6- ضعف الرقابة والتوجيه:
إن تسلل مثل هذه الأفكار المنحرفة لعقول الشباب لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها، ولو أن المحيطين بالشاب أو الفتاة كانوا على مسافة قريبة منه، ومن همومه وأفكاره- لأمكنهم اكتشاف ما يمر به في مراحله الأولى، قبل أن يستفحل الأمر، ويقع في براثن الكفر والإلحاد،
وهو ما يعني ضعف أو غياب الرقابة الأُسْرية من الوالدين، اللذين قد يكون كل منهما منشغلاً بشؤونه وأعماله خارج البيت أو داخله، ولا يكون حظ الأولاد منهما في الغالب إلا ما يتعلق بالحاجات المادية الظاهرة، وهذا يعني ضعف الرقابة أو غيابها من جهة، وضعف التوجيه أو غيابه من جهة أخرى، والضحية يكون هذا الشاب وتلك الشابة.
ولا يمكن هنا أن نغفل دور الصُحبة
فلو أن الوالدين حرصا على الصحبة الصالحة لولدهما - لأمكن لهذه الصحبة أن تشعر بالأمر، ومن ثم تقوم بما ينبغي القيام به من محاولة النصح أولاً، ثم التواصل مع الأهل إن لم يُجْدِ النصح نفعاً، وأما ألا يبالي الوالدان بنوع صحبة الأبناء، فلا عاصم حينئذ من الوقوع في شباك رفقة سيئة، تجر إلى الفواحش، وقد تجر إلى انحرافات عقدية، إلا أن يشاء الله.
ولا يمكننا في هذا المقام أن نغفل دور المدرسة كذلك
فللمعلم والموجه التربوي دوره في مراقبة الأبناء، وتفقد أحوالهم، ولو أن المعلم كان على الدرجة الكافية من التأهيل العلمي والتربوي لاستطاع -غالباً- اكتشاف بوادر التحول عند الطالب، ولأمكنه أن يقدم العون لإنقاذه من وهدة الضلال.
7- غياب دور العلماء وطلبة العلم:
من الملاحظ أن دور العلماء فيما نحن بصدده يكاد يقتصر على التنديد بما يظهر من مخالفات وانحرافات، أو المطالبة بالمحاسبة وإيقاع العقوبة بالجناة المتعدين على الشرع في أصوله وفروعه
وهذا مع أهميته لا ينبغي أن يكون وحده هو دورهم ودور طلبة العلم؛ لأنه ليس أكثر من عملية رد فعل تفتقد إلى الأخذ بزمام المبادرة، كما أنه دور يظهر فقط بظهور هذه الحالات واستعلانها، بينما هناك نار تحت الرماد لا بد من الكشف عنها ومحاولة إطفائها.
إن واجب العلماء الآكد من هذا:
هو التصدي لهذه الانحرافات بالعلم الذي أكرمهم الله به، ببيان عوار وبطلان هذه المذاهب والاتجاهات، وعدم الاهتمام بهذا الجانب على وجه الكفاية يجعل هذه الفتن والشبهات تعصف بمن تقع له؛ حيث لا يجد من يردها ويبين عوارها.
إن المطلع على الساحة العلمية في بلادنا وغيرها من بلاد المسلمين، يجد أن أغلب ردود علماء أهل السنة في العقيدة تتمحور حول ردودهم على الفرق المنتسبة للإسلام بدرجة أو أخرى- كالرافضة، والأشاعرة، والإباضية، والتيار العقلاني المعتزلي.. إلى غير ذلك،
بينما نجد الردود على التيارات الفكرية والمذاهب الحديثة لا تكاد تذكر، ومن تأمل ما تطبعه المكتبات من مؤلفات، وما تجيزه الجامعات الإسلامية من رسائل ودراسات في العقيدة، يجد مصداق ما نقول. ولا شك أن هذا يمثل خللاً كبيراً وواضحاً، لا سيما أن أغلب هذه المسائل قد قتلت بحثاً خلال عشرات ومئات السنين، ولا تكاد تجد إضافة فيما يكتب اليوم إلا فيما ندر.
ومهما يكن من أمر:
فإن أغلب تلك الردود لا يكاد يطلع عليها أو يستفيد منها إلا المتخصصون من كل فرقة أو مذهب، كما أن أغلب أصحاب هذه الفرق إما أنهم لا يُكفَّرون أصلاً، وإما أن خلافاً وقع في كفرهم، ومن لا خلاف في كفره فهو في الغالب لا كبير وجود له في بلادنا، بينما نحن نتحدث عن خطر داهم يتغلغل بين صفوف شبابنا، وينقلهم من الإيمان إلى الكفر.
