الغيب بين الإسلام والإلحاد .. نظرة موجزة
فلما كان الإسلامُ هو الدينُ الحق – يَعرف ذلك من يعرفُه ويجهلُه من يجهله – كان من تمام ذلك إخبارُه بجملةٍ من المغيبات فآمن بها أهلُ الإسلامِ وكفر بها مَن سواهُم مِن الملاحدةِ والوثنيينَ ونحوِهم.
فما هو الغيب ؟ وكيف نعرفُه ؟ وهل يجوز الخوضُ فيما لا يُعلمُ إلا بطريق الوحي الإلهي ؟
الغيبُ كما عرّفه أهلُ اللغةِ والتفسير: كُلُّ ما غاب عنك من شيءٍ.
ومعرفتُه تنبني على أمرين:
1 –أن يأتيَ الخبرُ الصادقُ عنه.
2 – أن يُرى – أو يُعرفَ بالأمورِ الحسيةِ كالشمِّ واللمسِ وما اتصل بذلك - بعد أن كان مُغَيبًا عنه.
وقد اقتصر بعضُ الملاحدةِ على الأمر الثاني وهو قولُهم أن إثباتَ المغيّباتِ يُبنى على الأمورِ التجريبية، وأما غيرَ ذلك فلا !
وقولهم هذا قمةٌ في الجهالة والضلالة، فإن الملحدَ نفسَه يؤمن بقضايا مغيّبةٍ عنه: بالخبر الصادقِ فقط!
وكما قيل: بالمثالِ يتضحُ المقال.
فإذا قيل له: إن صديقَك فلانٌ سيأتي الأسبوعَ القادمَ من بلاد كذا، آمن بذلك وصدّق، واستعد لاستقبالِه وتهيّأ، وما ذاك إلا لإيمانِه بالخبر الصادق عن مجيئه من السفر! رغم أن هذا الأمرَ غيبٌ نسبيٌّ عنه، ولكنه لم يطلب البراهينَ والأمورَ التجريبيةَ كالتأكدِ من تذكرةِ السفرِ والحجوزات..الخ! وبهذا يسقطُ أصلُ ضلالتِه.
فإن قال: أنا أُؤمن بالخبرِ الصادق من حيث أنه خبرٌ صادقٌ عندي، ولا أُؤمن بما جاء في الكتاب والسنةِ لأنه ليس بخبرٍ صادقٍ عندي.
قيل له: فالخلافُ إذاً في طريقة إثباتِ الخبرِ الصادق، لا في الخبر الصادقِ نفسِه، وأنت نفسُك تطعنُ في الخبرِ الصادقِ ولا تعتدُّ به في إثباتِ المغيّباتِ، بل تقتصرُ على الأمورِ التجريبيةِ لإثبات ذلك!
فإما أن تكونَ متناقضاً جامعاً للجهل والضلالة – وهو الأقرب – وإما أن تكونَ عارفاً بذلك، ولكنك تغضُّ طرفَك عنه لئلا تُفضح !
فيؤولُ الخلافُ معه في إثبات صحةِ صدقِ كلام الله تعالى وسنةِ نبيه -صلى الله عليه وسلم- بما يعرفُه أُولو العلم من طرقٍ عدة - وليس المقصودُ استيفاءَ الكلامِ في إثبات ذلك فهذا له موضعٌ آخر -.
-يُتبع-


اترك تعليق: