”.

                        فقال السلطان المملوكي:
                        “إن بلادكم بعيدة، ولا يمكننا أن نجهز لكم عسكراً”

                        فاقترح السفير:
                        “إذا لم يمكنكم تجهيز العسكر الينا فلتعنا بالمال والعدة وما كان لله فهو يحفظه”


                        فقال السلطان: “نعم، اعينكم ان شاء الله بالمال والعدة”.
                        ويحلل الدكتور الحميد موقف المماليك وهو عزم المماليك توجيه أنظار الدولة العثمانية وتشجيعها لمساعدة مسلمي الأندلس، عندما قال سلطان المماليك لسفير غرناطة “سأبعث الى ابن عثمان يعينكم ان شاء الله” . والسلطان العثماني المقصود هو السلطان مراد الثاني الذي حكم ( الفترة الأولى 1421-1444 والفترة الثانية 1446-1451 )، وهذا يعني ان العلاقات العثمانية المملوكية حسنة وقابلة لتفاهم الجانبين لصالح الأندلسيين، وهذ اشارة كما ذكرنا سابقا ان تكون وصلت أنباء المأساة الأندلسية الى العثمانيين في فترة مبكرة.

                        ولكن رغم ذلك لا يمكن سوى الإعتماد على حقيقة أن الإتصال بالعثمانيين بشكل رسمي تم في عهد السلطان بايزيد الثاني وذلك لتوافر الأدلة وهي السفارتين: الأولى من أبو عبد الله محمد الصغير آخر ملوك بني الأحمر في غرناطة سنة 1486م، والثانية قصيدة شعر طويلة تصف حال الأندلس ومسلميها في اللحظات التي تلت السقوط مباشرة، بعثها مسلمو الأندلس سنة 1501.




                        تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                        قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                        "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                        وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                        تعليق


                        • #13
                          بين ابراهيم باشا وتماثيل الآلهة الرومانية!!





                          بعد فتح بلاد المجر سنة 1526 في عهد السلطان سليمان القانوني؛ جلب الصدر الأعظم ابراهيم باشا الذي كان يسمى حينئذٍ ابراهيم باشا المفضّل (المقبول)، من بودا (في هنجاريا حاليا) ثلاثة تماثيل تمثل شخصيات اسطورية للألهة الرومانية وهي: أبولو وهرقل وديانا وتسمى ايضا “الروعات الثلاث” وأقامها في باحة قصره الحجري.


                          أثار تنصيب هذه التماثيل في المجتمع العثماني أقاويل عديدة واتهمت الوزير الأعظم بضعف عقيدته الدينية وتمسكه بجذوره المسيحية، وانتشر في المجتمع العثماني آنذاك بيتين للشاعر “فيجاني” فيه اشارة واضحة الى ابراهيم باشا بقوله:
                          جاء الى هذا العالم ابراهيمان *** الأول حطم الأصنام، ونصّبهما الثاني

                          يقول المؤرخ التركي ايلبير اورتايلي: “أغضب هذا البيتان ابراهيم باشا كثيرا، ولعلهما كانا السبب في موت فيجاني، كانت هذه الروعات الثلاث التماثيل الوحيدة التي توضع في ساحة مدينة اسلامية ولم يقم أي حاكم اسلامي بتنصيب تمثال مرة أخرى إلا في القرن العشرين”


                          تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                          قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                          "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                          وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                          تعليق


                          • #14

                            سكة حديد الحجاز…حلم يتحقق




                            في الأول من سبتمبر عام 1908م انطلقت الرّحلة الأولى للقطار من محطة “حيدر باشا” في اسطنبول باتجاه المدينة المنوّرة. كانت لحظات استثنائية بكل معاني الكلمة، فبعد ثماني سنوات من العمل المستمرّ والشاق، وبعد تشييد سكة تمتد على مسافة 1400 كلم تحقق الحلم الذي راود السّلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بإنجاز هذا المشرُوع العظيم. لقد انبعثت سُحب الدّخان من القطار مؤذنة ببدء مرحلة جديدة يملؤها الأمل في وقت كانت الدّولة العثمانية تعيش أقسى لحظاتها وسط تآمر كُبرى القوى الدّولية. وانطلقت الرّحلة الأولى للقطار الذي تمّ تشييده بأموال المتبرّعين المسلمين وسواعدهم ومهندسيهم، إنها الإرادة عندما تَصنع المُستحيل.
                            طُرحت فكرة إنشاء الخط الحجازي أول مرة في عهد السلطان عبد العزيز الذي حكم بين سنتي 1861 و1876م، وهو السلطان الوحيد الذي قام بجولات خارجيّة إلى كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا للاستفادة مما وصلت إليه هذه الدّول من تقدم وحضارة. وكان همّ السّلطان عبد الحميد الثاني بذل كلّ ما في وسعه من جهود من أجل وقف الانهيار الذي تسير نحوه الدّولة، وإيقاف تمزّقها وبعث روح جديدة في شرايينها، ولذلك أخذ على عاتقه إنجاز هذا مشروع خط حديد الحجاز، رغم ما يتطلبه من أموال طائلة ومن جهود مضنية.
                            أوكل السّلطان عبد الحميد الثاني مهمة تنفيذ هذا المشروع العملاق لـ”أحمد عزت باشا العابد” والمعروف في التاريخ باسم “عزت باشا العربي”. ويتضمن المشروع، إنشاء خط سكّة حديد الحجاز ليربط بين خط سكة حديد الأناضول وخط سكة حديد بغداد، وكذلك تأسيس شبكة اتصال تلغرافية بمحاذاة ذلك الخط الحديدي.
                            وكان السلطان يهدف من وراء ذلك إلى خدمة حجّاج بيت الله الحرام من خلال توفير وسيلة سفر يتوفر فيها الأمن والسرعة والراحة، وحماية الحجاج من غارات البدو ومخاطر الصحراء التي كانوا يتعرضون لها في الطريق البري ومن هجمات القراصنة في الطريق البحري. كما يحتلّ الهدف العسكري مكانة مهمة ضمن أهداف الخطّ الحجازي، ويتمثل في سرعة التصدي لأية هجمات خارجية قد تتعرض لها مناطق الحجاز والبحر الأحمر واليمن، وإحكام السيطرة على البقاع الجغرافية ذات التوتّر السياسي الدائم.
                            كما أن الهدف التّجاري حاضر بقوة في هذا المشروع ويتمثل في إنعاش الاقتصاد الرّاكد بالمنطقة من خلال تحقيق نهضة تجارية واقتصادية لمدن الحجاز وكافة المدن الواقعة على امتداد الخط، وإحداث عملية رواج للمنتجات التجارية والزراعية من خلال نقلها نقلاً سريعا بالقطار إلى المناطق الأخرى. وبتحقيق هذا المشروع أراد السلطان أن يثبت للدّول التي تطمع في تمزيق الدّولة العثمانية وخصوصا الدول الأوروبية أنّ ثمة منجزات حضارية عظيمة يمكن للعثمانيين تحقيقها دون الحاجة إلى طلب مساعدتها. كما أن إنجاز هذا المشروع يعني تحقيق قدر من الاستقلالية للدولة العثمانية عن أوروبا، عسكريا وسياسيا واقتصاديا وتقنيا. فالسّلطان عبد الحميد المسكون بفكرة “الاتحاد الإسلامي” كان يبذل ما بوسعه بُغية توحيد صفوف المسلمين لمواجهة الأطماع الأوربية الاستعمارية وهجماتها الغاشمة على الدولة العثمانية.

                            كان البدء في إنشاء خط حديد الحجاز في الثاني من مايو عام 1900م، وفي الأول من سبتمبر عام 1900م، والذي يوافق العام الخامس والعشرين لجلوس السلطان عبد الحميد الثاني على عرش الدولة العثمانية، تم تدشين العمل في خط الحديد بين الشّام ودرعا في احتفال رسميّ مهيب. ووصل خط الحجاز إلى عمّان عام 1903م، وإلى معان عام 1904م. وفي الأول من سبتمبر عام 1905م اكتملت المرحلة الأولى من خطّ الحجاز، وانطلقت أولى رحلات القطار بين الشّام ومعان لنقل الركاب والبضائع.
                            وفي الأول من سبتمبر 1906م وصل الخط إلى مدائن صالح، ثم في 31 أغسطس 1908م وصل إلى المدينة المنورة. وخلال الثمانية أعوام التي جرى فيها تنفيذ خط الحجاز وصل طول الخط إلى 1464 كلم. وقد شيد المشروع في أغلبه بسواعد الجيش العثماني، كما ساهم في إنشائه عمال وافدون من أماكن إسلامية مختلفة في مقدمتها سوريا والعراق.
                            وتولّى منصب كبير مهندسي الأعمال الفنية، مهندس ألماني يُدعى “مايسنر باشا”، وعمل تحت قيادته أربعة وثلاثون مهندسا، سبعة عشر منهم عثمانيون والآخرون كان معظمهم من الألمان، بالإضافة إلى مهندسين من إيطاليا وفرنسا والنمسا وبلجيكا واليونان.
                            وبعد وصول الخط الحديدي إلى محطة مدائن صالح أصبح الجزء المتبقي من الخط داخل حيّز المنطقة الحرام. ولما كان من المحظور شرعاً دخول غير المسلمين إلى هذه المنطقة، فقد جرى إنشاء الخط الواقع بين مدائن صالح والمدينة المنورة كله بأيدي مهندسين وعمال مسلمين. وفي المراحل اللاحقة اكتسب المهندسون العثمانيون الخبرة اللازمة، ولذلك قلّت أعداد المهندسين الأجانب في المراحل المتقدمة.
                            عمل في المشروع نحو خمسة آلاف عامل معظمهم من الأتراك وبعضهم من العرب وبعضهم من أجناس مسلمة أخرى. ولا شك أن قيام الجنود العثمانيين بالعمل في هذا المشروع خفض كثيراً من النفقات، كما كان لتديّن الجنود العثمانيين وحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم دوره البالغ في إنجاز هذا العمل في فترة تُعد قصيرة، حيث قاموا بشق الطرق عبر الفيافي والقفار والجداول والوديان. وقد استشهد عدد كبير من العمّال جراء العطش أو سوء التغذية أو بسبب غارات البدو.
                            كانت الدول الأوربية تعتبر إقدام الدولة العثمانية على إنجاز هذا المشروع ضربا من ضروب الخيال ومغامرة لا يمكن أن تنجح، حتى أن بعض الصحف الأوربية آنذاك قد نشرت على صفحات جرائدها صورا كاريكاتورية ساخرة وتعليقات بذيئة تمس من هيبة الدّولة والسّلطان. ولكن مع التقدم في إنشاء الخط وإظهار القائمين عليه لتضحيات كبيرة، أخذت الدول الأوربية تضع العراقيل للحيلولة دون إكمال هذا المشروع حيث قامت بنشر الشائعات بين المسلمين الهنود الذين يقومون بالتبرع لإقامة الخط الحجازي، وأطلقت شائعات مثل أن “التبرعات لا تُستخدم في إنشاء الخط الحجازي”. غير أن جميع جهودهم في التثبيط والعرقلة ذهبت سدًى، واستمر المسلمون من كل مكان في جمع التبرعات وإرسالها إلى الدولة العثمانية. وممّا يلفت النظر أنّ تعطيل خط حديد الحجاز كان أول ما قامت به بريطانيا بعد انسحاب العثمانيين من مكة والمدينة المنورة؛ إذ كانت تنظر إلى الخلافة العثمانية باعتبارها التهديد الأكبر ضد طموحاتها الإمبريالية في الشرق الأوسط والشرق الأقصى، ومن ثم فقد شعرت بارتياح شديد بعد أن قامت بقطع الروابط بين الأناضول وشبه الجزيرة العربية من خلال تعطيل الخط الحجازي.
                            قام هذا المشروع على التّبرعات التي يجمعها المسلمون في شتى أقطار العالم دون أن تشوبه أي مساهمة من الدّول الأجنبية، وخصصت له الدولة العثمانية 18% من ميزانيتها، لكن المبلغ بقي قليلا جدّا فوجّه السلطان نداءً إلى العالم الإسلامي من أجل التبرع للمشروع، ليدشّن بذلك حملة تبرعات قلّ أن نجد لها نظيراً في تاريخ العالم.

                            _____________
                            المصدر: صحيفة الضمير التونسية



                            تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                            قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                            "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                            وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                            تعليق


                            • #15

                              آثار التغريب السياسي على المجتمع العثماني: التحدي والاستجابة (الجزء الثالث)


                              الهجرة الصهيونية بين دعم الغرب وتبعية التغريب والمقاومة العثمانية الرسمية والاجتماعية

                              نشوء فكرة عودة اليهود إلى فلسطين بالجهد البشري في العصر الحديث


                              كان اليهود التقليديون يعتقدون أن عودة ملكهم في فلسطين والذي وردت به النبوءات في الكتب المقدسة وبخاصة أسفار دانيال وأشعيا، سيتم بمعجزة إلهية على يد المسيح المنتظر، وأن الله وحده هو الذي يحدد وقت هذه العودة، وأي تدخل بشري في تحقيق ذلك كفر وهرطقة، لأن الله هو الذي قضى عليهم بالنفي عقاباً على خطاياهم إلى أن يعيدهم المسيح من نسل داوود، أما الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية المسيحيتان فكانتا تفسران هذه النبوءات تفسيراً مجازياً، ولما قامت حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر أخذت بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس ضمن حملتها لجعل الصلة بين الفرد والدين خالية من تدخل رجال الكنيسة، فأصبح المعاني الحرفية هي الأقرب للتناول، وظهرت إلى الوجود فكرة عودة اليهود الجسمانية إلى فلسطين بصفتها مقدمة لعودة المسيح وتحقيقاً للنبوءات، ثم تطورت واتخذت طابعاً علمانياً بوجوب التدخل البشري لتسريع المشيئة الإلهية بذلك، وظلت هذه الفكرة في حيز الأمنيات والأحلام إلى أن تلقفها الساسة الاستعماريون الأوروبيون بشكل جاد في أواخر القرن الثامن عشر لأنهم رأوا في دولة يهودية في فلسطين وسيلة نافعة لخدمة مصالح دولهم، وكان أول من حاول تنفيذها نابليون بونابرت الذي اشتهر بتلاعبه بالورقة الدينية في دعايته السياسية وذلك ليقطع طريق الهند على الإمبراطورية البريطانية عدوته الأولى، ولكنه لم ينجح في مشروعه بعد هزيمة حملته على مصر والشام، ولما نجح محمد علي باشا في إقامة دولة قوية في منطقة تصر أوروبا على إبقائها ضعيفة ومجزأة، بعث هذا الأمر الفكرة الصهيونية في عقول ساسة بريطانيا وشرعوا بالتحضير لإنشاء الكيان اليهودي ليكون “حائلاً بين محمد علي وخلفائه وبين تحقيق خطته الشريرة في المستقبل”، وتزامن هذا مع تفاقم المسألة اليهودية في أوروبا نتيجة تعثر التحديث في دول شرقها وفقدان اليهود دورهم الوظيفي التقليدي في تلك المجتمعات وزيادة أعدادهم وتدفقهم على دول الغرب الأوروبي وأمريكا التي رأت فيهم تهديداً لاستقرارها فأرادت التخلص منهم كما شرح ذلك بالتفصيل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في مؤلفاته العديدة، ومع زيادة اضطهاد اليهود في شرق أوروبا بدأ التفكير بين نخبهم في ضرورة إيجاد بقعة من الأرض يلجئون إليها، وهنا ظهرت الفكرة الصهيونية اليهودية بعد أكثر من ثلاثة قرون من ظهور الصهيونية المسيحية لتكون حلاً علمانياً إذ رفضها معظم اليهود المتدينين لأنها تدخّل في الإرادة الإلهية، ونشأت حركات تعمل على “إعادة” اليهود إلى “وطنهم”، واستوطن عدد منهم بالفعل في فلسطين بداية من سنة 1868.


                              الأهداف الغربية من دعم الهجرة اليهودية

                              أي أن بداية تحقق الفكرة الدينية عملياً حدثت عندما أدى شعور بريطانيا بالخطر الموضوعي الذي كوّنته نهضة محمد علي باشا على مصالحها في الشرق إلى تبنيها الحل الصهيوني في فلسطين لردع أية محاولة جديدة يقوم بها الوالي المصري أو أحد خلفائه، وذلك رغم الجهود الاسترضائية التي بذلها الباشا لطمأنة المصالح الغربية[1] التي لم تتفق بحال مع وجود كيان موحد قوي في الشرق العربي الإسلامي مهما قدّم من تنازلات، إذ “كانت إنكلترا تنظر منذ أمد بعيد بعين الحذر إلى ازدياد سطوة الدولة الفتية، واعتبرت مصر عقبة كأداء في طريق فرض السيادة الإنكليزية في شرقي البحر البيض المتوسط، ورأت في سطوة مصر تهديداً لمركز بريطانيا في الخليج العربي، وكان محمد علي بالنسبة للإنكليز المانع الأساسي الذي أعاق تطور طرق المواصلات والتجارة الإمبراطورية بصورة ناجحة”كما يقول المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي[2].


                              وقد حظيت الهجرة اليهودية إلى فلسطين بدعم أوروبي مثّله القناصل الأجانب فيها والذين كانوا يتدخلون لحماية المهاجرين اليهود والالتفاف على القوانين التي تحظر عليهم الإقامة في البلد، وقد حصلت الهجرة على دفعة قوية بعد اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني سنة 1881 والتي اتهم اليهود بتدبيرها فأعقبها عمليات اضطهاد واسعة نالتهم في روسيا وجعلتهم يبحثون عن ملاجئ لهم خارجها مما التقى مع مصالح بريطانية بمحاولة دعم الوجود العثماني بتطعيمه بعنصر نشط اقتصادياً ليساعده على مقاومة التمدد الروسي[3]وذلك قبل أن تتغير السياسة البريطانية تجاه الدولة العثمانية وتفضل تقسيمها والحصول على محطات من أراضيها لحراسة طريقها إلى الهند وهو ما كان الحل الصهيوني حاضراً فيه أيضاً رغم تناقض الأهداف الجديدة مع القديمة، ثم قامت بريطانيا بمنح وعد بلفور لكسب الدعم اليهودي في الحرب الكبرى الأولى وتلا ذلك التأسيس لقيام الوطن القومي اليهودي لحماية المصالح البريطانية في الشرق العربي وهي : تثبيت الوجود البريطاني في مصر، وحراسة قناة السويس والطريق إلى الهند والشرق الأقصى، ومناوأة الأطماع الفرنسية في سوريا ولبنان، وإقامة جسر يربط البحر المتوسط بحقول النفط العراقية[4].


                              دور التغريب السياسي في دعم الأهداف الغربية وتسهيل الاستيطان الصهيوني
                              وأدت إجراءات التنظيمات الخيرية التي فصّلتها في الجزء الأول من هذه الدراسة والتي كانت جزءاً من عملية التغريب إلى نتائج سياسية ربما لم تخطر ببال القائمين عليها، فقد أدت زيادة الملكيات الواسعة التي سهلها قانون 1858 إلى سهولة تسرب هذه الأراضي إلى المهاجرين الصهاينة في فلسطين عن طريق شرائها من كبار الملاك الذين كان كثير منهم يقيمون بعيداً عن أراضيهم ومن ثم لم يكن لديهم مانع من التخلص منها لصالح من يدفع سعراً مغرياً وهم في هذه الحالة اليهود الصهاينة الذين كانوا يحظون برعاية القناصل الأجانب، ودعم ذلك قانون سنة 1867 الذي سمح بتملك الأجانب العقارات في الدولة.


                              مقارنة بين موقف محمد علي باشا وموقف السلطان عبد الحميد الثاني من المشروع الصهيوني
                              في البداية أبدى محمد علي باشا “اهتماماً كبيراً” بعروض السير البريطاني اليهودي موسى مونتفيوري لكن “دون أن يلتزم بشيء” كما يقول الدكتور جوزيف حجار[5]، إلا أن المؤرخ اليهودي ليفي أبو عسل يقول إن مونتفيوري حصل من مفاوضاته المباشرة مع الباشا على وعد بامتياز استئجار أراض في فلسطين مدة خمسين عاماً تعفى أثناءها من الضرائب ويحق لليهود استثمارها وإرسال الخبراء لتدريب المستوطنين على الزراعة، وأن فشل الحملة المصرية على بلاد الشام هو الذي عطل المشروع[6]، وتفصل باربارا توخمان مشهد الباشا الذي سمي رائداً للنهضة العربية الحديثة ومع ذلك طلب من الصهيوني موسى مونتفيوري أن يكون وكيل أعماله ، ووعده “وهو يدخن نرجيلته المرصعة بالجواهر، بأية قطعة من الأرض معروضة للبيع في سوريا ووافق على فعل أي شيء يستطيع فعله ليسانده في مشروعه” وهو ضمان 100 أو 200 قرية في فلسطين ودفع إيجار زائد بنسبة 10-20% وتأسيس شركة لزراعة الأرض وتشجيع اليهود على الهجرة إليها ، ولم يحبط هذا المشروع الصهيوني الأولي سوى أن سلطة الباشا ضعفت بعد سنة من اللقاء”وعادت سوريا إلى السلطان” (1840) ولم تحن فرصة أخرى آنذاك لعودة اليهود[7]، وتذهب مراجع أخرى إلى أن الباشا هو الذي رفض المشروع[8]، وعموماً فإن الزمن الذي عُرض فيه هذا المشروع كان زمناً مضطرباً في بلاد الشام (1838) عشية الانسحاب المصري وفشل مشروع الدولة العربية الكبرى، ولهذا لم يتأكد الموقف من العرض الصهيوني، إلا أن ما لا تنكره المراجع وتجمع عليه هو جهود محمد علي الحثيثة لاسترضاء الغرب ومنحه تسهيلات وامتيازات للجمعيات التبشيرية والبعثات القنصلية وفتح الأبواب أمام الأقليات الدينية للحصول على الحماية الأجنبية وذلك لإثبات أهليته وصواب رؤيته لبناء دولة حديثة[9]، وكأن إقامة دولة موحدة قوية هو الهدف الغربي في بلادنا.


                              ومع أن موقف الباشا كان أكثر التباساً بكثير من موقف السلطان عبد الحميد الثاني فيما بعد ، فإن التوجهات التقدمية والقومية منحته البراءة وأسبغت عليه صفة البطولة في الوقت الذي كان تاريخ السلطان ينبش بحثاً عن هفوة هنا أو هناك للإمساك والتشهير بها، وفي هذا يقول الأستاذ الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي رحمه الله في تقديمه لكتاب الدكتور حسن صبري الخولي “سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين”: “وقد وقف السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) في وجه المحاولات المكرورة التي بذلها الصهيونيون لإغرائه بوسائل شتى على السماح لليهود بالاستيطان الكثيف في أرجاء فلسطين. وقد تعرض هذا السلطان لحملات مسمومة ومسعورة بذلتها الصهيونية وواكبتها فيها بريطانيا وفرنسا ابتغاء تشويه سيرته لأسباب ليس هذا التقديم موضعاً للإفاضة في شرحها. وحسبنا أن نذكر أن هرتزل لم يجد في عبد الحميد الأداة الطيعة اللينة لتحقيق هدف الصهيونية. وقد كان هذا الزعيم الصهيوني يعتقد أن ذهب اليهود قادر على استمالة عبد الحميد الثاني…وقد خُدع الباحثون العرب بتلك الدعاية المغرضة والخبيثة حتى استقرت في أذهان الأجيال المتعاقبة من الجماهير في العالم العربي آراء ومفاهيم خاطئة عن الدولة العثمانية وعن الحكم العثماني العالم العربي، وعن السلطان عبد الحميد الثاني…(و)ليس من الدراسة التاريخية الموضوعية في شيء، كما أنه ليس من الأخلاق في شيء، إبراز العيوب وتجسيدها من ناحية، والحرص في الوقت نفسه على إغفال المحاسن من ناحية أخرى. ومع الأسف الشديد نهج عدد من الباحثين العرب هذا النهج غير العلمي، إما لأنهم تعوزهم الخلفية التاريخية، أي الأساس التاريخي، لأنهم ليسوا من المتخصصين أو المتعمقين في دراسة التاريخ، بل أقحموا أنفسهم في غير تخصصاتهم العلمية، وخاضوا في مجالات الدراسات التاريخية في تسرّع ودون قراءات عميقة مسبقة، وإما لأنهم في مهاجمتهم الدولة العثمانية بعامة، والسلطان عبد الحميد بخاصة، كانوا مسوقين بدوافع أخرى نضرب صفحاً عن ذكرها. وهم في كلتا الحالتين يؤدون-من حيث يدرون أو لا يدرون-أجلّ الخدمات للصهيونية والاستعمار…وأصبح السلطان عبد الحميد الثاني لا يُذكر إلا مقروناً بانغماسه في النسائيات، وخيانته لقضية فلسطين، وسماحه لليهود بشراء الأراضي الشاسعة في أرجاء البلاد الفلسطينية يقيمون عليها المستعمرات اليهودية انتظاراً لليوم الموعود”[10]، ثم يسرد رحمه الله بعض الردود المختصرة على هذه الادعاءات التي يبدو أنها ليست جديدة في أيامنا هذه وأنها تعود إلى زمن ماض.
                              تبعية رواد النهضة التغريبية والقومية لأهداف السياسة الغربية
                              وكما تبنى النهضويون الأهداف الغربية في تفتيت وحدة الأمة كما فصلت ذلك في الجزء الأول من هذه الدراسة، فمن رجال النهضة أيضا مَن قبِل بالمشروع الصهيوني مثل مدحت باشا أبو الدستور العثماني الذي تولى ولاية سوريا والصدارة العظمى وخير الدين التونسي الذي تولى الصدارة العظمى أيضا في الدولة وغيرهما من كبار المسئولين[11]الذين أغرتهم عروض لورانس أوليفانت المالية والسياسية في بداية عهد السلطان عبد الحميد الذي كانت معارضته الشخصية هي السبب الوحيد في تعثر المشروع في هذا البحر المتلاطم الذي نتج عنه أن أصبح السلطان نفسه هدفاً لتهم التقصير والتواطؤ وتم نسيان كل هؤلاء ومن سيأتي ذكرهم من المنسجمين مع هذا المشروع بالفعل، ومن رجال العروبة من دعا إلى معاملة الهجرة اليهودية بصفة شريك في الوطن كما فعل رئيس المؤتمر العربي الأول الشيخ عبد الحميد الزهراوي ومجموعة من أعضاء المؤتمر[12] الذي استضاف مندوباً صهيونياً[13]أكد له الزهراوي “أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ليست أمراً مرغوباً به فحسب بل وضروري أيضا”[14]، كما أحجم المؤتمرون عن التعرض بسوء للهجرة اليهودية إلى فلسطين[15]رغم أن القضية اتخذت أبعاداً جديدة في ذلك الزمن وأثارت النواب العرب في البرلمان العثماني، وقد أثار موقف المؤتمر العربي استياء صحف فلسطين واستنكارها، كما انتقدت هذه الصحافة أصحاب المواقف المتخاذلة من الحركة الصهيونية كشبلي شميل ويعقوب صروف وفارس نمر ورفيق العظم[16].


                              ثم سار قادة الأسرة الهاشمية التي تزعمت الثورة العربية سنة 1916 على نفس النهج الودي تجاه الصهاينة ودعوا إلى استقبال الهجرة اليهودية بالكرم العربي[17]وصرح الأمير فيصل بن الحسين لوكالة رويترز في 12/12/1918 بما يلي:”إني آمل أن تحقق كل من الأمتين (العربية واليهودية) تقدماً ملموساً نحو أمانيهما وآمالهما، إن العرب لا يحملون ضغينة ضد الصهيونيين اليهود، بل هم ينوون أن يسمحوا لهم بالعمل، أما التحاسد بين سكان المستعمرات اليهودية والمزارعين المحليين (العرب) فقد أثارته الفتن التركية، ولكن التفاهم المتبادل لأهداف العرب واليهود، سيقضي على آخر آثار هذا العداء الذي، بالفعل، زال قبل الحرب بفضل عمل اللجنة العربية الثورية السرية، إن الصهيونيين هم حملة حضارة أوروبا إلى الشرق”[18]، وتوج هذا التوجه باتفاق فيصل-وايزمان الشهير (1919) الذي رحب فيه فيصل بالهجرة الصهيونية وبإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين والذي استهدف منه الأمير فيصل الحصول على تأييد الصهاينة ضد منح فرنسا الانتداب على سوريا وذلك بعدما خذلته بريطانيا باتفاقها مع الفرنسيين[19].
                              ومن المفكرين النهضويين من احتفى بالهجرة اليهودية كشبلي شميل الذي يحتفى بفكره العلمي والعقلاني كثيراً ومع ذلك كان “شديد الإعجاب بالصهاينة” ويرى أنهم”يستردون الأرض بغير القتال والدماء والنزاع العسكري”وهو ما ستثبت الأيام كذبه، ابتداء من أسطورة العودة إلى أسطورة عدم استعمال العنف، مع أن العنف أصبح شعار الصهيونية عندما تمكنت مما يبين مدى فداحة مصابنا بالنظرة الوردية الخادعة التي كان-ومازال-رواد التغريب يصرون على رؤية الاستعمار بها خلافاً لواقعه المرير، فوفقاً للشميل فإن معيار الحق في امتلاك الأرض هو القدرة على إعمارها كما يفعل الصهاينة في فلسطين، وذلك بعيداً عن كل المعايير الوطنية والقومية[20]، ولا ننسى في هذا المقام حضور أستاذ الجيل الليبرالي أحمد لطفي السيد حفل افتتاح الجامعة العبرية(نعم العبرية وليس العربية)سنة 1925 ممثلاً عن جامعة القاهرة، مع بعض القيادات الفلسطينية البارزة مع الأسف[21]، إلى جانب عتاة الاستعمار والصهيونية مثل اللورد بلفور صاحب الوعد المشئوم وهربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني اليهودي في فلسطين والجنرال اللنبي المندوب السامي البريطاني في مصر الذي أعلن نهاية الحروب الصليبية عند دخوله القدس في الحرب الكبرى وحاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية وأول رئيس للكيان الصهيوني فيما بعد، وقد احتفل أستاذ الجيل مع هؤلاء في الوقت الذي كانت فيه الجماهير في فلسطين وسوريا ولبنان تشتعل إضرابات ومظاهرات ومصادمات احتجاجاً على زيارة بلفور حتى اضطر إلى اختصار زيارته والفرار إلى بيروت للعودة إلى بلاده[22]، وهو موقف يدل على الهوة الفاصلة بين جماهير الأمة ونخبة التغريب التي كانت تعول على جلب الحضارة الغربية بأساليب الاستعمار.

                              الهجرة اليهودية في “صالح”الدولة العثمانية (!)
                              رغم أن الغرب وبخاصة بريطانيا عرض على الدولة العثمانية استقبال الهجرة اليهودية بصفتها دعماً للمصالح العثمانية المهددة من مغامرات قد يقدم عليها محمد علي باشا أو أحد خلفائه، فإن السلطان عبد المجيد (1839-1861) لم يبلع هذا الطعم الغربي رغم العداء مع الوالي المصري والتخوف منه ورغم الميول التغريبية الواضحة عند السلطان، فقد رفض مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين والذي عرضه وزير الخارجية البريطاني ثم رئيس الوزراء اللورد بالمرستون بعد هزيمة محمد علي ثم جمد مشروع السير مونتفيوري بعدما منحه إذناً بشراء أراض قرب القدس ويافا[23]، وهذا ما أحب لفت النظر إليه دائما من فرق بين التغريب المستقل الذي يعمل لما يتصوره صالح الذات، وهو ما يؤدي لاصطدامه بالتربص الغربي بهذه المصالح، والتغريب التابع الذي يعمل على خدمة مصالح الغرب حتى ولو تناقضت مع الفكر الغربي ومصالح الذات مما يجعله مجرد أداة بيد سادته فلا يقدم تطوراً لأمته، وتشير إحدى الوثائق العثمانية الصادرة في 4 مارس 1846 إلى قرار السلطان عبد المجيد المرسل إلى متصرف القدس يأمره فيها باستعادة أرض اشتراها يهودي بريطاني وذلك لأن تملك اليهود الأجانب ممنوع وغير قانوني كما سبق صدور القوانين بذلك[24].


                              أما في زمن خلفه السلطان عبد العزيز فقد كان الموقف الرسمي العثماني من الهجرة اليهودية متساهلاً، ويعزو الدكتور حسان حلاق ذلك إلى أنها لم تكن في البداية تؤلف خطراً على فلسطين بالإضافة إلى عدم وضوح الهدف البعيد لها في ذلك الزمن والظن أنها تساعد على التطوير الاقتصادي في الدولة العثمانية[25]، ولكن في آخر عهد هذا السلطان تم فصل متصرفية القدس عن ولاية سوريا وربطها بالعاصمة العثمانية مباشرة في سنة 1874 لأسباب منها تزايد عدد الحجاج واليهود الروس[26].
                              ومن ضمن العروض الغربية الحريصة على”المصلحة العثمانية”، مشروع السياسي والدبلوماسي وعضو البرلمان البريطاني لورانس أوليفانت(1829-1888)الذي كان مقتنعاً بضرورة دعم الدولة العثمانية لتتمكن من التصدي للتوسع الروسي وذلك بإدخال عنصر اقتصادي نشط فيها فوضع مشروع شركة استيطانية لتوطين اليهود في فلسطين وشرق الأردن برعاية بريطانيا وتمويل خارجي ويكون مركزها العاصمة العثمانية استانبول ونشر تفاصيل ذلك في كتابه أرض جلعاد (1880)حيث أبدى حرصه الشديد على وحدة الدولة العثمانية وتعزيز سلطة السلطان في فلسطين خاصة، وذلك بمشروعه الصهيوني[27]، وقد حظي هذا المشروع بتأييد أوساط عثمانية عليا من رجال حسبوا على المعسكر التغريبي كما مر، مع عدم التشكيك في نزاهة بعضهم على الأقل، ولكن الموقف الصلب الذي اتخذه السلطان عبد الحميد من المشروع الذي لم يجد فيه مصلحة كالتي رآها آخرون أدى إلى فشله قبل أن تغير بريطانيا موقفها من الحفاظ على بقاء الدولة العثمانية وسلامة أراضيها كما غيرت موقفها من المشروع الصهيوني مؤقتاً أيضاً، وأدى موقف السلطان إلى غضب أوليفانت الذي صار يهاجمه وينشر الإشاعات ضده مما أدى إلى طرده من استانبول ولم يتراجع السلطان رغم تدخل الوزير الأمريكي المفوض في العاصمة العثمانية[28].

                              الاضطهاد الروسي والموقف الأوروبي من اليهود
                              أدى اغتيال القيصر الروسي ألكسندر الثاني سنة1881 والاضطهاد الذي لحق اليهود في روسيا بعده إلى تدفق هجراتهم إلى خارجها وظهور فكرة الحل الصهيوني في فلسطين بينهم، ومن هنا اُرخت بداية الهجرة الصهيونية إليها في سنة 1882، وقد كان للدولة العثمانية منذ بداية هذه الهجرة موقفاً معارضاً بحزم إذ أصدرت قرارا رداً على طلب من يهود روس بالهجرة بإعلامهم جميعا أنه من غير المسموح لهم الاستقرار في فلسطين مع السماح لهم بالاستقرار في أي إقليم آخر مع حمل تابعية الدولة والخضوع لقوانينها(إبريل 1882)، وتأكد المنع في شهر يونيو ببرقيات إلى السلطات في القدس وحيفا وبيروت واللاذقية لمنع أي يهودي من روسيا أو رومانيا أو بلغاريا من وطء أرض فلسطين[29]، ويجب أن نتوقف هنا للتأكيد على أن الشعور العثماني بالخطر الصهيوني واكب الأحداث كما وقعت وليس كما يريدها الخطاب العاطفي في يومنا هذا حين اختلفت الظروف جذرياً من حيث التغول الصهيوني، فالمراجع تجمع على أن الهجرة في ذلك الوقت بدأت من شرق أوروبا ولهذا صدرت قرارات المنع بخصوصهم ومن المزايدة غير المنطقية أن تطالَب الدولة بإصدار قرار في تلك المرحلة المبكرة يشمل جميع يهود العالم وذلك لسبب بسيط أنهم لم يكونوا قد انخرطوا في ذلك الوقت في المشروع الصهيوني فضلاً عن أن يكونوا خطراً داهماً، وفي هذا تقول الباحثة نائلة الوعري إن الباب العالي كان مهتماً بالدرجة الأولى بمنع استقرار اليهود الروس في فلسطين “أما اليهود القادمون من بلاد أخرى فكانوا يصلون بأعداد أقل ولم يثيروا كثيرا من المشاكل”[30]، ورؤية الحوادث بغير هذا المنظار التاريخي يخرج التاريخ عن بشريته ويخرج المسلمين عن طبيعتهم التي لم تعرف المعاداة الدينية لمن لا يظهرون عداء لهم، لاسيما تجاه مواطنيهم الذين كانوا يتنقلون بين أرجاء الدولة العثمانية بلا عوائق، ولما انتقل46 يهودياً تونسياً في سنة 1887 إلى القدس للاستقرار فيها سألت سلطات المتصرفة نظارة الداخلية عن وضعهم “فجاء الردّ بتاريخ 26 أكتوبر سنة 1887م من وزارة الخارجية (الأرشيف العثماني، رقم ID 1060/83195, LEF 2) بأنّ هؤلاء اليهود تونسيّون، وبما أن تونس داخلة ضمن الممالك العثمانية فإنّ جميع التونسيّين هم من رعاياها، وبالتالي يُعاملون كما يُعامل بقية اليهود في الولايات العثمانية الأُخرى. ولهذا فإنه يُسمح لهم بالسّكن والإقامة في القُدس” كما يقول الدكتور مصطفى الستيتي[31]، وذلك مع ملاحظة أن تونس كانت واقعة تحت الاحتلال الفرنسي ولكن الدولة العثمانية لم تعترف بالاحتلال وظلت تعد تونس جزءاً مكملاً لها وتعامل أهلها بمختلف انتماءاتهم بصفتهم يحملون التابعية العثمانية ويحق لهم التنقل في أرجاء الدولة والتمتع بجنسيتها مع كل من تقع بلادهم العثمانية تحت الاحتلال الأجنبي كما جاء في نفس المقال، إلى أن تنازل عنها مصطفى كمال من ضمن ما تنازل عنه من أملاك الدولة العثمانية في معاهدة لوزان.


                              ويقول المؤرخ ستانفورد شو إن روسيا حثت الدولة العثمانية على عدم السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين كي لا تفسد التوازن الديني فيها والذي تأسس بعد حرب القرم(1853-1856)، كما يقول إن بريطانيا وفرنسا ضغطتا في نفس الاتجاه كي لا يكون حضور اليهود الروس عاملاً في زيادة النفوذ الروسي على حساب نفوذهما في الشرق[32]، ولكن يجب عدم تعميم هذا الموقف إلى النهاية، إذ أن روسيا وجدت في الصهيونية ما يتفق مع مصالحها ولم تعارض في رعاية مصالح اليهود الروس في فلسطين[33]مادام ذلك لصالحها وهم بعيدون عن أراضيها، كما استطاعت بريطانيا-بعد رفض السلطان عبد المجيد مشروع بالمرستون للاستيطان اليهودي في فلسطين[34]-احتواء المهاجرين اليهود الروس الذين تسقط جنسيتهم الروسية بحمايتها الرسمية بالإضافة إلى حماية مواطنيها من يهود بريطانيا وأوروبا أيضا[35]وتبنت تثبيت وجودهم في فلسطين بواسطة قناصلها[36]وبخاصة أنها كانت تعمل على إبعاد سيل الهجرة اليهودية عن أراضيها[37]، كما قامت فرنسا أيضا برعاية الوجود اليهودي في فلسطين بين 1882-1914 بواسطة قناصلها هناك والذين ساهموا في شراء الأراضي ومساعدة اليهود على العمل فيها[38]، ويشير الدكتور أمين محمود إلى أن هذا الحذر الأوروبي كان موجها ضد مشروع صهيوني ترعاه ألمانيا[39]، أي أن كل دولة أوروبية كانت تعارض تحول اليهود إلى أدوات بيد غيرها ولكنها لا تعارض فكرة الاستيطان اليهودي في فلسطين من حيث المبدأ[40].
                              ومن الدول التي تدخلت لحماية الهجرة الصهيونية الولايات المتحدة التي حددت هذه الهجرة إلى أراضيها سنة 1882 ولكنها حثت العثمانيين على استقبال اليهود في نفس الوقت[41]، وندد دبلوماسيوها بما وصفه المؤرخ الأمريكي مايكل أورين بالقيود التعسفية المتشددة على الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومن غريب غطرستهم أن تصل الجرأة بهم إلى إدانة الإجراءات العثمانية لأنها “ضد الدستور الأمريكي تماما”، وكأنه من حقهم إلزام من يشاءون بدستورهم الخاص، وأن يكون على الدولة العثمانية مثلاً تطبيق الدستور الأمريكي(!)، ولكن “كل ذلك لم يجد نفعاً”، فالعثمانيون عارضوا الطلب الأمريكي معارضة صريحة ولم يسانده الأوروبيون في ذلك الوقت مساندة صريحة[42]، ومازلنا نسمع صدى هذه الغطرسة الأمريكية إلى اليوم حين توزع شهادات الاتهام والبراءة على المزاج الأمريكي، ويصدر الأمريكيون قوانين أمريكية تتسم بالوقاحة حين تتحدث عن تغيير أنظمة حكم في بلاد غريبة عنهم، وذلك كتهمة خرق العثمانيين للدستور الأمريكي مع فارق كبير هو وجود من يخضع لهذه المراسيم في زمننا المعاصر خلافاً للعثمانيين الذين لم يأبهوا بها حتى في زمن ضعفهم وتراجعهم والذي شهد أيضاً صعوداً أمريكياً وصل إلى حد تدخل السفن الحربية لحماية المصالح الأمريكية في أنحاء العالم في مناسبات عديدة[43].

                              حجم الهجرات اليهودية إلى فلسطين في العهد العثماني
                              تجمع المراجع المختصة على أن قرارات الحظر العثمانية لم تؤت الأكل المرجو منها لعدة أسباب أهمها النفوذ الأجنبي الذي كان يتعلق بنظام الامتيازات الأجنبية الذي منحته الدولة العثمانية للرعايا الأوروبيين في عهد قوتها لأسباب تجارية وسياسية جلبت لها المكاسب في البداية ولكنها انقلبت من منحة وصدقة إلى قيد يكبل استقلال الدولة وقراراتها في زمن الضعف، والسبب الثاني لعرقلة قرارات حظر الهجرة هو الفساد الإداري الذي استشرى في الأجهزة الرسمية العثمانية وكانت الرشوة أبرز مظاهره فأجاد اليهود استعمالها والوصول إلى مآربهم في فلسطين بواسطتها، كما كانوا يتحايلون على الأنظمة بطلب جنسية بريطانية أو أمريكية والتخلي عن الجنسية الروسية والنزول في موانئ سورية بعيدة والزحف براً إلى فلسطين[44].


                              أما عن أعداد اليهود التي وصلت إلى فلسطين في تلك الفترة فتختلف المصادر حولها ولا تقدم إلا أرقاماً تقريبية لأن الهجرة اكتسبت طابع عدم الشرعية في معظمها وكانت الإحصاءات العثمانية لا تعترف إلا بالمقيمين بوجه شرعي وتعد بقية المهاجرين مقيمين غير شرعيين وممنوعين من الإقامة، أما الإحصاءات الصهيونية فاكتسبت الطابع الدعائي الذي يحاول تضخيم التوق اليهودي للعودة إلى أرض الميعاد، وتشجيع المتبرعين على دفع الأموال لمساعدة المهاجرين بواسطة المبالغة في تصوير الإنجازات وزيادة الأعداد، أما تقديرات القناصل والرحالة الأوروبيين فلا تخلو أيضا من العيوب السابقة ويمكن وصفها بعدم الصحة وعدم الدقة إلى حد بعيد كما يقول الدكتور حلاق، ولهذا فإننا نفتقر إلى تحديد دقيق لأعداد المهاجرين اليهود في الفترة العثمانية المتأخرة[45]، ولكن لا مانع من الاستناد إلى الأرقام التي توردها المراجع التي استندت إلى الأرقام الصهيونية من باب إلزام الخصم بما ألزم به نفسه.
                              تشير المراجع الغربية إلى أن عدد اليهود في فلسطين قبل بدء الهجرات المكثفة من روسيا وشرق أوروبا كان حوالي 25 ألف يهودي، وأنه وصل قبل اندلاع الحرب الكبرى الأولى سنة 1914 إلى 85 ألف يهودي، وهو عدد يؤلف ما يقارب 11-12% من مجموع سكان فلسطين آنذاك الذي بلغ سبعمائة ألف نسمة، فإذا طرحنا الزيادة الطبيعية للسكان اليهود المحليين أصبح لدينا خمسون ألف مهاجر، وهم أقل من ذلك أيضا في تقدير الدكتور وليد الخالدي[46]، ولم يتبق من 85 ألفاً بعد الحرب الكبرى سوى ما يقارب 56 ألفاً نتيجة الترحيل العثماني، وكان معظم اليهود يقطنون في المدن وهي القدس ويافا وصفد والخليل وحيفا بالإضافة إلى عشرات المستعمرات(47 مستعمرة)التي يقطن فيها أقلية من الشباب، وقد تمكنوا من إقامة مؤسسات اجتماعية واقتصادية كما حاولوا إنشاء جامعة ففشلوا وحاولوا أيضا إثبات أنفسهم سياسياً أيضا ولكن المحاولة لم تتمكن من الاستمرار[47]، ومن ضمن جميع المقيمين اليهود لم تكن السلطات العثمانية تعترف إلا بأقل من 6% من مجموع السكان[48]رغم كل إجراءات تصحيح الأوضاع التي تمت بضغوط من النفوذ الأجنبي، وهذا ما يقودنا إلى الإحصاءات العثمانية التي أشاد بدقتها مجموعة من الخبراء لكونها جرت بغرض تحصيل الضرائب وحصر النفوس للتجنيد[49]ونصت كما رتبها الخبير الديموغرافي الأمريكي جستن مكارثي على أنه في بداية الحرب الكبرى الأولى كان بفلسطين 60 ألفاً من اليهود (8.3% من السكان)، وليس 85 ألفاً، منهم 12 ألفاً من اليهود العثمانيين الأصليين و27 ألفاً من المهاجرين المقيمين إقامة شرعية (3.7%) و21 ألفاً من المقيمين بصورة غير شرعية ولا تعترف بهم الدولة[50]، وهو ما يجعل الأرقام العثمانية وغيرها تلتقي عند نقطة واحدة تقريباً بعد الحرب، أي ما بين 56-60 ألفاً، ولهذا سيجري التعامل في هذه الدراسة وفق الإحصاءات الصهيونية والغربية المضخمة للاحتياط للأسوأ رغم عدم دقته.

                              الإجراءات العثمانية التي واكبت الزيادة اليهودية في فلسطين ومدى نجاحها
                              1882 السلطان عبد الحميد الثاني يرفض مشروع البريطاني لورانس أوليفانت للاستيطان اليهودي في فلسطين وشرق الأردن رغم موافقة كبار رجال الدولة كمدحت باشا وخير الدين باشا التونسي على ذلك.


                              1877-1889 ولاية رءوف باشا على متصرفية القدس قام أثناءها بجهود حثيثة لمنع استقرار المهاجرين اليهود في فلسطين بالإضافة إلى جهوده العمرانية الكثيرة.

                              1884تحديد مدة زيارة اليهود إلى فلسطين بمدة ثلاثين يوما.

                              1887 بعد احتجاج الدول الغربية على الإجراء السابق مددت مدة الزيارة إلى ثلاثة أشهر على أن تطبق على جميع المهاجرين اليهود فكان ذلك في رأي الدكتور عوض “أول قرار جدي تفرضه الدولة لوضع حد لتيار الهجرة اليهودية..بعد أن تحقق الباب العالي من الخطر”وبموجب ذلك أرسلت التعليمات إلى سلطات سنجق القدس بمنع جميع اليهود الأجانب من الإقامة في القدس وفلسطين بعد فترة الحج[51].
                              -السلطان عبد الحميد الثاني يؤكد إجراء سابقا (1874) ويصدر فرماناً بفصل سنجق القدس عن ولاية دمشق وجعله متصرفية مستقلة تتبع الباب العالي في استانبول مباشرة ليسهل على الدولة مراقبة الأحوال فيها وذلك لمكانتها المقدسة ولتزايد الهجرة اليهودية إليها، وقد تكوّنت المتصرفية من أقضية القدس ويافا والخليل وغزة، ثم فصل قضاء بئر السبع عن غزة وأصبح قضاء مستقلاً داخل المتصرفية (1900)، أما النصف الشمالي من فلسطين فأصبح تابعاً لولاية بيروت.
                              1888 إجبار اليهود القادمين على حمل جوازات سفر توضح عقيدتهم وعدم السماح لمن لم يحصل على تأشيرة دخول من القنصل العثماني في بلده بدخول فلسطين[52]، وضغوط غربية على الدولة العثمانية تؤدي إلى قصر الحظر فيما يتعلق باليهود الإنجليز على من يأتون على شكل جماعات وليس على الأفراد مع التشبث بقرارات منعهم[53].
                              1891 زيادة حدة الهجرة اليهودية بعد معارضة الولايات المتحدة وبريطانيا دخول اليهود إليهما بأعداد كبيرة مما يؤدي إلى احتجاجات فلسطينية وعرائض مقدمة إلى الصدارة العظمى تنتهي بصدور فرمان سلطاني يمنع اليهود العثمانيين والأجانب من تملك الأراضي الأميرية الأمر الذي يثير اعتراضات اليهود العثمانيين التي تبعها تدخلات أجنبية للتقليل من فاعلية القرار “إلا أن السلطات أصرت هذه المرة على عدم الاستجابة لكل طلباتهم وأبقت على بعض القيود بشكل دائم” كما يقول صبري جريس في تاريخ الصهيونية[54]، والسلطان عبد الحميد يدرك الخطر اليهودي فيكتب فرمانات متوالية بخط يده، ليحول دون الاستيطان وتكوين حكومة يهودية في فلسطين[55](ملاحق أرقام 1و2و3).
                              1896 الدولة العثمانية تجيز لليهود المستوطنين قبل 1893 تملك العقارات الثابتة وتتمسك بمنع الشركات اليهودية الخارجية من شراء الأراضي ونقل الملكية إليها[56].
                              1897 السلطان عبد الحميد يبدأ بتعيين سلسلة من الكتاب المقربين إليه من القصر السلطاني متصرفين على القدس، “وقد لجأ السلطان إلى هذا الإجراء رغبة منه في تعيين من يثق فيهم ويعتمد عليهم لمواجهة تيار الهجرة اليهودية والذي زاد تدفقه…وقد حقق بعضهم رغبة السلطان عبد الحميد في وقف الهجرة”[57].
                              1898 تعليمات جديدة بمنع اليهود الأجانب من دخول فلسطين دون التمييز بين الجنسيات ما لم يدفعوا تأميناً ويقدموا تعهداً بالمغادرة في غضون شهر[58].
                              1898-1899 هرتزل يوسط الوزير الأمريكي المفوض في العاصمة العثمانية للحصول على امتيازات لليهود مثل حرية التنقل للمبشرين وعدم التمييز بين المسيحيين واليهود من الأمريكيين والسماح لليهود منهم بالسفر إلى سوريا وفلسطين، الحكومة توافق، ثم يبرق الوزير العثماني المفوض في واشنطن إلى السلطان يعلمه بالاتفاق على عدم السماح للمبشرين اليهود بدخول سوريا وفلسطين، السلطان يبلغ الوزير الأمريكي الذي يسارع بالاستفسار من وزارته التي تنفي وجود أي اتفاق من هذا النوع، الوزير الأمريكي يطلب من السلطان عزل الوزير العثماني ولكن السلطان يرفض بأدب وذكاء، فينصرف الأمريكي يائساً وقد ضاعت الامتيازات والانتصارات “مما أدى إلى توتر العلاقات الأمريكية العثمانية”ومغادرة الوزير الأمريكي المفوض استانبول[59].
                              1900 حملة احتجاجات فلسطينية واسعة شملت تقديم العرائض ضد شراء اليهود للأراضي الزراعية، والدولة تصدر”القوانين المتعلقة بالزوار اليهود للأراضي المقدسة” وأبرز ما تضمنته منح الجواز الأحمر لكل يهودي يدخل فلسطين تمهيدا لإبعاده بعد ثلاثة أشهر من الدخول، وقد أصدرت سلطات الانتداب البريطاني بعد هيمنتها على فلسطين تذكرة الهجرة البيضاء نكاية بالجواز الأحمر[60].
                              1901 انعقاد أول مؤتمر صهيوني في فلسطين في محاولة لنقل مركز الثقل إليها بدلاً من العواصم الأوروبية ولكن الدولة العثمانية تنتبه للخطر وتمنع انعقاده مرة أخرى هو ولجانه، مما يعيد الصهاينة إلى عقد مؤتمراتهم خارج فلسطين ثانية[61].

                              1902 السلطان عبد الحميد يرفض مشروع إنشاء الجامعة العبرية في القدس والذي تقدم به هرتزل.

                              1903 افتتاح البنك الإنجليزي الفلسطيني وهو أول مؤسسة صهيونية في فلسطين، وذلك بعد تدخل السفارة البريطانية لصالحه لدى الباب العالي الذي أدرك مراميه رغم محاولات التغطية فجعل معاملاته تقتصر على الجوانب التجارية[62].

                              1904 الحكومة العثمانية تعيد العمل بمنع بيع الأراضي والعقارات في فلسطين لليهود من جميع الجنسيات[63].
                              1906 عزل رشيد باشا متصرف القدس بعد شكاوى عربية من سياسته الممالئة لليهود، وكان قد تولى منصبه في سنة 1904، وخلفه في المنصب علي أكرم بك ابن الشاعر المعارض المعروف نامق كمال، “وقد طبق القيود بحماس واندفاع ضد اليهود إلى أن قامت ثورة تركيا الفتاة في تموز عام 1908 حين نقل بعدها إلى بيروت”[64]، وقد كتب الدكتور محمد عيسى صالحية آخر بحوثه رحمه الله عن إنجازات علي أكرم بك بصفته آخر متصرفي القدس في العهد الحميدي وكيف تشدد مع الهجرة اليهودية ومحاولته تلافي كل العيوب التي شابت تطبيق القوانين الرسمية والفرمانات السلطانية وكيف حاول تطوير مدينة القدس بأعمال عمرانية تنموية جادة ومواجهته المعارضة الشرسة من جميع المنتفعين من الهجرة الصهيونية سواء كانوا من اليهود أو الموظفين الفاسدين أو الملاك الجشعين أو القناصل الأجانب[65].
                              1907 الباب العالي يصدر أمراً بمنع نقل ملكية الأراضي الأميرية لليهود العثمانيين، كما ترفض السلطات العثمانية السماح بإجراءات نقل الملكية حتى لو كان البائع والشاري من غير التبعية العثمانية[66].
                              1908 الثورة على السلطان عبد الحميد وعزل علي أكرم بك بعد ذلك عن متصرفية القدس، “وفي آخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني وضعت السلطات المحلية العثمانية صعوبات أمام تملك رعايا الدول الأجنبية، ومنعت انتقال الأراضي إلى الأجانب حتى ولو كان البائع أجنبياً، بسبب رغبة الدولة في منع إقامة المستعمرات اليهودية في فلسطين”[67].

                              تعريف بأسماء مشايخ هيئة كبار العلماء بالسعودية وطرق التواصل معهم

                              قَالَ الشَيْخْ الأَلَبْانِيِ رَحِمَهُ الله:
                              "طَالِبُ الَحَقِ يَكْفيِهِ دَلِيلْ، وَ صَاحِبُ الَهوَى لا يَكْفِيهِ ألَفَ دَلِيلْ ،الجَاهِلً يُعَلّْمْ وَ صَاحِبُ الهَوَى لَيْسَ لنَا عَلَيهِ سَبِيلْ"
                              وقال :التحدث والتخاطب مع الجن بدعة عصرية

                              تعليق

                              يعمل...
                              X