لقد رفع الله عز وجل قدر إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لأنه قام بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مسائل فشت في مجتمعه في زمانه،
ولو أنه بدل ذلك انشغل بالتأليف في الرد على الفرق المخالفة فيما حوله من البلاد- لما نقل التاريخ عنه أكثر من اسمه وأسماء مؤلفاته!
ولو أن الله سبحانه وتعالى جعل فتنة الإلحاد هذه في زمانه بدل فتنة شرك الألوهية؛ لما تأخر في بذل ما بذله في توحيد الألوهية في بيان بطلان مذهب الإلحاد.
إن من المشكلات الكبيرة في هذا الباب:
أن بعض العلماء والدعاة ما زال ينكر وجود مثل هذا الأمر في المملكة، ويستغرب وقوعه متمسكاً بعبارة: "بلد التوحيد"،
وأخطر منه:
أن بعض الدعاة أو العلماء قد يأتيه شاب عنده بعض الشكوك أو الشبهات فيعنفه، أو يطرده من المجلس،
والحال اليوم ليست كالحال أيام الإمام مالك؛ حيث أمر بإخراج من سأله عن كيفية الاستواء من المجلس قائلاً: "لا أراك إلا مبتدعاً"؛
فهذا كان يوم كانت السنة ظاهرة، وليس للبدعة راية مرفوعة، ولا دار يأوي إليها أهلها يتبادلون خبث أفكارهم وينشرونها، فذاك الرجل سيجد نفسه وحيداً في مجتمعه، وقد يرده انتهار الإمام مالك -رحمه الله- إلى الصواب، مع قرب العهد بزمن النبوة، وانتشار الخير بين الناس، بخلاف الحال في زمن الفتن اليوم.
يقول الشيخ عائض الدوسري: "حدثني أحد الشباب -الذين تأثروا ببعض الشبهات- أنه ذهب إلى أحد العلماء الكبار؛ كي يدفع عنه آثار تلك الشبهات بالحجج العقلية والنقلية، فإذا به يُصدم بهذا العالم الجليل وهو يطرده من مجلسه، ويُهدده باستدعاء الشرطة!" .
ترى عندما يجد هذا الشاب مثل هذه المعاملة، فإلى أين سيذهب حال خروجه من عند الشيخ؟ إلى المسجد؟ إلى شيخ آخر؟ أم إلى أحضان تلك الشبهات حين يوسوس له الشيطان: أن هذا الشيخ لا حجة عنده، ولا يملك جواباً- لأن الدين نفسه لا يملك الجواب!!
8- أخطاء المتدينين:
يصعب على كثير من الناس التفريق بين الدعوة والداعية، والفكرة ومعتنقها،
فهم يجعلون تصرفات الناس حاكمة على أفكارهم ومعتقداتهم بالصحة أو البطلان، ولا ينجو من هذا الخلط الخاطئ إلا من رحم الله
ولهذا قال تعالى مخاطباً عباده المؤمنين: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:94]،
قال ابن كثير رحمه الله : "حذر تعالى عباده من اتخاذ الأيمان دخلاً –أي: خديعةً ومكراً- لئلا تزل قدم بعد ثبوتها: مَثَل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى؛ بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله
لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام!".
فانظر كيف اعتبر الله عز وجل هذا المانع، وجعله سبباً مؤكِّداً للنهي عن الأيمان الكاذبة، رغم أنها محرمة لذاتها؛ لتعلم خطورة الأمر وأهميته.
ومن هذه الأخطاء:
الخلافات العلنية بين الاتجاهات الإسلامية المختلفة، بل بين المنتمين إلى مدرسة واحدة في الأصول والفروع، لكنهم اختلفوا في تطبيقها على أرض الواقع، وتنزيلها على المسائل المعينة، ويزداد الأمر سوءاً عندما ينتقل الأمر من مجرد اختلاف إلى اتهامات وتشنيعات وسباب وانتقاص، فأي فتنة على قلب العامي أعظم من هذا!
ومنها:
ما قد يظهر من بعض المتدينين من شدة وغلظة في التعامل مع الناس بصفة عامة، ومع المقصرين أو المخطئين بصفة خاصة، مما قد يزرع في القلوب نفرة من أهل الحق، وصداً عن سماع أو قبول هذا الحق الذي معهم.
ومنها:
ما قد يصدر من انحرافات سلوكية أو أخلاقية من بعض المتدينين، وقد يكون لبعضهم مكانته في المجتمع، فيكون هذا سبباً في صد بعض الناس عن الدين، ويكون منفذاً لدعاة الإلحاد ومثيري الشبه، لا سيما مع تركيز الإعلام التغريبي على هذه الأخطاء وتضخيمها والمبالغة في بيان عوارها.
9- أعمال التفجير والتكفير:
بينما يجد الشباب عند الملحدين الدعوة للحفاظ على الروح الإنسانية والكرامة الإنسانية والتسامح، وإن كانت دعوى نظرية يكذبها الواقع،
يجدون عند بعض المنتمين للإسلام اندفاعاً في اتجاه العنف والقتل والتفجير وإسالة الدماء واستباحة إزهاق الأرواح،
ومثل هذه الأحداث التي تحصل في كثير من بقاع الأرض تعطي دعاة الإلحاد فرصة عظيمة للدعاية ضد الإسلام بحجة أنه دين دموي يشجع على مثل هذه الأعمال ويحض عليها،
ولن يعدم هؤلاء أن يأتوا باستشهادات أصحاب التكفير والتفجير من الكتاب والسنة ليخدموا غرضهم، مما يجعل البعض يقتنع بدعاوى الإنسانية ويماشيهم ويقبل منهم، ثم لا يلبث إلا قليلاً حتى يقع في شبك الشبهات التي إن لم تنقله للإلحاد الصريح جعلته لا دينياً أو متشكِّكَاً لا أدَرِيًّا .
10- الدعم الخارجي:
وهذا من العوامل الخطيرة والمؤثرة بقوة، حيث كثرت الروايات -وأحياناً الشهادات- من بعض من وقعوا في الفتنة ثم نجوا منها - أن الخلايا التغريبية والإلحادية تتلقى دعماً خارجياً مختلف الصور والأشكال، فمن ترتيب الاجتماعات، إلى توجيه النصائح، إلى ترتيب رحلات وزيارات خارج البلاد للتدريب والتوجيه، إلى الدعم المعنوي والمادي، إلى شراء ذمم بعض الصحفيين لشن حملات على التيار الديني في البلاد لتشويه صورته وتنفير الناس منه،
ولنشر كثير من الأفكار والمبادئ الهدامة التي قد لا تكون كفراً صراحاً لكنها تمهد له عن طريق توهين تعظيم شعائر الله في القلوب، أو خلط المفاهيم وتمييعها، أو التأكيد على مبدأ حرية التعبير والاعتقاد بدون ضابط شرعي، إلى ما شابه ذلك.
إن هذا الدعم لم يأتِ من فراغ، فمنذ أحداث العام 2001 صدرت العديد من التوصيات في الغرب لتجفيف ما سموه منابع الإرهاب، وهو في الحقيقة منابع التدين في العالم الإسلامي،
وقد كان لبلادنا النصيب الوافر من هذه التوصيات، وكان من لوازم ذلك تشجيع التيارات المخالفة والمعادية للإسلام على اختلافها وتنوعها من الليبرالية إلى الإلحاد مروراً بالعلمانية واللاأدرية، وغيرها.
يقول الشيخ عائض الدوسري: (وهذه حقيقة واقعية، يشهد لها أنني شخصيًّا قد قُدرَ لي أن أكون حاضرًا في إحدى المحاضرات خارج بلدي، وكان المحاضِر يتحدث عن التأثير الفكري للقيم والأخلاق،
ومما قاله: "إننا الآن نُركز على السعودية لاختراق مجالها الفكري، ولم يَعد الأمر صعبًا؛ لأن التقنية تخدمنا في ذلك، ويمكننا أن نصل لعقول الشباب هناك بسهولة"!
ولعل المراقب للمشهد السعودي المحلي يلحظ المتابعة الدقيقة، والاهتمام المتزايد للغرب بالخارطة الفكرية السعودية، وإجراءهم العديد من استطلاعات الرأي العام حول مختلف القضايا الفكرية في المملكة)(16).
ومما يجب أن يعلم أن هدف القوم ليس نشر مذهب معين يتبنونه بقدر ما هو سلخ المسلمين عن دينهم ولو إلى لا شيء، بحيث يبقى المرء كالمعلق في الهواء،
لذا نجد أن المدخل دوماً يكون عبر بذر بذور الشك في النفوس، الشك في كل الموروث الديني والقيمي والثقافي، وهذا ليس بلازم أن يتم عن طريق الملحدين،
فالمطلع مثلاً على كتابات الليبراليين يجد تعظيماً لمبدأ "القلق المعرفي" ومن ثم "الشك المعرفي" - فهم يعتبرون أن هذا القلق ومن ثم الشك هو دليل إعمال العقل أو قل إن شئت اتباع الهوى، ذلك الصنم الذي يتخذ اليوم إلهاً من دون الله
كما أخبر عنهم جل وعلا: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [الجاثية: 23].
ومما لا شك فيه أن هذا الدعم يعطي لأصحاب هذا التيار نوعاً من استشعار الطمـأنينة والقوة ويشجعهم على متابعة السير في طريقهم المرسوم، لا سيما وهم يرون ثمار دعوتهم تؤتي أكلها بمرور الزمن.
بتصرف بسيط : المصدر
اترك تعليق: